مقدمة
لم تَعُد المشكلة في بريطانيا تقتصر على وقوع الحوادث، بل في الطريقة التي تُروى بها. فما إِنْ تقع جريمة أو اعتداء، حتى تبدأ معركة على تفسيره، وتحديد هوية مرتكبه، وما إذا كان يُمَثِّل استثناءً أم دليلًا على أزمة وطنية. وفي زمن المنصات الرقمية، أصبحت هذه المعركة لا تنتظر نتائج التحقيقات أو بيانات الشرطة، بل تُحْسَم في الساعات الأولى داخل فضاء إلكتروني يصنع "حقائق انفعالية" تتقدَّم على الحقائق القضائية، وأحيانًا تحلُّ محلَّها.
في هذا الفضاء السريع، لم يَعُد الحدث يحتاج إلى بيان رسمي حتى يُستوعب، بل إن لحظة الفراغ بين وقوع الحادث وصدور الرواية الرسمية أصبحت هي الأكثر كثافة سياسيًّا واجتماعيًّا؛ إذ تتشكَّل فيها الانطباعات الأولى التي نادرًا ما تُمحى لاحقًا. ولعل تَتَبُّع مسار بعض الحوادث الكبرى خلال العامين الماضيين يكشف بوضوح كيف تعمل هذه الآلية عمليًّا، وكيف تتحوَّل الواقعة الجنائية في غضون ساعات إلى معركة سياسية وثقافية تتجاوز الحدث نفسه. ومن هنا، تطرح الورقة سؤالًا مركزيًّا مركبًا: كيف تتحوَّل الحوادث الجنائية في بريطانيا من وقائع مُحَدَّدَة إلى روايات متنافسة تُستخدم في الصراع السياسي والأيديولوجي؟ وما الدور الذي تؤديه البيئة الرقمية في تشكيل هذه الروايات وتثبيتها في الوعي العام قبل اكتمال الحقائق الرسمية والقضائية؟ لا يقتصر السؤال هنا على كيفية انتشار المعلومات، وإنما يمتد إلى الكيفية التي تُنْتَج بها الروايات والمعاني حول الحوادث، وكيف يمكن لانتقائية المعلومات وسرعة تداولها وإعادة تفسيرها أن تُسْهِم في تعميق الاستقطاب وبناء مواقف سياسية تتجاوز الحدث الأصلي.
للإجابة عن هذا السؤال تعتمد الورقة مقاربة تحليلية كيفية تقوم على تَتَبُّع تطور الخطاب والروايات المتنافسة حول عدد من الحوادث، ومقارنة ما طُرِح في الساعات والأيام الأولى مع المعلومات والتفسيرات التي ظهرت لاحقًا. ويسعى هذا التَتَبُّع إلى الكشف عن الآليات التي تنتقل من خلالها الواقعة من مستوى الحدث الجنائي إلى مستوى الرمز السياسي والثقافي، وكيف تتداخل فيها وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية والفاعلون السياسيون والجمهور في إنتاج معنى الحدث وإعادة تعريفه.
1. مدخل نظري: الانفعال والخطاب والسلطة في البيئة الرقمية
تنطلق الورقة من فهم الفضاء الرقمي بوصفه بيئة سوسيو-تقنية لا تكتفي بنقل المعلومات، وإنما تُتِيح أنماطًا مُحَدَّدَة من إنتاجها وتداولها والتفاعل معها، وتُعِيد بذلك تشكيل الشروط التي يتكوَّن في ظلها المعنى العام للوقائع. ومن هذا المنظور، تستفيد الورقة من ثلاثة مداخل نظرية متكاملة؛ أولها: أدبيات المشاركة الاجتماعية للانفعالات عند بيرنارد ريمي (Bernard Rimé)، التي تنظر إلى الانفعال بوصفه تجربة لا تبقى في نطاق الفرد بل تدفع إلى المشاركة وإعادة السرد والتداول، بما يمكن أن تكون له آثار تتجاوز العلاقات الشخصية إلى المعتقدات والمعايير والفعل الجماعي والعلاقات بين الجماعات(1). وثانيها: الطرح المعرفي لماريو ريكا (Mario Ricca) حول "الحقائق الانفعالية" في البيئات الافتراضية، والذي يلفت إلى أن الانفعالات والخصائص الإدراكية والكيفية للتجربة ليست عناصر هامشية في إنتاج المعرفة بل يمكن أن تتداخل مع عمليات تصنيف الوقائع ومنحها معنى، بما يطمس جزئيًّا الحدود التقليدية بين الواقعة الموضوعية والتجربة الذاتية في المجال الافتراضي(2). أما المدخل الثالث فيستند إلى تقاليد تحليل الخطاب النقدي، ولاسيما أعمال توين فان دايك (Teun A. van Dijk) ونورمان فيركلاف (Norman Fairclough) التي تنظر إلى الخطاب بوصفه موردًا من موارد السلطة وآلية لإنتاج المعاني وتثبيتها وإعادة إنتاج علاقات القوة. فالقدرة على تسمية الحدث، وتحديد أسبابه، وتصنيف فاعليه، وربطه بقضايا أوسع، ليست مجرد عملية لغوية، وإنما جزء من الصراع على تعريف الواقع الاجتماعي نفسه(3)(4)(5).
ويُتِيح الجمع بين هذه المداخل النظر إلى الحوادث الجنائية في البيئة الرقمية بوصفها مسارًا يبدأ بواقعة مادية، ثم يخضع لإدراكات وانفعالات فردية، قبل أن يتحوَّل من خلال المشاركة الاجتماعية والتداول الرقمي إلى روايات جماعية، ثم إلى خطابات تتنافس على الشرعية والمعنى. وفي هذا السياق، تستخدم الورقة مصطلح "الحقائق الانفعالية" للإشارة إلى الروايات التي تكتسب قوة الحقيقة في الوعي العام من خلال الانفعال والتداول والتكرار، قبل اكتمال التَّحَقُّق المُؤَسَّسِي منها. ولا يُقصد بالحقائق الانفعالية أنها حقائق بالمعنى القضائي أو التجريبي، وإنما روايات تُعامل اجتماعيًّا بوصفها حقائق، وتصبح أساسًا لتفسير الأحداث، وتحديد المسؤولية، وتكوين المواقف تجاه الفاعلين والجماعات والقضايا التي تُربط بها تلك الأحداث.
يمكن تحليل "الحقائق الانفعالية" من خلال عدة أبعاد مترابطة: الانفعال الذي يمنح الرواية قوتها الأولية، والتبسيط الذي يُحَوِّل الحدث المعقد إلى تفسير قابل للاستيعاب، والتداول والتكرار اللذين يمنحان الرواية مظهر الانتشار والقبول، ثم التثبيت الهوياتي الذي يربط الرواية بصورة جماعة أو "آخر" محدد، فتتجاوز تفسير الحدث ذاته لتصبح جزءًا من تصورات أوسع حول الانتماء والتهديد والمسؤولية. وعندما تتراكم هذه العمليات، يمكن للرواية أن تكتسب قوة اجتماعية تتجاوز درجة التَّحَقُّق المُؤَسَّسِي منها، وأن تتحوَّل من مجرد تفسير متداول إلى إطار يُستخدم لفهم أحداث لاحقة وتكوين المواقف وتوجيه السلوك.
ومن ثم، لا تفترض الورقة أن الانفعال يقف في مقابل الحقيقة، بل يبحث في الكيفية التي يمكن أن يصبح بها الانفعال جزءًا من عملية إنتاج ما يُعامل اجتماعيًّا بوصفه حقيقة. كما يهتم بالكيفية التي تتحوَّل بها هذه الحقيقة المتداولة إلى مورد للصراع على السلطة والمعنى في المجال العام. وبهذا المعنى، لا تُفهم "الحقائق الانفعالية" بوصفها مرادفًا للمعلومات الكاذبة أو المُضَلِّلَة؛ فقد تكون الرواية صحيحة جزئيًّا، أو خاطئة، أو غير محسومة في لحظة تداولها. ما يهم تحليليًّا هو الكيفية التي تكتسب بها قوة اجتماعية ومظهرًا من اليقين من خلال الانفعال والتبسيط والتكرار والتثبيت الهوياتي؛ إذ تصبح قادرة على توجيه الإدراك والموقف والفعل قبل اكتمال عملية التَّحَقُّق منها.
وتسمح هذه المقاربة بفهم الفضاء الرقمي ليس فقط بوصفه قناة تنتقل عبرها المعلومات، وإنما بيئة تتفاعل فيها الانفعالات والتداول والتكرار والهوية والخطاب والسلطة. ومن هنا، فإن إعادة تشكيل المعنى لا تحدث في لحظة واحدة، بل عبر عملية تراكمية ينتقل فيها الحدث من واقعة مادية إلى تجربة انفعالية، ثم إلى رواية جماعية، ثم إلى حقيقة متداولة يمكن أن تؤثر في الطريقة التي تُفْهَم بها الوقائع وتُصَنَّف بها الجماعات وتُوزَّع بها المسؤولية. وفي هذه العملية تحديدًا، يصبح الصراع على تعريف الحدث جزءًا من الصراع الأوسع على تعريف الواقع الاجتماعي نفسه.
2. الروايات المتنافسة ودورها في تشكيل الحقائق حول الحوادث الجنائية
إن تراكم هذا النمط من الأحداث الجنائية والروايات المتنافسة يُظْهِر كيف يمكن للمعلومة غير المكتملة أو الرواية الأولية أن تتحوَّل إلى وقود لاستقطاب سريع قبل أن تتدخل المؤسسات لتصحيحها أو توضيحها. من أبرز الأمثلة في هذا السياق حادثة ساوثبورت (شمال غرب بريطانيا)، في 29 يوليو/تموز 2024، حين قُتِلَت ثلاث فتيات في هجوم بسكين استهدف ندوة رقص للأطفال مستوحاة من أعمال المغنية تايلور سويفت(6). ورغم أن التحقيقات لم تكن قد حسمت دوافع المهاجم أو خلفيته، انتشرت بسرعة روايات مُضَلِّلَة على الإنترنت ربطت الحادثة بالهجرة والإسلام؛ ما أدى إلى أعمال شغب استهدفت مساجد وشرطة محلية في البلدة(7)، في مشهد كشف كيف يمكن للخطاب الرقمي أن يسبق الحقيقة ويُعِيد تشكيلها بالكامل.
ووفق تقرير معهد الحوار الإستراتيجي (ISD)، الصادر في 31 يوليو/تموز 2024(8)، انتشرت معلومات مُضَلِّلَة حول هوية المهاجم على نحو واسع خلال الساعات الأولى التي أعقبت الهجوم قبل أن تؤكد الشرطة زيف الاسم المتداول. وبحلول الساعة الثالثة من مساء اليوم التالي للهجوم، كان الاسم المزعوم، علي الشكاتي، قد حظي بأكثر من 30 ألف إشارة على منصة إكس، من أكثر من 18 ألف حساب مختلف. كما أظهر التقرير أن الاسم المزعوم لم ينتشر بصورة عضوية فحسب بل جرى تضخيمه أيضًا من خلال خوارزميات التوصية في المنصات؛ إذ ظهر موضوعًا رائجًا في المملكة المتحدة على منصة إكس، واقترحته خوارزميات البحث في تيك توك للمستخدمين الذين يبحثون عن ساوثبورت، حتى بعد أن أكدت الشرطة زيفه.
وفي تحليل لاحق، وسَّع معهد الحوار الإستراتيجي نطاق الرصد ليشمل 45 ألف رسالة في 55 قناة بريطانية يمينية متطرفة على تطبيق تليغرام خلال الأيام العشرة التالية للهجوم، وخَلُص إلى ارتفاع الخطاب المعادي للمهاجرين بنسبة 246%، والخطاب المعادي للمسلمين بنسبة 276%. كما رصد التحليل أكثر من40 ألف منشور على منصة إكس تضمنت ألفاظًا معادية للمسلمين خلال الفترة نفسها(9). وتكشف هذه الأرقام أن التضليل لم يقتصر على اختلاق معلومات حول هوية المهاجم، بل أسهم في توسيع نطاق الحدث وإعادة إدماجه ضمن خطاب أوسع يستهدف المهاجرين والمسلمين. وتكشف هذه الأرقام أن الفجوة الزمنية بين وقوع الحادث واكتمال الحقيقة هي اللحظة الأكثر خطورة؛ لأنها اللحظة التي تملأها السردية لا التحقيق. وهكذا، تحوَّل الحدث المحلِّي إلى وقود لحرب ثقافية أوسع، ونُظِّمَت احتجاجات عنيفة استهدفت مسجدًا محليًّا، وأسفرت عن إصابة أكثر من 50 ضابط شرطة، قبل أن تستقر حتى روايته القضائية(10).
وتُقَدِّم الاضطرابات التي شهدتها بريطانيا خلال صيف عام 2026 مثالًا واضحًا على هذه الديناميكية. ففي التاسع من يونيو/حزيران، تحوَّلت حادثة اتُّهم فيها طالب لجوء من دولة إفريقية بمحاولة طعن رجل محلي في مدينة بلفاست إلى واقعة جنائية يجري التحقيق فيها ضمن مسارها القضائي الطبيعي(11). غير أن ما جرى في الفضاء الرقمي تحرك بوتيرة مختلفة تمامًا عن مسار العدالة. ففي غضون ساعات، خرجت الاحتجاجات إلى الشوارع، قبل أن تتطور إلى أعمال شغب استهدفت بيوت المهاجرين وفنادق تُؤوي طالبي اللجـوء(12). وبينما كانت الشرطة تواصل تحقيـقاتها، كانت الروايات المتداولة قد حسمت "المعنى" قبل انتهاء التحقيق.
وهنا لا تكمن الإشارة في طبيعة الحادثة نفسها أو في حسم معناها القانوني، بل في الفجوة الزمنية المتسعة بين "الواقعة" و"تفسيرها الرقمي الأول". ففي تلك الفجوة، تتشكَّل الانطباعات الأولى التي تتحوَّل بسرعة إلى مواد قابلة للتداول وإعادة النشر؛ ما يمنح الفضاء الرقمي قدرة على توجيه المزاج العام وإنتاج ضغط اجتماعي وسياسي قبل اكتمال عملية التَّحَقُّق المؤسسي.
ولم يقتصر أثر الحادثة على بلفاست؛ إذ ســـــرعان ما انتقلت دعوات الاحتجاج عبر المنصات الرقمية إلى مدن أسكتلندية؛ حيث تجمَّع مئات المحتجين في وسط غلاسكو، فيما شهدت إدنبرة وآير تظاهرات مشابهة، بعضها رفع شعارات وطنية وهتافات متشددة(13)، في مشهد عكس قدرة رواية واحدة على تجاوز حدود المدينة التي وُلدت فيها، لتصبح قضية وطنية خلال ساعات.
بعد أيام فقط، وجدت إدنبرة نفسها أمام حادثة بدت معاكسة في اتجاهها، لكنها كشفت المنطق ذاته. ففي الــــ20 من يونيو/حزيران قام رجل بريطاني بمهاجمة مسلمين ومنشآت إسلامية في سلسلة اعتداءات تعاملت معها الشرطة بوصفها جريمة كراهية(14). هذه المرة، لم يكن طالب اللجوء هو المتهم بل أحد أبناء المجتمع البريطاني. لم تُقرأ الواقعة بوصفها فعلًا فرديًّا بل أصبحت هي الأخرى جزءًا من سجال أوسع حول الإسلاموفوبيا، والتطرف، ومســــتقبل التعددية في المملكة المتحدة. في الظاهر، تبدو حادثتا بلفاست وإدنبرة متناقضتين؛ مهاجر متهم في الأولى، ومواطن بريطاني متهم في الثانية، لكنهما تكشفان عن التحوُّل نفسه: فكلتا الواقعتين ابتُلعتا سريعًا داخل فضـــاء سياسي وإعلامي يبحث عن المعنى قبل أن يبحث عن الحقيقة. هذه الحوادث لم تَعُد مجرد وقائع معزولة بل هي نوافذ على تحوُّل أعمق في المجتمع البريطاني؛ تحول لم تَعُد تصنعه الأحزاب وحدها، ولا وسائل الإعلام التقليدية، بل البنية الرقمية للمجال العام؛ حيث تُعِيد المنصات ترتيب الانتباه وتضخيم السرديات، وتصبح كل واقعة فردية قابلة لأن تتحوَّل سريعًا إلى معركة حول الهوية والانتماء والحقيقة نفسها.
3. الفضاء الرقمي: من نقل الوقائع إلى صناعة الواقع
إذا كان الفضاء الرقمي بيئة سوسيو-تقنية تُعِيد تنظيم شروط إنتاج المعنى وتداوله، فإن أهمية ذلك تظهر بوضوح في اللحظة التي تتحوَّل فيها الاستجابة الانفعالية للحدث إلى مادة قابلة للمشاركة والتكرار والتضخيم. فالمنصات الرقمية لا تعمل بوصفها قنوات محايدة لنقل المعلومات بل بيئات تفاعلية وخوارزمية تمنح انتشارًا أكبر للمحتوى القادر على إثارة الغضب أو الخوف أو الإحساس بالتهديد. وهكذا لا يعود الانفعال استجابة فردية بل يصبح جزءًا من عملية جماعية تُنْتِج الروايات وتُعِيد صياغتها. ومن هذا المنظور، تُشير "الحقائق الانفعالية" إلى روايات تكتسب قوة اجتماعية وإحساسًا باليقين عبر التفاعل والتكرار قبل اكتمال التَّحَقُّق المُؤَسَّسِي من الوقائع.
وتُساعد أعمال زينب توفيكجي (Zeynep Tufekci) حول التكنولوجيا والمجال العام في تفسير الكيفية التي يمكن بها للمنصات أن تؤثر في الأجندة الإدراكية للجمهور(15). فالخوارزميات لا تحتاج بالضرورة إلى إقناع المستخدمين بتفسير معين حتى تؤثر في مواقفهم؛ يكفي أن تُعِيد ترتيب ما يظهر أمامهم، وأن تمنح بعض الموضوعات والروايات قدرة أكبر على جذب الانتباه والاستمرار في التداول. وبهذا المعنى، لا تُحَدِّد المنصات بالضرورة ما يُفَكِّر فيه الناس، لكنها تؤثر في ما يواجهونه أولًا، وما يبدو لهم أكثر أهمية وإلحاحًا، ومن ثم في الشروط التي يتشكَّل ضمنها تفسير الحدث.
ويتقاطع ذلك مع تصور كاس سنستين (Cass Sunstein) للاستقطاب في البيئات الرقمية؛ حيث يمكن للتفاعل المتكرر داخل شبكات متقاربة في المواقف أن يُعَزِّز القناعات القائمة ويدفعها نحو مزيد من التماسك والتشدد(16). وفي حالة الحوادث الجنائية، تصبح هذه الآلية أكثر أهمية عندما تكون المعلومات الأولية ناقصة أو غير محسومة؛ إذ يمكن للرواية التي تُثِير استجابة انفعالية قوية أن تنتشر داخل دوائر متجانسة، ثم تعود إلى المجال العام بعد أن اكتسبت من التكرار والمشاركة ما يجعلها تبدو أكثر رسوخًا مما تسمح به الأدلة المتاحة. وهنا، تتضح الصلة بين المشاركة الاجتماعية للانفعال وتشكيل المعنى في البيئة الرقمية: فالانفعال ينتقل من تجربة فردية إلى مادة للتداول الجماعي، ومن التداول إلى رواية، ومن الرواية إلى إطار لتفسير الوقائع اللاحقة.
ومن ثم، فإن تأثير المنصات لا يقتصر على سرعة انتشار المعلومات المُضَلِّلَة أو غير المكتملة، بل يمتد إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الواقعة وتفسيرها. ففي البيئة الرقمية، قد تسبق الرواية الانفعالية عملية التَّحَقُّق، وقد تصبح نقطة الانطلاق التي تُقرأ من خلالها المعلومات اللاحقة؛ إذ لا يعود التصحيح المُؤَسَّسِي للتداول والتدوير في مجال عام خالٍ من التفسيرات، بل يجد نفسه في مواجهة معنى سبق أن تشكَّل وتداول وترسَّخ. ولهذا تصبح اللحظة الأولى التي تلي وقوع الحادث ذات أهمية سياسية وثقافية خاصة: فهي اللحظة التي تتقاطع فيها المعلومات الناقصة مع الانفعال، وتتحوَّل المشاركة الرقمية إلى عملية جماعية لإنتاج المعنى.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم صعود الخطاب اليميني في بريطانيا من خلال صناديق الاقتراع والأحزاب المنظمة وحدها، بل ينبغي النظر إليه أيضًا في ضوء هذا التحوُّل في بنية المجال العام وآليات إنتاج المعنى داخله. فالمخاوف المتعلقة بالهجرة والأمن والهوية لا تنتقل إلى المجال السياسي بوصفها مواقف مكتملة سلفًا، وإنما يمكن أن تتشكَّل وتتضخم من خلال التفاعل بين الحوادث اليومية، والاستجابات الانفعالية لها، والروايات الرقمية التي تمنح هذه الحوادث معنى سياسيًّا أوسع. وبذلك تصبح الحادثة الجنائية نقطة انطلاق لصراع يتجاوز تفاصيلها المباشرة إلى أسئلة أوسع حول الانتماء والتهديد والهوية، ويصبح التَّحكُّم في تفسير الحدث جزءًا من الصراع على تعريف الواقع الاجتماعي والسياسي نفسه.
4. من يملك السلطة الخطابية لتعريف الحدث وبناء المعنى؟
هذا التحوُّل لا يمكن فصله عن بنية المجال العام الجديدة في بريطانيا. فالمؤسسات التي كانت تحتكر تفسير الوقائع، مثل الشرطة، والإعلام التقليدي، والخطاب السياسي الرسمي، لم تَعُد الطرف الأول في تشكيل المعنى؛ إذ تتقدَّم عليها اليوم منصات التواصل الاجتماعي، حيث تُنْتَج "الرواية الأولى" بسرعة تفوق قدرة المؤسسات على الرد أو التحقق؛ إذ تُصْنَع في دقائق وتتحوَّل هذه الرواية إلى مرجعية أولية في فهم ما جرى قبل أي تَحَقُّق رسمي.
وقد وصف عالم الاجتماع مانويل كاستلز (Manuel Castells) هذا التحوُّل منذ مطلع الألفية بوصفه انتقالًا إلى "مجتمع شبكي"، تصبح فيه السلطة مرتبطة بالقدرة على التَّحَكُّم في تدفقات المعلومات أكثر من ارتباطها بالمؤسسات التقليدية. وفي مثل هذا المجتمع، لا تُحْسَم الصراعات فقط داخل البرلمانات أو وسائل الإعلام، بل أيضًا داخل الشبكات الرقمية التي تُحَدِّد أي الروايات تصل أولًا، وأيها يختفي في الهامش(17).
ولا يقتصر هذا التحوُّل على تراجع قدرة المؤسسات الأمنية والرسمية على احتكار تفسير الوقائع بل يمتد أيضًا إلى الإعلام التقليدي نفسه. فالمؤسسات الصحفية التي كانت تمتلك أفضلية الوصول إلى المعلومات والتحقق منها، أصبحت تدخل النقاش العام بعد أن تكون ملايين الانطباعات قد تشكَّلت بالفعل على المنصات الرقمية. ولم تَعُد الصحافة تصنع "الرواية الأولى" كما كانت الحال لعقود بل تجد نفسها في كثير من الأحيان مضطرة إلى تفكيك روايات سبق انتشارها، أو تصحيح معلومات أصبحت جزءًا من الوعي العام قبل التَّحَقُّق منها. وبذلك لم تَعُد المنافسة بين الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية على سرعة نقل الخبر فحسب بل على من يملك القدرة على تعريف الحدث نفسه منذ لحظاته الأولى.
وفي ظل تغيُّر أنماط تداول المعلومات وتفسير الوقائع، وجدت الدولة نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا. فهي لا تُواجه فقط الحدث الأمني، بل أيضًا معركة تفسيره، في سياق أصبحت فيه الرواية الأولية تتشكَّل خارج المؤسسات الرسمية وقبل أن تتمكن من التدخل أو التحقق.
ففي أعقاب اضطرابات ساوثبورت، في يوليو/تموز 2024، صرَّح رئيس الوزراء السابق، كير ستارمر، بأن ما جرى "ليس احتجاجًا بل عنفًا منظمًا"، مضيفًا أن من يرتكب هذه الأعمال "سيواجه العدالة"(18). لكن المفارقة أن هذا التصريح جاء بعد أن كانت الرواية المضادة قد تمكنت من الشارع. وهكذا فإن كل حادثة أصبحت تُنْتِج ضغطًا مزدوجًا: ضغطًا يتطلب تحقيقًا وإجراءات أمنية، وضغطًا آخر يتطلب استجابة خطابية سريعة في المجال العام، في محاولة لاستعادة السيطرة على السردية قبل أن تستقر بشكل نهائي في الفضاء الرقمي. وهكذا لم تَعُد الدولة فاعلًا يحتكر التفسير، بل طرفًا يُسابق الزمن داخل بيئة تُنْتِج المعنى مسبقًا. ومن هنا، تبرز مسألة السلطة الخطابية في المجال العام؛ إذ يوضح فان دايك أن السلطة ترتبط بالقدرة على الوصول إلى الخطاب العام والتأثير في إنتاج المعاني وتداولها، بينما ينظر فيركلاف إلى الخطاب بوصفه ممارسة اجتماعية تتشكل داخل علاقات القوة وتُسْهِم في إعادة إنتاجها أو تحديها. وبذلك لا يدور الصراع حول الحدث فحسب بل حول من يملك القدرة على تسميته وتحديد معناه وإطار تفسيره.
في بريطانيا اليوم، لم تَعُد المشكلة في تفاصيل هذه الحوادث وحجمها وطبيعتها بل في البيئة الرقمية التي تجعل كل حادثة قابلة للتحوُّل إلى شرارة استقطاب وطني. كما أن الصراع لا يدور حول الوقائع بقدر ما يدور حول من يمتلك حق تفسيرها، في مناخ يتغذى على التوتر المتصاعد بين خطاب اليمين وخطاب اليسار، وعلى انقسام أوسع في المزاج العام انعكس بوضوح منذ تصاعد الجدل حول الحرب على غزة وما رافقها من تعبئة في الشارع والجامعات ووسائل التواصل. وفي هذا السياق، يصبح التفسير نفسه ساحة صراع موازية للحدث بل أحيانًا أكثر تأثيرًا منه.
وهنا تحديدًا، لم تَعُد قضايا الهوية والهجرة تُطرح بوصفها ملفات منفصلة، بل تندمج في شبكة واحدة من الأسئلة المتداخلة حول الانتماء، وحدود التعددية، ومعنى "المجتمع" نفسه. ومع أن جزءًا من هذا الجدل يتمحور حول الهجرة، فإن تداعياته لا تقتصر على القادمين الجدد بل تمتد إلى المسلمين في بريطانيا، بمن فيهم من وُلدوا في البلاد وينتمون إليها منذ أجيال، والذين باتوا جزءًا من هذا النقاش المتوتر حول الهوية والاندماج والانتماء. وبهذا المعنى، تتحول الهوية من معطى اجتماعي ثابت إلى موضوع تفاوض دائم داخل المجال العام الرقمي.
5. من السردية الرقمية إلى الواقع الاجتماعي
لا يقتصر التحوُّل في المجال العام البريطاني على إعادة توزيع السلطة في إنتاج السرديات، بل يمتد مباشرة إلى الطريقة التي تُعاش بها هذه السرديات داخل المجتمع. تُشير تقارير بحثية حديثة صادرة عن منظمة "Tell MAMA UK"، المتخصصة في رصد وتوثيق الكراهية والتمييز ضد المسلمين ودعم ضحاياها، إلى أنها سجلت 6313 حالة من حالات الكراهية المعادية للمسلمين في المملكة المتحدة خلال عام 2024، وهو أعلى مستوى تسجله المنظمة خلال أكثر من عقد من عملها؛ ما يعكس تصاعدًا واضحًا في الاستهداف الاجتماعي والسياسي(19).
وفي السياق الاجتماعي الأوسع، يربط مجلس مسلمي بريطانيا (MCB) بصورة مباشرة بين تصاعد الكراهية على المنصات الرقمية وانتقالها إلى الواقع الاجتماعي. فبحسب المجلس، شهد عام 2024 ارتفاع الاعتداءات المعادية للمسلمين بنسبة 73%، فيما استهدفت نحو 40% من جميع جرائم الكراهية الدينية المسلمين، في أعلى مستوى منذ بدء تسجيل هذه البيانات عام 2012(20). ويُشير المجلس إلى أن أحداث عام 2024 أظهرت مدى السرعة التي يمكن أن تتحوَّل بها الكراهية على الإنترنت إلى عنف في العالم الحقيقي ضد المجتمعات المسلمة، محذرًا من أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت تُستخدم لاستهداف المسلمين والأقليات الأخرى. وتكشف هذه المعطيات أن السرديات التي تتشكَّل وتتضخم في البيئة الرقمية لا تبقى محصورة في المجال الافتراضي بل يمكن أن تتحوَّل إلى ممارسات عدائية وأشكال من العنف تستهدف جماعات بعينها.
وربما تختصر شهادة الأمينة العامة المساعدة لمجلس مسلمي بريطانيا، نعومي غرين، حجم هذا التحوُّل أكثر من أي رقم أو تقرير. فبعد اضطرابات بلفاست، تقول إنها تلقت رسالة من أم محاصرة داخل منزلها بينما كانت النيران تشتعل خارجه، جاء فيها: "أنا في المنزل مع ابنتي ذات الست سنوات... منزلنا يحترق... ولا أحد يأتي". أما ابنها البالغ من العمر اثني عشر عامًا، فقد أرسل إليها رسالة أخرى من المدرسة بعد أن هدَّده بعض التلاميذ قائلين: "سيأتي دورك... الأجانب أمثالك سيعودون إلى بلادهم". وتضيف غرين أن ابنتها قالت لها ذات يوم: "أشعر أن عليَّ أن أعمل ضعف الآخرين حتى أُثْبِت أنني أنتمي إلى هذا البلد"(21). ولا تكشف هذه الشهادة عن تصاعد الكراهية فحسب، بل عن أثرها الأعمق: تحويل الانتماء من حق إلى عبء يومي يُثْبَت. وحين يصبح الانتماء نفسه موضع اختبار، تتحوَّل المسألة من مجرد جرائم كراهية إلى صراع أوسع حول من يملك حق تعريف الهوية البريطانية وتفسير الوقائع المتداولة في المجال العام.
ولا يتوقف أثر هذا التحريض الرقمي عند تشكيل الرأي العام أو توجيه النقاش السياسي، بل يمتد إلى الحياة اليومية للمجتمعات المستهدفة؛ إذ يصبح الخوف نفسه جزءًا من الواقع الاجتماعي حتى قبل وقوع أي اعتداء جديد. تقول رئيسة الصندوق البريطاني للمسلمين (British Muslim Trust)، أكيلة أحمد: "نحن نعيش وضعًا غير مسبوق منذ اضطرابات ساوثبورت عام 2024". وأضافت: "عانى والداي من العنصرية في أواخر السبعينات وبدايات الثمانينات بعد قدومهما إلى هذا البلد، لكن ما نشهده اليوم يُعِيد إلى الأذهان تلك المرحلة، وإِنْ كان على مستوى آخر أكثر خطورة". تكشف هذه الشهادة أن ما يتشكَّل على المنصات الرقمية لا يبقى حبيس الفضاء الإلكتروني بل ينتقل إلى الشارع والمدرسة وأماكن العبادة، ويُغَذِّي شعورًا متزايدًا لدى المسلمين بأنهم أصبحوا موضع ريبة جماعية، لا بسبب أفعالهم، بل بسبب السرديات التي تُنْتَج عنهم. التحوُّل لم يَعُد إعلاميًّا فقط، بل أصبح نفسيًّا واجتماعيًّا؛ حيث تتشكَّل علاقة يومية مشحونة بين الأفراد والمجتمع الأوسع، تُبنى جزئيًّا على ما تُنْتِجُه المنصات الرقمية من تصورات وصور مسبقة. وبذلك يصبح المجال الرقمي ليس مجرد وسيط للكراهية أو التضخيم، بل بيئة تُعِيد تشكيل الإحساس بالانتماء نفسه داخل المجتمع البريطاني.
6. الانتقائية الرقمية وإعادة تشكيل صورة المسلمين في بريطانيا
يبدو أن البيئة الرقمية لا تضخِّم جميع الوقائع بالقدر نفسه، بل تنتقي ما يخدم السردية الأكثر إثارة. فالأخبار التي تؤكد الصورة النمطية عن المسلمين أو المهاجرين تحظى بانتشار واسع، بينما تمر القصص التي تناقضها بهدوء، مهما بلغت أهميتها الإنسانية. ففي يونيو/حزيران 2026، أشادت منصة (5 Pillars) بالشابين البريطانيين المسلميْن، محسن قيوم (22 عامًا)، ومحمد يوسف إقبال (20 عامًا)، بعدما خاطرا بحياتهما لإنقاذ زوجين مسنين وحفيدهما من منزل اشتعلت فيه النيران في منطقة كيركستال بمدينة ليدز(22). وبحسب رواية الشابين، فقد شاهدا ألسنة اللهب تلتهم حديقة المنزل أثناء مرورهما، فأبلغا فرق الطوارئ، قبل أن يندفعا إلى الداخل لإخراج أفراد الأسرة العالقين. وقالت شيلا روبنسون، جدة العائلة التي كانت داخل المنزل: "ستبقى عائلتي وأنا ممتنين لهذين الشابين إلى الأبد"، فيما كتبت حفيدتها، كايلا روبنسون، أن الشابين "اندفعا مباشرة إلى المنزل دون تردد للتأكد من سلامة الجميع". كما نقلت المنصة عن والدة محمد يوسف إشادتها بما وصفته بـ"شجاعة ابني وصديقه وإيثارهما"، معتبرة أن ما قاما به "يُجَسِّد أفضل ما في مجتمعنا".
هذه القصة ليست استثناءً؛ فقد وثَّقَت وسائل الإعلام نماذج مشابهة لأطباء وممرضين مسلمين خلال جائحة كوفيد، وشباب مهاجرين في مبادرات تطوعية، وطلاب حازوا جوائز وطنية. لكن هذه القصص نادرًا ما تحظى بالانتشار الرقمي نفسه الذي تحظى به أخبار الجريمة. المشكلة ليست فقط في انتشار الأخبار السلبية بل في الانتقائية الهيكلية التي تحكم ما يُصَنَّف "قصة عامة" وما يُترك في الهامش. وهذا الاختلال في التَّمْثِيل لا يمكن فصله عن البنية الخوارزمية التي تحكم تدفق المعلومات. فكما يُشير تقرير منظمة "Tell MAMA UK" حول تصاعد خطاب الكراهية، فإن البيئة الرقمية لا تعمل فقط على نقل المحتوى بل على إعادة تشكيل قابلية ظهوره وانتشاره، بما يجعل بعض الصور الذهنية عن المسلمين أكثر حضورًا من غيرها(23).
7. دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تصنيع الواقع الرقمي
ما يبدو أكثر خطورة هو توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي الذي لم يَعُد مجرد أداة تقنية، بل تحوَّل إلى وسيلة لإعادة تصنيع الواقع نفسه. فقد وَثَّق باحثو المنظمة استخدام صور ومقاطع فيديو مُوَلَّدَة بالذكاء الاصطناعي تُظْهِر المسلمين وكأنهم يُهاجمون الشرطة أو يحرقون الممتلكات العامة، رغم أن هذه المشاهد لم تقع أصلًا. والهدف لم يكن إقناع الجمهور بحقائق جديدة بل إنتاج صور صادمة يسهل تداولها؛ لأنها تُخاطِب المشاعر قبل العقل، وتستثير الغضب والخوف أكثر مما تستدعي التَّحَقُّق.
ولا يقتصر هذا الاستخدام على السياق البريطاني وحده، فأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي باتت تُستخدم على نطاق واسع في إنتاج محتوى مُضَلِّل خلال أزمات سياسية وأمنية في أوروبا والولايات المتحدة، بما في ذلك صور مُفَبْرَكَة لأعمال شغب أو اعتداءات لم تقع فعليًّا، يتم تداولها لاحقًا بوصفها توثيقًا للحظة الحدث. كما حذرت دراسات أكاديمية حديثة في "جامعة أكسفورد" و"كينغز كوليدج لندن" من أن "المحتوى الاصطناعي عالي الواقعية" أصبح أحد أخطر أدوات تشكيل الرأي العام؛ لأنه لا يعتمد على الكذب النصي فقط بل على إنتاج "شهادة بصرية زائفة" تبدو أكثر إقناعًا من الروايات الرسمية.
وتُحَذِّر دراسات حديثة من تنامي دور الوسائط الاصطناعية، ولاسيما مقاطع التزييف العميق، في إنتاج مواد بصرية وسمعية تُحاكي الواقع وتُستخدم لتدعيم ادِّعاءات مُضَلِّلَة. فقد بَيَّنَت إحدى الدراسات أن التضليل البصري يمكن أن يُقَدَّم بوصفه دليلًا بصريًّا واقعيًّا على ادِّعاءات زائفة(24)، في حين تناولت دراسة أخرى لباحثين من "كينغز كوليدج لندن" قدرة الفن المدعوم بالذكاء الاصطناعي على إنتاج مشاهد اصطناعية قابلة للتصديق، وما تطرحه من تحديات أمام الثقافة الإعلامية والتحقق من المعلومات(25).
وتكمن خطورة هذا النمط تحديدًا في أنه لا يضيف مجرد وسيلة جديدة للتضليل، بل يُعِيد تعريف معنى "الدليل" نفسه داخل المجال العام الرقمي؛ حيث تصبح الصورة المصنوعة آليًّا قابلة لأن تُنَافِس الصورة الحقيقية على مستوى المصداقية والتأثير، خصوصًا عند تداولها خارج سياقها الأصلي أو فصلها عن لحظة إنتاجها.
وفي سياق أكثر اتساعًا، لم يَعُد الأمر مرتبطًا بحالات فردية أو تجارب محدودة، بل أصبح جزءًا من بنية إنتاج رقمية متسارعة، فأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبحت تُتِيح إنتاج آلاف الصور والمقاطع والروايات المُضَلِّلَة خلال وقت قصير وبتكلفة شبه معدومة، بما يمنح الجماعات المتطرفة قدرة غير مسبوقة على استغلال الأزمات والأحداث الأمنية. وإذا كانت الأخبار الكاذبة في الماضي تتطلب وقتًا وجهدًا لإنتاجها، فإن الذكاء الاصطناعي بات قادرًا على إنتاج محتوى يبدو واقعيًّا خلال دقائق، ثم إعادة تدويره بلغات ولهجات متعددة ليستهدف جماهير مختلفة في الوقت نفسه.
8. الفاعلون الخارجيون وإعادة تدوير الحدث المحلي عالميًّا
لم يَعُد الفضاء الرقمي في بريطانيا محصورًا داخل حدودها، بل أصبح مفتوحًا على فاعلين خارجيين يُشاركون في تشكيل زوايا النظر إلى ما يجري داخلها. ويتجلى ذلك بوضوح في الدور الذي تؤديه الشخصيات ذات النفوذ الرقمي العالمي؛ إذ باتت شخصيات مؤثرة على منصات التواصل الاجتماعي تتفاعل مع الأحداث البريطانية وتُعِيد تداولها ضمن سياقات تتجاوز حدود المملكة المتحدة. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك تدخل إيلون ماسك في أكثر من مناسبة للتعليق على قضايا الهجرة وأحداث الشغب التي شهدتها بريطانيا، مستخدمًا عبارات أثارت جدلًا واسعًا، من قبيل تحذيره من أن الحرب الأهلية في بريطانيا أمر لا مفر منه، وانتقاده المتكرر للحكومة البريطانية وسياستها في التعامل مع الاحتجاجات والهجرة(26).
ما يكشفه هذا النمط هو أن الحدث البريطاني لم يعد ملكًا للبريطانيين وحدهم. يدخل في تشكيل معناه فاعلون لا يعيشون تبعاته ولا يتحملون نتائجه، لكنهم يملكون من الزخم الرقمي ما يجعل تعليقاتهم أكثر انتشارًا من التحقيق الجنائي برمته. وبغض النظر عن دقة هذه التصريحات أو دوافعها، فإن قدرتها على نقل حدث محلي إلى جمهور عالمي يضم مئات الملايين ثم إعادة ضخه داخل بريطانيا بوصفه جزءًا من صراع حضاري أوسع تجعلها جزءًا فعليًّا من المعادلة، لا مجرد تعليق خارجي عليها. وهكذا يصبح الحدث المحلي مادة لنقاش عالمي قبل أن تستقر حتى روايته القضائية أو السياسية، فتتعزَّز السرديات المتنافسة وتكتسب زخمًا يتجاوز بكثير حجم الواقعة الأصلية.
ولا يقتصر هذا التأثير على الشخصيات الفردية، بل يمتد إلى شبكات إعلامية ومنصات دولية تُعِيد إنتاج الحدث المحلي في بريطانيا داخل سياقات عالمية. فقد لوحظ في عدة مناسبات أن مقاطع فيديو من اضطرابات أو احتجاجات محلية في مدن بريطانية صغيرة، مثل أحداث في مناطق شمال إنجلترا أو ضواحي لندن، جرى تداولها على نطاق واسع عبر حسابات أميركية وأوروبية خلال ساعات من وقوعها، قبل صدور أي بيانات رسمية من الشرطة أو السلطات المحلية. وفي حالات عديدة، كانت هذه المقاطع يُعاد تغريدها أو مشاركتها مئات الآلاف من المرات من قِبَل حسابات سياسية أو إعلامية خارج بريطانيا؛ ما حوَّل الحادثة من واقعة محلية محدودة إلى قضية رأي عام دولي في زمن قياسي.
في تقريرها الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2025 بعنوان "مخاطر التأثير الأجنبي على اليمين المتطرف وكراهية المسلمين في المملكة المتحدة"، خَلُصَت منظمة "Tell MAMA UK" إلى أن خطاب الكراهية ضد المسلمين لم يَعُد نتاجًا لفاعلين محليين فقط، بل أصبح يتشكَّل من خلال شبكات رقمية عابرة للحدود، تستغل لحظات الصدمة الوطنية لإعادة إنتاجها ضمن سرديات متطرفة(27). ويُوَثِّق التقرير كيف ظهرت شبكة يمينية متطرفة تُعرف باسم "Direct Action" في أعقاب هجوم ساوثبورت؛ حيث عملت على اختطاف مشاعر الغضب والحزن الشعبي، وإعادة تقديمها بوصفها مبررًا لاستهداف المسلمين والمهاجرين. واستخدمت الشبكة تطبيق "تليغرام" منصةً رئيسية للتنظيم، بينما جرى تضخيم محتواها عبر منصات إكس وتيك توك ويوتيوب، مع نشر دعوات مباشرة للاعتداء على المساجد، وتقديم حوافز مالية عبر العملات المشفرة لتشجيع أعمال التخريب بعيدًا عن الرقابة المالية.
9. لماذا تكتسب السرديات الرقمية قوة اجتماعية؟
لا تكتسب السرديات الرقمية قوتها بالضرورة لأنها صحيحة أو دقيقة، وإنما لأنها قادرة على تقديم تفسير سريع ومقنع لواقع يزداد تعقيدًا. ففي لحظات القلق الاقتصادي، وضغط الخدمات العامة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتصاعد النقاش حول الهجرة والهوية، تصبح الروايات التي تُقَدِّم "عدوًّا واضحًا" أو "سببًا واحدًا" أكثر جاذبية من التفسيرات المركَّبة التي تتطلب وقتًا ومعرفة وسياقًا. ومن هنا، تتقاطع البساطة مع الانفعال؛ فالسردية التي تمنح الجمهور تفسيرًا واضحًا، وتربطه بتهديد أو هوية أو شعور بالظلم، تكون أكثر قابلية للتداول وإعادة الإنتاج داخل الشبكات الرقمية.
وتُساعد هذه الدينامية على تفسير الكيفية التي تتحوَّل بها الرواية المتداولة إلى ما يمكن تسميته بـ"الحقيقة الانفعالية": أي الرواية التي تكتسب قوة الحقيقة في الوعي العام من خلال الانفعال والتداول والتكرار، قبل اكتمال التَّحَقُّق المُؤَسَّسِي منها. فالمعلومات اللاحقة قد تُصَحِّح الوقائع، لكنها لا تضمن بالضرورة إزالة الانطباع الأول الذي تشكَّل حولها. وكما أشار الباحث سابقًا، يوضح كاس سنستين أن البيئات الرقمية قد تُعَزِّز الاستقطاب من خلال جعل الجماعات تسمع نفسها أكثر مما تسمع الآخرين؛ الأمر الذي يُقَوِّي القناعات ويمنحها مع مرور الوقت إحساسًا متزايدًا باليقين. وعندما تتداخل هذه الدينامية مع خوارزميات تُكافِئ المحتوى الأكثر إثارة وقابلية للتفاعل، يصبح تصحيح الرواية أصعب من إنتاجها وانتشارها في المقام الأول.
وتضيف فكرة "التسارع الاجتماعي" لدى عالم الاجتماع الألماني، هارتموت روزا (Hartmut Rosa) ، بُعدًا آخر إلى هذا التفسير(28). فالتكنولوجيا لا تُسَرِّع انتقال المعلومات فحسب بل تفرض إيقاعًا متسارعًا على المجال العام؛ حيث تصبح وتيرة تداول الروايات الرقمية أسرع من قدرة المؤسسات القانونية والسياسية على التَّحَقُّق والاستجابة. وفي هذه البيئة، يصبح التَّحَقُّق عملية بطيئة نسبيًّا، بينما تمنح الرواية السريعة الجمهور إحساسًا فوريًّا بالفهم والسيطرة. ولذلك لا تكون المنافسة بين الروايات مجرد منافسة على الدقة بل أيضًا على السرعة، والانفعال، والقدرة على الوصول إلى الجمهور وتحديد إطار تفسير الحدث.
وهنا، تلتقي أفكار سنستين وروزا مع ما يكشفه التحليل السابق للواقع البريطاني. فالمشكلة لا تكمن فقط في أن بعض الروايات قد تكون مُضَلِّلَة، وإنما في أن البيئة الرقمية تُعِيد توزيع القدرة على تعريف الحدث وتحديد معناه. فالرواية التي تصل أولًا، وتُثِير الانفعال، وتُقَدِّم تفسيرًا بسيطًا، وتتكرَّر داخل شبكات متجانسة، يمكن أن تكتسب قوة اجتماعية تتجاوز قوة الأدلة التي تستند إليها. وبذلك يصبح الصراع على معنى الحدث جزءًا من الصراع على السلطة الخطابية نفسها: من يملك القدرة على تسمية الحدث، وتحديد المسؤول عنه، وربطه بجماعة أو قضية أوسع، يملك جزءًا مهمًّا من القدرة على تشكيل إدراك الواقع الاجتماعي.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى السرديات الرقمية بوصفها مجرد انعكاس للخلافات القائمة في المجتمع، بل بوصفها آلية يمكن أن تُسْهِم في إنتاجها وتعميقها. فالحدث المادي يتحوَّل إلى تجربة انفعالية، ثم إلى رواية تُشَارَك وتُتَدَاوَل، ثم إلى "حقيقة انفعالية" تكتسب شرعيتها من التكرار والانتشار، قبل أن تنتقل آثارها إلى المواقف والسلوك والعلاقات بين الجماعات. وهنا تحديدًا تكمن قوة البيئة الرقمية: إنها لا تكتفي بتسريع انتشار الرواية بل يمكن أن تُغَيِّر الشروط التي يتحدد في ظلها ما يَعُدُّه المجتمع تفسيرًا معقولًا للواقع.
خاتمة
ما تكشفه هذه الحوادث مجتمعةً ليس أن بريطانيا تمر بأزمة أمنية استثنائية، بل تعيش أزمة في الطريقة التي يُنْتِج بها المجتمع المعنى من الأحداث. الحادث الفردي كان دائمًا جزءًا من نسيج أي مجتمع، لكن ما تغيَّر هو البنية التحتية التي تُحَوِّله إلى رمز، ثم إلى سردية، ثم إلى واقع اجتماعي، في دورة أصبحت تُقاس بالساعات لا بالأيام. وحين تسأل ابنة نعومي غرين لماذا تشعر أنها تحتاج إلى إثبات انتمائها مرتين، فهي لا تصف معاناتها الشخصية فقط، بل تُشَخِّص ما تفعله هذه الدورة في المجتمع: تجعل من الانتماء عبئًا لاحقًا، ومن الهوية ساحة قتال لا أرضًا مشتركة.
السؤال الذي تطرحه بريطانيا اليوم ليس سؤالًا بريطانيًّا خالصًا. فكل مجتمع يمتلك منصات، وكل مجتمع يشهد حوادث، وكل مجتمع يمتلك فجوة بين الحادث وتفسيره. لكن ما يجعل الحالة البريطانية جديرة بالدراسة أنها تكشف بوضوح استثنائي ما تفعله هذه الفجوة حين تملأها السردية قبل الحقيقة: تحوُّل المجتمع من مكان يُعالج خلافاته إلى ساحة تتنافس فيها هويات لا تجد أرضًا مشتركة.
ربما يكون السؤال الحقيقي الذي تفرضه هذه التحولات ليس كيف يمكن الحد من خطاب الكراهية، بل كيف يمكن استعادة المجال العام نفسه. فالديمقراطيات الحديثة لم تُبْنَ فقط على حرية التعبير، بل أيضًا على وجود زمن يسمح بالتَّحَقُّق، ومؤسسات تملك شرعية تفسير الوقائع قبل تحويلها إلى أحكام نهائية. أما حين تصبح المنصات الرقمية هي التي تمنح الأحداث معناها الأول، فإن التحدي لا يعود أمنيًّا أو إعلاميًّا فحسب، بل يصبح سؤالًا يتعلق بمستقبل المجال الديمقراطي ذاته، وبقدرة المجتمع على التمييز بين الحقيقة والانفعال، وبين الخبر والسردية.
(1) Bernard Rimé, “Emotion elicits the social sharing of emotion: Theory and empirical review,” Emotion review, Vol. 1, No. 1, (2009): 60-85.
(2) Mario Ricca, “‘Emotional facts’ in virtual environments: epistemological and legal status,” in Research Handbook on Epistemologies of Law, eds. Luca Siliquini-Cinelli, Joshua Neoh, (Edward Elgar Publishing, 2005), 368-387.
(3) Teun A. Van Dijk, “Principles of critical discourse analysis,” Discourse & society, Vol. 4, No. 2, (1993): 249-283.
(4)Teun A. Van Dijk, “Critical Discourse Analysis,” in The handbook of discourse analysis, eds. Deborah Tannen et al., (Wiley-Blackwell, 2015) 466-485.
(5) Norman Fairclough, Critical discourse analysis: The critical study of language, (Routledge, 2013), 113-121.
(6) Ewan Gawne, Angela Ferguson, “What we know about victims of dance studio attack,” bbc.co.uk, July 30, 2024, “accessed September 12, 2026”. https://t.ly/PCzON.
(7) Imran Mulla, “UK: Anti-Muslim mob attacks Southport mosque after misinformation campaign,” Middleeasteye.net, July 30, 2024, “accessed September 12, 2026”. https://tinyurl.com/bdfd48ub.
(8) “From Rumours to Riots: How Online Misinformation Fuelled Violence in the Aftermath of the Southport Attack,” isdglobal.org, July 31, 2024, “accessed September 12, 2026”. https://tinyurl.com/4rccessf.
(9) “ISD Written Evidence to the Science, Innovation and Technology Committee Inquiry on Social Media, Misinformation and Harmful Algorithms,” isdglobal.org, January 20, 2025, “accessed September 12, 2026”. https://tinyurl.com/3uxtj9d6.
(10) Imran Mulla, “UK: Anti-Muslim mob attacks Southport Mosque after misinformation campaign,” Middleeasteye.net, July 30, 2024, “accessed September 12, 2026”. https://tinyurl.com/bdfd48ub.
(11) Emmet McElhatto et al., "Man arrested on suspicion of attempted murder after 'brutal' knife attack in Belfast,” bbc.co.uk, June 9, 2026, “accessed September 12, 2026”. https://t.ly/OvNK5.
(12) Auryn Cox, Angus Harron, “Disorder breaks out in Belfast after man charged over knife attack,” bbc.co.uk, June 9, 2026, “accessed September 12, 2026”. https://t.ly/3z0eE.
(13) Iona Young, “Protests across Scotland follow Belfast knife attack,” bbc.co.uk, June 9, 2026, “accessed September12, 2026”. https://t.ly/lJ6Zy.
(14) Mary McCool, “Man charged after suspected anti-Muslim attacks in Edinburgh,” bbc.co.uk, June 20, 2026, “accessed September12, 2026”. https://t.ly/u1jXm.
(15) Zeynep Tufekci, Twitter and tear gas: The power and fragility of networked protest, (Yale University press, 2017), 189-222.
(16) Cass R. Sunstein, #Republic: Divided Democracy in the Age of Social Media, (Princeton University Press, 2017), 98-136.
(17) Manuel Castells, Communication, power and counter-power in the network society, International Journal of Communication, Vol. 1, (2007): 238-266.
(18) “Keir Starmer says Southport rioters will feel ‘full force of the law’,” theguardian.com, July 31, 2024, “accessed September 14, 2026”. https://tinyurl.com/mtcrsryh.
(19) “Tell MAMA Records the Highest Number of Anti-Muslim Hate Cases in 2024 Since Its Founding,” tellmamauk.org, February 19, 2025, “accessed September 14, 2026”. https://tinyurl.com/2bfcyctd.
(20) “MCB Joins Global Call to Combat Islamophobia Online,” mcb.org.uk, March 15, 2025, “accessed September 14, 2026,” https://tinyurl.com/46c6m4ya.
(21) “Vandalism, taunts and hijabs torn off: Muslim leaders in UK say hate crime hitting new levels,” theguardian.com, June 26, 2026, “accessed September 14, 2026. https://tinyurl.com/y4jbxj7f
(22) "Young Muslims from Bradford hailed as heroes for rescuing elderly couple and child from fire", 5pillarsuk.com, June 26, 2026, “accessed September 14, 2026”. https://tinyurl.com/5c33uvja.
(23) “Tell MAMA Records the Highest Number of Anti-Muslim Hate Cases in 2024 Since Its Founding,” tellmamauk.org, February 19, 2025, “accessed September 14, 2026”. https://tinyurl.com/2bfcyctd.
(24) Michael Hameleers, “Cheap versus deep manipulation: The effects of cheapfakes versus deepfakes in a political setting,” International Journal of Public Opinion Research, Vol. 36, No. 1, (2024): edae004.
(25) Resham Kotecha, Elena Simperl, “2024 will be the year of democracy – or disinformation,” King's College London, February 27, 2024, “accessed September 14, 2026,”. https://shortlink.win/1ytmV.
(26) Hanna Ziady, “Elon Musk says ‘civil war is inevitable’ as UK rocked by far-right riots. He’s part of the problem,” edition.cnn.com, Augst 7, 2024, “accessed September 14, 2026”. https://bit.ly/4dtk0Xj.
(27) “The Risk of Foreign Influence on the UK Far-Right and Anti-Muslim Hate,” tellmamauk.org, December 5, 2025, “accessed September 14, 2026”. https://tinyurl.com/tbbp948d
(28) Hartmut Rosa, “Social acceleration: ethical and political consequences of a desynchronized high–speed society,” Constellations: An International Journal of Critical & Democratic Theory, Vol. 10, No. 1, (2003): 3.