"التطورات الأمنية التي شهدها الخليج منذ بدايات عام 2026 والمستمرة حتى يوم الناس هذا، تدعو إلى إعادة طرح سؤال قديم متجدد حول مدى قدرة دول مجلس التعاون الخليجي على حماية مجالها الجوي وبنيتها التحتية الحيوية، دون الاعتماد على قوى خارجية مثل الولايات المتحدة تحديدًا، وخاصة مع احتمالية أن تنخرط هذه القوة في أزمات دولية، أو تقرر لسبب أو آخر الحد من تدخلها المباشر في أزمات المنطقة، وقد تصل ربما إلى تخفيض نسبة وجودها".
سير الأحداث والمواجهات مع إيران وأذرعها في اليمن والعراق، أثبت، أولًا، أن دول المجلس قطعت شوطًا معقولًا في بناء أنظمتها الدفاعية الجوية والصاروخية، لكنه كشف في الوقت نفسه أن امتلاك منظومات متقدمة متنوعة في الدفاع الجوي، من طائرات مقاتلة وصورايخ موجهة، بالإضافة إلى مسيَّرات وصواريخ اعتراضية، لا يكفي للقول بأن منظومة مجلس التعاون الخليجي وصلت إلى مرحلة الاعتماد الذاتي في الدفاع عن نفسها ومصالحها، أو إن صحَّ وجاز التعبير، مرحلة الاستقلال الدفاعي الكامل، وذلك لأسباب عديدة، أهمها غياب عنصر تكامل القيادة والسيطرة، والإنذار المبكر، بالإضافة إلى إستراتيجيات لوجستية تتعلق بالحروب الطويلة.
رؤية جماعية لأمن المنطقة
ليس حديثنا هاهنا عن تفصيلات فنية تتعلق بالقدرات الدفاعية الخليجية الذاتية، أو من خلال التعاون مع قوى خارجية، أميركية كانت أم غيرها، لكن الحديث يدور حول مدى استعداد طرفي الخليج، وهما منظومة مجلس التعاون الخليجي وإيران، في وضع رؤية جماعية لأمن المنطقة، واعتبار أي تهديد للجغرافيا الخليجية تهديدًا للجغرافيا الإيرانية، والعكس صحيح.
الوقائع أثبتت أهمية وضرورة بناء الثقة بين ضفتي الخليج، وتحويل المنطقة إلى موقع ملاحي تجاري واقتصادي عالمي آمن، يتكاتف أبناء المنطقة بالدرجة الأولى في حمايته والذود عنه، بدلًا من أن يكون ساحة لصراع قوى خارجية مختلفة، مع أهمية بدء التخفيض التدريجي للاعتماد على الغير من الخارج في أي ترتيبات أمنية.
هذا التوجه يبدو أنه بدأ يرى النور تدريجيًّا من خلال ما نقلته وكالة تسنيم الإيرانية عن مصدر مطلع، في أعقاب مباحثات فنية ودبلوماسية مكثفة بين إيران وسلطنة عُمان، أفضت في نهاية المطاف إلى التوصل إلى اتفاق نهائي في أواخر أغسطس/آب وأوائل سبتمبر/أيلول، والذي من المقرر أن يُعلن عن هذا التفاهم بين طهران ومسقط خلال الأيام القادمة في العاصمة العمانية، بحضور وزراء خارجية الدول المطلة على الخليج، وهي دول التعاون الست، إلى جانب العراق وإيران.
اجتماع مسقط خطوة أولى في بناء الثقة
الاجتماع المقرر عقده بمسقط خلال الشهر الجاري، يتفاءل كثيرون به من منطلق أنه سيكون لقاء مباشرًا خليجيًّا مع إيران دون أي وساطات خارجية، وبالتالي سيكون فرصة ليكون خطوة أولى في وضع اللبنات الأساسية لرؤية أمنية جماعية من أبناء المنطقة لمنطقتهم، على رغم أنَّ دول الخليج على قناعة بأن وجود علاقات مباشرة مع إيران لا يعني بالضرورة الاتفاق معها؛ لكن يمكن أن تكون تلك العلاقات وسيلة فاعلة لإدارة الخلاف، بحيث تتمكن دول الخليج من التفاهم مع طهران مباشرة بخصوص إقامة علاقات جوار طبيعية تسودها الثقة، دون المرور من واشنطن أو موسكو أو بيجين أو غيرها.
كما أن الاجتماع فرصة لبيان أن دول الخليج لديها مصلحة اقتصادية وأمنية كبيرة في إنهاء حالة عدم اليقين وحالة الشك وفقدان الثقة. فإنَّ مضيقًا مثل هرمز، ليس مجرد ملف إيراني-أميركي بل هو شريان الطاقة والتجارة للمنطقة والعالم، وبالتالي فأي تفاهم يقلِّل مخاطر الإغلاق، أو الهجمات على السفن ستكون له قيمة إستراتيجية كبيرة لضفتي الخليج. بالإضافة إلى نقطة أخرى بالغة الأهمية، هي أمن الخليج والملاحة والطاقة، وأهمية أن تدرك طهران أنها خطوط حمراء لا يجب أن تستغلها بوصفها أوراقَ ضغط سياسية مع أي أحد.
من هنا يبدو أن اجتماع مسقط بدأ يكتسب أهمية بالغة قبل أن يبدأ، بسبب أهمية وضرورة حدوث تفاهم عاجل بين ضفتي الخليج حول مضيق هرمز والملاحة، وهو -لا شك- هدف واقعي يوجب على المجتمعين إيلاءه بالغ الأهمية.
طهران تريد ترتيبات تضمن لها ما تعدها حقوقها وسيادتها، بينما دول الخليج تريد ضمان مرور آمن ومستقر للسفن والطاقة. والاجتماع المباشر المنتظر بين ضفتي الخليج، لو سار بشكل إيجابي، فهو كفيل بأن ينتج عنه صيغة مؤقتة، أو آلية اتصال تمنع الاحتكاك بين الطرفين وتحدد ممرات آمنة. وهذا يتوافق مع ما أعلنته طهران نفسها من أن الاجتماع يهدف إلى تعزيز التفاهم بين دول المنطقة، ومناقشة نتائج التفاوض مع عُمان بشأن مسارات آمنة للسفن.
آلية للتواصل المباشر بين ضفتي الخليج
من جملة التفاهمات التي يمكن بحثها في الاجتماع، إنشاء آلية تواصل أمني مباشر بين الخليج وإيران. بحيث ينتقل التواصل بين الطرفين من الوساطات، كما هو حاصل الآن، إلى اتصال مباشر بين وزراء الخارجية، ثم المسؤولين الأمنيين والعسكريين، وهذا إن تم، فسيكون تطورًا كبيرًا وإنجازًا مقدَّرًا؛ لأنه يقلِّل خطر سوء التقدير والفهم في المنطقة بل من المرجح أن يفتح بابًا واسعًا لبحث الأزمة من جذورها؛ بدءًا من المهم إلى الأهم وانتهاء بالأكثر أهمية.
إن دول منظومة التعاون الخليجي لابد أن تكون واضحة ومباشرة في مطالبها من إيران، والتي تدور حول نقاط مهمة، أعلنت عنها في مناسبات عدة، منها: عدم استهداف أراضيها تحت أي حجة أو ذريعة، مع أهمية ضمان حرية الملاحة، وعدم استخدام مضيق هرمز سلاحًا سياسيًّا، بالإضافة إلى احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهي كلها كفيلة في حال تنفيذها والتعهد بشأنها بالوصول إلى واحد من الأهداف الإستراتيجية بالغة الأهمية للطرفين، وهو إنشاء آلية دائمة للحوار والأمن الإقليمي. على أن تُترك الملفات الأخرى الثنائية لكل دولة خليجية للتفاهم مع إيران، بحسب علاقات كل دولة خليجية مع إيران ومصالحهما.
توفير مخرج تفاوضي لطهران
إيران من جانب آخر، باتت في وضع تحتاج فيه لكل الممكنات من أجل تخفيف الضغوط عليها، حتى وإن كانت إعلاميًّا تُظهر نفسها أنها لا تريد من اجتماعها مع الخليج أن تبدو وكأنها تقدم تنازلات تحت الضغوط التي تعيشها. ومن هنا تأتي أهمية اجتماع الغد؛ إذ إنه بالإمكان توفير مخرج تفاوضي لطهران يحفظ ماء الوجه، وفي الوقت نفسه يوفر لدول الخليج فرصة للوصول إلى ترتيبات عملية لعودة الملاحة إلى طبيعتها كما كانت قبل بدء الأزمة.
خلاصة الحديث: إن أهمية اجتماع مسقط الحقيقية ليست فيما سيصدر من بيانات رسمية إعلامية، وإنما في كسر ذلك الحاجز النفسي والسياسي بين إيران ودول الخليج. فإذا انتهى المجتمعون باتفاق على أن تُدار الخلافات بالحوار لا بالتصعيد، وعلى أن أمن هرمز مسؤولية إقليمية مشتركة، والاتفاق على إنشاء آلية اتصال مباشرة في الأزمات، فإن تلك المخرجات ستكون دون شك إنجازًا حقيقيًّا للطرفين، وإن لم يُفتح المضيق بالكامل غدًا.
ربما يكون الاجتماع فرصة تاريخية لدول مجلس التعاون أن تقول كلمتها بصوت عال وفاعل، وأنها بدلًا من أن تكون مجرد ساحة للصراع الأميركي-الإيراني، يمكنها أن تصبح طرفًا جماعيًّا فاعلًا في صياغة ترتيبات الأمن الإقليمي مع إيران، وإن كان في الحد الأدنى الإستراتيجي. a