الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية بعد العام 2011

(الجزيرة)

مقدمة

تتناول هذه الأطروحة الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية في ضوء التحولات التي شهدتها البيئة الإقليمية خلال الفترة الممتدة من عام 2011 إلى يونيو/حزيران 2021، وهي فترة شهدت تغيرات سياسية وأمنية وعسكرية متسارعة في منطقة الشرق الأوسط، انعكست على حسابات الأمن القومي الإسرائيلي ومصادر التهديد التي يتعامل معها صانع القرار في إسرائيل.

وتبحث الأطروحة في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي ومرتكزاته، وتطور الاستراتيجية الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وكيفية استجابتها للتحولات التي شهدتها المنطقة بعد عام 2011، ولا سيما في سورية ولبنان وقطاع غزة والضفة الغربية وسيناء، إلى جانب تنامي النفوذ الإيراني وتطور البرنامج النووي الإيراني، وصعود فاعلين من غير الدول، وتزايد أدوار القوى الإقليمية والدولية في المنطقة.

وتنبع أهمية الأطروحة، من مركزية الأمن في الفكر والاستراتيجية الإسرائيليين، والحاجة إلى رصد التطورات التي طرأت على مفهوم الأمن القومي ومصادر التهديد خلال الفترة المدروسة، فضلًا عن أهمية قراءة التحولات الإقليمية من منظور صانع القرار الإسرائيلي، وتحليل كيفية تعامله معها واستعداده للمخاطر والتحديات المستقبلية.

الإشكالية البحثية والأسئلة

تنطلق الأطروحة من إشكالية رئيسة تتعلق بمدى قدرة الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية على التكيف مع التحولات التي شهدتها البيئة الإقليمية منذ عام 2011، ومدى نجاحها في التعامل مع التهديدات والمخاطر الناجمة عن هذه التحولات.

وتبحث، في هذا الإطار، مجموعة من الأسئلة، أبرزها: كيف نظرت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إلى الثورات والتطورات التي شهدتها البلدان العربية، وإلى تأثيراتها في الواقع الأمني الإسرائيلي والقضية الفلسطينية؟ وإلى أي مدى نجحت الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية في مواجهة التهديدات الناجمة عن التحولات الإقليمية؟ وهل أدت التغيرات الاستراتيجية والسياسية في المنطقة إلى إعادة ترتيب سلم التهديدات المتصورة للأمن الإسرائيلي؟ وما انعكاسات التدخلات الدولية والإقليمية في أداء الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية؟ وما أبرز المعضلات الداخلية والخارجية التي واجهتها؟

فروض الأطروحة

تنطلق الأطروحة من فرضية رئيسة مؤداها أن التطورات التي شهدتها البيئة الإقليمية بعد عام 2011 وضعت الأمن الإسرائيلي أمام تحديات جديدة، ودفعت صانع القرار الإسرائيلي إلى تطوير استراتيجياته الأمنية بما يتلاءم مع الواقع الجديد.

ويتفرع عن ذلك عدد من الفروض، من بينها أن ارتفاع مستوى التهديدات الخارجية وتغير البيئة السياسية والأمنية والعسكرية في المنطقة أديا إلى تغير طبيعة التهديدات وترتيبها، وإلى تنامي أدوار فاعلين دوليين وإقليميين ومن غير الدول. كما تفترض الأطروحة أن إسرائيل لا تستطيع مواجهة مختلف التهديدات الداخلية والخارجية بمفردها، وهو ما يدفعها إلى التنسيق مع قوى دولية وإقليمية، مع المحافظة على التفوق العسكري النوعي والاستعداد المستمر للتعامل مع المستجدات، بما في ذلك استخدام الأدوات العسكرية والأمنية.

المنهج

اعتمد البحث على مجموعة من المناهج، منها المنهج الوصفي، والمنهج التاريخي، والمنهج التحليلي. واستُخدم المنهج الوصفي في تتبع الظواهر الأمنية والعسكرية والسياسية محل الدراسة، والمنهج التاريخي في تناول الوقائع والتطورات التي أسهمت في تشكيل مفهوم الأمن القومي والاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية، فيما استُخدم المنهج التحليلي في الربط بين الأحداث والتطورات وتحليل دلالاتها واستخلاص النتائج منها.

أبرز النتائج

خلصت الأطروحة إلى أن مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي شهد عمليات مستمرة من المراجعة والتطوير، مع استمرار مركزية البعدين الأمني والعسكري في صياغة السياسات والاستراتيجيات الإسرائيلية. وترى أن التحولات التي شهدتها المنطقة بعد عام 2011 دفعت إسرائيل إلى تكييف أدواتها واستراتيجياتها مع بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا، من دون أن يترتب على ذلك تغيير جوهري معلن في مرتكزات عقيدتها الأمنية.

وتوصل البحث إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية شهدت تراجعًا نسبيًا في الاعتماد على مفهوم الحسم العسكري السريع ونقل المعركة بصورة كاملة إلى أرض الخصم، مقابل تنامي الاعتماد على الردع والمنع والعمليات العسكرية المحدودة وإدارة الصراع. ويظهر ذلك، بحسب الأطروحة، في اعتماد استراتيجية "المعركة بين الحروب" في الجبهة الشمالية، ولا سيما في مواجهة الوجود الإيراني في سورية ونقل الأسلحة إلى حزب الله، واستراتيجية "جز العشب" في التعامل مع الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة.

وترى الأطروحة أن هذه الاستراتيجيات حققت لإسرائيل مكاسب تكتيكية وأمنية، لكنها لم تؤد إلى حسم التهديدات التي استهدفتها بصورة نهائية؛ فلم تمنع حزب الله والفصائل الفلسطينية من تطوير قدراتهم العسكرية. كما أصبح احتمال المواجهة متعددة الجبهات أحد السيناريوهات التي يتعين على إسرائيل الاستعداد لها، في ظل تزايد قدرة خصومها على استهداف الجبهة الداخلية.

وفي ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، تخلص الأطروحة إلى أن إسرائيل جمعت بين الأدوات السياسية والدبلوماسية والأمنية في مواجهته، وحققت بعض المكاسب، لكنها لم تتمكن من إزالة ما تعتبره تهديدًا استراتيجيًا تمثله القدرات النووية الإيرانية.

وفي الضفة الغربية، ترى الأطروحة أن إسرائيل اتبعت مزيجًا من الأدوات الأمنية والسياسية، واعتمدت بدرجات متفاوتة نهج "إدارة الصراع بدلًا من حله"، مع استمرار السيطرة الأمنية والاستيطان والتنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية.

كما تعتبر الأطروحة أن اتفاقيات التطبيع مع عدد من الدول العربية أتاحت لإسرائيل توسيع شبكة علاقاتها وشراكاتها الإقليمية، بالتوازي مع تطوير علاقاتها مع قوى إقليمية ودولية أخرى، مع استمرار التحالف مع الولايات المتحدة بوصفه الركيزة الدولية الأهم للأمن الإسرائيلي.

وفي المحصلة، تخلص الأطروحة إلى أن إسرائيل نجحت بدرجات متفاوتة في تكييف استراتيجيتها الأمنية مع التحولات الإقليمية التي أعقبت عام 2011، من خلال تطوير أدوات الردع والمنع وإدارة الصراع والعمليات المحدودة وتوسيع شبكة العلاقات والشراكات، لكنها لم تتمكن من تجاوز القيود البنيوية التي تحكم مفهوم أمنها القومي أو تحقيق حسم نهائي في الملفات التي تعدها مصادر تهديد استراتيجية. ومن ثم، يفسر البحث التحول الذي شهدته الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية باعتباره عملية تكيف مع بيئة استراتيجية متغيرة ومعقدة، أكثر منه تغييرًا جذريًا في العقيدة الأمنية ذاتها.

تنويه:

  • تعبّر الآراء الواردة في هذا البحث عن وجهة نظر صاحبها.
  • يمكن الاطلاع على البحث كاملًا عبر هذا الرابط.
  • تُرسل رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه إلى العنوان التالي:ajcs-publications@aljazeera.net
  • النشر في باب "أطروحات جامعية " لا يحول دون قيام الباحثين بنشر رسائلهم وأطروحاتهم في أماكن أخرى.