إيران بين تعثُّر الوساطات وتصاعد التهديد

في الأفق، يلوح التصعيد وإمكانية وقوع حرب واسعة وهو أمر باهظ الكلفة على جميع الأطراف. وتكتسب هذه المخاطر دلالة إضافية في ضوء التوقعات بأن توجيه ضربات أكبر إلى إيران قد يفاقم الدمار ويفتح مسارًا واسعًا لاضطراب إقليمي ممتد وخطير.
26 October 2026
اجتماع الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني وقائد الجيش الباكستاني في طهران (وكالة إرنا)

قد لا يعني تعثر المساعي الباكستانية والروسية إغلاق باب الدبلوماسية، لكنه يعكس خلافًا على شروط العودة إليها وترتيب الالتزامات المتبادلة. تريد طهران أن يسبق التفاوضَ تغييرٌ ملموس في بيئة الإكراه، خصوصًا رفع الحصار، ووقف الهجمات وإتاحة الموارد المالية. في المقابل، تتمحور مقترحات متداولة حول الحصول على تنازلات نووية إيرانية مقابل تخفيف محدود للعقوبات. وتكمن المعضلة في خشية كل طرف من تنفيذ التزام يصعب التراجع عنه قبل ضمان تنفيذ الطرف الآخر التزاماته.

يتصل هذا الانسداد بتحول اقتصادي أوسع؛ فالحصار يزيد اعتماد إيران على المسارات البرية، بينما تمتد آثار العقوبات إلى المصارف والتأمين وخدمات العبور التي تجعل هذه المسارات قابلة للاستخدام. ومن ثم، تتجاوز تداعيات المواجهة إيران لتشمل خيارات العبور في آسيا الوسطى وموقع تركيا في شبكات التجارة. وفي المقابل، ترفع اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز كلفة المواجهة على الاقتصاد العالمي، من دون أن يترتب على ذلك تلقائيًّا تراجع أميركي أو قبول إيراني بتسوية.

وفي الأفق، يظل التصعيد إلى حرب واسعة احتمالًا باهظ الكلفة. وتكتسب هذه المخاطر دلالة إضافية في ضوء التحذير من أن توجيه ضربات أكبر إلى إيران قد يفاقم الدمار من دون تحقيق الحسم، ويفتح مسارًا واسعًا لاضطراب إقليمي ممتد وخطير التبعات.

ويتيح هذا الطرح قراءة تعثر الوساطات بوصفه مأزقًا يتجاوز الخلاف على ترتيب الالتزامات. فإذا تعاملت واشنطن مع غياب التنازلات الإيرانية بوصفه دليلًا على عدم كفاية الضغط، فقد تتجه إلى زيادته؛ بينما قد تقرأ طهران التصعيد نفسه بوصفه تأكيدًا لضرورة الاحتفاظ بأوراقها النووية والعسكرية. ويمكن عندئذ أن تؤدي محاولة فرض التسوية بالقوة إلى تعزيز الأسباب التي تعوقها، فتزداد الخسائر من دون أن تضيق فجوة المطالب. ولذلك، يتمثل السؤال الأبرز في إمكان بناء معادلة تضبط ترتيب الالتزامات، وتحول قنوات الوساطة إلى فرص فعلية للتسوية، في ظل فجوة محتملة بين القدرة على إحداث الدمار والقدرة على فرض نتيجة سياسية.

مأزق ترتيب الالتزامات

تتضمن المطالب الإيرانية المعلنة الإفراج عن الأصول المجمدة، وإنهاء الحرب على جميع الجبهات، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ووقف الهجمات على الأراضي الإيرانية، ورفع الحصار البحري. وتوسع هذه المطالب نطاق التفاوض من تسوية تقنية تتعلق بالتخصيب إلى ترتيب أمني واقتصادي أشمل؛ ما يعني أن تقديم حافز مالي محدود قد لا يلبي تصور طهران لما ينبغي تغييره قبل استئناف التفاوض.

وتكشف المقارنة بين هذه المطالب والمقترحات المتداولة فجوةً في تعريف المقابل: هل يُعد رفع الحصار مكافأة على تنازل نووي أم خطوة لازمة لتهيئة الظروف للتفاوض؟ بالنسبة إلى طهران، قد يعني التخلي عن ورقة نووية يصعب استعادتها، مقابل رفع بعض القيود المستحدثة، استمرار العقوبات الأوسع والتهديد العسكري. أما من منظور تفاوضي أميركي محتمل، فقد يؤدي رفع أدوات الضغط مبكرًا إلى تقليص القدرة على انتزاع تنازلات لاحقة.

وأبرزت زيارة عاصم منير إلى طهران تمسك المسؤولين الإيرانيين بهذه الأولويات؛ إذ ربط محسن رضائي استئناف التفاوض باتخاذ واشنطن خطوات لتنفيذ المطالب الإيرانية، وأكد بقاء المواد المخصبة داخل البلاد. كما أحال محمد باقر قاليباف استعادة الثقة إلى تنفيذ الشروط السبعة المرتبطة بالمقترح الإيراني لفتح المضيق. غير أن المواقف العلنية لا تكشف بالضرورة كامل مضمون المحادثات المغلقة.

تضع زيارة عاصم منير إلى طهران الوساطة الباكستانية أمام تعارض بين دور إسلام أباد في احتواء المواجهة الإيرانية-الأميركية والتزاماتها الدفاعية تجاه السعودية ضمن اتفاقية مكة التي تضم تركيا أيضًا. ويزيد التصعيد في اليمن تعقيد هذا التوازن؛ إذ تسعى باكستان إلى الحفاظ على علاقاتها بإيران مع مراعاة أمن حليفها السعودي؛ ما يجعل الملفات الإقليمية حاضرة إلى جانب التفاوض مع واشنطن.

تواجه الوساطة الباكستانية معضلة تداخل الأدوار؛ فإسلام أباد تسعى إلى تقريب المواقف بين طهران وواشنطن، بينما تفرض شراكتها الدفاعية مع السعودية وتركيا اعتبارات أمنية قد تحد من مساحة تحركها. ويزيد الملف اليمني هذا التداخل؛ إذ يتعين عليها الموازنة بين طمأنة الرياض والحفاظ على ثقة طهران بدورها وسيطًا.

اقتصاديًّا، يكشف تعثر العبور في بعض المنافذ الباكستانية وصعوبات المدفوعات عن محدودية قدرة إيران على تعويض القيود البحرية بالتجارة البرية. فوجود مسار بديل لا يضمن فاعليته ما لم تتوافر خدمات مصرفية وحركة حدودية منتظمة. ومع ذلك، لا تتوافر أدلة كافية لاعتبار هذه العراقيل جزءًا من ضغط تفاوضي منسق.

ويحتمل تكثيف الاتصالات الباكستانية والروسية مع إيران قراءتين: البحث عن تسوية، أو محاولة احتواء تصعيد بات قريبًا جدًّا. وتظل فرضيات حمل منير إنذارًا أميركيًّا أو طرح موسكو ترتيبات لنقل اليورانيوم تقديرات لم يصدر ما يؤكدها رسميًّا. وفي ظل الاستحقاقات الانتخابية الأميركية والإسرائيلية، قد تضيق مهلة الوساطة، من دون أن يعني استمرارها تراجع خطر الحرب.

ولابد من التمييز بين الخطاب العلني والتفاوض المغلق وضرورة الحذر في توصيف نتيجة الوساطة؛ فالتشدد المعلن قد يرسم حدود التفويض التفاوضي، أو يرفع كلفة التراجع، أو يحمي قناة اتصال لم تنضج نتائجها بعد. ولذلك، لا يكفي غياب إعلان اتفاق لإثبات انقطاع الوساطة، مثلما لا تكفي استمرارية الزيارات لإثبات تقدمها.

أما الحديث عن مبادلة تنازلات تخص الملف الإيراني بتنازلات تتعلق بأوكرانيا، فيظل طرحًا متداولًا في بعض التحليلات، ولا يكفي لإثبات وجود صفقة روسية أميركية. ويمكن، مع ذلك، التعامل معه بوصفه عاملًا يغذي الشك الإيراني في استقلال الوساطة الروسية عن مصالح موسكو الأخرى. وتستطيع روسيا المساهمة في ترتيبات فنية ودبلوماسية، لكن قيمة دورها بالنسبة إلى طهران تتوقف على قدرتها على دعم ضمانات تقلِّص خطر تجدد الهجمات والضغوط، بما في ذلك عبر مجلس الأمن.

ويمكن أن تؤدي قطر وعُمان وظيفتين متكاملتين في تيسير الاتصال السياسي ومناقشة ترتيبات الملاحة. وقد يساعد توزيع الملفات على تجاوز الانسداد، بشرط تنسيق القنوات وتوحيد تفسير الالتزامات؛ فتعدد الوسطاء يزيد فرص الاتصال، لكنه لا ينتج بالضرورة آلية موحدة للتنفيذ والضمان، وتصبح مهمة الوسطاء، تبعًا لذلك، أوسع من نقل المقترحات أو البحث عن مقابل مالي لتنازل نووي؛ فهي تتطلب بناء مسار يجعل التسوية أقل مخاطرة من استمرار المواجهة، ويحد من الرهان على أن جولة عسكرية إضافية ستنتزع شروطًا أفضل.

التوقيت السياسي وتنازع روايات السيطرة

يضيف التوقيت السياسي عاملًا آخر إلى حسابات التفاوض. فطهران وفق مصادر نقلت عنها الجزيرة نت تسعى إلى إضعاف موقف ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي، وتتجنب منحه مكسبًا سياسيًّا عبر تنازلات. كما أشار إلى تداخل التصعيد مع الحسابات الانتخابية الإسرائيلية والدعم الأميركي لنتنياهو. ولا يكفي ذلك لاختزال الموقف الإيراني أو قرارات الحرب في العامل الانتخابي، لكنه يفتح احتمال اختلاف تقدير الأطراف لقيمة الوقت. فقد يرى طرف أن الانتظار يزيد نفوذه التفاوضي، بينما يعده الآخر محاولة لاستنزافه سياسيًّا، فيسعى إلى تغيير المعادلة بالقوة. وبذلك، قد تتحول المهلة التي يفترض أن تخدم الوساطة إلى فترة لتراكم المخاطر.

ويظهر خلاف موازٍ بشأن واقع الملاحة؛ ففي مقابل إعلان الحرس الثوري إصابة ناقلتين بألغام، تتحدث إدارة ترامب عن ارتفاع مستويات العبور وتدفقات النفط، وقدَّم مسؤولون أميركيون المضيق بوصفه متاحًا للملاحة، فيما نقض هذه التصريحات استمرار استهداف الناقلات والسفن التي عدَّتها إيران مخالفة لشروط العبور. وتؤدي روايات السيطرة وظيفة تفاوضية أيضًا؛ إذ يستطيع كل طرف استخدامها لتأكيد فاعلية إستراتيجيته وتقليل الحاجة إلى التنازل. وقد يطيل ذلك المراوحة إذا استندت القرارات إلى تقديرات متفائلة بشأن قدرة كل طرف على تحمل الكلفة أو فرضها على خصمه.

من الحصار البحري إلى تضييق بدائل التجارة

أقرَّ الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، بتأثير الحصار البحري، وتراجع حصة التجارة عبر البحر من نحو 75–80 في المئة إلى نحو 25 في المئة، واضطرار طهران إلى البحث عن طرق بديلة أعلى كلفة مؤكِّدًا أن الحصار مصيره الفشل.

ولا يتوقف نجاح البدائل على وجود سكة حديد أو معبر مفتوح؛ فالتجارة تحتاج إلى تسوية مدفوعات، وتأمين وتمويل، وضمانات جمركية. وإذا انسحبت المؤسسات الوسيطة خشية العقوبات فقد يظل المسار متاحًا جغرافيًّا لكنه يصبح صعب الاستخدام تجاريًّا. ومن هنا تأتي أهمية تحليل الحصار بوصفه ضغطًا على قابلية تشغيل الشبكات، وليس على حركة السفن وحدها.

وتحاول إيران معالجة العراقيل من خلال تنسيق يضم غرف التجارة والمنتجين والمصدِّرين والسلطة القضائية. ويكشف ذلك أن التكيف لا يقتصر على استبدال وسيلة نقل بأخرى؛ إذ قد تنشأ فجوة بين قواعد العمل المعتادة ومتطلبات قرارات الطوارئ. ومع ذلك، لا تعوض إزالة العوائق الإدارية تلقائيًّا ارتفاع كلفة التمويل والشحن أو محدودية الطاقة الاستيعابية للممرات البديلة.

يزيد هذا التحول اعتماد إيران على قرارات الجيران ويمنح دول العبور قدرة تفاوضية إضافية لكنه لا يجعل هذه الدول كتلة موحدة؛ إذ تختلف مصالح باكستان وتركيا ودول آسيا الوسطى، وتتفاوت قدرتها على تحمل الضغوط الخارجية. ولذلك، يتطلب تقييم فاعلية البدائل رصد كل معبر وشبكة تمويل على حدة. وتظل إيران منفذًا جنوبيًّا مهمًّا لدول آسيا الوسطى الحبيسة، وتتيح اتصالًا بالخليج وبتركيا وأوروبا. واستمرار هذه الوظيفة يمنع افتراض تحول فوري وشامل بعيدًا عنها، حتى مع ارتفاع مخاطر استخدامها. وقد تزيد هذه المخاطر جاذبية الممر الأوسط عبر بحر قزوين والقوقاز وصولًا إلى تركيا. لكن اكتسابه حصة إضافية لا يعني قدرته على استبدال المسارات الإيرانية كاملة، في ظل تعدد نقاط المناولة ومتطلبات البنية التحتية والتنسيق الحدودي. ويمكن أن تستفيد تركيا من توسع خدمات العبور والربط والوساطة التجارية، إلا أن هذه المكاسب تظل مشروطة؛ فاضطراب الطاقة وارتفاع التأمين يمسَّان اقتصادها أيضًا. أما الصين وروسيا فتواجهان مزيجًا من المخاطر والفرص: تتراجع موثوقية بعض الروابط القائمة، بينما تزداد الحاجة إلى تطوير بدائل. ولذلك، لا تكفي إعادة توزيع حركة التجارة لإعلان رابح جيوسياسي نهائي.

كلفة الطاقة والبنية التحتية

تقدم تقديرات بنك غولدمان ساكس، والمنشورة في أكتوبر/تشرين الأول، تفسيرًا لصدمة الطاقة يتجاوز سعر النفط الخام إلى كلفة إيصاله. فهي تربط ارتفاع أجور الشحن بعلاوة مخاطر الحرب، وعمليات نقل النفط بين السفن، وتعطل استخدام الناقلات بكفاءة. وبحسب هذه التقديرات، ارتفع متوسط كلفة النقل البحري من نحو 3 دولارات إلى أكثر من 20 دولارًا للبرميل.

وتظهر هنا قناة إضافية لانتقال الصدمة إلى المستهلكين؛ إذ قد تتحسن بعض التدفقات الفعلية من دون أن تنخفض كلفة الإمداد بالوتيرة نفسها. كما أن استمرار المخاطر قد يُبقي التأمين والتمويل والشحن عند مستويات مرتفعة، حتى بعد التوصل إلى تفاهم أولي بشأن الملاحة.

وتضيف التهديدات المتعلقة بكابلات الإنترنت بُعدًا آخر للمخاطر الاقتصادية؛ فالتهديد بامتداد المواجهة إلى البنية التحتية الرقمية يوسع عدم اليقين ليشمل الاتصالات والخدمات المالية وتدفقات البيانات. لكن التهديد وحده لا يثبت وقوع تعطيل أو يحدد حجمه المحتمل؛ إذ تتوقف النتائج على طبيعة الضرر وقدرة الشبكات على تحويل الحركة إلى مسارات بديلة. وحتى إذا أخفقت الضربات في فرض تسوية، يمكن أن تتسبب في تعطيل مزيد من قدرات الإنتاج والنقل وإضعاف موثوقية الممرات التجارية. ومن ثم، قد تتسع الفجوة بين محدودية العائد السياسي للتصعيد وضخامة أضراره الاقتصادية.

وتتلاقى هذه المسارات عند معضلة واحدة: استمرار الضغط يرفع الحاجة إلى التسوية، لكنه قد يجعل شروطها أصعب. فإيران تحتاج إلى تخفيف اقتصادي يتيح استعادة نشاط قابل للاستمرار، لكنها تخشى تقديم تنازل دائم مقابل منفعة مؤقتة لا تتضمن ضمانًا لعدم عودة الحرب. والوسطاء يملكون قنوات وموارد متفاوتة، من دون أن تتوافر جهة تضمن وحدها الأبعاد الأمنية والنووية والاقتصادية لتسوية شاملة.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: استمرار الضغط والضربات المحدودة

يقوم هذا المسار على احتفاظ الأطراف بأدوات الضغط وقنوات الاتصال في الوقت نفسه. وضمنه، يستمر الحصار والتكيف الإيراني عبر البدائل، بالتوازي مع عمليات محدودة ورسائل ردع متبادلة. وقد تتحول كلفة التجارة المرتفعة إلى وضع ممتد، من دون عودة سريعة إلى الملاحة المنتظمة أو انتقال إلى حرب شاملة، وتدعمه استمرارية الاتصالات من دون إعلان خطوات تنفيذية، وتكرار الشروط نفسها، وغياب تحسن مستدام في المعابر والمدفوعات والملاحة. كما قد تدعمه رغبة الأطراف في تأجيل التنازلات إلى ما بعد استحقاقات سياسية داخلية. أما أبرز ما يهدده فهو وقوع حادثة كبيرة يصعب احتواؤها، أو اعتبار أحد الأطراف أن كلفة الانتظار باتت أعلى من مخاطر توسيع المواجهة.

السيناريو الثاني: تفاهم مرحلي يقوم على خطوات متبادلة

قد ينشأ هذا السيناريو عبر حزمة محدودة تشمل الملاحة، وتخفيف الحصار، وإتاحة منفعة مالية قابلة للقياس مقابل التزامات متفق عليها، مع تأجيل الملفات الأوسع أو توزيعها على مراحل.

ولا يقتضي هذا السيناريو افتراضَ قبول إيران بإخراج المخزون المخصب أو التوصل إلى تسوية نهائية للبرنامج النووي، لكنه يتطلب معالجة معضلة ترتيب الالتزامات من خلال خطوات متزامنة أو متقاربة زمنيًّا، وآلية تحقق، وإجراءات واضحة عند الإخلال.

وتتمثل مؤشرات ترجيحه في إعلان جدول زمني، وتحديد مسؤوليات التنفيذ والتحقق، وظهور تغير فعلي في القيود المالية وحركة الملاحة. وتزداد فرص استمراره إذا اقترن إدراك حدود القوة بمنافع واضحة، وبقدرة الأطراف على تقديم الاتفاق داخليًّا بوصفه تحقيقًا لمصالح ملموسة. أما أبرز ما يهدده فهو اختلاف تفسير الالتزامات أو وقوع هجوم يعطل التنفيذ.

السيناريو الثالث: تصعيد عسكري واسع

يرتفع احتمال هذا المسار إذا رأت واشنطن أو إسرائيل أن الضغط القائم لا يحقق النتائج المطلوبة، وأن فرصة عسكرية مواتية متاحة، أو إذا دفعت حادثة كبيرة إلى اتخاذ قرار بردٍّ واسع. وقد يشمل ضربات مكثفة إلى أهداف عسكرية أو بنى تحتية، يعقبها ردٌّ إيراني يوسِّع الخسائر والمخاطر.

ولا ينبغي افتراض أن ارتفاع كثافة الضربات سيؤدي بالضرورة إلى تقصير الحرب؛ فقد يُضعف بعض القدرات الإيرانية، لكنه قد يعزز في الوقت نفسه الاعتقاد داخل طهران بأن تقديم تنازلات تحت الهجوم لا يضمن وقف المواجهة. وعندها، يصبح التصعيد سببًا لإطالة الصراع.

وتتمثل مؤشرات ترجيحه في تضافر استعدادات عملياتية موثقة، وتغيرات في الانتشار العسكري وإجراءات حماية وإجلاء، بالتزامن مع تراجع فاعلية القنوات الدبلوماسية. وتكمن مخاطره في احتمال انهيار افتراض القدرة على حصر الضربات بعد إصابة أهداف حساسة أو وقوع خسائر كبيرة.

السيناريو الرابع: توسع المواجهة إلى أزمة إقليمية متعددة الجبهات

قد ينشأ هذا المسار إذا امتدت الهجمات بصورة متبادلة ومستمرة إلى الطاقة والموانئ والملاحة والخدمات الحيوية في دول إضافية، أو تعذر فصل الجبهات المرتبطة بالحرب. وعندها يتراجع هامش المساومة الثنائية أمام الالتزامات الأمنية وردود الفعل المتتابعة.

وقد يحدث الانتقال إليه تدريجيًّا؛ إذ تدفع كل جولة غير حاسمة إلى توسيع الأهداف بحثًا عن أثر سياسي أكبر، بينما توسِّع الردود المقابلة نطاق الدول والمصالح المتضررة. وبذلك، يمكن أن تتحول محاولة حسم المواجهة إلى مسار لتوسيعها، مع تراجع قدرة أي طرف منفرد على تحديد نهايتها.

ومن أبرز مؤشراته الاتساع الموثق والمتكرر لنطاق الأهداف والدول المنخرطة، والتعطل الممتد لمرافق حيوية، وفشل قنوات الاحتواء. وتتمثل نتائجه المحتملة في ارتفاع أكبر لكلفة الطاقة والتأمين، واضطراب أوسع لشبكات التجارة والاتصالات، وضغوط اقتصادية وسياسية داخلية متفاوتة على الأطراف المعنية.

وتلفت قراءة ولي نصر إلى ضرورة الفصل بين احتمال وقوع التصعيد واحتمال نجاحه في تحقيق أهدافه؛ فالحرب الواسعة قد تصبح أكثر احتمالًا، من دون أن يصبح الحسم السياسي أقرب. كما أن تشدد الخطاب العلني لا يكشف وحده مصير الوساطات، واستمرار حركة الملاحة لا يكفي للحكم على استقرارها.

ويبقى معيار الترجيح هو السلوك الفعلي: فتخفيف القيود وتنفيذ الالتزامات يدعمان التسوية، واستمرار الضغوط والمناوشات مع بقاء الاتصال يدعم المواجهة المحدودة، بينما يرفع الاستعداد العملياتي وتراجع قنوات الاحتواء خطر الانتقال إلى حرب أوسع. أما امتداد الاستهداف بصورة مستدامة إلى دول وبنى حيوية إضافية فيشير إلى تحول المواجهة إلى أزمة إقليمية قد يتراكم فيها الدمار قبل أن تتضح شروط إنهائها.

ABOUT THE AUTHOR