مقدمة
تتجاوز أهمية الانتخابات البوسنية العامة، المقررة في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، كونها تنافسًا دوريًّا على مقاعد مجلس النواب ورئاسة الدولة. فهذا الاستحقاق يأتي في لحظة يتقاطع فيها التوتر بين مؤسسات الدولة المركزية وسلطات الكيانين مع أزمة أعمق تتصل بحدود النظام الذي نشأ بعد دايتون، وبقدرته، بعد ما يزيد عن ثلاثة عقود، على التكيف مع التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها البلاد.
صحيح أن نظام ما بعد دايتون تمتع بقدرة لافتة على منع العودة إلى الحرب وإدارة التوازنات الكبرى بين مكونات الدولة، لكنه، في المقابل، لم ينجح في تحويل الاستقرار الأمني إلى نظام سياسي قادر على إنتاج توافقات مستقرة وتوفير حلول مؤسسية دائمة. فالتعدد الإثني الذي كان جزءًا من صيغة التسوية بعد الحرب تحول تدريجيًّا إلى أحد مصادر الجمود السياسي، وأصبحت المؤسسات التي صُمِّمت لحماية التوازن بين المكونات تُستخدم، في أحيان كثيرة، لإعادة إنتاج الانقسام وتعطيل القرار العام(1).
تشمل الانتخابات البوسنية العامة لسنة 2026، من الناحية الشكلية، اختيار أعضاء رئاسة الدولة الثلاثة، وأعضاء مجلس النواب في الجمعية البرلمانية للبوسنة والهرسك، وأعضاء مجلس النواب في برلمان اتحاد البوسنة والهرسك (الكيان الاتحادي بين البوشناق والكرواتيين داخل البوسنة)، ورئيس ريبوبلكيا صربسكا (الكيان الصربي داخل البوسنة) ونائبيه، وأعضاء الجمعية الوطنية للكيان الصربي، إلى جانب المجالس التشريعية في الكانتونات العشرة داخل الكيان الاتحادي. لذلك، لا يتعلق الأمر بانتخاب سلطة واحدة بل بإعادة تركيب شبكة واسعة من المؤسسات المتداخلة؛ حيث تتقاطع الحسابات الحزبية والإثنية والإقليمية والدستورية في عملية انتخابية واحدة.
لكن اتساع نطاق الاستحقاق لا يعني، بالضرورة، اتساعًا مماثلًا في مجال التغيير. فالبوسنة والهرسك تتمتع بتعدد حزبي واسع، غير أن كثرة الأحزاب والائتلافات لا تقابلها، دائمًا، تعددية حقيقية في البدائل أو في الرؤى المتعلقة بمستقبل الدولة. فالمنافسة تتحرك داخل بيئة لا تزال الأحزاب التقليدية وشبكات النفوذ المحلية تمسك بجزء كبير من مفاصلها، فيما تظل الانتماءات الإثنية والمناطقية محدِّدًا رئيسيًّا للسلوك الانتخابي وتشكيل الحكومات.
هنا تظهر المفارقة المركزية التي سترافق انتخابات 2026. فالبلاد أمام عملية انتخابية متعددة المستويات، لكنها تعمل داخل نظام يميل إلى إعادة إنتاج النخب. وهي تستخدم أدوات تقنية أكثر تطورًا لضمان نزاهة الاقتراع، غير أن تأثير المال السياسي واستعمال الموارد العامة على العملية الانتخابية مستمر. كما أن البلاد تواصل الاقتراب من المسار الأوروبي، في وقت لا تزال عاجزة عن بناء مركز سياسي قادر على اتخاذ القرار وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
لذلك، يمكن مقاربة هذا الاستحقاق على أنه اختبار مزدوج. فهو، من ناحية، اختبار لقدرة القوى السياسية على إعادة توزيع القوة من داخل هندسة دايتون، ومن ناحية ثانية، اختبار لقدرة النظام نفسه على الانتقال من ديمقراطية انتخابية تضمن دورية الاقتراع إلى ديمقراطية تنافسية تسمح بتداول النخب ومساءلتها وإنتاج بدائل سياسية فعلية(2).
إعادة تركيب موازين القوة
لا تكمن أهمية الخريطة الحزبية في عدد القوى المتنافسة، بل في طبيعة العلاقة التي تربط هذه القوى بمؤسسات الدولة وبالموارد التي توزعها. ففي البوسنة، لا يمثل الحزب إطارًا أيديولوجيًّا أو انتخابيًّا وحسب، بل غالبًا ما يتحول إلى شبكة نفوذ تمتد إلى الإدارة العامة والوظائف والخدمات والاقتصاد المحلي والعلاقات الاجتماعية. ولهذا تصبح الانتخابات، في جانب مهم منها، صراعًا من أجل السيطرة على الموارد ومواقع التأثير، وليس منافسة بين برامج سياسية متباينة فقط.
تتوزع مراكز القوة الرئيسية بين تحالف الترويكا، وجبهة العمل الديمقراطي، والاتحاد الديمقراطي الكرواتي في البوسنة والهرسك، وتحالف الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين، إلى جانب قوى المعارضة في ريبوبليكا صربسكا. غير أن هذه القوى لا تتحرك بوصفها كتلًا مغلقة، كما أن وزنها الحقيقي لا يتحدد بحجم الأصوات التي تحصل عليها فقط، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الأصوات إلى تحالفات مؤسساتية قابلة للحكم(3).
في الفضاء السياسي البوشناقي، تتخذ المنافسة بين الترويكا وجبهة العمل الديمقراطي طابعًا يتجاوز التنافس الحزبي المباشر. فقد قدَّمت الترويكا نفسها، منذ تشكيل السلطة بعد انتخابات 2022، بوصفها محاولة لتجاوز احتكار جبهة العمل الديمقراطي للتمثيل البوشناقي، والانتقال إلى نموذج أكثر انفتاحًا على الإصلاحات الأوروبية وبناء دولة متعددة الإثنيات. أما جبهة العمل الديمقراطي، حزب علي عزت بيغوفيتش، أول رئيس للجمهورية البوسنية، فتراهن على خبرتها التنظيمية وقاعدتها التقليدية، وعلى خطاب يولي أهمية أكبر للدولة والهوية وموقع البوشناق في المعادلة السياسية.
لكن السنوات التي أعقبت انتخابات 2022 كشفت حدود التحالفات التي تُبنى أساسا على إقصاء خصم مشترك. فقد أظهرت الخلافات داخل الترويكا، وخاصة فيما يتعلق بالقوانين المرتبطة بالمسار الأوروبي والعلاقة مع تحالف الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين، أن تشكيل جبهة واسعة ضد حزب مهيمن لا يعني بالضرورة امتلاك مشروع سياسي موحد قادر على الاستمرار. لذلك، تدخل الترويكا انتخابات 2026 وهي مطالبة بالإجابة عن سؤال يتجاوز نتائجها الانتخابية ليبحث عما إذا كانت تمثل، فعلا، تجربة حكم قابلة للتطوير، أم أنها كانت ترتيبا مؤقتا أتاح إقصاء جبهة العمل الديمقراطي من السلطة دون أن يُنتج نهجا ناجحا في طريقة قيادة البلاد نحو المستقبل وتخليصها من إرثها السياسي والاجتماعي والاقتصادي الثقيل.
في المقابل، لا يمكن قياس موقع جبهة العمل الديمقراطي، وهي الحزب القومي البوشناقي الأكثر خبرة وتجذرا في تاريخ البوسنة والهرسك ما بعد الحرب، باحتمال تحقيقها تقدما انتخابيا فقط. فحتى إذا استعادت جزءًا مهمًا من قوتها، فإن عودتها إلى مراكز السلطة ستظل مرتبطة بالتحالفات الممكنة، وبقدرتها على بناء أكثرية دستورية وسياسية. وهذه إحدى الخصائص الأساسية للنظام البوسني. فالفوز الانتخابي لا يساوي، بالضرورة، القدرة على الحكم، كما أن الحزب الذي لا يحتل المرتبة الأولى، من حيث عدد الأصوات، قد يمتلك قدرة أكبر على التأثير، إذا كان موقعه الدستوري يجعله شريكًا لا يمكن تجاوزه.
تظهر هذه القاعدة بصورة أوضح لدى المكوِّن الكرواتي داخل البوسنة والهرسك. فالاتحاد الديمقراطي الكرواتي في البوسنة والهرسك (HDZ BiH) لا يخوض الانتخابات سعيًا إلى زيادة عدد مقاعده وحسب، بل يرى في نفسه، أيضًا، القوة المنظَّمة التي تريد تثبيت موقعها ممثلًا رئيسيًّا للكروات في البوسنة والهرسك. ومن خلال هذا الموقع، يستطيع الحزب أن يكتسب وزنًا سياسيًّا يتجاوز حجمه الانتخابي، لأن موقعه داخل المعادلات الائتلافية يجعله طرفًا يصعب تشكيل السلطة من دونه.
أما في ريبوبليكا صربسكا، فإن المنافسة لا تتعلق فقط بتوازن الأصوات بين الحزب الحاكم والمعارضة، بل وبمستقبل منظومة سياسية هيمنت على الحياة العامة لسنوات طويلة، أيضًا. لذلك فإن نتيجة الانتخابات في الكيان الصربي قد تكون هي المفتاح الأهم لمعرفة ما إذا كانت البوسنة تتجه نحو تعديل محدود في مواقع القوة، أم نحو بداية إعادة ترتيب أوسع داخل بنية النظام.
أزمة التمثيل وحدود دايتون
تتجاوز المسألة الانتخابية في البوسنة حدود التنافس بين الأحزاب لتصل إلى السؤال المتعلق بطبيعة التمثيل السياسي نفسه. فقد حاول نظام دايتون بناء توازن بين الشعوب المكونة للدولة، لكنه ترك التوتر مفتوحًا بين حماية الحقوق الجماعية وتطوير مفهوم المواطنة السياسية(4). وتظهر هذه المعضلة في النقاش المتعلق بانتخاب العضو الكرواتي في رئاسة الدولة. فالاتحاد الديمقراطي الكرواتي في البوسنة والهرسك يطالب بإعادة صياغة قواعد الانتخاب بما يضمن، من وجهة نظره، أن يكون المنتخَب معبِّرًا بصورة مباشرة عن الإرادة الانتخابية للمكون الكرواتي. أما القوى المعارضة لهذا الطرح، فتخشى أن يؤدي توسيع هذا المنطق إلى تكريس الفصل الإثني، وتحويل المؤسسات المشتركة إلى فضاءات مغلقة للتمثيل الجماعي.
ولا يتعلق الخلاف هنا بتعديل تقني لقانون الانتخابات بل بطبيعة الدولة التي يُراد بناؤها. فهل ينبغي أن تبقى الشرعية السياسية مرتبطة، في جوهرها، بالجماعات التي يتشكل منها النظام؟ أم يمكن تطويره تدريجيًّا باتجاه يعزز المواطنة الفردية دون إلغاء الضمانات التي تحمي التوازن بين مختلف المكونات؟
في هذا السياق، تكتسب قضية سلافن كوفاتشيفيتش أهمية خاصة، وذلك ليس بسبب حظوظ الرجل الانتخابية وحسب، بل لأنها تطرح، أيضًا، سؤالًا مبدئيًّا حول طبيعة عضوية رئاسة الدولة: هل يمثل العضو الجماعة التي انتُخب ليشغل المقعد المخصص لها فقط، أم يصبح، بعد انتخابه، ممثلًا للدولة بكل مكوناتها؟ يكشف هذا السؤال تناقضًا بنيويًّا في نظام ما بعد دايتون، بين ديمقراطية تقوم على الجماعات وديمقراطية تقوم على المواطنة.
ويتصل بذلك وضع مقاطعة برتشكو، التي لا يمكن تصنيفها قضية إدارية محلية فقط. فالمقاطعة تمثل إحدى أكثر النقاط حساسية في التوازن الذي نشأ بعد الحرب، بسبب وضعها القانوني الخاص وموقعها الجغرافي وأهميتها بالنسبة إلى التواصل الإقليمي داخل ريبوبليكا صربسكا. ومن ثم، فإن استقرار مقاطعة برتشكو يظل مؤشرًا على مدى قدرة الأطراف المختلفة على احترام الحدود الدقيقة التي يقوم عليها التوازن الدستوري، بينما قد تنتج عن أي محاولة لتحويلها إلى ساحة لصراع مؤسسي جديد تداعيات خطيرة تتجاوز حدودها الجغرافية.
هكذا تلتقي قضايا التمثيل الكرواتي والمواطنة وبرتشكو عند سؤال واحد وهو: إلى أي مدى يستطيع نظام دايتون التكيف مع التحولات الجديدة دون أن يفقد توازناته التي حالت دون عودة الصراع؟ ونقدِّر أن انتخابات 2026 لن تحسم هذا السؤال، لكنها قد تكشف عن مؤشرات دالَّة بخصوص المسار الذي يمكن أن يسلكه النظام في السنوات القادمة.
ريبوبليكا صربسكا وما بعد دوديك
على مستوى الكيان الصربي، نجد أن ريبوبليكا صربسكا هي الساحة الأكثر حساسية في انتخابات 2026، لأن الاستحقاق يأتي في مرحلة انتقالية بالنسبة إلى المنظومة التي قادها ميلوراد دوديك لسنوات طويلة. فالتغيير في وضع دوديك القانوني والسياسي جعل الانتخابات لا تتعلق باختيار قيادة جديدة للكيان وحسب، بل بمدى قدرة تحالف الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين على الحفاظ على نفوذ حزبهم في غياب دوديك عن موقع الرئاسة الذي اعتاد أن يدير منه المشهد.
فدوديك لم يعد رئيسًا لريبوبليكا صربسكا بعد إنهاء ولايته بموجب الحكم القضائي النهائي الصادر في حقه، في 18 أغسطس/آب 2025. لكن غيابه عن السباق الرئاسي لا يعني بالضرورة خروجه من الانتخابات أو من المجال السياسي. فقد يحاول حزبه تحويل الاستحقاق إلى اختبار غير مباشر لاستمرار شرعية خط دوديك السياسي، بينما سيسعى خصومه إلى تقديم النتائج على أنها استفتاء على المنظومة التي بناها خلال السنوات الماضية.
هنا، ينبغي التمييز بين تراجع موقع شخصية سياسية وتفكك شبكة النفوذ المرتبطة بها. فقد يخسر الحزب منصبًا أو موقعًا مهمًّا، لكنه يظل، مع ذلك، محتفظًا بجزء مؤثر من قوته داخل المؤسسات المحلية والإدارية والاقتصادية. لذلك، فإن انتقال المنصب الرئاسي لن يكون كافيًا لإثبات حدوث انتقال في موازين القوة.
في هذا الإطار، تكتسب الانتخابات المبكرة، التي أُجريت في ريبوبليكا صربسكا، عام 2025، أهمية خاصة في قراءة الاستحقاق المقبل. فقد أظهرت نتائج تلك الانتخابات أن هيمنة تحالف الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين لم تعد بمنأى عن التحدي. كما كشفت، أيضًا، أن أمام المعارضة، إذا استطاعت جمع شملها، فرصة لأن تتحول إلى قوة انتخابية أكثر تأثيرًا. وفي هذا السياق، كانت إعادة الاقتراع في 136 مركزًا انتخابيًّا داخل 17 وحدة محلية في ريبوبليكا صربسكا، بعد تسجيل مخالفات مؤثرة، مؤشرًا على أن النتائج يمكن أن تخضع للمراجعة والتصحيح عندما تتوافر آليات مؤسسية لذلك.
غير أن التحدي الأكبر أمام المعارضة لا يتمثل في الاتفاق على مرشح رئاسي فقط. فالنجاح في السباق الرئاسي لا يساوي القدرة على تفكيك هيمنة الحزب الحاكم داخل البرلمان والمؤسسات المحلية. وقد يؤدي استمرار التنافس بين مكونات المعارضة في الانتخابات التشريعية إلى توزيع الأصوات بطريقة تسمح للحزب الحاكم بالاحتفاظ بنفوذ مؤسسي واسع حتى إذا خسر أحد أهم المناصب.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي في ريبوبليكا صربسكا لا ينحصر فيمن سيخلف دوديك، بل يمتد إلى السؤال عما إذا كان غيابه سيؤدي إلى إعادة ترتيب داخل المنظومة أم سيفتح الباب إلى تحول تدريجي في العلاقة بين الحزب والمؤسسات والمجتمع السياسي؟ فالتغيير في الأشخاص قد يعيد إنتاج النظام نفسه، بينما يتطلب التغيير في بنية القوة أكثر من تغيير الوجوه(5).
بين إعادة إنتاج النخب وإمكانية التجديد
تطرح انتخابات 2026 سؤالا يتعلق بقدرة النظام السياسي على إنتاج نخب جديدة قادرة على طي مرحلة الصراع المباشر بين الأحزاب التقليدية/القومية. ففي الاستحقاقات الماضية، منذ دخول اتفاقيات دايتون حيز التطبيق واعتماد البوسنة دستورها الجديد، أتاحت الانتخابات الدورية السابقة نوعا من التداول الإجرائي للمناصب، لكنها لم تؤد إلى تداول واسع في القيادات، أو إلى ظهور بدائل سياسية قادرة على كسر شبكات النفوذ، التي تشكلت خلال العقود الماضية. لا يعني ذلك عدم بروز وجوه جديدة في المشهد السياسي البوسني. لكن تلك الوجوه وجدت صعوبة كبيرة في انتقالها إلى مواقع التأثير. فالأحزاب التقليدية تمتلك، إلى جانب الخبرة التنظيمية، شبكات محلية واسعة وقدرة أكبر على الوصول إلى الموارد والوظائف والخدمات ووسائل التأثير. وهذا يجعل المنافسة غير متكافئة، حتى عندما تبدو الانتخابات مفتوحة من الناحية الشكلية(6).
على صعيد آخر، يبرز الشتات البوسني بوصفه قوة انتخابية وسياسية لم تُستثمر على الوجه الأكمل. فقد بلغ عدد الناخبين المسجلين من الخارج، وفق المعطيات المتاحة، نحو 48 ألف ناخب، وهو رقم لا يعكس الحجم الحقيقي للجاليات البوسنية المقيمة في أوروبا والعالم، لكنه قد يكون مؤثرًا في السباقات المتقاربة مثل سباق رئاسة البوسنة والهرسك. والأهم من العدد هو أن الشتات يضم خبرات مهنية وأكاديمية واجتماعية يمكنها الإسهام في تجديد المجال العام، إذا جرى التعامل معها بوصفها شريكًا في إنتاج الأفكار والسياسات، وليس بوصفها كتلة تصويتية تُستدعى في المواسم الانتخابية فقط(7).
ينطبق الأمر نفسه على الشباب والطبقة الوسطى. فالهجرة والبطالة والفساد وضعف الثقة في المؤسسات قد تخلق طلبًا سياسيًّا جديدًا يتجاوز الاصطفافات الإثنية التقليدية. غير أن السخط الاجتماعي لا يتحول تلقائيًّا إلى بديل سياسي. فالمشكلة لا تكمن في غياب التذمر بل في غياب قوة قادرة على تنظيمه وتحويله إلى مشروع انتخابي متماسك. وقد تكون بعض تجارب الحراك المدني في البلقان، مثل احتجاجات الفلامينغو في ألبانيا، مفيدة لاستخدامها عدسةً مقارنة دون أن ترقى إلى مستوى نموذج جاهز للنقل. فالخصوصية الدستورية والإثنية للبوسنة تجعل تحويل الاحتجاج الاجتماعي إلى حركة سياسية وطنية أكثر تعقيدًا. لكن التجارب الإقليمية تبيِّن، كذلك، أن الأنظمة التي تبدو مستقرة، قد تواجه موجة تعبئة اجتماعية عندما تتسع الفجوة بين المجتمع ونخبه. من هنا، فإن أحد الرهانات غير المعلنة لانتخابات 2026 يكمن في معرفة ما إذا كان النظام قادرًا على امتصاص مطالب التجديد والاستمرار وإعادة إنتاج نفسه في الوقت ذاته أم أن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية ستبدأ في خلق فضاء سياسي جديد يتجاوز الاصطفافات المعتادة، ويفتح نافذة نحو مسار جديد ومختلف.
النزاهة الانتخابية بين التحديث والمال السياسي
على مستوى النزاهة الانتخابية، شهدت البوسنة والهرسك خلال السنوات الأخيرة تطورًا في أدوات إدارة الانتخابات. فقد جرى تعزيز الرقابة على التصويت والفرز، وتأمين المواد الانتخابية، وتحسين إدارة السجل الانتخابي، وتوسيع استخدام الأدوات التقنية، وتطوير بوابة (e-Izbori) الخاصة بتسجيل الناخبين. كما أظهرت اللجنة الانتخابية المركزية استعدادًا أكبر للتدخل عندما تتوافر أدلة على وجود مخالفات مؤثرة(8).
لكن التقدم التقني لا يحل المشكلة السياسية تلقائيًّا. فقد يصبح العَدُّ والفرز أكثر دقة وشفافية، بينما تستمر أشكال أخرى من التأثير في خيارات الناخبين قبل وصولهم إلى صناديق الاقتراع. وهنا تكمن إحدى مفارقات الانتخابات البوسنية. فقد تكون إجراءات التصويت سليمة يوم الاقتراع، بينما تظل البيئة السياسية التي تسبق ذلك اليوم غير متكافئة. فالمال السياسي لا يظهر فقط في صورة تمويل مباشر للحملات أو شراء للأصوات، بل كذلك في الاستخدام غير المباشر للوظائف والمشاريع والمساعدات والإعلانات والموارد العامة لصالح القوى الحاكمة. وتصبح المشكلة أكثر خطورة عندما تتلاشى الحدود بين الحزب والدولة، فتتحول المؤسسات العامة إلى مصدر دائم للأفضلية الانتخابية. أما شراء الأصوات، فهو الوجه الأكثر مباشرة لهذا الخلل، لكنه ليس بالضرورة أخطر أشكاله. فالأخطر هو أن يقتنع المواطن بأن السياسة تقوم على تبادل المنافع بدلًا من قيامها على التنافس بين البرامج والمساءلة العامة. وعندها يتحول الصوت الانتخابي من أداة للمشاركة في تحديد مستقبل الدولة إلى مورد شخصي قابل للمساومة.
لذلك، لا يكمن الرهان الحقيقي في حماية الصندوق فقط بل في حماية البيئة التي يصل منها المواطن إلى الصندوق. ويشمل ذلك الحملة الانتخابية والتمويل والإعلام والسجل الانتخابي وآليات الشكاوى والطعون. وهذه المجالات تكتسب فيها مراقبة اللجنة الانتخابية المركزية، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ومكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان أهمية تتجاوز مراقبة يوم الاقتراع.
العامل الدولي والمسار الأوروبي
لا شك أن انتخابات البوسنة المقبلة لن تجري في فراغ مؤسسي ولا في غياب عين الرقيب الدولي. فهناك مكتب الممثل الأممي السامي الذي لا يزال يحتفظ بدور استثنائي في ضبط المشهد السياسي للبلاد، فيما يمثل الاتحاد الأوروبي الأفق السياسي والإستراتيجي الأهم بالنسبة إلى القوى المؤيدة للاندماج الأوروبي، بينما تواصل الولايات المتحدة لعب دور الضامن لاستقرار البوسنة والهرسك بوصفه جزءًا من استقرار منطقة غرب البلقان ككل(9).
ويتقاطع هذا الحضور الدولي مع أزمة ريبوبليكا صربسكا ووضع ميلوراد دوديك وشبكات النفوذ المرتبطة به. أما العقوبات والضغوط الخارجية المسلطة عليه فليست عقوبات سياسية فقط بل هي أيضًا أدوات تستهدف الموارد والشبكات التي تتأسس عليها القوة. وتصبح هذه الأدوات أكثر فاعلية عندما تصيب شبكات النفوذ بصورة دقيقة، وتكون أقل فاعلية عندما يستطيع الخطاب المحلي تقديمها في صورة استهداف جماعي لمجتمع أو كيان كامل.
في هذا السياق، ينبغي أيضًا مراقبة التحولات في البيئة الإقليمية، بما في ذلك التطورات السياسية في سلوفينيا وموقف حكومة يانيز يانشا من ملفات غرب البلقان. غير أن قراءة هذه العوامل تتطلب الحذر من اختزال السياسات الإقليمية في مواقف الزعماء وحدها؛ إذ تتحكم فيها كذلك التزامات الدول داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وحساباتها الإستراتيجية الأوسع.
أما الرهان الأوروبي، فسيتحدد بدرجة كبيرة بعد الانتخابات. فقد أصبحت عضوية الاتحاد الأوروبي مرتبطة بإصلاحات في القضاء وسيادة القانون والإدارة العامة ومكافحة الفساد. لذلك، لا تقاس قيمة الانتخابات بسلامة الاقتراع فقط، بل بقدرة القوى الفائزة على تشكيل حكومة قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذ الإصلاحات. هنا، تبرز أهمية اليوم التالي. فقد تكون عملية التصويت سليمة، وقد تعكس النتائج إرادة الناخبين، لكن البلاد قد تدخل بعد ذلك في أشهر من المفاوضات لتشكيل الحكومات. ولذلك، لن يبدأ الاختبار الحقيقي عند إعلان النتائج، بل عند محاولة تحويلها إلى سلطة قادرة على الحكم.
ما بعد الانتخابات: أي تغيير ممكن؟
هناك أربعة مسارات رئيسية لما بعد الانتخابات. يتمثل المسار الأول في استمرار التوازن العام، مع احتفاظ الترويكا بموقع مهم في الاتحاد، وبقاء الاتحاد الديمقراطي الكرواتي في البوسنة والهرسك القوة الكرواتية الأكثر تأثيرًا، واستمرار تحالف الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين لاعبًا مركزيًّا في ريبوبليكا صربسكا، مع تحقيق المعارضة بعض الاختراقات المحدودة. وسيعني ذلك استمرار البنية السياسية العامة مع تعديلات جزئية في مراكز القوة.
أما المسار الثاني، فيتعلق بصعود جبهة العمل الديمقراطي واستعادة جزء من موقعها، خصوصًا إذا حققت تقدمًا في السباقات الأساسية داخل الفضاء البوشناقي. لكن هذا التقدم لن يعني عودتها التلقائية إلى السلطة، لأن تشكيل الحكومات سيظل رهين التحالفات والقدرة على بناء أكثرية دستورية.
ويتعلق المسار الثالث بإمكان تحقيق المعارضة الصربية اختراقًا أكثر جدية. فإذا حافظت على مستوى مرتفع من التنسيق، وتمكنت من نقل زخم الانتخابات السابقة إلى الاستحقاق العام، فقد تدخل ريبوبليكا صربسكا مرحلة جديدة من إعادة توزيع القوة. غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بقدرة المعارضة على ترجمة المكاسب الرئاسية إلى مكاسب برلمانية ومؤسساتية.
أما المسار الرابع، وهو الأكثر حساسية، فيتمثل في إمكانية اندلاع أزمة انتخابية جديدة في حال جاءت النتائج متقاربة في بعض الدوائر الأساسية، وظهرت اتهامات جدية بالتلاعب أو ارتكاب مخالفات من شأنها التأثير المباشر على النتائج. وقد توفر تجربة إعادة الاقتراع في ريبوبليكا صربسكا، المشار إليها أعلاه، في هذه الحالة، سابقة قانونية وإجرائية تسمح بالتعامل مع الاعتراضات بصورة أكثر مؤسسية.
لكن هذه المسارات، على اختلافها، تقود إلى حقيقة واحدة، وهي أن الفوز بأكبر عدد من الأصوات، في النظام البوسني لا يساوي، بالضرورة، القدرة على الحكم. فتركيبة البرلمان، ومجالس الشعوب، وآليات التمثيل، وحقوق النقض، وصلاحيات الكيانين، تجعل تشكيل السلطة عملية تفاوضية شديدة التعقيد. لذلك، لن يكون الفائز الحقيقي، بالضرورة، هو من يحصل على العدد الأكبر من الأصوات، بل من يستطيع تحويلها إلى تحالف مؤسسي مستقر وقابل للحياة.
خاتمة
تحمل انتخابات 2026 في البوسنة والهرسك كل التناقضات التي شهدتها البلاد في حقبة ما بعد دايتون. ومع أن النظام القائم أثبت قدرته على منع العودة إلى الحرب وعلى إدارة الأزمات، إلا أنه لم ينجح في إنتاج حلول سياسية تتجاوز أسباب الجمود السياسي. ولا تزال الانقسامات الإثنية تمثل جزءًا أساسيًّا من التنافس، والأحزاب التقليدية لا تزال تعتمد على شبكات واسعة من النفوذ، والعلاقة بين الدولة والكيانين تستمر موضوعًا مفتوحًا للصراع والتفاوض معًا.
لهذا، يتمثل الرهان الأول في إعادة توزيع القوة داخل النظام القائم. فالترويكا تريد أن تثبت أنها ليست ائتلافًا عابرًا تشَكَّل لإقصاء جبهة العمل الديمقراطي. وهذه الأخيرة تسعى إلى استعادة موقعها في مركز المعادلة البوشناقية. ويحاول الاتحاد الديمقراطي الكرواتي في البوسنة والهرسك تثبيت موقعه ممثلًا رئيسيًّا للكروات، بينما يخوض تحالف الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين معركة الحفاظ على نفوذه في مرحلة انتقالية بالنسبة إلى منظومة دوديك، وتسعى المعارضة الصربية إلى تحويل التحدي المتفرق إلى مشروع أكثر قدرة على المنافسة.
الرهان الأعمق يتعلق بقدرة النظام على إنتاج تغيير من داخله. فقضايا المواطنة والتمثيل والهوية، ومستقبل العلاقة بين الدولة والكيانين، ووضع برتشكو، ودور المؤسسات القضائية والدولية، تشير كلها إلى أن البوسنة لا تواجه أزمة انتخابية وحسب، بل أزمة مستمرة في تعريف التوازن بين الدولة والجماعات. كما أن تطوير التكنولوجيا الانتخابية وتشديد الرقابة، على أهميته، لا يعالج مشكلة المال السياسي وشبكات المحسوبية واستخدام الموارد العامة في المنافسة. فالنزاهة الحقيقية لا تبدأ عند صندوق الاقتراع بل في البيئة السياسية والاقتصادية والإعلامية التي يتخذ فيها المواطن قراره.
ويبقى التحدي الأكبر هو كسر دورة إعادة إنتاج نفس النخب. فالتغيير الديمقراطي لا يتحقق بانتقال منصب من شخصية إلى أخرى بل يتم عندما تصبح الانتخابات قادرة على إنتاج قيادات جديدة، وتصبح البرامج السياسية أكثر أهمية من شبكات الولاء، وتتحول المؤسسات من أدوات للنفوذ الحزبي إلى أدوات للمصلحة العامة.
وعليه، فإن السؤال الحاسم، في مرحلة ما بعد 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026 سيتجاوز قضية من فاز في الانتخابات، وسيكون حول ما إذا كان الفائزون قادرين على إحداث تغييرات جدية في طريقة حكم البوسنة والهرسك. فإذا ما انتهى الاستحقاق إلى إعادة تدوير التحالفات والشخصيات وشبكات النفوذ، فعندها ستكون الانتخابات قد أدَّت وظيفتها الإجرائية دون أن تفتح أفقًا سياسيًّا جديدًا. أما إن أفضت إلى إعادة تشكيل موازين القوة، وفتحت المجال أمام تجديد النخب، ودفعت نحو مؤسسات أكثر فاعلية، وربطت العملية الانتخابية بإصلاحات ملموسة في إطار المسار الأوروبي، فقد تتحول هذه المحطة إلى بداية انتقال تدريجي من إدارة الانقسام إلى إدارة أكثر نضجًا للدولة.
في المحصلة، لن تتحدد القيمة التاريخية لهذه الانتخابات بعدد المقاعد التي ستتغير، أو بأسماء من سيفوزون في رئاسة الدولة والبرلمانات، وإنما بقدرتها على الإجابة عن السؤال الذي رافق البوسنة والهرسك منذ نهاية الحرب: هل يستطيع النظام الذي وُضع لإنهاء الصراع أن يتطور بما يكفي لإنتاج سياسة تتجاوز إدارة توازناته القديمة؟
(1) Bosnia-Herzegovina: an end to international consensus and the future of Dayton (The International Institute for Strategic Studies, Vol. 32, Comment 13, June 2026, (accessed: 16 September 2026):
(2) Marija Stojanović, Ethnic division and polarization to dominate electoral campaign in Bosnia and Herzegovina, European Western Balkans, 04 September 2026, (accessed: 16 September 2026):
(3) Jakob Staubmann, Navigating the Political Landscape of Bosnia and Herzegovina’s 2026 General Elections, MENA Editors Network, 10 September 2026, (accessed: 16 September 2026):
(4) Paulina Wankiewicz-Kłoczko, Bosnia and Herzegovina in limbo: 30 years since the Dayton Agreement, Centre for Eastern Studies, 25 November 2025), (accessed: 16 September 2026):
(5) Mladen Bubonjic, Republika Srpska Has a New President, But the Old One’s Still in Control, Balkan Insight, 24 February 2026, (accessed: 16 September 2026):
(6) Mathieu Lemoine, Bosnia and Herzegovina’s 2026 Elections Will Test Democratic Delivery, Balkan Insight, 6 July 2026, (accessed: 16 September 2026):
(7) Erdin Kadunic, Bosnia depends on its diaspora, but fails to listen to its calls, Daily Sabah, 6 July 2026), (accessed: 16 September 2026):
(8) The Brussels Times Newsroom, Bosnia deploys scanners in bid to curb vote fraud after EU-led pilot project, Brussels Times, 1 September 2026, (accessed: 16 September 2026):
(9) OSCE Mission to Bosnia and Herzegovina, Electoral Integrity and Public Confidence at the Heart of the 2026 General Elections, OSCE, 3 September 2026, (accessed: 16 September 2026):
https://bih.osce.org/news/mission-bosnia-and-herzegovina/667326