التمدد والانكشاف: مفارقة سيطرة الحوثيين على باب المندب

تمكَّن أنصار الله (الحوثيون) من بسط سيطرتهم على الساحل الممتد من الحديدة إلى جزيرة بريم (ميون) في فم مضيق باب المندب، وصاروا بذلك أقدر على التحكم في حركة الملاحة بالمضيق التي تربط عدة قارات ممتدة من الأميركتين إلى أوروبا وإفريقيا وجنوب آسيا. لكنهم في ذات الوقت باتوا أكثر هشاشة لأنهم سيضطرون إلى القتال في بيئة مكشوفة لا تتمتع بحماية طبيعية، وقد تدفع سيطرتهم قوى عديدة متضررة إلى التحالف للتصدي لهم.
13 September 2026
سيطرة خاطفة على باب المندب (AP)

تمكن أنصار الله الحوثيون من بسط سيطرتهم على شريط ساحلي يمتد من ميناء الحديدة ويمر عبر ميناء المخا إلى جزيرة ميون في فم مضيق باب المندب. وقد وقع ذلك في عملية عسكرية خاطفة، فتمكنوا من السيطرة على ميناء المخا في الخميس، 10 سبتمبر /أيلول 2026، ووسعوا سيطرتهم يوم الجمعة، 11 سبتمبر/أيلول 2026، إلى جزيرة بريم (ميون) وبلدة ذباب المقابلة لميون، وجزر حنيش، وقد أعلن المتحدث العسكري باسم جماعة أنصار الله الحوثي، الجمعة 11 سبتمبر/أيلول 2026، السيطرة على ست مديريات من محافظتَي تعز والحديدة بمساحة إجمالية بلغت نحو 5400 كم² (وفق وكالات الأنباء). وميون هي صخرة تقسم باب المندب إلى نصفين، تبلغ مساحة الجزيرة نحو 13 كم²، موزعة بين 3 كم عن الضفة الشرقية ونحو 26 كم عن الضفة الغربية.

امتدت العمليات العسكرية للحوثيين سبعة أيام من 3 سبتمبر/أيلول 2026، عندما كانت تقوم بعمليات مشاغلة للقوات الحكومية التي كانت تسعى للسيطرة على صنعاء والضغط من الجوف بمحاذاة الحدود السعودية الجنوبية، وقد بلغت المشاغلة ذروتها، في 5 سبتمبر/أيلول، لما أعلنت القوات الحكومية السيطرة على مديرية حيس فازداد تركيز القوات الحكومية على هذه الجبهة، وفي أثناء المشاغلة كان الحوثيون يندفعون بقواتهم على الشريط الساحلي نحو المخا وباب المندب، واضطرت القوات الحكومية للانسحاب حتى لا تقع داخل كماشة أنصار الله الحوثيين، وانسحبت جنوبًا.

يزيد ذلك من قدرة الحوثيين على التحكم في حركة الملاحة البحرية عبر المضيق، واستعمالها للضغط على الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا وحليفتها السعودية، من أجل إلغاء القيود المفروضة على حركة الملاحة الجوية في مطار صنعاء أو حرية الملاحة البحرية في ميناء الحديدة، ووقف الدعم السعودي للقوات الحكومية. وفي نفس الوقت، يتعزز دور الحوثيين في دعم "محور المقاومة" الذي يجمع إيران وعددًا من الفصائل العراقية المسلحة وحزب الله، فيحصلون في المقابل على دعم هذا المحور، خاصة الإمداد الإيراني بالعتاد والخبرة والتدريب؛ لأن سيطرة الحوثيين على هذا الساحل الممتد غرب اليمن ومدخل باب المندب يوفر حماية للمدد الإيراني البحري.

لكن تمدد أنصار الله الحوثي على طول هذا الساحل قد لا يكون مكسبًا إستراتيجيًّا يجعلهم يفرضون شروط التسويات القادمة لصالحهم بل قد يكون مكسبًا تكتيكيًّا وفخًّا إستراتيجيًّا؛ لأن حماية هذا الشريط الساحلي والجزر الصغيرة في فم باب المندب، يقلب كليًّا الإستراتيجية الحوثية التي كانت تستند أساسًا إلى التحصن بالجبال والاختفاء، والكرِّ والفرِّ، والمنصات المتحركة. لكن إستراتيجية الدفاع عن مواقع ثابتة على هذا الشريط الساحلي يقتضي منهم الانكشاف لأن ساحل تهامة حيث يمر الشريط الساحلي منبسط وليس جبليًّا، والتخلي عن الكر والفر، وفي هذه الحالة قد يضطرون في مرحلة ما إلى الاختيار بين إحدى هاتين الإستراتيجيتين. قد يفضِّلون الحفاظ على الشريط الساحلي وجزيرة ميون في فم مضيق باب المندب، فتتفاقم هشاشتهم في المناطق المحيطة بالعاصمة، صنعاء، وقد يضطرون للتنازل عن المخا وميون مقابل الاحتفاظ بصنعاء، وقد حدث ذلك من قبل في عملية السهم الذهبي في 2017 التي انتزعت المخا من أنصار الله الحوثيين بدعم إماراتي.

عنق الاقتصاد والأمن

تتضح أهمية ترسيخ سيطرة أنصار الله الحوثيين في باب المندب من أهمية باب المندب في التجارة والأمن العالميين، فهو يتحكم حاليًّا في نحو 8% من تجارة النفط و15% من التجارة العالمية، ويتحكم في حركة البوارج البحرية التي تلتقي في البحر الأبيض المتوسط وتمر عبر قناة السويس وتتجه شرقًا إلى آسيا، خاصة السفن الحربية الأميركية والغربية.

تتباين بعد ذلك الأهمية حسب علاقات مختلف الدول بأنصار الله الحوثيين وبـمحور المقاومة الذي يرتبطون بها. السعودية تولي المضيق أهمية كبيرة؛ لأنها استعملته بديلًا لمضيق هرمز الواقع تحت الحصار البحري المزدوج الأميركي-الإيراني لتصدير جزء من بترولها، بلغت كمياته نحو 4 ملايين برميل يوميًّا، وللحصول كذلك على البضائع التي تستوردها من الدول الآسيوية.

باب المندب شديد الأهمية للولايات المتحدة لعدة أسباب: هو ممر ضروري لسفنها الحربية التي تتحرك بين سواحل الولايات المتحدة والموانئ الأوروبية والقواعد بدول الخليج والمناطق الآسيوية، ووقوعه تحت قوة مناوئة للولايات المتحدة يرفع نسبة الشك في قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها الأمنية؛ لأن الحوثيين قد يقررون منع السفن الحربية الأميركية من العبور. وقد سبق أن أثبتوا قدرتهم على التصدي للقوات الأميركية، لما وافقت الولايات المتحدة على وقف هجماتها على الحوثيين دون إرغام أنصار الله الحوثيين على وقف هجماتهم على إسرائيل والسفن المتجهة أو القادمة إليها مقابل تعهد أنصار الله الحوثيين بوقف هجماتهم على القوات الأميركية. ويعزز ذلك، تقرير أكسيوس الذي نقل أن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، تحدث مع ترامب مرتين لحثِّه على ضرب الحوثيين لكن ترامب امتنع بمبرر أن الحوثيين لا يعترضون السفن الأميركية.

مضيق باب المندب مهم لإسرائيل لأنه يربطها بشركائها في الدول الآسيوية، خاصة الهند والصين، وقد كان ميناء إيلات عقدة الربط في هذه الشبكة البحرية، لكن اعتراض الحوثيين للسفن المتجهة من إسرائيل وإليها، أوقف وقفًا شبه كامل نشاط الميناء، وقد يتعزز هذا الوضع مستقبلًا، فتضعف الروابط التجارية والعسكرية بين إسرائيل والمناطق الآسيوية. علاوة على أن الحليفين، الولايات المتحدة وإسرائيل، سيضعان في المستقبل في تعاملهم مع "محور المقاومة"، قدرة أنصار الله الحوثي على استعمال سيطرتهم على مضيق باب المندب لإسناد حلفائهم في "محور المقاومة".

ظلت إيران منذ الحرب الأميركية/الإسرائيلية عليها، تلمِّح إلى احتمال إغلاق مضيق باب المندب لرفع التكلفة الاقتصادية لاستمرار الحرب عليها، وكانت تشير إلى أن حلفاءها، أنصار الله الحوثيين، هم الذين سيتكفلون بإغلاق مضيق باب المندب، فتصير إيران قادرة على إغلاق مضيق هرمز ويصبح الحوثيون قادرين على إغلاق مضيق باب المندب، فتمنحهما هذه السيطرة المشتركة قدرة كبيرة على التحكم في التجارة العالمية، خاصة تجارة النفط. ويصب إحكام الحوثيين سيطرتهم على مضيق باب المندب في صالح الإستراتيجية الإيرانية، ومن المرجح أنها ستستعملها في مفاوضاتها سواء مع دول الخليج أو مع الولايات المتحدة أو مع الدول التي تفرض عقوبات عليها.

3
(الجزيرة)

بيئة إستراتيجية مختلفة

سيطرة أنصار الله الحوثيين على الشريط الساحلي وميناء المخا وجزيرة بريم (ميون) جعلتهم يتحركون في بيئة مختلفة عن بيئتهم المعتادة، فخط الإمداد الرابط بين مدينة الحديدة وميناء المخا ثم بريم (ميون) طويل، يبلغ نحو 300 كم، ويحتاج إلى تأمين، لكن هذا التأمين صعب لأنه يمر في سهل تهامة المفتوح الذي يفتقد الغطاء الطبيعي ومسارات التحرك فيه. ثم إن جزيرة بريم (ميون) صغيرة وهي تفتقد مقومات الحياة وتحتاج القوات التي تتحكم فيها إلى إمداد دائم يأتيها من الشريط الساحلي إلى أقرب نقطة لها وهي ذباب، وقد ينقطع الطريق الرابط بين المخا وذباب فتتوقف الإمدادات المتجهة إلى بريم (ميون)، علاوة على أن الحوثيين يفتقدون أسطولًا بحريًّا يؤمِّن الساحل الطويل، ويوفر الإمدادات لميناء المخا وجزيرة بريم. ثم إن سكان منطقة المخا لا يمثلون القاعدة السكانية للحوثيين، وقد يتذمرون من سيطرة أنصار الله الحوثيين عليهم إذا حاولوا تجنيدهم للقتال أو حاولوا التحكم في شؤونهم الداخلية. علاوة على أن سيطرة أنصار الله الحوثي على الجانب الشرقي من مضيق باب المندب لا يعطيهم السيطرة الكاملة على المضيق في جزئه الغربي المحاذي لجيبوتي وإريتريا.

في المقابل، لا تزال القوات الحكومية سليمة؛ لأنها تفادت المعارك، وتسيطر على مراكز مهمة قريبة من الساحل الذي يسيطر عليه الحوثيون، كمناطق من مديرية تعز وعدن علاوة على المديريات المحاذية للعاصمة صنعاء وهي مأرب والجوف، ولا تزال تلك القوات على تواصل جغرافي مع السعودية في مديرية الجوف، التي قد توفر لهم الإمدادات.

من جانب آخر، قد تتذمر قوى دولية وإقليمية عديدة من تحكم أنصار الله الحوثيين في مضيق باب المندب، وتجد مصلحتها في انتزاعه منهم، فيدعمون الحكومة المعترف بها دوليًّا؛ لأنها توفر لهم الغطاء الشرعي؛ وهذا يعطي فرصة لتحالف دعم الشرعية والقوات الحكومية، لاستعادة السيطرة على ميناء المخا وجزيرة بريم.

لكن هذه القوات تعاني من فقدان القيادة المركزية الموحدة، وافتقاد قوات بحرية قادرة على بسط السيطرة على الساحل وجزيرة بريم (ميون)، وتعدد الحلفاء الإقليميين، وافتقادهم إسناد الولايات المتحدة التي يمكنها توفير الغطاء الجوي والبحري لعملياتهم.

سيخوض الطرفان، أنصار الله الحوثيون والقوات الحكومية، سباقًا مع الزمن، فيسارع الحوثيون إلى تعزيز سيطرتهم بإنشاء دفاعات ومراكز تموين لتحصين مكتسباتهم، بينما ستسارع القوات الحكومية لاستنزاف قوات أنصار الله الحوثيين ومنعهم من تثبيت مواقعهم، والعمل في نفس الوقت على معالجة عوامل ضعفهم.

سباق مع الزمن

سيناريو التحصين: وهو الراجح في الوقت الحالي لأن هناك سابقة ميناء الحديدة التي تمكَّن أنصار الله الحوثيون من الاحتفاظ به منذ 2018، خاصة أن السعودية منشغلة بجبهة مضيق هرمز والتهدئة مع إيران وتهدئة الجبهة العراقية، بينما تتفادى الولايات المتحدة أيضًا في الوقت الحالي الصدام مع أنصار الله الحوثيين، بالإضافة إلى أن القوات الحكومية تحتاج إلى وقت إذا سعت إلى تشكيل قيادة موحدة والاتفاق على إستراتيجية واحدة.

يمكن مراقبة هذه المؤشرات على هذا السيناريو في إنشاء الحوثيين تحصينات على خط الحديدة والمخا وذباب، وإقامة منصات للصواريخ والمسيرات قريبة من مضيق باب المندب، ونشر قوات على طول هذا الشريط الساحلي.

يفشل هذا السيناريو إذا خسر الحوثيون واحدة من المواقع الثلاثة، ميون أو ذباب أو المخا، لأن كل واحدة تعتمد على الأخرى.

سيناريو الاستنزاف: تفشل القوات الحكومية في استعادة السيطرة على بريم (ميون) أو المخا وذباب، لكنها تستطيع استنزاف قوات أنصار الله الحوثيين التي تتولى حماية الشريط الساحلي وتوفر له الإمدادات، خاصة أن عرض الشريط الساحلي صغيرة، بمتوسط يبلغ نحو 48 كم مربعًا، فترتفع كلفة ذلك على الحوثيين، وقد يستهلكون موارد بشرية وعسكرية واقتصادية كبيرة، تجعلهم أمام خيارين: إما توسيع سيطرتهم على مواقع القوات الحكومية فتتوسع الجبهة التي يضطرون للدفاع عنها، أو يختارون الانكفاء، والعودة إلى أسلوبهم السابق في استعمال الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيرة في مهاجمة القوى المناوئة لهم في مضيق باب المندب.

سيناريو الاستعادة: تتمكن القوات الحكومية من إعادة ترتيب صفوفها، وتشكيل قيادة موحدة وخطة واحدة، ويتفق الرعاة الإقليميون على أولوية انتزاع الشريط الساحلي وجزيرة بريم (ميون) من سيطرة أنصار الله الحوثيين، وتقبل الولايات المتحدة أو قوات أجنبية بالمشاركة في العملية لإسناد هذه القوات جويًّا وبحريًّا، وتطبَّق خطة استنزاف قوات أنصار الله الحوثيين على الساحل، والضغط عليهم في مأرب والجوف لتشتيت قواتهم وإشغالهم بحماية العاصمة، صنعاء. لكن هذه الاستعادة لا تحرم أنصار الله الحوثيين من العودة إلى تكتيكاتهم السابقة في استعمال الصواريخ والطائرات المسيرة وفرق الإنزال لحرمان خصومهم من استعمال مضيق باب المندب.

شروط هذا السيناريو ليست جاهزة حاليًّا، لكن ليس مستبعدًا أن تتوافر في المستقبل، وتقتضي في المرحلة الأولى إعادة بناء قوات الحكومة المعترف بها دوليًّا.

سيناريو التسوية الشاملة: تقع تسوية إقليمية شاملة بين السعودية وإيران، وتحظى بدعم الولايات المتحدة، فتتشكل سلطة يمنية واحدة، سواء مركزية أو فيدرالية، فتشكِّل قوات عسكرية واحدة تتولى تأمين الساحل وجزيرة بريم (ميون). لكن هذه السيناريو مستبعد في الوقت الراهن لأن شروط تحققه تحتاج إلى ترتيبات عديدة ومعقدة، وليس من المرجح أن تتحقق في الوقت القريب.