تدفعنا تطورات الأحداث في منطقة الخليج، منذ بدايات العام الجاري، لطرح أسئلة جوهرية تتعلق بأمن المنطقة عموما وأمن دولة قطر تحديدا. فكيف يمكن أن تصبح قطر وغيرها من دول مجلس التعاون الخليجي، قوى عسكرية فاعلة، مستقلة، وغير مرتهنة في ضمان أمنها للمظلات الخارجية.
يتركز حديثنا في هذا التعليق على الحالة القطرية، وكيف يمكن أن تبني، خلال السنوات الخمس القادمة، قدرة وطنية تجعل حماية الدولة ومصالحها الأساسية ممكنة حتى إذا غابت المساندة الخليجية والإقليمية، أو كانت الاستجابة الأميركية للحماية محدودة. والهدف من هذا الحديث بحث إمكانية الوصول إلى ما يمكن وصفه بالاستقلالية الدفاعية لقطر وليس الانعزال، أي أن تبقى قطر منفتحة على التحالفات والشراكات، دون أن يكون أمنها مرهونًا بقرار دولة أخرى.
قطر، دولة صغيرة جغرافيًّا وسكانيًّا، لكنها تتمتع بمزايا عديدة. فهي ذات بنية تحتية حيوية عالية القيمة، وموقع جغرافي حساس، واقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على استمرارية صادرات الطاقة والتجارة والملاحة إلى كافة أنحاء العالم تقريبًا. وتمتلك في الوقت ذاته موارد مالية كبيرة، وعلاقات دولية واسعة، وقاعدة مهمة تستضيف قوات أميركية، وقدرات متقدمة في مجالات الدفاع الجوي، وشبكة من العلاقات السياسية التي تمنحها وزنًا يتجاوز حجمها المادي.
لكن تلكم المزايا لا تعني امتلاك "الاستقلال الإستراتيجي"، بمعنى أن حماية قطر في أزمة كبرى كالتي تعيشها المنطقة منذ عدة أشهر، تظل مرتبطة بدرجة كبيرة بالولايات المتحدة. كما أن الاعتماد على قدرات منظومة التعاون الخليجي لا يوفر ضمانة كافية بأن دولها قادرة، أو راغبة في تحمل المخاطر دفاعًا عن عضو بالمنظومة.
بناء على ما سبق، يمكن القول إنه ينبغي أن يكون هدف السياسة القطرية، خلال السنوات الخمس المقبلة، تصميم وبناء "إستراتيجية وطنية مستقلة ذات قدرة على المنع والصمود والاستمرار"، تؤهلها لأن تكون دولة مستقلة دفاعيًّا، وليس بناء جيش قادر على مواجهة قوة إقليمية كبرى بمفرده.
هذه الإستراتيجية المقترحة ترتكز إلى ستة محاور، على النحو التالي:
- الدفاع الجوي والصاروخي.
- الوعي المبكر والسيادة المعلوماتية.
- حماية البنية التحتية.
- القوة الجوية والبحرية.
- الأمن السيبراني والحرب الإلكترونية.
- إعادة صياغة السياسة الأمنية والعسكرية حول مبدأ "تعدد الضمانات" بدل الاعتماد على ضامن واحد.
الاستقلال الدفاعي
ليس مطلوبًا من قطر استنزاف مواردها في بناء قدرات تمكِّنها من خوض حرب شاملة وحدها ضد قوة إقليمية كبيرة، بغضِّ النظر عمن تكون تلك القوة، فهذا أمر غير واقعي بالنسبة إلى دولة محدودة الجغرافيا والديمغرافيا. لكن الهدف الأكثر واقعية هو فكرة الوصول إلى "الاستقلالية الدفاعية" المناسبة لدولة صغيرة مثل قطر. وهذه الاستقلالية تعني القيام بعدد من المهام دون انتظار المساندة من الآخرين. وتشمل تلك المهام، على سبيل المثال لا الحصر:
- اكتشاف التهديد ونوعه قبل وصوله إلى أراضيها.
- إبطاء الضربة الأولى أو امتصاصها.
- حماية القيادة والمراكز الإستراتيجية للدولة.
- الحفاظ على الطاقة والمياه والكهرباء والاتصالات والموانئ والمطارات.
- الاستمرار في العمل السياسي والاقتصادي أثناء الأزمة.
- إلحاق تكلفة عالية بالمعتدي تجعله يعيد حساباته.
- الصمود لفترة طويلة دون أن يصبح استمرار الدولة مشروطًا بوصول قوة خارجية.
ولتحقيق تلك المهام بكفاءة واقتدار، تحتاج هذه الإستراتيجية إلى العمل وفق الأولويات الخمس التالية:
أولًا: بناء درع جوي قطري متكامل
هذه هي أهم فجوة تجب معالجتها؛ فلا يكفي امتلاك قطر لطائرات مقاتلة ومنظومات دفاع جوي متقدمة حتى يُقال إنها مستقلة دفاعيًّا، بل المطلوب هو بناء منظومة دفاعية جوية وصاروخية وطنية متكاملة، يكون الهدف منها، بحلول 2031، ليس امتلاك أفضل منظومة، بل امتلاك منظومة لا تتوقف حتى في حالة عدم وجود قوات ضامنة، أميركية كانت أم غيرها. وهذه المنظومة الدفاعية تشمل:
- شبكة رادارات قطرية متعددة الطبقات.
- ربط الرادارات المدنية والعسكرية.
- مركز وطني موحد للقيادة والسيطرة.
- دمج الدفاعات القصيرة والمتوسطة وبعيدة المدى.
- زيادة قدرات مكافحة المسيَّرات.
- تعزيز قدرات ووسائل الحرب الإلكترونية.
- توفير وسائل اعتراض منخفضة التكلفة للأهداف الصغيرة.
- تعزيز قدرات الحماية المتحركة للرادارات ومراكز القيادة.
- مخزون وطني كبير من الذخائر وقطع الغيار.
ثانيًا: القوة الجوية يجب أن تكون مصممة للاستقلال
تمتلك قطر حاليًّا أسطولًا جويًّا متقدمًا، ولكن لأن استقلال القوة الجوية لا يقاس بعدد الطائرات، علينا أن نطرح السؤال التالي: هل تستطيع القوات الجوية القطرية العمل لأسابيع متواصلة إذا تعطلت خطوط الإمداد الخارجية؟ وللإجابة بنعم، يجب أن تكون لدى قطر قدرة على استمرار العمليات الجوية حتى في غياب الدعم الأميركي المباشر أو غيره، ولو بمستوى أقل. وهذا بالطبع يقتضي من صانع القرار ومن يقوم على بناء وتصميم الإستراتيجية، العمل على النقاط التالية خلال السنوات الخمس القادمة:
- زيادة مخزون الذخائر، سواء بالإنتاج محليًّا، أو استيرادها من الخارج.
- رفع القدرة المحلية في الصناعات الدفاعية وتعزيز الصيانة.
- تدريب كوادر قطرية بصورة أكبر، تكون مؤهلة للقيام بأدوار مختلفة، منها الصيانة.
- إنتاج مخزونات من الذخائر، تكون موزعة وغير مركزة في موقع واحد.
- تعزيز مخزون المسيَّرات أو الطائرات بدون طيار.
- تطوير قدرات ووسائل التزود بالوقود، أرضًا وجوًّا، وتعزيز الدعم اللوجستي.
ثالثًا: البحر وخط الدفاع الثاني
بالنسبة إلى قطر، ولأنها شبه جزيرة يحيطها البحر من جهات ثلاث، فإن حماية المجال البحري ليست مسألة عسكرية فقط، وإنما مسألة اقتصادية بالغة الأهمية. فالغاز المسال والنفط والصادرات والواردات تعتمد على سلامة المياه حولها، وبالتالي ينبغي تطوير القوة البحرية بشكل يتناسب مع الاحتياجات، وتكون عالية التقنية والتجهيزات. وبالطبع ليس الهدف من وراء ذلك امتلاك أسطول كبير، وإنما جعل استهداف البنية البحرية القطرية أمرًا صعبًا ومكلفًا في الوقت ذاته. وهذا الأمر يتطلب التركيز على نقاط مهمة، منها:
- تعزيز وتطوير وسائل المراقبة البحرية بشكل مستمر لحماية المياه والمنشآت البحرية.
- تعزيز وتطوير قدرات مكافحة المسيَّرات البحرية.
- العمل على تعزيز قدرات ووسائل حماية الموانئ وتأمين خطوط الملاحة.
رابعًا: البرنامج الوطني المرن
نقطة الضعف الأخطر لدولة محدودة الجغرافيا والديمغرافيا هي البنية التحتية، على اعتبار أن أي ضربة ناجحة على عدد محدود من المنشآت الحيوية، يمكن أن يكون تأثيرها بالغًا وعميقًا على المستوى الوطني. ولأهمية الأمر، تتطلب الإستراتيجية الوطنية للدفاع، إنشاء ما يمكن أن نطلق عليه "برنامج حماية وطني مرن"، يهدف إلى حماية البنى التحتية المختلفة، مثل منشآت الغاز والطاقة، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الكهرباء، ومراكز وأبراج الاتصالات، والمطارات المدنية والعسكرية، والموانئ وشبكات الوقود، والمستشفيات والمؤسسات الحكومية، وأخيرًا مراكز البيانات.
وأحد وجوه الحماية أن يكون لكل قطاع من القطاعات المذكورة بديل احتياطي، فإن تعطلت محطة تحلية مياه رئيسية مثلًا لأي سبب من الأسباب، ينبغي أن تكون هناك قدرة احتياطية بديلة تمنع تحول مشكلة المياه إلى أزمة وطنية. وهكذا الحال مع كل قطاع.
خامسًا: أن تعرف قطر ما يحدث حولها قبل أن تعرفه الولايات المتحدة
الاستقلال العسكري يبدأ بالمعلومات، وبالتالي تحتاج قطر إلى تطوير قدرة وطنية في المجالات التالية:
- الاستطلاع الفضائي
- الطائرات غير المأهولة
- الرادارات
- الاستخبارات الإلكترونية
- تحليل البيانات بالذكاء الاصطناعي
لكن ذلك لا يعني أن تطلق قطر أقمارًا اصطناعية ضخمة لكل مهمة، وإنما التوجه نحو بناء منظومة تجمع بين أقمار تجارية وعسكرية، وشراكات دولية، وقدرات وطنية لجمع وتحليل البيانات من منطلق أنه لا ينبغي اعتماد قطر على طرف خارجي في مسألة الإبلاغ عن أي تهديد يتجه نحوها.
بالتأكيد، ستظل قطر في حاجة إلى الحصول على المعلومات من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وغيرها، لكن مع ذلك يجب أن تكون لديها قدرتها الذاتية المستقلة على إنتاج صورة استخباراتية وطنية، تقيِّم التهديد ونوعه، وكيفية إعداد العُدَّة مبكرًا لمواجهته، قبل طلب المساندة من الحلفاء، أو الشركاء.
سادسًا: تعـدد المظلات الأمنية
بيَّنت أحداث العام الجاري لكل دول مجلس التعاون أهمية تنوع وتعدد التحالفات والمظلات الأمنية، بدلًا من الاعتماد على قوة خارجية واحدة مثل الولايات المتحدة تحديدًا، خاصة مع احتمال أن تنخرط هذه القوة في أزمات دولية مستقبلية، أو تقرر لسبب أو آخر الحد من تدخلها المباشر في أزمات المنطقة، أو ربما إلى تخفيض نسبة وجودها؛ ما يستدعي ضرورة تبنِّي رؤية مستقبلية تتجه نحو تعدد التحالفات، وجعل الخليج مصلحة عالمية تتطلب تعاونًا دوليًّا للحفاظ على أمنها.
في هذا السياق، ولدعم هذا التوجُّه، يمكن لدول مجلس التعاون الاستفادة من كوريا الجنوبية وتركيا وبعض القوى الأوروبية، بالإضافة إلى قوى إقليمية مثل باكستان والصين في بعض المجالات، دون التخلي السريع عن التعاون مع الولايات المتحدة. والهدف من ذلك هو تقليل مخاطر الاعتماد على مورد واحد، أو حليف واحد، دون أن يعني هذا التعدد بناء تحالف مضاد للولايات المتحدة.
خلاصة
لا يعني القول بضرورة تحقيق الاستقلالية الدفاعية والسياسية لدولة قطر بحلول عام 2031 الانعزال عن الشركاء، أو الاستغناء عن التحالفات الراهنة، وإنما القصد منه بناء قدرة وطنية ذاتية تضمن حماية الدولة ومصالحها الحيوية في مختلف الظروف. وتتطلب هذه الحاجة الإستراتيجية، تطوير منظومة دفاع جوي متكاملة، وتعزيز الاستخبارات والقدرات السيبرانية، إضافة إلى حماية البنية التحتية، مع رفع كفاءة القوات الجوية والبحرية بما يضمن الصمود واستمرارية مؤسسات الدولة المختلفة في العمل. كما يستلزم تحقيق الاستقلالية الدفاعية تنويع الشراكات الدولية وتعدد الضمانات والمظلات الأمنية، من أجل تقليل الاعتماد على طرف واحد.
إن أساس الإستراتيجية المأمولة هو الانتقال من الاعتماد على الحماية الخارجية إلى امتلاك القدرة على الردع والصمود، واتخاذ القرار الوطني المستقل في وقته المناسب، دون أن يؤثر ذلك في الوقت نفسه على الانفتاح والتعاون الدولي.