مقدمة
يشهد المسار التفاوضي بين سوريا وإسرائيل صعوبات حالت دون الوصول إلى تفاهمات أمنية. وعقب الهجوم الجوي الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور العسكرية شرقي إدلب، في 18 أغسطس/آب 2026، عُقد لقاء افتراضي بين الجانبين برعاية أردنية. ومع أن دمشق توقعت أن يمهِّد هذا اللقاء لاستئناف المفاوضات وتوقيع اتفاق أمني يفضي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية، فإنه لم يتبعه أي لقاء آخر(1).
وقد تضمن حديث الرئيس السوري، أحمد الشرع، خلال الحوار الذي أجراه مع المجلس الأطلسي، في 23 سبتمبر/أيلول 2026، على هامش مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الإشارة إلى أن إسرائيل تراجعت وطرحت شروط إضافية بعد التفاهم على قرابة 90% من الملفات، لكنه أيضًا ترك الباب مفتوحًا أمام استمرار المفاوضات(2).
وقد تكررت أيضًا بالمقابل، التصريحات الإسرائيلية الرسمية الرافضة للانسحاب من جبل الشيخ والمنطقة الأمنية في سوريا، وكان آخرها في 23 سبتمبر/أيلول 2026 على لسان وزير الدفاع، يسرائيل كاتس(3). وهي تشير بمجموعها إلى أن حكومة نتنياهو ماضية في التصعيد السياسي ضد سوريا وليس فقط الميداني.
تستعرض هذه الورقة طبيعة التحدي الذي تشكِّله إسرائيل بالنسبة لسوريا، والنهج الذي يتبعه الجانب السوري لمواجهة هذا التحدي، بالإضافة إلى المسار التفاوضي بين الجانبين وأسباب تعثره، وإلى أي مدى يمكن استكمال التفاوض وتحقيق نتائج ملموسة.
أولًا: أهداف السياسة الإسرائيلية في سوريا
لم توقف إسرائيل هجماتها وانتهاكاتها ضد سوريا رغم مضي أكثر من عام ونصف على سقوط نظام الأسد وانسحاب إيران وحلفائها اللبنانيين والعراقيين من الأراضي السورية، وهي لا تزال تنفذ هجمات جوية وتوغلات برية، كما تمركزت في مواقع داخل سوريا خارج نطاق خط فض الاشتباك لعام 1974، وهي لا تزال تتدخل بملف السويداء.
تسعى إسرائيل إلى تكريس تفوقها العسكري والأمني على سوريا من خلال هذا النهج، أو الضغط عليها لتقديم تنازلات مؤثرة في المفاوضات. وفضلًا عن كون هذه الممارسات تهديدًا لاستقرار سوريا، وانتقاصًا من سيادتها، فإنها تضع العراقيل أمام إعادة بناء سوريا لقدراتها العسكرية، واستكمال توحيد البلاد، وتؤثر على شرعية الحكومة السورية شعبيًّا. وتشمل الإجراءات الإسرائيلية:
فرض مناطق عازلة ومنزوعة السلاح: تتمسك إسرائيل بالاحتفاظ بالمناطق التي تقدم إليها جيشها في سوريا، بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وبالأخص التلال المرتفعة مثل جبل الشيخ والتل الأحمر جنوب سوريا، كما ترغب تل أبيب بإبقاء الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح، وفي هذا السياق يتم تنفيذ عمليات اقتحام متكررة إلى المنطقة مع نصب حواجز تفتيش من ريف القنيطرة وصولًا إلى حوض اليرموك في درعا(4).
من الوارد أن نتنياهو وحزبه يستثمران وجود القوات الإسرائيلية في هذه المواقع من أجل توجيه رسائل داخلية مفيدة في انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2026. لكن أيضًا فإن الاحتفاظ بهذه المناطق له بُعد أمني متعلق بتوفير نقاط إنذار مبكر متقدمة في محيط الجولان، ومن غير المستبعد أن تكون وسيلة لتقويض شرعية الحكومة السورية داخليًّا من خلال استمرار الاقتحامات وإظهار عدم قدرة القوات السورية على الرد، خاصة وأن الجيش الإسرائيلي سيطر على موارد مائية مهمة لسكان الجنوب السوري مما سيزيد حالة الاحتقان في المنطقة(5).
التحكم بتحالفات سوريا: تعبِّر إسرائيل في كل مناسبة عن رفضها للعلاقات المتطورة بين سوريا وتركيا، بطريقة أصبحت أقرب إلى التحكم بتحالفات سوريا وتحديد خياراتها في السياسة الخارجية(6). استخدمت إسرائيل في مناسبات عديدة القوة من أجل إرسال رسائل رفض تأسيس قواعد عسكرية تركية وسط سوريا، كان يُفترض تأسيسها لتقديم الاستشارات للجيش السوري ومساندته في عملية مكافحة الإرهاب. تشكِّل تركيا بالنسبة لسوريا خيارًا مهمًّا من أجل توفير تجهيزات عسكرية ومعدات تقنية، خاصة بعد إزالة العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا. وبناء عليه، فإن محاولة إسرائيل الحد من هذه العلاقات قد يكون الهدف منه إضعاف موقف سوريا في مواجهة تل أبيب. أيضًا، من المحتمل أن يكون أحد أسباب رفض إسرائيل للدور التركي في سوريا عدم رغبتها بحصول سوريا على معدات تقنية تسهم في حماية الأجواء السورية، وتقيد حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي(7).
إعاقة بناء القوة العسكرية السورية: بادرت إسرائيل عقب سقوط الأسد إلى تدمير مستودعات أسلحة وما بقي من طائرات حربية صالحة للاستخدام، واستمرت في هذا النهج حتى بعد سقوط نظام الأسد. فقد استهدفت، في 17 أغسطس/آب 2026، البنية التحتية لقاعدة أبو الظهور العسكرية بريف إدلب؛ مما أعاق عملية إعادة تأهيليها لإدخالها في الخدمة مجددًا. وهناك شكوك حول تورط إسرائيل بتدمير مستودعات أسلحة تعود للجيش السوري الجديد؛ حيث شهد شهرا أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2026 انفجار 4 مستودعات تتبع للجيش في إدلب ودير الزور وحلب وريف دمشق(8)، وهو يعكس مخاوف إسرائيل من توسع دور المؤسسة العسكرية السورية حال استكمال بنائها، ويمتد خارج حدود الجغرافية السورية؛ مما قد يؤثر على الرؤية التي تعمل تل أبيب على فرضها في المنطقة، وقد رفضت إسرائيل سابقًا طرح إدارة ترامب حول إمكانية دخول الجيش السوري إلى لبنان(9).
الحؤول دون استعادة مركزية الدولة السورية: ترفض إسرائيل عودة سوريا إلى النظام المركزي، تريدها بنظام فيدرالي تتوزعه "مناطق حكم ذاتي"، لما يوفره من إدارات ذاتية على أساس طائفي أو عرقي؛ ما يعطيها هوامش للتدخل سياسيًّا وأمنيًّا في سوريا. كما تفعل مع السويداء، حيث حافظت إسرائيل على علاقاتها مع فصائل محلية، وترفض دخول الجيش السوري إلى كامل المحافظة، بل سبق أن استخدمت القوة العسكرية، في منتصف عام 2025، لمنع سيطرة الجيش السوري على كامل السويداء. وقبيل إعلان قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) حل التنظيم، في 25 أغسطس/آب 2026، تحدثت قيادات بارزة في التنظيم بشكل صريح عن محاولات إسرائيلية لعرقلة اندماج قسد في الدولة السورية؛ لأن تل أبيب تعمل على توظيف "الأكراد" الانفصاليين في مخططاتها(10). إن استمرار الانقسام في الداخل السوري يتيح المجال لإسرائيل للتدخل وإيجاد ذرائع لتأسيس روابط مع مكونات مجتمعية وطائفية سورية دون المرور بمؤسسات الدولة، وتوظيف هذه الروابط في تطبيق الرؤية الأمنية الإسرائيلية.
ثانيًا: إستراتيجية سوريا لإدارة التحدي الإسرائيلي
تؤكد سوريا بشكل مستمر أنها تطمح للوصول إلى السلام مع إسرائيل، وهي بهذا تقدم الخيار الدبلوماسي على المواجهة العسكرية، وترى في إسرائيل تحديًا مزمنًا طويل الأمد. لذا لم تكتف بدخول المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، لأن هذا المسار ليس مضمون النتائج على المستوى القريب، بل عملت أيضًا على مسارات موازية لمواجهة التحدي الذي تشكِّله السياسات الإسرائيلية لوحدة سوريا وسيادتها، ومن أبرزها:
تعزيز العلاقات مع واشنطن: أَوْلَتِ الحكومة السورية أهمية بالغة لتطوير علاقتها مع إدارة ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض، مطلع عام 2025، واستفادت من علاقاتها مع دول إقليمية تمتلك تأثيرًا على إدارة ترامب مثل تركيا والسعودية، ونتيجة هذا المسار دخلت سوريا ضمن التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة واشنطن، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025. استفادت سوريا من الغطاء الذي يمثله التحالف للجيش السوري والمؤسسة الأمنية، اللذان يتعاونان مع الجانب الأميركي في ملف مكافحة داعش.
وفي هذا السياق، جاء رفض واشنطن لأي تصعيد إسرائيلي يستهدف مواقع الجيش السوري، كما حصل عقب الهجوم على قاعدة أبو الظهور بريف إدلب، الذي دفع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس براك، إلى العمل على التهدئة وتفعيل قنوات الاتصال بين سوريا وإسرائيل. ذلك أن القصف الإسرائيلي للبنية التحتية العسكرية والمواقع الأمنية السورية يُضعف، في المحصلة، المؤسستين العسكرية والأمنية، وينعكس سلبيًّا على الاستقرار، ويفتح المجال أمام عودة نشاط خلايا تنظيم الدولة، وهو ما لا تريده واشنطن حتمًا(11).
أيضًا، أزالت واشنطن العقوبات المفروضة على سوريا، كما يعتزم الجانبان تطوير العلاقات الاقتصادية في قطاعات النفط والغاز والكهرباء. وهذا من شأنه توسيع دائرة مصالح أميركا في سوريا، وعدم إبقاء السياسات الأميركية في سوريا مرتبطة فقط بالمصالح الإسرائيلية. وفي 24 أغسطس/آب 2026، رفعت واشنطن اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ثم رفعت، في سبتمبر/أيلول، القيود المتبقية على بيع الأسلحة إليها وتمويل المساعدات العسكرية.
هذا كله منح سوريا موقفًا أفضل في مواجهة الضغوطات الإسرائيلية، وإن كان تطور العلاقات السورية-الأميركية، يوفر في جانب منه بعض التطمينات لإسرائيل بحكم وجود دور أميركي يسهم في ضبط السياسات السورية تجاه إسرائيل.
تلعب واشنطن حاليًّا دور الضامن والوسيط في المباحثات بين سوريا وإسرائيل، وتستفيد سوريا من هذا الدور في الضغط على تل أبيب لتتراجع عن نهجها التصعيدي، خاصة مع رغبة الولايات المتحدة بالحفاظ على الاستقرار في سوريا.
تعزيز العلاقات الإقليمية: تهتم سوريا بتوسيع علاقاتها الإقليمية لتعزيز موقفها في مواجهة التحديات التي تواجهها وبالأخص التحدي الإسرائيلي. من الملاحظ أن منسوب التنسيق السوري-التركي ازداد بالتوازي مع ازدياد الانتهاكات الإسرائيلية ضد سوريا.
وقد زار وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، باكستان في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على مطار أبو الضهور شرق إدلب، منتصف أغسطس/آب 2026، لتكون هذه أولى زيارة سورية رسمية إلى إسلام آباد بعد انقطاع 19 عامًا، وأعلن من هناك أن دمشق "تدرس" الانضمام إلى تحالف مكة، الذي يضم إلى جانب باكستان كلًّا من المملكة العربية السعودية وتركيا. واللافت أن هذا الموقف السوري جاء بعد يومين فقط من هجمات إسرائيلية ضد القاعدة الجوية بريف إدلب(12).
وتندرج ضمن هذا السياق الزيارات المتكررة التي يجريها الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى الإمارات، وكان آخرها، في 15 سبتمبر/أيلول 2026. وبغضِّ النظر عن أولوية الجانب الاقتصادي، لا يمكن استبعاد رغبة دمشق في توسيع خياراتها الدبلوماسية لمواجهة التحدي الإسرائيلي من خلال تطوير علاقتها بالإمارات. بل يمكن القول: إن سعي دمشق إلى توسيع الاستثمارات الإماراتية في سوريا ينطوي أيضًا على أهداف أمنية وسياسية، تتمثل في توسيع نطاق الدول التي تملك مصالح فيها، بما يزيد من اهتمام هذه الدول باستقرارها ودعمها له.
تحصين الداخل وسحب ذرائع التدخل الإسرائيلي: تدرك دمشق أهمية معالجة القضايا الداخلية التي يمكن أن تستخدمها إسرائيل ذريعةً للتدخل في الشأن السوري وتقويض استقرار البلاد. وفي هذا السياق، يمكن فهم الخطوات الحكومية المتسارعة لإدماج قسد في مؤسسات الدولة، بالتزامن مع تصاعد الحرب الإسرائيلية في الإقليم. كما تسعى الحكومة السورية إلى معالجة ملف السويداء استنادًا إلى خريطة الطريق التي اتفقت عليها سوريا والولايات المتحدة والأردن في سبتمبر/أيلول 2025(13).
بناء قدرة الردع وتنويع الشراكات العسكرية: تركز سوريا على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وزيادة خبراتها العملياتية والتقنية، بهدف تعزيز قوتها للدفاع عن مصالحها وتعزيز قوة الردع لديها، وتسعى في هذا الإطار للاستفادة من علاقاتها مع فاعلين إقليميين ودوليين على غرار تركيا وأوكرانيا. كذلك، حافظت سوريا على جانب من علاقتها العسكرية بروسيا، من خلال تحويل المنشآت العسكرية الروسية في حميميم وطرطوس إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، مع بقاء عدد من القوات الروسية فيها. وتظل روسيا، بحكم اعتماد الجيش السوري على منظومات سوفيتية وروسية ورثها عن النظام السابق، مصدرًا محتملًا للسلاح وقطع الغيار والخبرة الفنية اللازمة لتشغيل هذه المنظومات وصيانتها.
ثالثًا: آفاق التفاوض ومستقبل العلاقات السورية-الإسرائيلية
عقدت الحكومة السورية، منذ سقوط نظام الأسد، عدة جولات تفاوضية مع إسرائيل معلنة وغير معلنة وعلى مستويات عدة(14)، تركزت على بحث إمكانية التوصل إلى اتفاق أمني، في ظل صعوبة الانتقال إلى اتفاق سلام بسبب الخلاف على مصير هضبة الجولان، التي تتمسك سوريا باستعادتها.
لم ينجح الطرفان في التوصل إلى اتفاق أمني خلال جلسات التفاوض، وتوقفت المباحثات عند اللقاء الافتراضي الذي جمع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، مع رئيس الموساد الإسرائيلي، رومان غوفمان، في 17 أغسطس/آب 2026، برعاية أردنية.
تتمسك سوريا بشرط انسحاب إسرائيل إلى حدود عام 1974، أي إخلاء جميع المناطق التي دخلتها بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 إثر سقوط نظام الأسد. لكن بالمقابل، تؤكد حكومة نتنياهو تمسكها بالاحتفاظ بالمواقع التي سيطرت عليها في جبل الشيخ وباقي المواقع في الشريط الحدودي التي تعدها "منطقة أمنية عازلة"(15)، كما ترفض وجود أي قواعد عسكرية لتركيا في سوريا(16).
تبدو حكومة نتنياهو غير راغبة في تطوير المفاوضات والتوصل إلى اتفاق أمني مع سوريا في الوقت الراهن، ولاسيما قبل انتخابات الكنيست، في أكتوبر/تشرين الأول 2026. ويبدو أن سوريا، بدورها، تفضِّل إرجاء الاتفاق أملًا في حدوث تغيير في الحكومة الإسرائيلية، خاصة أنها لم تعد مضطرة، كما كانت في السابق، إلى إبداء استجابة واسعة للجهود الأميركية، بعد إزالة كامل العقوبات المفروضة عليها. ومع ذلك، تترك دمشق الباب مفتوحًا أمام استئناف المفاوضات؛ لأنها لا ترغب في صدام عسكري، في توقيت يضر بمصالحها ويهدد مسار بناء مؤسسات الدولة الجديدة.
في ضوء ما سبق، يمكن توقع سيناريوهين محتملين لمستقبل العلاقات الإسرائيلية-السورية ومآل المفاوضات:
السيناريو الأول: التوافق على آلية أمنية دون اتفاق سياسي
من المحتمل أن نشهد على المدى القريب أو المتوسط اتفاقًا بين سوريا وإسرائيل على آلية للتنسيق الأمني تسهم في منع الصدام، وتكون أداة لدى إسرائيل لمعالجة مخاوفها الأمنية في سوريا دون تصعيد كبير، لكن هذا لا يعني التوصل إلى اتفاق سياسي بين الجانبين نظرًا للخلافات الجوهرية ومنها تمسك سوريا بسيادتها على هضبة الجولان.
من العوامل التي تدفع لترجيح هذا السيناريو دعم إدارة ترامب لتوقيع اتفاق أمني يدعم استقرار سوريا للاستفادة من موقعها ممرًّا لعبور النفط عند الضرورة دون المرور بمضيق هرمز، بالإضافة إلى أن واشنطن لا ترغب فيما يبدو بارتفاع التصعيد في سوريا إلى مستوى قد يؤدي لصدام بين حليفتيها، إسرائيل وتركيا التي لديها حضور في سوريا.
لا يرجَّح التوصل إلى آلية أمنية قبل إجراء الانتخابات الإسرائيلية المقبلة؛ إذ يُتوقع أن يسعى نتنياهو وحزب الليكود إلى تجنب أي خطوة قد تضعف موقفهما الانتخابي وتزيد رصيد منافسيهما من أحزاب اليمين المتطرف، التي قد تستغل توقيع الاتفاق لتأكيد أن نتنياهو أضعف موقف إسرائيل.
من جهتها، قد ترغب الحكومة السورية في تأجيل التفاوض على الاتفاق الأمني إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية على أمل حصول تغيير حكومي إسرائيلي ووصول قوى سياسية إسرائيلية إلى الحكم أقل تشددًا من اليمين المتطرف، وأكثر استعدادًا للتفاهم مع دول الجوار.
السيناريو الثاني: استمرار التصعيد
في هذا السيناريو، يستمر التصعيد بين إسرائيل وسوريا، ليس بالضرورة بوتيرة مكثفة، وإنما على نحو متقطع، من دون التوصل إلى آلية أمنية ثابتة لضبطه، سواء بقي حزب الليكود في السلطة أم حدث تغيير سياسي في إسرائيل.
من الممكن أن تستمر إسرائيل في اعتماد التصعيد في سوريا، بذريعة منع "تمدد" تركيا في عمق وجنوب سوريا، أو منعها من نشر عتاد يؤثر على حرية حركة الطيران الإسرائيلي في الأجواء السورية، أو لمنع الجيش السوري من امتلاك مخزون أسلحة يشكل تهديدًا لإسرائيل مستقبلًا. هذا فضلا عن رغبة إسرائيل بتكريس حالة "عدم الاستقرار" في سوريا لتبقى ساحة مفتوحة أمام تدخلاتها.
في هذا السيناريو من غير المؤكد أن يؤدي التغيير السياسي في إسرائيل إلى عقد اتفاق أمني فوري مع سوريا؛ إذ يظل سيناريو التصعيد واردًا، وقد تدفع في اتجاهه تيارات مؤثرة داخل المؤسستين، الأمنية والعسكرية، بهدف تكريس معادلة ردع جديدة، والمضي في فرض مناطق أمنية عازلة قرب الحدود، واستخدام هذا النهج لتقوية بعض الأطراف في مواجهة الحكومة السورية، أملًا في إحداث تغيير داخل سوريا يتوافق مع المصالح الإسرائيلية.
وفي حال استمرار التصعيد وعدم التوصل إلى تفاهمات أمنية، قد تتجه إسرائيل لتفعيل قنوات اتصال مع تركيا لضمان عدم الصدام في سوريا، والعمل على حل الخلافات بالوسائل الدبلوماسية، بهدف ضمان حرية حركة أوسع في سوريا دون عوائق. وقد قامت تل أبيب بالفعل، في 11 سبتمبر/أيلول 2026، بتعيين قائم بأعمال السفارة الإسرائيلية في أنقرة، وهذه الخطوة أتت بعد قطيعة دبلوماسية استمرت نحو ثلاث سنوات إثر مغادرة الدبلوماسيين الإسرائيليين تركيا، أواخر عام 2023(17).
خاتمة
إن التحدي الأكبر الذي يواجه سوريا فيما يتعلق بمواجهة التهديد الإسرائيلي أن تل أبيب لديها شكوك مستقبلية حيال توجهات الإدارة السورية الحالية، وتسعى لاتخاذ خطوات استباقية مثل عرقلة استكمال بناء المؤسسة العسكرية، وتوسيع رقعة العمليات الأمنية في "الشريط الحدودي"، والاحتفاظ بأوراق تأثير داخلية؛ مما يعني أن هذا التحدي في مواجهة سوريا غالبًا ليس مؤقتًا بل يعكس توجهًا إستراتيجيًّا.
بالمقابل، اختبرت سوريا جدية إسرائيل ونيتَها عبر جولات التفاوض، وباتت فيما يبدو تدرك عدم رغبة الحكومة الإسرائيلية الحالية بعقد اتفاق أمني، بل ربما تدرك سوريا صعوبة التوصل إلى تفاهمات حتى في حال حصل تغيير حكومي إسرائيلي، لكنها حققت مكسبًا سياسيًّا من الدخول في المسار، وهو الاستجابة لوساطة إدارة ترامب وإظهار حرصها على الاستقرار وعدم تشكيل تهديد لإسرائيل، إضافة إلى كسب المزيد من الوقت لترتيب أوراقها الداخلية.
إن تحرك تل أبيب باتجاه فتح قنوات الاتصال الدبلوماسية مع أنقرة بعد سنوات من القطيعة، يعطي انطباعًا بأنها باتت تفكر بمنطق تجنب الصدام مع تركيا في سوريا، وقد تتوصل معها هناك إلى تفاهم حول آلية تمنع الصدام بين الطرفين، وتضمن لإسرائيل تطبيق إستراتيجيتها الأمنية في سوريا، مقابل الاعتراف لتركيا بنفوذها ضمن الشمال وصولًا إلى وسط سوريا.
لقد نجحت سوريا بالتعاون مع الحلفاء الإقليميين في استثمار الدور الأميركي ليكون عاملًا مؤثرًا في ضبط السلوك الإسرائيلي، لكن لا يمكن ضمان ثبات الموقف الأميركي، خاصة أن العلاقات السورية-الأميركية تتركز بشكل أساسي حول ترامب وفريقه، ومرتبطة بما توفره سوريا من أهمية لإدارة ترامب فيما يتعلق بإضعاف النفوذ الإيراني.
ويبدو أن سوريا وجدت الحل الأكثر ملائمة لها في مواجهة التهديدات الإسرائيلية، فمن جهة تعمل على توسيع شبكة علاقاتها الإقليمية مع تعظيم الاستثمار في الدور التركي، لكن مع تنويع خياراتها الإقليمية كي لا تظهر سوريا وكأنها ساحة للنفوذ التركي. ومن جهة ثانية، تستفيد من فترات التهدئة النسبية لامتلاك أدوات ردع ذاتية تدعم موقف سوريا وتدفع إسرائيل للاقتناع بضرورة عقد اتفاق أمني.
ومن دون ضغط أميركي فاعل، وامتلاك سوريا قدرًا من الردع، تنخفض فرص اقتناع تل أبيب بضرورة عقد اتفاق معها، إلا إذا حدث تغيير واسع في الحكومة الإسرائيلية، ووصلت إلى السلطة قوى سياسية قد تجد في استعداد دمشق لعقد اتفاق أمني فرصةً للتوافق، بدلًا من دفع سوريا إلى خانة العداء.
- تحركات سورية وإسرائيلية لتهدئة التوتر، الشرق الأوسط، 23 أغسطس/آب 2026 (تاريخ الدخول: 29 سبتمبر/أيلول 2026)، https://shorturl.at/u600Q
- حوار شامل مع الشرع.. ماذا قال عن إسرائيل، الجزيرة نت، 23 سبتمبر/أيلول 2026 (تاريخ الدخول: 28 سبتمبر/أيلول 2026)، https://shorturl.at/Rm8FJ
- كاتس يرد على خطاب الشرع: كل أرض سورية نأخذها ستبقى لنا إلى الأبد، 23 سبتمبر/أيلول 2026 (تاريخ الدخول: 23 سبتمبر/أيلول 2026)، https://shorturl.at/iO0zH
- كاتس يجول في مناطق سورية ويوجه رسائل للشرع، الجزيرة نت، 25 أغسطس/آب 2026 (تاريخ الدخول: 14سبتمبر/أيلول 2026)، https://shorturl.at/UISmx
- خزان الجنوب.. ماذا تريد إسرائيل من سدود القنيطرة ومجاريها المائية، موقع تليفزيون سوريا، 17 أغسطس/آب 2026 (تاريخ الدخول: 23 سبتمبر/ أيلول 2026)، https://shorturl.at/thAqP
6) قلق إسرائيلي من تمدد تركيا في سوريا ومخاوف من توجه الدولة الجديدة، الجزيرة نت، 15 يوليو/تموز 2026 (تاريخ الدخول: 14 سبتمبر/ أيلول 2026)، https://shorturl.at/adTe8
7) قلق إسرائيلي من تسارع إعادة بناء القوات الجوية السورية، سكاي نيوز/هيئة البث الإسرائيلية، 10 أغسطس/ آب 2026 (تاريخ الدخول: 15 أغسطس/آب 2026)، https://shorturl.at/tz0mB
8) رجَّح مصدر عسكري رسمي في الجيش السوري أن تكون هجمات إسرائيلية قد تسببت في تدمير مستودعات الأسلحة في حلب ودير الزور وريف دمشق. واستند هذا الترجيح، من بين أسباب أخرى، إلى رصد تحليق مكثف لطائرات استطلاع إسرائيلية في الأجواء السورية واللبنانية، قبل مدة قصيرة من الهجوم الذي استهدف مستودعًا كبيرًا للأسلحة في منطقة العيس بريف حلب (مقابلة مع مصدر عسكري سوري، 21 سبتمبر/أيلول 2026).
9) هاكابي يكشف موقف إسرائيل من التدخل السوري في لبنان، عربي 21، 12 يوليو/تموز 2026 (تاريخ الدخول: 22 سبتمبر/أيلول 2026)، https://shorturl.at/9bPNr
10) سيبان حمو: إسرائيل تحاول تعطيل اندماج قسد، موقع تليفزيون سوريا، 22 أغسطس/آب 2026 (تاريخ الدخول: 17 سبتمبر/أيلول 2026)، https://shorturl.at/WEwrZ
11) مقابلة عبر الهاتف مع الدبلوماسي السوري المقيم في واشنطن بسام بربندي (13 سبتمبر/أيلول 2026).
تلفزيون المملكة، براك: واشنطن تشجع الحوار المنطقي بدلًا من التصعيد العسكري في سوريا، 18 أغسطس/آب 2026، (تاريخ الدخول: 22 سبتمبر/أيلول 2026)، https://shorturl.at/DaBXf
12) أشار وزير الخارجية السوري، في إحاطة قدَّمها إلى باحثين وصحفيين، بتاريخ 17 أغسطس/آب 2026، إلى أن تطوير علاقات سوريا بمحيطها وبالمجتمع الدولي، وبناء شراكات جديدة، كانا من أدوات مواجهة السلوك الإسرائيلي العدائي، وأن هذا المسار حقق مكاسب سياسية لا يمكن التقليل من أهميتها.
13) تحدث وزير الخارجية السوري في إحاطته، عن أن حل الأزمات الداخلية من أهم وسائل مواجهة التحدي الإسرائيلي، ويوجد حرص بالغ لدى الحكومة على حل معضلة السويداء وفق الإطار الوطني.
14) إسرائيل وسوريا.. أبرز اللقاءات السرية والمعلنة. متى الحسم؟ دويتشه فيله، 25 أغسطس/آب 2026 (تاريخ الدخول: 28 سبتمبر/أيلول 2026)، https://shorturl.at/4GeFA
15) هامش مكرر، كاتس يرد على خطاب الشرع: كل أرض سورية نأخذها ستبقى لنا إلى الأبد، 23 سبتمبر/أيلول 2026 (تاريخ الدخول: 23 سبتمبر/أيلول 2026)، https://2u.pw/srVmll
16) وزير خارجية إسرائيل: وجود قواعد عسكرية تركية في سوريا خط أحمر، موقع تليفزيون سوريا، فرانس 24، 5 سبتمبر/أيلول 2026 (تاريخ الدخول: 28 سبتمبر/أيلول 2026)، https://2u.pw/lMm1if
17) إسرائيل تعيد فتح قنواتها الدبلوماسية المباشرة مع أنقرة، تركيا اليوم، 11 سبتمبر/أيلول 2026 (تاريخ الدخول: 20 سبتمبر/أيلول 2026)، https://2u.pw/JDfnOg