مقدمة
يقترب موعد الانتخابات الإسرائيلية التي "ستُجرى" في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ويجري التركيز عليها، في بعض وجوهها، بوصفها استفتاءً أو منافسةً على بقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أو رحيله(1). وهنا يبدو مصير نتنياهو، وما سينتج عنه، من أهم نتائج الانتخابات. ويجري التركيز، في مستوى آخر، على تقسيم المعسكرات المتنافسة أو المتصارعة وفق مواقفها من أهم القضايا الداخلية، مثل أمن إسرائيل أو مكانة الدين في الدولة وما إلى ذلك(2). وقد يؤخذ نتنياهو أيضًا في الحسبان، فيكون التقسيم وفق ثنائية معارضي نتنياهو ومؤيديه، أو وفق ثلاثية بإدخال الصوت العربي في الخريطة، أو وفق تقسيم آخر أكثر تعقيدًا، بين يمين ويمين وسط وأكثر تشددًا، وما إلى ذلك بحسب كل قضية من هذه القضايا.
ولكن هناك أيضًا سياق آخر وأوسع، يعطي الانتخابات معنى أبعد من ذلك من دون أن يلغيه، وهو أكثر دلالة وأكثر صلة بالإقليم والعالم العربي.
فهذه الانتخابات هي الأولى التي تُجرى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتمثل محطة مهمة في مسار شهد ولا يزال سلسلة من الحروب. وبذلك لن تجري الانتخابات إلا وفي خلفيتها أسئلة ستسهم نتائجها في تحديد مآلات هذا المسار، ومن هذه الأسئلة إسرائيليًّا: أي إسرائيل ينبغي أن تخرج من هذه المرحلة؟ وما "النصر" الذي يمكن أن يمحو آثار 7 أكتوبر أو يتغلب عليها، بما يؤكد أن صفحته قد طويت؟ أما عربيًّا وعلى صعيد المنطقة، فالسؤال هو: ماذا سيكون مآل تداعيات 7 أكتوبر في المنطقة؟ وإلى أي نظام إقليمي ستنتهي؟
في هذا السياق، يمكن الحديث عن أكثر من سردية تشكلت بعد 7 أكتوبر(3)، سواء في تفسير ما جرى أو ما يمكن أن تنتهي إليه الحرب والمنطقة من بعدها. لكن أهم الاتجاهات الراهنة يمكن إجمالها في سرديتين، وهما موضوع هذه الورقة، تجمع كل منهما بين تصور للنصر ومآله(4)، وخيارات إستراتيجية تسعى إلى تحقيقه.
كلتا السرديتين تنطلقان من الحدث نفسه وتسعيان إلى طيِّه تحت عنوان "إعادة الأمن" والردع و"طمأنة" إسرائيل، وإن كان الفصل بينهما تحليليًّا أكثر منه سياسيًّا خالصًا لكنهما تختلفان في نقطة الانطلاق والمآل، على الأقل في المدى المنظور: الأولى إسرائيلية أكثر، وتتجه نحو إعادة تأسيس المجال الأمني والسياسي الإسرائيلي بالقوة وما تفرضه من وقائع، والثانية أميركية أكثر، وتتجه نحو تحويل القوة العسكرية الإسرائيلية ونتائجها إلى نظام إقليمي جديد تكون إسرائيل في مركزه أو أحد أهم أسسه.
سردية إسرائيلية: من استعادة الردع إلى "التأسيس الثاني"
بدأت الحرب الإسرائيلية على غزة تحت عنوانين مباشرين: الثأر واستعادة الردع، مع هدف معلن هو القضاء على قدرة حماس العسكرية والحكومية واستعادة الرهائن. لكن الحرب سرعان ما اكتسبت معنى يتجاوز استعادة الوضع السابق؛ لأن 7 أكتوبر أصبح في الخطاب الإسرائيلي دليلًا على أن ذلك الوضع نفسه لم يعد صالحًا، وبدت إسرائيل وكأنها تعود إلى لحظة التأسيس بذريعة مواجهة السؤال الوجودي الذي طرحه هجوم السابع من أكتوبر(5).
وكان نتنياهو من أوائل من أعطى الحرب هذا المعنى الكبير، فبعد تسعة أيام فقط من هجوم "طوفان الأقصى"، في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قال أمام الكنيست: إن "حرب الاستقلال لم تنته" وإن الحرب "من أجل وجود البلاد مستمرة". ومع توسيع العملية البرية في غزة في نهاية الشهر، وصفها بأنها "حرب الاستقلال الثانية"(6). بهذا اتخذت الحرب طابعًا وجوديًّا، استعادت فيه إسرائيل أسئلة التأسيس التي صاحبت حرب 1948 مرة أخرى، وكأن هناك قضايا لم تُحسَم سمحت بالسابع من أكتوبر ويجب استدراكها اليوم.
ووجد هذا المنطق تعبيره في طروحات تهجير سكان غزة وإعادة الاستيطان فيها، ولو بتفاوت، في المستوى الوزاري الرسمي الإسرائيلي قبل سواه. ومن المفارقة أن بعض مفاهيم "الاستقلال الثاني"، كانت قبل الحرب تُحسب على اليمين الأكثر تشددًا؛ إذ كان سموتريتش قد قال لأعضاء عرب في الكنيست، عام 2021، إن بقاءهم داخل إسرائيل كان نتيجة أن بن غوريون لم "يكمل المهمة" ويطردهم في 1948(7). وبعد السابع من أكتوبر أصبحت بعض هذه المفاهيم جزءًا من الأجوبة على أسئلة الأمن الإسرائيل المطروحة.
وفي هذا السياق بلغ الرفض الإسرائيلي لإقامة دولة فلسطينية ذروته، بدعوى أنها "خطر وجودي على دولة إسرائيل ومواطنيها". فقد صوَّت الكنيست، في يوليو/تموز 2024، على ذلك بأغلبية 68 صوتًا مقابل 9(8). بل ذهب الكنيست أبعد من ذلك بعد عام واحد، بإقرار إعلان، في يوليو/تموز 2025، يدعو الحكومة إلى تطبيق السيادة الإسرائيلية على جميع "مناطق الاستيطان" اليهودي بمختلف أشكاله في الضفة وغور الأردن، وذلك بتأييد من 71 عضوًا. والجدير بالذكر أن الإعلان ربط السيادة بـالرؤية "الصهيونية" التي تدَّعي حقًّا تاريخيًّا في ذلك، فيما اعتبر أحد مقدميه، عضو الليكود، دان إيلوز، أن "السيادة هي صورة النصر"، وأنه لا يمكن الانتصار في غزة وإيران وترك الضفة بلا حسم(9).
من هذا المنظور، تبدو الحرب في المنطقة إسرائيليًّا، بما تشتمل عليه من مطالب إسرائيلية عالية السقف تمس سيادة الدول المجاورة لها بمناطق عازلة وحرية الحركة في أراضيها وما إلى ذلك، محاولةً لإعادة تعريف شروط الأمن والوجود الإسرائيلي بمعايير أكثر تشددًا، وليست مجرد إعادة بناء الردع الذي كان قائمًا في 6 أكتوبر أو استدراك ثغراته وتقويته.
ويتجلَّى هذا المعنى مع تطور مفهوم "النصر الكامل" لإسرائيل في أفق هذه الحرب بجبهاتها المتعددة؛ إذ بات النصر متعلقًا بإقامة واقع جديد يمنع إعادة إنتاج "التهديد"، من دون تعريف نهائي لهذا الواقع أو للتهديد المقصود أو حتى للنصر المنشود. هنا يتوسع مفهوم "النصر" ويتمدد مع توسع مفهوم "التهديد"، وقد يبلغ حدَّ صناعة تهديدات وهمية، وبالتالي يصعب تحديد نقطة سياسية واضحة تنتهي عندها الحرب، أو يمكن أن يبدأ عندها تفاوض جاد أو ينتهي بتسوية.
فالنصر لم يعد باستعادة الأسرى، ولا بإنهاء حماس بالمعنى التنظيمي والعسكري بل يقترب في بعض التصريحات والطروحات الأكثر تشددًا، من إنهاء الفلسطينيين في غزة وإعادة الاستيطان فيها، وضم الضفة وفرض السيادة عليها وصولًا إلى تهجيرهم، وحتى إقصاء عرب الداخل عن المشاركة في الكنيست أو في أيٍّ من مستويات الحكم في إسرائيل بوصفهم فلسطينيين أصحاب الأرض(10)، وفرض اتفاقات على السلطة تحت عنوان السلام تقوم على التخلي عن أي كيان سياسي محتمل، وعلى الدول المجاورة اتفاقات مدخلها التخلي السياسي عن "القضية الفلسطينية" وإعطاء الأولوية للأمن الإسرائيلي بالمطلق وبالمفهوم الإسرائيلي، ولو على حساب سيادة وأمن دول الجوار والمنطقة، والعرب منهم على وجه الخصوص.
تبدو إسرائيل، وفق هذا المنطق، أقرب إلى استعادة فكرة "التأسيس الثاني"(11) بشروط مفتوحة، وليس إلى تحقيق "نصر" محدد بشروط عسكرية أو سياسية؛ فهي إعادة تأسيس منفتحة على شروط أقصى اليمين وأشد طروحاته تطرفًا. وقد يكون بعض هذه السردية مرتبطًا بنتنياهو وخطابه ويضعف بخروجه، لكن بعضها الآخر يتجاوزه، سواء في اليمين الإسرائيلي أو في إعادة تعريف شروط الأمن الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر.
وإذا ما أُخذت في الاعتبار المخاوف التي طرحت على أكثر من مستوى، خاصة على المستوى السياسي، بشأن "مستقبل إسرائيل"، وما عُرف في النقاش الإسرائيلي بـ"لعنة العقد الثامن"(12)، فإن السابع من أكتوبر، وفق هذه القراءة، يبدو كأنه كشف أكثر من خطأ استخباراتي أو عسكري أو خلل في عقيدة الردع؛ إذ كشف عن قضايا أساسية صاحبت تأسيس إسرائيل وبناء مجالها السياسي والأمني ولم تُحسم، وعادت لتهدد إسرائيل.
سردية أميركية: النصر بإقليم مختلف
هناك سردية أخرى تشكَّلت بعد السابع من أكتوبر، وقد جاءت في غالبها نتيجة وقوف واشنطن إلى جانب إسرائيل ودعمها لها، ولكنها ضمَّنتها بعض مصالحها وأهدافها في المنطقة. فقد دعمت أميركا إسرائيل في حربها على غزة، رغم ما بلغته في مستوى العنف والقتل، بهدف استعادة الردع، وتحقيق النصر على حركة حماس. لكنها كانت تسعى في السياق، إلى تعريف "النصر" الذي يجب أن تقف الحرب عنده، دون توسيع شروطها أو إطالة أمدها، وبنفس الوقت الاستفادة من نتائج الحرب ومما تحققه بقوة الدفع مما تحمله من "رمزية"، لتحوِّله إلى واقع إقليمي مختلف، يحمل شروط إسرائيل الأمنية من جهة، لكن أيضًا يدمج إسرائيل بالمنطقة، وهو الأمر الذي طالما سعت إليه واشنطن.
بعد هجوم السابع من أكتوبر، بادرت إدارة الرئيس الأميركي، جوزيف بايدن، إلى احتضان "إسرائيل" وتبني خطابها، ومع تقدم الوقت ومراحل الحرب أخذت تضع ضمنيًّا معايير "نصر" عسكري يكفي للانتقال بالمنطقة إلى المعالجة السياسية. وكان بايدن قد أكد بعد أقل من أسبوعين على الهجوم، أن أحد دوافع حماس من هجومها تعطيل ما وصفه بالتقارب السعودي-الإسرائيلي الذي كانت واشنطن تعمل عليه، وأنه كان قد بلغ مرحلة متقدمة(13). وأكد وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، هذا المسار، بتصريحه، في يناير/كانون الثاني 2024، بقوله: إن "أكبر وأقوى رد" على إيران وحماس سيكون بإقامة إسرائيل علاقات طبيعية مع دول المنطقة، بالتوازي مع مسار فلسطيني(14). وبهذا استهدفت إدارة بايدن منذ البداية وضع هدف إقليمي في أفق الحرب.
ولطمأنة إسرائيل، أكد بايدن، في مايو/أيار من العام نفسه، أن حماس لم تعد قادرة على تنفيذ هجوم آخر بحجم 7 أكتوبر(15)، وبعد اغتيال رئيس حركة حماس، يحيى السنوار، في أكتوبر/تشرين الأول 2024، قال: إن مقتل السنوار أتاح فرصة لاستعادة الرهائن وإنهاء الحرب. ورأت إدارته في استعادة الرهائن وإنهاء الحرب مدخلًا إلى "اليوم التالي" الذي لا تكون فيه حماس في حكم غزة؛ أي مرحلة تتجاوز عمليًّا مفهوم "النصر الكامل"(16) وكونه أفقًا وهدفًا مفتوحًا بلا نهاية. وبهذا حاول وضع هدف أميركي لغزة، وإقناع إسرائيل به.
بهذا أخذت السردية الأميركية منحى آخر منذ البداية، فإذا كان الهجوم قد استهدف، ضمن أهدافه، تعطيل تشكل إقليم جديد تندمج فيه إسرائيل، فإن النصر عليه يكون بخطف "اليوم التالي" من حماس، واستكمال بناء الإقليم ولكن على أن تكون إسرائيل جزءًا أساسيًّا منه. ومن هنا أصبح عنوان المخرج السياسي من الحرب على غزة، هو "عملية سلام" واسعة تضم العرب والمنطقة، وما يعنيه ذلك من بناء شبكة من مصالح متداخلة: استثمارات وتجارة وطاقة وتكنولوجيا وممرات اقتصادية.
وقبل نهاية ولاية بايدن، كانت البيئة الإقليمية نفسها قد بدأت تتغير على نحو يخدم هذه السردية؛ فقد سقط نظام الأسد، في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بالتوازي مع إضعاف حزب الله في لبنان، ليتراجع النفوذ الإيراني في المنطقة. وبذلك لم يعد الحديث عن إعادة تشكيل الإقليم مجرد تصور أميركي لما بعد حرب غزة، بل أصبح أكثر اتصالًا بواقع إقليمي جديد يسهل الدفع نحوه والبناء عليه.
ولم تنته هذه السردية بخروج بايدن، بل عادت مع ترامب إلى نقطة بدايتها؛ ذلك أن إدارة بايدن بَنَتْ مشروعها على "اتفاقيات إبراهام" التي أطلقها ترامب في ولايته الأولى، وسعت إلى استكمالها باتفاق أو تسوية ما بين السعودية وإسرائيل. فكان من السهل على إدارة ترامب البقاء في نفس المسار، رغم اختلافاتها الكبيرة مع الإدارة السابقة. بالخلاصة، هناك مسار أميركي متصل: "اتفاقات أبراهام" في ولاية ترامب الأولى، ثم محاولة بايدن توسيعها وربطها بمسار فلسطيني وبنية أمنية واقتصادية في الإقليم، ثم عودة ترامب إلى المشروع نفسه في ولايته الثانية، ولكن في إقليم تغيرت موازين القوى فيه بعد إضعاف إيران وحلفائها وتغير الوضع في سوريا وتحجيم حزب الله في لبنان.
فالسردية الأميركية تجمع أغلب ملفات المنطقة في اتجاه واحد: جمع الحلفاء في مواجهة إيران وإضعافها، وجمع إسرائيل والدول العربية في ترتيبات أمنية، وتوسيع "اتفاقات أبراهام"، وتحويل المصالح الاقتصادية إلى إحدى ركائز العلاقات العربية الإسرائيلية، وتسوية الملفات التي خلَّفتها حروب ما بعد 7 أكتوبر في غزة ولبنان وسوريا وحتى إيران، بإعادة بناء نظام إقليمي جديد. وتسير فعلًا في هذا الاتجاه المفاوضات السورية-الإسرائيلية، وكذلك المسار التفاوضي اللبناني-الإسرائيلي الراهن؛ ويجري الانتقال بسوريا ولبنان، بدرجات وشروط مختلفة، من ساحتي مواجهة ونفوذ إيراني إلى مسارين تفاوضيين مع إسرائيل. وبحسب ما نقلته "أكسيوس"، في سبتمبر/أيلول 2026، فإن إدارة ترامب تعمل بالفعل على احتواء إيران وتوسيع علاقات إسرائيل مع دول المنطقة، ومعالجة ملفات غزة وسوريا ولبنان، وتأخذ في حسابها صراحة الحكومة التي ستخرج من الانتخابات الإسرائيلية القادمة(17).
وبهذا لا تقدم السردية الأميركية تصورًا لشكل الإقليم بعد الحرب فحسب، وإنما تقدم أيضًا معيارًا للنصر، يتحقق ببلوغ إسرائيل أهدافها بالقوة العسكرية، لتكون تلك النقطة نهاية للحرب وبداية للسياسة. من هذه الزاوية تحمل هذه السردية معنى "إنقاذ إسرائيل من نفسها"، بالحؤول دون إفراطها في استعمال القوة من دون أفق سياسي، فلا تخسر هي وواشنطن في السياسة ما ربحته إسرائيل بالقوة. فالمصلحة الأميركية هنا ليست فقط في حماية إسرائيل، وإنما أيضًا في حماية ما حققته بالقوة من أن يُستنزف باستمرار الحرب، وتحويله إلى مكاسب سياسية وإقليمية بدلًا من إهداره.
ولا تعني بالضرورة مناقشة واشنطن لهذا الطرح أو تهيئتها له قبيل الانتخابات توجهها للتأثير في الانتخابات الإسرائيلية أو أن يشكِّل عاملًا حاسمًا في اتجاهات الناخب الإسرائيلي، بقدر ما يعني تهيئة خيار إستراتيجي ليوضع أمام الحكومة التي ستنتج عنها. والسؤال عندئذ ليس فقط من سيحكم إسرائيل، وإنما ما إذا كانت الحكومة الجديدة ستواصل توسيع تعريف الحرب والنصر، أم ستعتبر أن ما حققته إسرائيل بالقوة يسمح بتحويله إلى مكاسب سياسية وإقليمية أكثر استدامة. ويكتسب ذلك أهمية أكبر لأن التفكير الأميركي الحالي يأخذ انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول بالحسبان عند رسم مرحلة ما بعد الحرب.
وقد تكون الفترة التالية للانتخابات أهم من الفترة السابقة لها. فرغم الانتخابات النصفية الأميركية، في نوفمبر/تشرين الثاني، سيبقى أمام ترامب نحو عامين من ولايته، وهي مدة يمكن أن توفر نافذة لمحاولة إعادة تركيب المنطقة بعد الحروب، إذا توافرت الشروط الإسرائيلية والعربية لذلك.
خاتمة
تختلف السرديتان، الإسرائيلية والأميركية، بهذا المعنى، أساسًا في نقطة الانطلاق وتعريف النصر ونقطة نهايته. ففي سردية "الاستقلال" أو "التأسيس الثاني"، يتحقق النصر بإعادة تشكيل المجال الإسرائيلي وشروط أمنه بالقوة، وتظل شروطه قابلة للاتساع كلما اتسع تعريف التهديد. أما في السردية الأميركية، فالقوة ليست نهاية المسار، وإنما ينبغي استثمار نتائجها في بناء إقليم مختلف: إسرائيل مندمجة في الإقليم وأحد أهم أسسه ومحصنة أمنيًّا بما لا يحتمل معه تكرار السابع من أكتوبر، وإيران أضعف وأكثر احتواءً، وشبكة مصالح أمنية واقتصادية تجعل العلاقة بين إسرائيل والمنطقة مختلفة عما كانت عليه عشية السابع من أكتوبر.
وليس بالضرورة أن تحسم الانتخابات الإسرائيلية الخيارات بين السرديتين، لأنهما متداخلتان أصلًا، وإنما قد تحدد من سيدير العلاقة بينهما وكيف. وهذا ما فعله نتنياهو خلال الفترة الماضية؛ إذ استند إلى "التأسيس الثاني" وخطابه الأمني، وفي الوقت نفسه استخدم النتائج العسكرية لتحسين موقع إسرائيل في السردية الأميركية، لكن الفجوة مع واشنطن كانت تتسع كلما اقترب السؤال من نقطة إنهاء الحرب. وإذا عاد إلى رئاسة الحكومة، فقد تستمر المعضلة نفسها؛ أما إذا أفرزت الانتخابات حكومة جديدة، ولاسيما إذا كان غادي أيزنكوت في موقع قيادي فيها مثلًا، فقد تختلف الأولويات والنقطة التي يصبح عندها الإنجاز العسكري كافيًا للانتقال إلى السياسة، من دون قطيعة بالضرورة مع أيٍّ من السرديتين. وهذا يتوافق مع التفكير الأميركي الراهن؛ فإدارة ترامب تبني إستراتيجيتها الإقليمية لما بعد الحرب وهي تضع في حسابها الحكومة التي ستنتج عن الانتخابات، من دون أن تجعل مشروعها متوقفًا على هوية الحكومة أو رئيس الوزراء وحده.
لكن مآل السرديتين يتوقف أيضًا على تطورات البيئة الإقليمية والدولية، وفي قلبها إيران. فالاتجاه العام منذ 7 أكتوبر كان نحو انحسار نفوذها وإضعاف حلفائها، لكنه أخذ يتباطأ مؤخرًا، ولا تزال طهران تملك القدرة على استعادة شيء من زمام المبادرة، ولاسيما في لبنان واليمن، أو على الأقل تعطيل بعض ما ترتب على انحسارها ورفع كلفته(18).
ليست الانتخابات، بهذا المعنى، منشأ السرديتين ولا نهايتهما، وإنما محطة مهمة في مسارهما. وليس السؤال: أي السرديتين ستنتصر؟ بل من سيدير التفاعل بينهما؟ وأين ومتى ستوضع نقطة الانتقال من القوة إلى السياسة؟ فإسرائيل التي ستخرج من الانتخابات لن تبدأ من جديد؛ ستخرج محمَّلة بنتائج حروب ما بعد 7 أكتوبر، وأمامها مشروعان متداخلان: "تأسيس ثان" يدفع حدود النصر إلى الأمام بالقوة، وإعادة هندسة أميركية للإقليم تريد تحويل نتائج تلك القوة إلى ترتيب سياسي وأمني واقتصادي جديد.
- الجزيرة نت، بعد تحديد موعد الانتخابات.. من أبرز المرشحين في مواجهة نتنياهو؟، 12 يوليو/تموز 2026 (تاريخ الدخول: 27 سبتمبر/أيلول 2026)، https://shorturl.at/A1MYK
- مهند مصطفى، انتخابات الكنيست الـ26 (2026): علام يدور الصراع الانتخابي بين الأحزاب والمعسكرات السياسية؟، مركز الجزيرة للدراسات، 17 سبتمبر/أيلول 2026 (تاريخ الدخول: 27 سبتمبر/أيلول 2026)، https://studies.aljazeera.net/ar/article/6669
- انظر في مفهوم السردية الاستراتيجية وتمييز مراحل تشكّلها وطرحها وتلقيها، كما يطرحها أليستر ميسكيمون وبن أولافلين. إذ لا يشترط أن تكون نتاج منشئ واحد، فقد تتشكل من تفاعل أحداث ووقائع وفاعلين متعددين، قبل أن تُصاغ في إطار تفسيري متماسك. وتستخدم "السردية" هنا بوصفها إطارًا تفسيريًا متشكلًا، لا بمعنى استراتيجية سياسية مكتملة.
Alister Miskimmon and Ben O’Loughlin, Strategic Narrative: Its Origins and Evolution, Its Connection to Public Diplomacy, and Some Future Paths, Place Branding and Public Diplomacy, pp. 515–522. Published online: 14 January 2026, View on Springer Nature Link. Accessed Sep. 27, 2026. https://link.springer.com/article/10.1057/s41254-025-00426-0
- حول النصر الكامل في غزة، يُنظر:
Shay Shabtai, What Would ‘Total Victory’ Mean in Gaza?, BESA Center Perspectives Paper No. 2,267, March 27, 2024, Accessed Sep. 27, 2026 https://besacenter.org/what-would-total-victory-mean-in-gaza/
Tamir Hayman, “Between Victory and Decisive Defeat: Evaluating Israel’s Ability to Achieve Its War Objectives Against Hamas”, INSS, November 23, 2025. Accessed Sep. 27, https://www.inss.org.il/publication/israel-victory/
- شفيق شقير، حرب إسرائيل على غزة: الأهداف المستحيلة والتداعيات في المنطقة، مركز الجزيرة للدراسات، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2023 (تاريخ الدخول: 27 سبتمبر/أيلول 2026)، https://studies.aljazeera.net/ar/article/5763
- The Guardian, Netanyahu declares a ‘second war of independence’ as fears for Gazans grow, 28 Oct 2023, Accessed Sep. 27, https://www.theguardian.com/world/2023/oct/28/netanyahu-declares-a-seco…
- Amy Spiro, Smotrich at Knesset: Ben-Gurion should have ‘finished the job,’ thrown out Arabs, 13 October 2021, Accessed Sep. 27, https://shorturl.at/klNLv
- Anadolu Agency, “Israel’s Knesset Votes Against Establishment of Palestinian State,” July 18, 2024. Accessed Sep. 27, https://www.aa.com.tr/en/middle-east/israels-knesset-votes-against-esta…
- الكنيست الإسرائيلي، بأغلبية 71 عضو كنيست: الهيئة العامة للكنيست تصوت لصالح إعلان يدعو إلى تطبيق السيادة الإسرائيلية على "يهودا والسامرة" وغور الأردن، 23 يوليو/تموز 2025 (تاريخ الدخول: 27 سبتمبر/أيلول 2026)، https://m.knesset.gov.il/ar/news/pressreleases/pages/press23072025_5.as…
- Ariela Karmel, Election panel disqualifies all Arab parties, in move likely to be overturned; Balad leader also barred, 23 September 2026, https://shorturl.at/ej0KL
Caolán Magee, Israel bans Arab parties from election: Who they are, why it matters, Aljazeera.com, 26 Sep 2026, Accessed Sep. 27, https://www.aljazeera.com/news/2026/9/26/israel-bans-arab-parties-from-…
- للاستئناس حول مفهوم "التأسيس الثاني":
رأى المفكر الإسرائيلي، ميخا غودمان، في مقالة له بصحيفة إسرائيل هيوم، في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أن في 7 أكتوبر فرصة لإعادة تأسيس إسرائيل. وذهب إلى أن التاريخ سيكتب أن دولة إسرائيل قامت مرتين: الأولى عام 1948، والثانية في عملية بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023. (تاريخ الدخول: 27 سبتمبر/أيلول 2026)، https://www.israelhayom.co.il/news/local/article/14731940
ويرى عيران عتصيون، نائب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق، أن "التعافي" من صدمة أكتوبر سيستغرق سنوات، وسيتطلب ما لا يقل عن "إعادة تأسيس الدولة"، بما يشمل مؤسساتها وترتيباتها الدستورية وقيمها وحدودها وأولوياتها. انظر ما كتبه في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أي بعد خمسة أيام من 7 أكتوبر، (تاريخ الدخول: 27 سبتمبر/أيلول 2026): https://threadreaderapp.com/thread/1712432442747900243.html
- حول لعنة العقد الثامن، انظر:
محمد وتد، مع لعنة "العقد الثامن".. إسرائيل تستشعر الهزيمة والزوال، الجزيرة نت، 30 يونيو/حزيران 2022 (تاريخ الدخول: 27 سبتمبر/أيلول 2026)، https://shorturl.at/tZhUq
عدنان أبو عامر، الاستدعاء الإسرائيلي لخطاب الانهيار والزوال: أسبابه ودلالاته، مركز الجزيرة للدراسات، 4 يوليو/تموز 2022 (تاريخ الدخول: 27 سبتمبر/أيلول 2026)، https://studies.aljazeera.net/ar/article/5415
- Reuters, Hamas attack aimed to disrupt Saudi-Israel normalization, Biden says, October 21, 2023, Accessed Sep. 27, https://www.reuters.com/world/middle-east/hamas-attack-aimed-disrupt-sa…
- Secretary Antony J. Blinken at a Conversation with World Economic Forum President Borge Brende, U.S. Department of state, April 29, 2024, Accessed Sep. 27, https://shorturl.at/a5Jri
- Remarks by President Biden on the Middle East, U.S. Embassy in Qatar,May 31, 2024, Accessed Sep. 27, https://qa.usembassy.gov/remarks-by-president-biden-on-the-middle-east/
- JOSH BOAK and ZEKE MILLER, Biden says Sinwar’s death is an ‘opportunity’ for a hostage deal and an end to war in Gaza,AP, October 18, 2024, Accessed Sep. 27, https://apnews.com/article/biden-sinwar-netanyahu-hamas-gaza-851b7f5606…
- Barak Ravid, Scoop: Trump administration drafting post-war Middle East plan,Xios, Sep 4, 2026, Accessed Sep. 27, https://www.axios.com/2026/09/04/trump-middle-east-iran-post-war-strate…
- حول سعي إيران لاستعادة المبادرة، ينظر على سبيل المثال: مايكل يونغ، إيران تعيد صياغة إستراتيجيتها الحربية، ديوان، مركز مالكوم كير-كارنيغي، 2 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 27 سبتمبر/أيلول 2026)، https://carnegieendowment.org/ar/middle-east/diwan/2026/03/iran-rewrite…