فصائل العراقية المسلحة بين الهوية والمرجعية العقائدية وسط التصعيد الإقليمي

22 October 2026
فصائل عراقية أمام معضلة الجمع بين الهوية الوطنية ومرجعية عقائدية خارجية (الفرنسية)

تتناول هذه الورقة معضلة الهوية والولاء لدى الفصائل العراقية المسلحة المنضوية في إطار ما يُعرف بـ"المقاومة الإسلامية" أو "محور المقاومة"، انطلاقًا من سؤال يتعلق بسلوكها المتوقع في حال تجدد التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل: ماذا ستفعل هذه الفصائل إذا قررت القيادة الإيرانية توسيع المواجهة بينما اختارت الحكومة العراقية الحياد ومنع استخدام الأراضي العراقية في العمليات العسكرية؟ وهل ستلتزم بقرار الدولة التي تنتمي إليها أم بتوجيهات المرشد الإيراني الذي يعلن بعض أبرز تشكيلاتها الولاء له بوصفه وليًّا فقيهًا وصاحب سلطة دينية وسياسية؟

تنطلق الورقة من فرضية أن التناقض بين الهوية الوطنية والمرجعية العقائدية لا يظهر بالضرورة في الظروف الاعتيادية، حين تتوافق مصالح العراق وإيران أو لا تتعارض، وإنما يتكشف عند اختلاف القرارات المتعلقة بالحرب والسلم. ففي تلك اللحظة، لا تعود المشكلة متعلقة بتعدد الانتماءات وإنما بتعدد مصادر السلطة الملزمة، وبالجهة التي تمتلك القرار النهائي في استخدام القوة المسلحة.

لحظة الاختبار: عندما تتعارض إرادة بغداد وطهران

لن يكون مفاجئًا حدوث تصعيد عسكري واسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر في أي وقت خلال الأسابيع المقبلة، لاسيما بعد انتهاء الانتخابات النصفية الأميركية في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. من المتوقع حسب الإعلانات المختلفة الصادرة من طهران، أن تقوم إيران بتوسيع نطاق الرد ليشمل المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة، وكذلك البنى التحتية الأساسية للدول الخليجية بشكل خاص، ومنها منشآت الطاقة. سيجري كل ذلك وسط احتدام الحرب في اليمن، واحتمال انخراط حزب الله اللبناني في الحرب من خلال ضرب إسرائيل دعمًا لإيران، وهو ما قد يجبر دولًا أخرى في المنطقة على المشاركة في الحرب.

هذا السيناريو الممكن المتفجر إقليميًّا، سيمثل تحديًا للرغبة المعلنة للحكومة العراقية بالبقاء خارج الاستقطاب لصالح أيٍّ من أطراف الحرب، وبالطبع فمن بين أبرز شروط هذا (النأي بالنفس)، منع استخدام الأراضي العراقية في تنفيذ هجمات ضد دول أو أطراف في المنطقة.

التساؤل المركزي هنا سيكون حول موقف الفصائل العراقية التي تعلن انتماءها إلى (محور المقاومة): هل ستلتزم بالموقف العراقي الرسمي وقرارات رئيس الوزراء وتمتنع عن المشاركة إلى جانب إيران، أم أنها ستستجيب لتوجيهات المرشد الإيراني الذي تعده ولي أمرها وصاحب المرجعية العليا في قراراتها العقائدية وصاحب الولاية الشرعية؟ ولو تعارض القراران، فأيهما ستكون له الأولوية؟

في واقع الامر فإن هذا ليس مجرد افتراض نظري، بل إشكالية متوقعة في ضوء العلاقة التي نشأت خلال العقدين الماضيين بين بعض الفصائل العراقية وإيران، وتزداد أهميته مع اتساع المواجهة الإقليمية والضغوط الأميركية المتجددة لإنهاء استقلالية سلاح الفصائل عن الدولة العراقية.

هذه الفصائل ليست مجموعات أجنبية يمكن للدولة معالجة أمرها بالإبعاد أو المنع، كما حدث مثلًا مع حزب العمال الكردستاني التركي أو حركة مجاهدي خلق الإيرانية، بل هي تنظيمات عراقية في تكوينها البشري والاجتماعي والسياسي، ويشغل بعض قادتها مناصب رسمية في الدولة، ولها أجنحة سياسية ممثلة في البرلمان، وتستفيد تشكيلات مرتبطة بها من التمويل الحكومي عبر المؤسسات الحكومية والأمنية، وفي مقدمتها هيئة الحشد الشعبي.

وإذا كانت الدولة لا تستطيع منع تشكيل مسلح يعمل على أراضيها من المشاركة في حرب إقليمية، فإن المشكلة لا تصبح مقتصرة على امتلاك ذلك التشكيل للسلاح بل تمتد إلى وجود سلطة موازية تنازع الدولة حق تقرير الحرب والسلم.

من المقاومة الوطنية إلى الانتماء لمحور إقليمي

نشأت الفصائل المسلحة العراقية في ظروف تاريخية وسياسية مختلفة، ولا يصح اختزالها في تجربة واحدة. فقد ارتبط بعضها بحركة المعارضة لنظام الرئيس الراحل، صدام حسين، ونشأ بعضها الآخر بعد الغزو الأميركي، عام 2003، بينما اكتسبت تشكيلات أخرى شرعية اجتماعية وسياسية واسعة خلال الحرب ضد تنظيم داعش، بعد عام 2014.

وتَعُدُّ جماعات مسلحة، مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء، أن مصدر شرعيتها يعود إلى مقاومة الوجود العسكري الأميركي الذي قاد التحالف الدولي ضد داعش، منذ عام 2014، لكن هذه السردية كانت تصطدم دومًا بحقيقة أن وجود هذه القوات كان بطلب من الحكومة العراقية لمساعدتها في مواجهة تنظيم داعش الذي سيطر على نحو ثلث مساحة العراق، كما أن انسحاب هذه القوات بشكل كامل، يوم 30 سبتمبر/أيلول الماضي، كان يتوجب أن ينهي سردية الفصائل حول الشرعية، لكن بعضها عاد لتقديم سرديات جديدة لتعزيز حقه بالبقاء بوصفه قوة مسلحة خارج الدولة ضمن "حق المقاومة".

ولم تكتف بعض هذه الفصائل في تعريف نفسها بوصفها حركات مقاومة وطنية تعمل ضمن الحدود العراقية؛ فقد ارتبط بعضها تدريجيًّا بمشروع إقليمي أوسع تقوده إيران ويقوم على اعتبار المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل صراعًا مترابطًا لا تحدده الحدود الوطنية.

وقد تجسد هذا التحول في مشاركة فصائل عراقية في الحرب السورية، وفي تبني مفهوم "وحدة الساحات"، وفي اعتبار الدفاع عن أطراف محور المقاومة جزءًا من الدفاع عن العراق نفسه.

من وجهة نظر هذه التنظيمات المحددة أن ذلك لا يشكِّل ذلك تناقضًا مع الوطنية العراقية. فهي ترى أن الأمن العراقي لا يمكن فصله عن أمن إيران أو سوريا أو لبنان، وأن إضعاف أحد أطراف المحور قد يؤدي إلى إضعاف الآخرين، بما في ذلك العراق.

وتستند هذه الرؤية إلى تصور للأمن الإقليمي يقوم على الترابط بين الجبهات. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التصور إلى أساس لاتخاذ قرارات عسكرية مستقلة عن الحكومة العراقية، فالدولة قد تتفق مع الفصائل على أن أمن إيران يؤثر في أمن العراق، لكنها قد تختلف معها في كيفية التعامل مع هذا التأثير، أو في تقدير كلفة المشاركة في الحرب إلى جانب إيران مقارنة بكلفة الحياد، والمشكلة الأكبر تظهر حينما تجد الدولة أن مصلحتها الإستراتيجية تقتضي بناء تحالفات مع قوى إقليمية ودولية بعضها في حالة صراع مع إيران، كما في العلاقة مع الولايات المتحدة والسعودية مثلًا، وسط الصراع الراهن بين طهران وواشنطن، أو بين التحالف العربي بقيادة السعودية مع جماعة الحوثي في اليمن.

هنا يظهر الفارق بين التحالف الإستراتيجي والالتزام العقائدي. فالأول يسمح للدولة بإعادة تقدير مصالحها وتعديل تحالفاتها، أما الثاني فقد يجعل الالتزام بالمشروع الإقليمي التابع للمصالح الإيرانية واجبًا "عقائديًّا" يتجاوز الحسابات الوطنية المباشرة.

بذلك يصبح الدفاع عن العراق، في الخطاب الفصائلي، مفهومًا قابلًا للاتساع بحيث يشمل الدفاع عن إيران أو عن أطراف أخرى في المحور، حتى عندما تقرر الحكومة العراقية عدم المشاركة في الصراع، أو إن كان انخراط الفصائل يتضمن استهداف دول عربية للعراق علاقات إستراتيجية متنامية معها، كما في حالة دول الخليج وسوريا والأردن. بمعنى آخر، ستتولى الفصائل بالقوة وظيفة الدولة في اتخاذ قرار الحرب، مستغلة هويتها العراقية وقدراتها التي نشأت تحت رعاية الدولة العراقية، لتقوم بمهام تخدم بها دولة أخرى على أساس الولاء العقائدي، حتى لو كان الأمر يصيب بالضرر الجسيم مصالح العراق الكبرى.

ولاية الفقيه: المرجعية التي تتجاوز الحدود الوطنية

لفهم هذا الازدواج، ينبغي العودة إلى طبيعة نظرية ولاية الفقيه، والتمييز بين المرجعية الدينية بوصفها مصدرًا للفتوى والإرشاد، وولاية الفقيه بصيغتها السياسية التي تمنح الفقيه الحاكم سلطة تتجاوز المجال الديني إلى قيادة الدولة وتحديد سياساتها الأساسية.

في التقليد الشيعي، لا يعني تقليد مرجع ديني بالضرورة الاعتراف له بسلطة سياسية على الدولة التي يعيش فيها المقلِّد. أما نظرية ولاية الفقيه، كما طوَّرها آية الله الخميني وأصبحت أساسًا للنظام السياسي الإيراني، فتقوم على منح الفقيه الحاكم صلاحيات سياسية واسعة.

وتتبنى بعض الفصائل العراقية هذه النظرية بوصفها جزءًا من هويتها العقائدية والتنظيمية، وتعلن التزامها بسلطة المرشد الإيراني، بوصفه صاحب ولاية شرعية.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات: الإيمان الديني بولاية الفقيه، والولاء السياسي للقيادة الإيرانية، والطاعة العسكرية المباشرة لأوامرها. وهذه مستويات مترابطة لدى بعض التنظيمات، لكنها ليست متطابقة بالضرورة.

فقد يعتقد فرد عراقي بولاية الفقيه من دون أن يخالف القانون العراقي، وقد يقيم تنظيمٌ ما علاقة سياسية وثيقة بإيران من دون أن يتلقى أوامر عسكرية مباشرة منها. لكن المشكلة السيادية تنشأ عندما يصبح الالتزام بقرارات المرشد مصدرًا لقرارات سياسية وعسكرية تتعارض مع سلطة الدولة وربما مصالحها.

ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي ليس ما تقوله الفصائل عن هويتها، وإنما كيفية تصرفها إذا أصدر رئيس الوزراء العراقي أمرًا بعدم المشاركة في حرب، بينما صدر عن المرشد الإيراني توجيه مخالف، وفي هذه الحالة، يصبح السؤال عن المرجعية الحقيقية سؤالًا عن السلطة النهائية، لا عن المشاعر والانتماءات.

الفصائل الولائية وتحوُّل الولاء من عقيدة إلى قرار عسكري

درج السرد الإعلامي والبحثي على إطلاق عبارة "الفصائل الولائية" على المجموعات المسلحة التي تعلن التزامها باتباع الولي الفقيه أو المرشد الأعلى في إيران. وهذه الفصائل هي الأكثر تشددًا في مواقفها، وفي قدراتها العسكرية والبشرية، ومواردها الاقتصادية. ومن أبرز هذه الفصائل: حركة النجباء، وكتائب حزب الله، وكتائب سيد الشهداء. وهناك مجموعات أخرى أقل أهمية، فضلًا عن مسميات لتشكيلات قد تكون مجرد واجهات إعلامية للمجموعات الرئيسية ذاتها.

وتعبِّر كل من حركة النجباء وكتائب حزب الله عن ارتباط مباشر بنظام "الولي الفقيه" بوصفه مرجعية للقرار؛ حيث يقول أمين عام حركة النجباء، أكرم الكعبي: إن "حركة المقاومة الإسلامية النجباء هي حزب ولاية الفقيه" وإنها ستكون حيث يحتاجها "محور المقاومة". أما كتائب حزب الله، فهي تصف المرشد الإيراني بوصف "الإمام القائد"، وتربط ولاية الفقيه في خطابها المعلن بهدف إقامة "نظام إسلامي في العراق" على غرار النموذج الإيراني، وبعد اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى في إيران، في مارس/آذار 2026، أعلنت "الولاء المطلق للقيادة الجديدة".

وقد رفض التنظيمان دعوة رئيس الوزراء، علي الزيدي، لحصر السلاح بيد الدولة، علمًا بأن الفصيلين ما زالا جزءًا من الحشد الشعبي، ويتلقيان منه مرتبات عناصرهما بل إن رئيس أركان الحشد، عبد العزيز المحمداوي، المعروف بأبي فدك، معروف كقيادي في كتائب حزب الله، وقد سبق له وأدلى من طهران، في عام 2024، بتصريحات أكد فيها الالتزام برؤية المرشد وقراره، ومازال أبو فدك في منصبه القيادي في الحشد الشعبي.

بالمقابل، عبَّر زعيم طرف "ولائي" آخر هو الأمين العام لكتائب سيد الشهداء، أبو آلاء الولائي، عن أنه لا يرى تناقضًا بين الوطنية والشرعية الدينية، واعتبر أن أهمية الحدود تأتي في مرتبة ثانوية. وقال إن جماعته يمكن أن تشارك في الحرب إلى جانب إيران في حال "تعرضت الجمهورية الإسلامية إلى تهديد حقيقي لوجودها"، ولم يحدد الولائي من يقرر أن إيران تواجه تهديدًا وجوديًّا، وهل تستطيع الحكومة العراقية منع مشاركة الفصيل إذا اعتبر هو أو المرشد الإيراني أن ذلك التهديد قائم؟

في واقع الأمر، إن الأطراف الثلاثة السابقة تتبنى نفس الفكر المؤمن بولاية الفقيه، وازدواجية التعامل مع "الهوية الوطنية العراقية" والولاء العقائدي للمرشد الإيراني، لكن كتائب سيد الشهداء، حاولت أن تتخذ طريقًا أكثر وسطية من خلال الدخول في العمل السياسي إلى جانب الاحتفاظ بالسلاح، وحصلت في الانتخابات الأخيرة على 5 مقاعد، وحصلت مؤخرًا على حقيبة السياحة في الحكومة. وخلافًا للنجباء وحزب الله، أعلنت كتائب سيد الشهداء عن موافقتها على برنامج الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة، لكنها وضعت لذلك شروطًا معقدة طويلة الأمد.

الاتجاه الثالث للفصائل الولائية يتمثل بتنظيم عصائب أهل الحق، وهو يجسد بشكل أكبر التداخل بين الانتماء العقائدي والعمل السياسي المحلي. فهذا التنظيم ارتبط تاريخيًّا بإيران وبنظرية ولاية الفقيه، لكنه بدأ في وقت مبكر نسبيًّا المشاركة في النظام السياسي العراقي، وأصبحت مصالحه مرتبطة بمؤسساته واستقراره. ووردت في تصريحات الأمين العام للعصائب، قيس الخزعلي، تعبيرات تؤكد الولاء الديني للمرشد الإيراني، إلى جانب تصريحات أخرى تشدِّد على استقلال القرار العراقي، وتقدم التنظيم بوصفه فاعلًا وطنيًّا. وهنا لا ينبغي التعامل مع هذا التباين بوصفه تناقضًا خطابيًّا فحسب؛ إذ قد يعكس اختلافًا بين المرجعية العقائدية التي يحتفظ بها التنظيم والحسابات السياسية التي يفرضها وجوده في الحكومة والبرلمان. وحسمت الحركة هذا لصالح الانخراط السياسي، بعدما أعلنت تأييدها حصر السلاح بيد الدولة، وقامت بالفعل بفك ارتباطها بالحشد الشعبي وتسليم أسلحتها للدولة حسب الإعلانات الرسمية.

في النماذج الثلاثة، اشتراك بمرجعية عقائدية واحدة، لكن التعامل معها لم يكن متماثلًا، فهناك فصائل تعترف علنًا بمرجعية عقائدية إيرانية تتجاوز الدولة العراقية، وترفض التخلي عن سلاحها للدولة، وهناك من يتبنى نفس المرجعية العقائدية، لكنه يحاول مسك العصا من الوسط، بالبقاء ضمن العمل السياسي والحصول على مواقع حكومية والاحتفاظ بالسلاح بعد وضع شروط معقدة لتسليمه. وهناك، ثالثًا، من خفَّف إلى حدٍّ كبير من إشارات علاقته العقائدية بولاية الفقيه بإيران وكذلك من وجوده المسلح، وذلك لصالح اندماجه في الدولة والنظام السياسي.

السلوك المتوقع في حال تجدد التصعيد العسكري

لا يمكن توقع استجابة موحدة من جميع الفصائل العراقية في حال اتساع الحرب مع إيران. فالاختلافات في المرجعية والقيادة والارتباطات الإقليمية والمصالح السياسية والاقتصادية تجعل من المرجح وجود تباينات في حسابات التنظيمات.

ويمكن تحديد أربعة أنماط محتملة للسلوك، تتوقف على شدة التصعيد وأمده الزمني وموقف الحكومة العراقية وطبيعة التوجيهات الإيرانية.

أولًا: المشاركة العسكرية المباشرة

قد تتجه بعض التنظيمات الأكثر ارتباطًا بالمشروع الولائي إلى استئناف الهجمات ضد المصالح والقواعد الأميركية أو الانخراط في عمليات مرتبطة بـ(محور المقاومة)، خصوصًا إذا اعتبرت أن إيران تواجه تهديدًا وجوديًّا. وتستند هذه الفرضية إلى تاريخ مشاركة بعض الفصائل في مواجهات إقليمية، وإلى تصريحات قادتها بشأن الالتزام بالدفاع عن إيران، وإلى تصورها لأن أمن العراق جزء من أمن المحور. لكن المشاركة لا ينبغي افتراضها كنتيجة حتمية للولاء العقائدي؛ فقد تحد منها اعتبارات الردع العسكري أو الاستجابة الضغوط السياسية الداخلية أو تقديرات القيادة الإيرانية نفسها.

ثانيًا: الدعم السياسي واللوجستي مع تجنب القتال

قد تفضِّل بعض الفصائل تقديم الدعم السياسي والإعلامي، أو أشكال الدعم غير القتالي التي لا تخالف القانون العراقي، مع تجنب الدخول المباشر في الحرب. ويسمح هذا السلوك بالمحافظة على العلاقة العقائدية مع إيران، من دون تحمل جميع تكاليف المواجهة العسكرية. وقد تلجأ إليه خصوصًا التنظيمات التي توسعت مصالحها داخل النظام السياسي، وأصبحت أكثر تأثرًا باستقرار المؤسسات الحكومية والاقتصاد العراقي.

ثالثًا: الالتزام بقرار الحكومة العراقية

يمثل هذا المسار اختبارًا حقيقيًّا لأولوية السيادة الوطنية، فقد تقرر بعض الفصائل، حتى مع استمرار ولائها العقائدي، أن المصلحة العراقية تقتضي تجنب الحرب، وأن قرار استخدام السلاح يجب أن يبقى خاضعًا للحكومة. ولا يعني ذلك بالضرورة تخليها عن ولاية الفقيه، بل قد يعكس تفسيرًا يميز بين الالتزام الديني والواجب القانوني تجاه الدولة.

وقد تتباين مواقف الفصائل، بل قد تظهر اختلافات داخل التنظيم الواحد، بين اتجاه يمنح الأولوية للتكليف العقائدي، واتجاه يرى أن الحفاظ على النظام السياسي العراقي ومكتسبات الفصيل يتطلب تجنب المواجهة. بمعنى أن السلوك المتوقع للفصائل لا تحدده الهوية الولائية وحدها، وإنما التفاعل بين ثلاثة عوامل: الالتزام العقائدي، والمصلحة التنظيمية، وكلفة مخالفة القرار السيادي العراقي.

معضلة الهوية الوطنية: هل يمكن الدفاع عن العراق من خارج قراره؟

تطرح الفصائل المرتبطة بـ"محور المقاومة" تصورًا خاصًّا للوطنية، يقوم على أن الدفاع عن العراق لا ينحصر في حماية حدوده الجغرافية، وإنما يشمل مواجهة التهديدات التي قد تنشأ في محيطه الإقليمي. وليس هذا التصور غريبًا تمامًا عن نظريات الأمن القومي؛ فالدول الحديثة نفسها تبني تحالفات عسكرية وتشارك أحيانًا في عمليات خارج حدودها لحماية مصالحها.

لكن الاختلاف الجوهري يكمن في الجهة التي تمتلك حق تقرير المشاركة، فعندما تشارك دولة في تحالف عسكري، يفترض أن يتم ذلك وفق إجراءاتها الدستورية ومؤسساتها المختصة. أما عندما يقرر تنظيم مسلح داخل الدولة المشاركة في حرب خارجية استنادًا إلى مرجعية مستقلة، فإن المسألة تتجاوز مفهوم التحالف إلى منازعة السلطة السيادية، والأنكى هو أن يستخدم أراضي بلاده في المشاركة بالحرب، وبالتنسيق والإشراف من قبل دولة أجنبية.

ومن هنا يمكن التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيرًا ما تختلط في خطاب الفصائل: الوطنية بوصفها انتماءً، والمصلحة الوطنية بوصفها تقديرًا سياسيًّا، والسيادة الوطنية بوصفها سلطة قانونية نهائية.

قد يكون المقاتل في الفصيل المعني مقتنعًا بأنه يدافع عن العراق حين يشارك في حماية إيران، وقد يرى أن انهيار النظام الإيراني سيشكِّل خطرًا على بلاده. لكن هذا الاعتقاد لا يمنحه، ولا يمنح تنظيمه، سلطة اتخاذ قرار الحرب باسم العراق، بل إن الحكومة العراقية قد تتفق معه في تقدير الخطر، لكنها ترى أن الحياد أو الوساطة أو تجنب التصعيد هي الوسائل الأكثر ملاءمة لحماية البلاد. وهنا يصبح الخلاف حول من يملك تعريف المصلحة الوطنية بصورة ملزمة، وليس فقط حول ماهية تلك المصلحة.

ويمكن الاستعانة بمفهوم "السلطة النهائية" في نظرية السيادة لتفسير هذه المعضلة. فالدولة لا تفقد سيادتها لمجرد وجود جماعات تختلف معها في تقييم التهديدات، لكنها تواجه انتقاصًا عمليًّا من سلطتها حين تستطيع تلك الجماعات فرض خيارات عسكرية رغم اعتراض مؤسساتها الدستورية. والوطنية لا تقاس فقط بالاستعداد للتضحية من أجل الوطن، وإنما أيضًا بالقبول بأن المؤسسات الشرعية للدولة هي التي تحدد متى وكيف تستخدم القوة باسمه.

وتسعى الحكومة العراقية من خلال مشروع حصر السلاح بيد الدولة إلى السيطرة على الحق السيادي باحتكار العنف، وكذلك على قرار الحرب والسلام، لكن هذا المشروع ما زال يواجه عقبات مختلفة بسبب وجود مجموعات ترفض الانصياع له، وأخرى وافقت نظريًّا فقط، وثالثة أودعت سلاحها داخل مؤسسات الحشد؛ ما قد يمنحها قدرة الوصول إلى السلاح في حال أرادت ذلك، وذلك بحدِّ ذاته تحدٍّ للدولة في أن تنقل مفهوم حصر السلاح من قرار رسمي ملزم للجميع إلى برنامج وطني قد تؤديه الفصائل بقناعة ورغبة أو ترفضه.

إن اندماج الفصائل في الدولة وتخلِّيها عن السلاح لا يفرض عليها نزع ولاءها العقائدي "للولي الفقيه" بالضرورة، لكن استمرار ذلك الفصيل بجعل الولاء العقائدي يتقدم على إرادة الدولة في المواقف السياسية والعسكرية وربما تنفيذ أوامر مباشرة تأتي من خارج البلاد، هو ما يعني فشل الاندماج.

وتبرز هنا معضلة عملية: إذا كان بعض قادة الفصائل يشغلون مناصب داخل المؤسسات الأمنية الرسمية بينما يحتفظون في الوقت نفسه بولاءات تنظيمية أو عقائدية خارج سلسلة القيادة الحكومية، فإن إدماج التشكيلات لا يضمن تلقائيًّا توحيد القرار، بل قد يكون سببًا مباشرًا في اختراق مؤسسات الدولة وتسخيرها هذه المرة لخدمة أجندات الفصيل المعني، وبالطبع الطرف الخارجي، وبذلك، فإن فشل الدولة في الإدماج ونزع السلاح لن يكون هنا هو نهاية المطاف بل يمتد الأمر إلى جعل الدولة ذاتها في خدمة الفصيل المسلح وليس العكس.

مخاوف القيادات الشيعية: من حماية النظام إلى تهديد بقائه

تواجه القوى السياسية الشيعية المهيمنة على السلطة التنفيذية في العراق معضلة تختلف عن معضلة الفصائل نفسها، فهذه القوى لا تتعامل مع الفصائل بوصفها جماعات مسلحة مستقلة فقط، وإنما بوصفها جزءًا من التوازنات التي تشكلت داخل النظام السياسي بعد عام 2003، وبعضها حليف سياسي أو انتخابي أو شريك في إدارة مؤسسات الدولة، بل إن بعض هذه القوى الشيعية، هي بالأساس أجنحة سياسية لتنظيمات مسلحة اندمجت في القوات الأمنية أو ما زالت مستقلة.

وقد لعبت فصائل من الحشد الشعبي دورًا مهمًّا في مواجهة داعش، واكتسبت بذلك شرعية اجتماعية وسياسية واسعة، ثم توسع حضور قوى مرتبطة بها في البرلمان والحكومة والمؤسسات الاقتصادية والأمنية. لكن الظروف التي سمحت بتعايش الدولة والفصائل تغيرت مع تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

فإذا انخرطت الفصائل في حرب إقليمية انطلاقًا من الأراضي العراقية، فقد يؤدي ذلك إلى استهداف مواقع داخل العراق، وإلى تصعيد الضغوط الأميركية على الحكومة، وربما فرض إجراءات مالية واقتصادية تؤثر في مؤسسات الدولة، بل وقد تطيح بالنظام السياسي برمته. وهنا قد تتحول القوة المسلحة التي اعتُبرت في مراحل سابقة أحد عناصر حماية النظام إلى مصدر للمخاطر على استقراره.

وفي المقابل، فإن محاولة الحكومة انتزاع سلاح الفصائل بالقوة قد تؤدي إلى مواجهة داخل البيئة السياسية الشيعية، وإلى انقسامات داخل المؤسسات الأمنية والتحالفات الحاكمة. وهذه هي المعضلة التي تواجه الإطار التنسيقي والقوى الشيعية المرتبطة به: كيف يمكن منع الفصائل من جرِّ العراق إلى حرب إقليمية، من دون الدخول معها في مواجهة قد تهدد تماسك النظام السياسي؟

من الضروري هنا التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: حماية الدولة العراقية، وحماية النظام السياسي القائم، فالدولة تمثل الإطار المؤسسي والسيادي الذي يضم المجتمع العراقي بمختلف مكوناته، بينما يشير النظام السياسي إلى القواعد والتحالفات ومراكز النفوذ التي تنظم ممارسة السلطة.

وقد تكون للفصائل مصلحة قوية في بقاء النظام السياسي بعد عام 2003، لأنه يمنحها شرعية ومشاركة ونفوذًا وموارد. لكن هذه المصلحة لا تعني بالضرورة استعدادها للخضوع الكامل لسلطة الدولة، بل قد يفضِّل بعض التنظيمات استمرار نظام سياسي يتيح لها الاحتفاظ باستقلاليتها العسكرية، على قيام دولة أكثر مركزية تستطيع انتزاع هذا الاستقلال. وهنا تنشأ مفارقة لافتة: يمكن للفصيل أن يدافع عن بقاء النظام، لكنه برفضه احتكار الدولة للسلاح، قد يتسبب بخلق ظروف تطيح بالنظام السياسي الذي أوجده.

كما أن القوى الحاكمة قد ترى أن بقاء النظام يقتضي تجنب الصدام مع الفصائل، حتى لو أدى ذلك إلى استمرار ازدواج السلطة العسكرية، وبذلك تصبح المحافظة على النظام، في بعض الظروف، عائقًا أمام استكمال بناء الدولة.

ولا يعني هذا أن جميع القوى الشيعية تتبنى الموقف نفسه؛ إذ تتفاوت مصالحها ومواقفها من إيران والفصائل والولايات المتحدة. كما أن استمرار النظام السياسي العراقي لا يتوقف على القوى الشيعية وحدها، وإنما على توازنات وطنية أوسع تشمل القوى السنية والكردية والمؤسسات الدستورية والمجتمع، لكن الموقع المركزي للأحزاب الشيعية في تشكيل الحكومات يجعلها تتحمل جانبًا أساسيًّا من مسؤولية إدارة التناقض بين السلاح الفصائلي والسيادة الوطنية.

إيران ومعضلة الحفاظ على الفصائل والنظام العراقي معًا!

لا يمكن تفسير السلوك المتوقع للفصائل من دون النظر إلى حسابات إيران نفسها، فالفصائل العراقية المرتبطة بطهران تؤدي وظائف متعددة في الإستراتيجية الإقليمية الإيرانية؛ فهي توفر عمقًا أمنيًّا، وتمثل جزءًا من شبكة الردع، وتمنح إيران قدرة على التأثير في التوازنات العراقية والإقليمية.

لكن أهمية هذه الفصائل لإيران لا تعني بالضرورة أن طهران ترغب في استخدامها عسكريًّا في كل مواجهة، فالنظام السياسي العراقي القائم يوفر لإيران بدوره مصالح اقتصادية وسياسية وإستراتيجية مهمة، وقد يؤدي انزلاق العراق إلى حرب داخلية أو مواجهة واسعة مع الولايات المتحدة إلى إضعاف هذه المصالح.

ولهذا قد تتعارض مصلحة إيران في الاحتفاظ بالقدرات العسكرية للفصائل مع مصلحتها في استخدامها الفوري، وفي هذه الحالة، قد تفضل طهران المحافظة على الفصائل بوصفها قوة ردع محتملة، مع تشجيعها على تجنب التصعيد أو الدخول في تسويات سياسية تؤجل نزع سلاحها. لكن هذا الحساب قد يتغير إذا تعرض النظام الإيراني نفسه لتهديد وجودي، أو إذا اعتقدت القيادة الإيرانية أن توسيع جبهات المواجهة ضروري لتخفيف الضغط العسكري عنها.

ويبدو أن الفصائل العراقية، تجاوزت بأهميتها لإيران فوائد الضغط العسكري إلى مصدر للتمويل المالي؛ فقد نقل موقع أكسيوس (Axios)، في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، قوله: إن جماعات عراقية مسلحة مرتبطة بإيران أرسلت أموالًا إلى الحرس الثوري الإيراني في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهه. ولم يقدم التقرير بيانات مالية مستقلة تتيح التحقق من حجم هذه التحويلات أو تحديد التنظيمات العراقية المعنية.

وإذا ثبتت هذه التحويلات في حالات محددة، فإنها ستشير إلى أن العلاقة بين إيران والفصائل ليست مجرد علاقة تمويل من المركز إلى الأطراف بل قد تتحول إلى علاقة دعم متبادل، بما يزيد من تعقيد الروابط التنظيمية والاقتصادية.

ومع ذلك، ينبغي عدم اختزال الفصائل في أدوات إيرانية فاقدة للإرادة. فقد أظهرت تجارب سابقة أن بعض التنظيمات قد تتخذ مواقف تصعيدية لا تتطابق تمامًا مع رغبة طهران، أو قد ترفض توجيهات إيرانية بالتهدئة. وعليه، فإن العلاقة بين إيران والفصائل تجمع بين الولاء العقائدي، والتنسيق الإستراتيجي، والاعتماد المتبادل، والمصالح المحلية المستقلة. وتصبح المسألة الحاسمة هي مدى قدرة أيٍّ من الطرفين على فرض قراره عندما تختلف حساباتهما.

مستقبل النظام السياسي العراقي بين السلاح والسيادة

إن استمرار الفصائل المسلحة بوصفها قوى سياسية وعسكرية ذات مرجعيات متعددة لا يمثل تحديًا أمنيًّا فحسب، بل يطرح سؤالًا عن طبيعة النظام السياسي العراقي وإمكان تطوره.

فالنظام الذي نشأ بعد عام 2003 استطاع استيعاب قوى مسلحة داخل مؤسساته وتحالفاته، لكنه لم ينجح بصورة كاملة في إنهاء استقلالية جميع هذه القوى أو توحيد القرار العسكري تحت سلطة الدولة.

وقد ساعد هذا التعايش على إدارة توازنات سياسية وأمنية معقدة، لكنه أنتج في الوقت نفسه بنية هجينة تتداخل فيها المؤسسات الرسمية مع الولاءات الحزبية والعقائدية والعلاقات الإقليمية. ومع تصاعد المواجهة الأميركية الإيرانية، تصبح كلفة استمرار هذه البنية أكثر وضوحًا.

فإذا استطاعت الفصائل اتخاذ قرارات عسكرية قد تجر العراق إلى حرب لا ترغب فيها حكومته، فإن النظام السياسي يصبح معرَّضًا لتداعيات قرارات لا يملك السيطرة الكاملة عليها، وإذا حاولت الحكومة فرض سيادتها بالقوة، فقد تواجه مقاومة من تنظيمات تشارك في التحالفات السياسية التي تستند إليها؛ وبذلك تتداخل أزمة السيادة مع أزمة بقاء النظام نفسه.

ولا تقتصر هذه المعضلة على العلاقة بين الفصائل والحكومة، بل تشمل أيضًا قدرة القوى الشيعية الحاكمة على التمييز بين مصالحها الحزبية ومصلحة الدولة العراقية، فالمحافظة على نظام سياسي يسمح باستمرار قوى مسلحة مستقلة قد توفر استقرارًا تفاوضيًّا مؤقتًا لكنها لا تعالج مشكلة احتكار القرار العسكري.

وفي المقابل، فإن بناء دولة أكثر قدرة على فرض القانون يتطلب ترتيبات سياسية ومؤسسية تضمن عدم تحول نزع السلاح إلى مواجهة أهلية جديدة. وهنا تبرز أهمية الفصل بين الاندماج السياسي المشروع والاحتفاظ بسلطة عسكرية مستقلة، فليس مطلوبًا من الفصائل التخلي عن معتقداتها الدينية أو المشاركة السياسية، وإنما خضوع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة الدولة القانونية والعملياتية بما يشمل التعيينات والتمويل والتسليح والأوامر والمساءلة.

كما أن نجاح هذا المسار يتطلب ضمانات مؤسسية تحول دون استخدام احتكار السلاح أداةً للإقصاء الحزبي أو الطائفي، لأن شرعية الدولة لا تقوم على احتكار القوة وحده، وإنما على خضوع هذه القوة للقانون والمساءلة العامة.

ABOUT THE AUTHOR