حرب السفن من مياه الخليج إلى البحر الأسود: الأمن الغذائي العالمي في مرمى النيران

21 October 2026
(مولدة بالذكاء الاصطناعي).

يبدو أن استهداف السفن بات تكتيكًا ثابتًا يُستخدم في الحروب الجارية سواء في مياه منطقة الخليج حيث تستمر حرب الاستنزاف بين الولايات المتحدة وإيران أو في البحر الأسود بين روسيا وأوكرانيا، والسفن المستهدفة ليست عسكرية في معظمها، وإنما في الغالب محملة بالنفط والغاز ومشتقاتهما أو بالغذاء من قمح وذرة، ونحوهما، وكلها سلع أساسية وضرورية لدروة الاقتصاد أو لحياة الإنسان.

ومنذ بداية هذا الشهر شهدت الملاحة التجارية في البحر الأسود تصعيدًا غير مسبوق؛ حيث أدَّت سلسلة من الهجمات بطائرات مسيَّرة إلى استهداف ما لا يقل عن سبع سفن شحن قبالة سواحل رومانيا وبلغاريا العضوين في حلف الناتو، وهو تطور خطير، تختبر من خلاله موسكو تماسك الحلف الذي اشتكى بعض أعضائه من تجاوزات روسية على أراضيهم، وهو ما بدأ يثير التساؤل بشأن إمكانية الذهاب إلى المادة الخامسة من معاهدة الناتو الخاصة بالدفاع الجماعي.

دأبت روسيا على قصف الموانئ الأوكرانية المطلة على البحر الأسود ونهر الدانوب؛ ومع تعطل أغلب الموانئ الأوكرانية، اتجهت كييف لطرق بديلة لتصدير حبوبها إلى الأسواق في إفريقيا والشرق الأوسط، عبر مسارات ثلاثة:

  1. ممر نهر الدانوب عبر رومانيا: تُنقل الحبوب من الداخل الأوكراني إلى مينائي إسماعيل وريني على الدانوب، ثم عبر قناة سولينا الرومانية إلى البحر الأسود، أو إلى ميناء كونستانتسا الروماني لإعادة تحميلها على سفن أكبر.
  2. الممرات البرية عبر الاتحاد الأوروبي: تستخدم أوكرانيا القطارات والشاحنات لنقل الحبوب عبر بولندا وسلوفاكيا والمجر ورومانيا، ومنها إلى موانئ أوروبية على بحر البلطيق أو الأدرياتيكي أو البحر الأسود.
  3. الممر البحري الأوكراني بمحاذاة سواحل دول الناتو: انطلاقًا من موانئ منطقة أوديسا، تسلك السفن طريقًا غرب البحر الأسود باتجاه المياه القريبة من رومانيا وبلغاريا ثم تركيا، وصولًا إلى مضيق البوسفور والأسواق العالمية.

لكن الممرات البديلة لم تسلم من الهجمات الروسية؛ حيث أشار تقرير لشركة الأمن البحري Ambrey، أن معدل الهجمات الشهرية المرتبطة بممر الدانوب ارتفع بنحو3.7  مرات، في يوليو/تموز الماضي، مقارنة بالنصف الأول من العام الجاري، هذا في الوقت الذي قفزت فيه حصة نهر الدانوب من البضائع التي يتم التعامل معها في الموانئ الأوكرانية من حوالي 10% في الفترة من يناير/كانون الثاني إلى يونيو/حزيران إلى 74% في أغسطس/آب 2026.

حرب على الغذاء من الأرض إلى البحر

ضمن إستراتيجية تحقيق أقسى الألم وتعميق الخسائر، لا يتورع الطرفان، الروسي والأوكراني، في معادلة الصراع عن استخدام كل الوسائل من أجل الردع أو الإخضاع. وبعد أن كانت الحرب في بداياتها تستهدف المقررات العسكرية واللوجستية، امتدت إلى البنية التحتية والموانئ وانتقلت تدريجيًّا إلى المصافي ومنشآت الطاقة، وهي تحوم اليوم بدرجة أكبر حول مرافق الغذاء والسفن المحملة بالحبوب وأصناف الغذاء.

في بداية الحرب، ركزت موسكو ضرباتها على البنية التحتية الأوكرانية لإنتاج الحبوب والبذور الزيتية؛ وعرقلت وصولها إلى موانئ أوكرانيا على البحر الأسود، وأمعنت في استهداف السفن التي تحمل الحبوب؛ مما أجبر أوكرانيا على تأمين طرق تصدير بديلة مثل نهر الدانوب، الذي أصبح هو الآخر هدفًا للهجمات الروسية.

تمثل صادرات الحبوب والزيوت النباتية جزءًا أساسيًّا من الاقتصاد الأوكراني؛ حيث تشير البيانات إلى أن أنها شكَّلت نحو 40% من إجمالي صادرات سلع البلاد في النصف الأول من هذا العام، وهو ما يفسر تركيز الضربات الروسية على الموانئ والسفن التي تنقل هذه المنتجات الحيوية للاقتصاد، ويُقدِّر وزير الزراعة الأوكراني، أنه في حال استمرار إغلاق الموانئ، ستخسر أوكرانيا ما لا يقل عن 8 مليارات دولار أميركي بين يونيو/حزيران من هذا العام ويونيو/حزيران 2027، ويُعادل هذا العجز 20% من إجمالي عائدات التصدير للعام الماضي.. وأدَّت الهجمات الروسية على سفن الشحن والبنية التحتية للتصدير إلى توقف حركة الملاحة البحرية عبر موانئ أوكرانيا على البحر الأسود، والتي كانت مسؤولة سابقًا عن نحو 90% من صادرات أوكرانيا الزراعية.

على الجانب الآخر، وحتى وقت قريب، ظلَّت مستويات إنتاج وتصدير الحبوب في روسيا بمنأى نسبيًّا عن الاستهداف، لكن كييف أدرات دفة مسيراتها خلال هذا الصيف نحو مرافق تصدير الحبوب والزيوت النباتية الروسية، وكذلك باتجاه السفن التجارية، بينها سفن لنقل الحبوب. وقد شكَّل ذلك تحولًا مهمًّا في الحرب الاقتصادية، بعدما كانت الضربات الأوكرانية تركز بصورة أكبر على منشآت الطاقة والمرافق العسكرية الروسية. وأدَّت الهجمات الأوكرانية إلى تعطيل محطات رئيسية لتصدير الحبوب الروسية في البحر الأسود وبحر آزوف، واضطرت موسكو إلى تحويل جزء من صادراتها إلى موانئ بحر البلطيق، وكان بحر آزوف يُصدِّر ما يقارب ربع صادرات روسيا من القمح.

نقص إمدادات واشتعال الأسعار

تعد روسيا أكبر مُصدِّر للقمح في العالم، وأوكرانيا خامس أكبر مُصدِّر للقمح في العالم، ومعًا يشكلان ما يقرب من 27% من صادرات القمح العالمية، وقد تسببت الهجمات الأخيرة في وصول أسعار العقود الآجلة للقمح في بورصة شيكاغو التجارية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2023، مسجلة زيادة بنحو 20% في الأشهر التسعة الأولى من هذا العام.

تزامن تصاعد الهجمات من الجانبين مع ذروة موسم تصدير القمح في كل دولة؛ إذ يُحصد قمح الشتاء، وهو النوع السائد في روسيا وأوكرانيا، في الصيف ويُصدَّر في أواخر الصيف وأوائل الخريف. وقد أدَّت الهجمات الأوكرانية، ولاسيما على الموانئ الروسية في بحر آزوف ونوفوروسيسك، إلى فقدان ما يُقدَّر بنحو 70% من قدرة روسيا على تصدير الحبوب. أما الهجمات الروسية الأخيرة فقد أدت إلى توقف الشحنات من أوديسا، وإخراج ما يقرب من 90 بالمائة من شحنات الحبوب الأوكرانية من الخدمة.

من جانبها، كثَّفت أوكرانيا هجماتها على سفن الشحن المغادرة للموانئ الروسية في شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب الماضيين، فبحسب مسؤولين أوكرانيين، هاجمت القوات الأوكرانية 76 سفينة بين 6 و11 يوليو/تموز. وفي منتصف يوليو/تموز، علَّقت روسيا الصادرات عبر قناة دون-آزوف. وتعرَّضت صادرات روسيا من القمح عبر بحر آزوف لمزيد من التراجع جرَّاء هجوم أوكراني على محطة تصدير حبوب رئيسية في ميناء تامان الروسي في نهاية شهر يوليو/تموز الماضي.

بين مطرقة الحرب وسندان الجفاف

ولأن المصائب لا تأتي فرادى كما يقال، فقد تزامن استهداف مرافق الغذاء وخطوط إمداده بين أكبر منتجين للحبوب في العالم، مع انخفاض في إنتاج القمح العالمي نتيجة للجفاف والتغير المناخي؛ حيث تشير تقديرات وزارة الزراعة الأميركية إلى أن ​​الإنتاج الإجمالي لأكبر سبع دول مُصدِّرة للقمح في العالم سيتراجع بنسبة 11% خلال موسم 2026/2027. كل هذا يشكل تهديدًا مزدوجًا للأمن الغذائي العالمي مع استمرار تراجع القدرة على إنتاج الغذاء، واضطراب القدرة على إيصاله إلى الأسواق المستوردة، في ظل ارتفاع تكاليف نقله وتأمين شحناته.

وفي المحصلة النهائية، ستُترجم الحرب الدائرة في البحر الأسود، إلى ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة فاتورة الواردات واستنزاف المخزونات الإستراتيجية، خصوصًا في الدول العربية والإفريقية الأكثر اعتمادًا على الحبوب المستوردة، وهو ما سيضيف إلى التضخم الناجم عن انقطاع إمدادات الطاقة بسبب الحرب في مياه الخليج، تضخمًا لا يقل خطورة مع تراجع إمدادات الغذاء بسبب الحرب الدائرة في البحر الأسود.

ABOUT THE AUTHOR