ماذا كشفت الحرب الأميركية الإيرانية لدول الخليج؟

في مواجهة التهديدات التي فرضتها عليها المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إلى تبني سياسات دفاعية تمزج بين تنويع متدرّج للشراكات وبناء قدرات جماعية تتجاوز المقاربات الفردية التي أثبتت محدوديتها. فدول الخليج تمتلك ترسانة دفاعية كبيرة، لكنها لا تعمل على شكل منظومة موحّدة تحت قيادة مشتركة.
(الجزيرة - مولدة بالذكاء الاصطناعي)

أعادت التطورات الأمنية التي ما زال يشهدها الخليج منذ بدايات 2026 طرح سؤال قديم متجدد حول مدى قدرة دول مجلس التعاون الخليجي على حماية مجالها الجوي، وبنيتها التحتية الحيوية، وتعزيز نهضتها وتطورها بشكل عام، في حال تجدد انخراط الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران، أو قررت الحد من تدخلها المباشر في ترتيبات حماية المنطقة.

فقد بيّنت هذه الحرب، التي كان الخليج ميداناً لها، أن دول المجلس لم تكن غافلة عن مسألة أمنها بالصورة التي قد تبدو للبعض. وقد قطعت الدول الخليجية شوطًا كبيراً خلال العقود الماضية في بناء منظومات متنوعة للدفاع الجوي، لكن تلك القدرات ظلت مبعثرة، وظل التنسيق بينها ضعيفا. كما كشفت الأحداث أن امتلاك منظومات جوية متقدمة، في ظل انعدام التنسيق، أو غياب العمل ضمن منظومة عملياتية جماعية، لا يكفي لدرء الخطر الخارجي. فمنطقة الخليج لا تتحمل العمل المنفرد في المواجهات العسكرية، ويفرض عليها واقعها الجغرافي واجب الدفاع المشترك، ضمن استراتيجية عسكرية واضحة المعالم والأهداف والوسائل. وأظهرت الأحداث كذلك، وجود فجوة أساسية في منظومة التعاون الخليجي كامنة في ضعف التكامل العسكري في مجالات الإنذار المبكر، والقيادة والسيطرة، وتبادل البيانات والمعلومات، والاستدامة اللوجستية ومخزونات الاعتراض.

من جهة أخرى، كشفت الحرب مدى اعتماد الخليج على الخارج في الحماية والأمن، ليس فقط عبر شراء المنظومات العسكرية المختلفة، بل حتى في مجال الاستخبارات والإنذار السيبراني والدعم الفني والذخائر والإمداد العسكري بشكل عام. ولا تخفى خطورة هذه السياسة، خاصة إذا علمنا أن معظم تلك التقنيات والإمدادات مصدرها واحد، وإن بنسب متفاوتة. فأي خلل عند المصدر الرئيسي للإمداد يعني تأثّر منظومة التعاون الخليجي كلها، وهذا ما تبيّن جليا خلال الأزمة الراهنة.

بناء على ذلك، يتحتم على دول الخليج العربية ضرورة إعادة النظر في أمنها الجماعي، ليس عبر استبدال متسرّع للمظلة الأميركية بمظلة أمنية أخرى، رغم عدم الاستقرار الذي يتسم به الموقف الأميركي. ما تحتاج إليه المنطقة، هو انتقال تدريجي من الاعتماد على ضامن واحد، إلى شبكة أمن متعددة الشركاء، مع التركيز على بناء قدرة دفاعية خليجية جماعية.

ماذا كشف اختبار أزمة 2026

أثبتت دول مجلس التعاون، من خلال انخراطها غير المباشر في الحرب الأميركية – الإسرائيلية مع إيران، أنها ليست عاجزة عن الدفاع عن نفسها، بنسب متفاوتة، بين أعضاء المنظومة الخليجية. فقد فعّلت الدول الست قدراتها الوطنية في مواجهة الهجمات الصاروخية والمسيّرات، وأظهرت شبكات الدفاع الجوي قدرة عالية على اعتراض التهديدات. فالسعودية والإمارات، على وجه الخصوص، تملكان منظومات متقدمة تشمل "ثاد" و"باتريوت"، بينما تعتمد قطر والكويت والبحرين وعُمان على مزيج من "باتريوت" ونظام الصواريخ الوطني أرض - جو النرويجي المتقدم (NASAMS)، إلى جانب أنظمة أخرى قصيرة ومتوسطة المدى. غير أن الحرب كشفت كذلك مفارقة أساسية مفادها أن الدفاع الخليجي فعّال، ولكنه ليس مستقلا بالكامل. فقد بُني جزء كبير من هذه المنظومات الدفاعية عبر التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، على شكل إنذار مبكر ومعلومات استخباراتية، مروراً بالقيادة والسيطرة وانتهاء بالدعم اللوجستي.

الفجوة الرئيسية لا تكمن في عدد الصواريخ

رغم امتلاكها شبكات دفاع وطنية متقدمة، لا زالت دول مجلس التعاون الخليجي تعاني مشكلة أساسية تتمثل في ضعف التنسيق والتعاون عبر شبكة دفاع موحدة. فالصواريخ والمسيّرات لا تعرف حدوداً جغرافية أو سياسية، وبالتالي فإن انطلاق صاروخ نحو دولة عضو في المجلس، يُعد تهديدا لأمن بقية الدول، لابد من كشفه واعتراضه في المجال الجوي للدولة التي كشفت أنظمتها ذلك التهديد.

وحتى يحدث مثل هذا الأمر، لابد من تعاون وتكامل عسكري بين دول المجلس كلها، عبر الربط الفوري للرادارات، والاتفاق على قواعد اشتباك محددة، مع أهمية وجود قيادة وسيطرة مشتركة قادرة على اتخاذ قرارات عابرة للحدود. إلى جانب ضعف التنسيق واستمرار العمل المنفرد في كثير من الحالات، كشفت هذه الحرب مشكلة الاستدامة. فالمسيّرات منخفضة التكلفة على سبيل المثال، يمكن أن تستنزف مخزون صواريخ الاعتراض عالية التكلفة. ومع استمرار الاشتباك غير المتناظر، تصبح مخزونات الذخائر وقطع الغيار وقدرة الصناعة الدفاعية على التعويض، عوامل أكثر أهمية من عدد الصواريخ أو البطاريات المتوفرة.

ما البديل؟

لمواجهة هذه التحديات، ينبغي أن تقوم الاستراتيجية الخليجية على خمسة مسارات متوازية، على النحو التالي:

- بناء منظومة دفاع جوي وصاروخي خليجي موحدة: عبر إنشاء شبكة إنذار مبكر مشتركة، ومركز عمليات خليجي للدفاع الجوي والصاروخي، مع ربط الرادارات والطائرات والأنظمة الأرضية للدول الست.

- بناء مخزون خليجي استراتيجي: بدل أن تتنافس الدول الست منفردة على شراء الصواريخ الاعتراضية، يمكن الاتفاق على آلية مشتريات ومخزون احتياطي مشترك، مع إعطاء الأولوية للذخائر المضادة للمسيّرات والأنظمة منخفضة التكلفة.

- توطين الإنتاج: تسريع الانتقال من سياسة شراء المنظومات الجاهزة، إلى سياسة بناء قاعدة صناعية خليجية مشتركة تشمل الرادارات، والحرب الإلكترونية، والمسيّرات الاعتراضية، والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى.

- تنويع الشراكات: يمكن لدول الخليج العربية الاستفادة من أوروبا وتركيا وباكستان وكوريا الجنوبية، إضافة إلى الصين، في بناء قدراتها الدفاعية، دون التخلي عن التعاون مع الشريك الأميركي. والهدف من تنويع الشراكات هو تقليل مخاطر الاعتماد على مصدر واحد.

- تعزيز الدفاع السلبي: يُقصد بالدفاع السلبي مجموعة تدابير وإجراءات غير قتالية لحماية السكان والمنشآت من بعض التهديدات، على اعتبار أن التهديدات بشكل عام لا يمكن اعتراضها جميعاً. فقد أثبتت الأحداث وقوع خسائر متنوعة في معظم دول الخليج، ولم تتمكن أنظمة الاعتراض من التصدي لهجمات صاروخية وأخرى لمسيّرات نتجت عنها خسائر مادية كبيرة. من هنا، ينبغي توزيع منشآت الطاقة والمياه وتعزيز تحصيناتها وحمايتها، مع إنشاء قدرات احتياطية للكهرباء والماء والاتصالات والموانئ، بحيث لا تؤدي إصابة منشأة واحدة إلى شلل يطال كامل القطاع.

ثلاثة سيناريوهات ممكنة

سواء هدأت الأوضاع في المنطقة قريباً، أم استمرت إلى حين من الوقت، فقد باتت إعادة النظر في السياسة الأمنية والدفاعية لدول المنطقة أمراً ضروريا لا يقبل التأجيل أو التقليل من أهميته. في هذا السياق، يمكن طرح سيناريوهات ثلاثة للسنوات القليلة القادمة.

السيناريو الأول: الاستمرار تحت المظلة الأمنية الأميركية

في هذا السيناريو، تبقى الولايات المتحدة الضامن الخارجي الرئيس، مع ضرورة أن يكون للخليج مساهمته الذاتية الفاعلة، بحيث لا يتم الركون إلى المظلة الأميركية وحدها لتوفير الحماية والأمن، بل لابد أن تقل النسبة تدريجياً عبر تطوير شبكات الدفاع الخليجية وربطها تدريجياً، مع استمرار الدعم الأميركي في مجالات الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة، وإعادة الإمداد. هذا السيناريو، وإن كان الأقل كلفة والأسرع تنفيذاً والأكثر جاهزية، إلا أن نقطة ضعفه الأساسية تكمن في استمرار الاعتماد على قرارات وأمزجة واشنطن السياسية والعسكرية.

السيناريو الثاني: الاستقلال الدفاعي الخليجي المتدرج

لابد أن تدرك دول مجلس التعاون الخليجي أن أمنها الجماعي لا يمكن أن يبقى معتمداً على قدرات وإمكانات دولة واحدة. فقد تتغير أولويات تلك الدولة، وقد تقرر فجأة الخروج من المنطقة لأي سبب من الأسباب. وحتى لا يعيش الخليج صدمة التخلي والبقاء دون مظلة أمنية خارجية، لابد أن تسارع دول المجلس لتشكيل قيادة خليجية مشتركة للدفاع الجوي، مع إنشاء شبكة إنذار مبكر، وتعزيز مشروعات التصنيع العسكري، وبناء مخزون مشترك من الذخائر، مع توسيع شراكاتها الأمنية وتحالفاتها الدفاعية لتشمل قوى أخرى في العالم.

هذا السيناريو، قد يكون أكثر اتزاناً من الناحية الاستراتيجية، فمن جهة، يُبقي على العلاقة مع الولايات المتحدة، لكن مع تغيير تدريجي في دورها من خلال التحوّل من المصدر الرئيس لتوفير الأمن، إلى مصدر معزز لقدرات الخليج الذاتية على الدفاع والصمود أمام أي أزمة تكون فيها الاستجابة الأميركية محدودة. ومن جهة أخرى، يتيح المجال لدول الخليج لبناء شبكات الدفاع عن نفسها، وبقدراتها الذاتية.

السيناريو الثالث: تعـدد المظلات الأمنية

اتجهت بعض دول الخليج مبكراً إلى ترتيبات أمنية مختلفة حتى قبل الأحداث الراهنة. فعقد بعضها اتفاقات دفاع ثنائية، أو متعددة الأطراف مع الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية. كما نشأت علاقات تعاون مع تركيا وباكستان، وأخرى على شكل توريد تقنيات وأنظمة عسكرية آسيوية، مع تفاوت واضح واختلاف في توجهات الدول الست.

التنوع في هذا السيناريو، وإن بدا في ظاهره ذا جدوى، إلا أنه في الوقت نفسه، ينطوي على خطر تكاثر الأنظمة العسكرية غير المتوافقة، في ظل غياب مركز قيادة خليجي موحّد. وهذا الخطر يضر بالأمن الخليجي بشكل عام، وبقدرة دول المنطقة على الدفاع والصمود. فتعدد المظلات الأمنية، لابد أن يتوازى معه توافق في الأنظمة العسكرية، بما يخدم أهداف دول مجلس التعاون الخليجي جميعها.

خاتمة

بناء على هذه السيناريوهات، ينبغي على دول مجلس التعاون الخليجي أن تتجنب خيارين متطرفين. الأول هو الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. والثاني هو التسرّع في الاستقلال الكامل عنها في فترة قصيرة.

وبين هذين الخيارين، يكمن خيار ثالث أكثر واقعية، يتمثل في الشروع العملي والجاد في بناء استقلالية دفاعية متدرجة، عبر استراتيجية محكمة واضحة الأهداف والمقاصد، مع الاستمرار في الوقت ذاته في تنويع الشراكات والتحالفات مع الولايات المتحدة وغيرها من القوى العالمية. فهذا الخيار سيمكّن دول المجلس منفردة، أو جماعياً، من حماية الجزء الأكبر من أمنها، والتصدي لأي هجوم جوي لفترة محددة، بينما تحتفظ الولايات المتحدة وبقية الشركاء بدورهم في التعزيز الاستراتيجي. ومع تقدم الزمن، سيتحقق الاستقلال الدفاعي التام عن الحلفاء والشركاء، ويكون تأمين المنطقة مسؤولية أهلها دون غيرهم.

في هذا السياق، لا ينبغي أن تقتصر الأولوية في مسألة بناء الدفاعات على شراء المزيد من المنظومات المتقدمة، بل يجب، قبل ذلك، ربط الموجود منها حالياً بعضه ببعض. فدول الخليج تمتلك ترسانة دفاعية كبيرة، لكن ينقصها تحويل هذه الترسانة إلى نظام واحد قادر على الإدارة والقيادة، والعمل بصورة جماعية مستمرة.

إن نجاح دول مجلس التعاون الخليجي في تحقيق هذا التحول خلال السنوات القليلة القادمة، من شأنه أن يغير طبيعة العلاقة مع واشنطن، من علاقة تقوم على سؤال "هل ستدافع الولايات المتحدة عن الخليج؟" إلى علاقة أكثر توازناً تقوم على سؤال "كيف يمكن للخليج أن يدافع عنه بنفسه، وما المطلوب من الولايات المتحدة عند الضرورة؟". وهذا هو المعيار الأنسب لتقييم مدى نجاعة استراتيجية الاستقلال الدفاعي الخليجي.

ABOUT THE AUTHOR