استضاف قصر سعد آباد في طهران لقاء رباعيا يوم الاثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026. كان اللقاء خطوة لافتة في جهود خفض التصعيد. فالمنطقة تعيش توترا كبيرا منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026. حضر اللقاء ممثلو الدول الثلاث الموقعة على اتفاقية مكة للدفاع المشترك: وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن. ومثّل إيران الرئيس مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي.
هذا أول تواصل رفيع بين إيران والدول الثلاث منذ توقيع اتفاقية مكة في 7 أغسطس/آب 2026. وقد وسّعت الاتفاقية اتفاقًا دفاعيًا سابقًا بين السعودية وباكستان، وُقّع في 17 سبتمبر/أيلول 2025، ليشمل تركيا. وقد جاء اللقاء وسط تصعيد عسكري على جبهتين.
الجبهة اليمنية
انهارت الهدنة اليمنية في يوليو/تموز 2026، بعد أن ظلت صامدة منذ 2022. ومنذ ذلك الحين، تشتد المواجهة بين السعودية والحوثيين. وقد سيطر الحوثيون على الساحل الغربي ومحيط مضيق باب المندب. وهاجموا ناقلات سعودية في 23 يوليو/تموز. ثم وسّعوا هجماتهم إلى المطارات ومنشآت الطاقة. وتزداد أهمية باب المندب للرياض لأن مضيق هرمز مغلق فعليًا.
الجبهة الإيرانية
تتزايد المؤشرات على أن واشنطن وتل أبيب تنويان استئناف الحرب على إيران. فقد ذكرت تقارير صحفية أن نتنياهو أمر الجيش بالاستعداد لحملة جوية واسعة تستمر أيامًا، كان موعدها عطلة نهاية الأسبوع الموافقة لـ10 أكتوبر/تشرين الأول، وكانت ستستهدف منشآت نووية ومحطات كهرباء. لكن ترامب اعترض على التوقيت، فهو يخشى أن ترفع الحرب أسعار الطاقة قبل انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، فيزداد غضب الناخبين من الحزب الجمهوري. وكان ترامب قد أعلن في 9 أكتوبر/تشرين الأول أن بلاده لن تهاجم إيران قبل الانتخابات. أما نتنياهو فنفى التقرير، وقال إنه سيُطلع ترامب على خططه دون أن يطلب إذنه.
وتشير التقديرات إلى أن أي ضربات جديدة قد تبدأ بعد الانتخابات الأميركية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني. وقد سحبت واشنطن موظفيها غير الأساسيين وعائلاتهم من السعودية.
نتائج اللقاء
انتهى لقاء ثلاثي اتفاق مكة في طهران دون التزامات عملية، ولم يُحدَّد موعد للقاء آخر. واكتفى البيان الختامي بإعلان اتفاق الدول الأربع على مواصلة المشاورات لتعزيز السلام والأمن في المنطقة. وكانت المباحثات قد تناولت الأمن الإقليمي، والأنشطة العسكرية الإسرائيلية، والتطورات في فلسطين ولبنان. ووصف رضائي المحادثات بأنها "جيدة جدًا". ورأى المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أنها قد تكون خطوة أولى نحو نظام أمني نابع من المنطقة.
وذكرت التقارير أن المواجهة السعودية الحوثية كانت من محاور النقاش، وأن اللقاء قدّم دعم للوساطة القطرية الباكستانية بين واشنطن وطهران. وقد أكدت الخارجية السعودية ذلك قبل الاجتماع، ثم كرره مجلس الوزراء السعودي في جلسته يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول. إذن، لم يخرج اللقاء بخطوات فعلية. لكنه رسّخ انطباعًا مهمّا: القوى الإقليمية الكبرى تفضّل الحلول التوافقية، وإيران يمكن أن تكون جزءًا من الحل، لا مجرد مصدر للأزمات كما تصورها واشنطن وتل أبيب. ويمكن تفسير اكتفاء اللقاء بمواصلة الحوار بثلاثة عوامل، تؤكدها مؤشّرات ما بعد الاجتماع.
العامل الأول: ضيق وقت التحضير
طُرحت فكرة الاجتماع خلال زيارة عاصم منير لطهران قبل اللقاء بأسبوع. وبحسب علي باقري كني، نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، أبلغ منير رضائي أن مسؤولي باكستان والسعودية وتركيا طلبوا الزيارة، فوافقت طهران، وعُقد اللقاء بعد نحو أسبوع. وناقش اللقاء الأزمات الراهنة، وأهمها: الحرب في اليمن والهجمات الحوثية على السعودية، الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والضربات الإيرانية على دول الخليج.
ضيق الوقت يعني أن النقاش ركّز على الأزمات العاجلة وعلى مخارج سريعة لها. أما الترتيبات الكبرى للأمن الإقليمي فتحتاج إلى وقت أطول، وتحتاج إلى مقترحات ناضجة، ولجان متخصصة، وتبادل للرؤى، واتفاق على التفاصيل وآليات التنفيذ. ثم تأتي القمة في النهاية تتويجًا لكل ذلك. كما أن اتفاقًا بهذا الحجم يحتاج إلى موافقة قادة الدول. وفي إيران، يحتاج إلى مصادقة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي. فالدستور الإيراني ينص على أن قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي لا تُنفَّذ إلا بعد تصديقه. يُضاف إلى ذلك، أن اتفاقية مكة نفسها لم تكتمل إجراءاتها. فالبرلمان التركي لم يبدأ أول مراحل المصادقة عليها إلا في 27 أكتوبر/تشرين الأول.
العامل الثاني: وقف الهجمات الحوثية أولًا
يوضّح السياق الهدف الأول لدول اتفاق مكة من اللقاء. فالسعودية تتعرض لهجمات حوثية متزايدة، والحوثيون يطالبونها برفع الحصار ووقف تدخلها في اليمن.
وكانت الدول الثلاث قد عقدت اجتماعًا طارئًا في الرياض في 5 أكتوبر/تشرين الأول، فعّلت فيه "تدابير الردع" التي تنص عليها الاتفاقية. وهذه التدابير تُلزم الأعضاء بالتصدي معًا لأي اعتداء على أحدهم. وأعلنت باكستان وتركيا "نشرًا سريعًا" لقوات في المملكة. لكن الدور الباكستاني أكتفى بالدعم وليس المشاركة الفعلية، علمًا أن لباكستان قوات في المملكة من قبل. أما تركيا فاقتصر دورها على الدفاع الجوي والاستطلاع والدعم الفني. فالدستور التركي يشترط موافقة البرلمان لإرسال قوات إلى الخارج.
من المرجح أن الدول الثلاث طلبت من إيران الضغط على الحوثيين لوقف هجماتهم، لكن البيان الختامي لم يذكر ذلك صراحة. وتقول إيران إن الحوثيين حلفاء لا أتباع، وإنها لا تستطيع أن تفرض عليهم ما لا يريدون. وكان عراقجي قد أعلن أن طهران عرضت مطلع أكتوبر/تشرين الأول التوسط بين الرياض والحوثيين، ولم يرد أي من الطرفين. في المقابل، أكدت الرياض في 15 أكتوبر/تشرين الأول أنها لم تطلب وساطة إيرانية. وقالت إن لديها قنوات اتصال مباشرة مع الحوثيين، وإنهم رفضوا دعوتها للاجتماع في مسقط. واتهمت إيران بتشجيع التصعيد الحوثي، وبمواصلة تسليح الجماعة وتدريبها؛ أي أن الرياض ترى إيران والحوثيين طرفًا واحدًا في هذه المواجهة.
وأكدت الأحداث اللاحقة محدودية ما تحقق. ففي يوم اللقاء نفسه، أعلن التحالف بقيادة السعودية تدمير خمسة أنفاق للصواريخ الباليستية وأربع منصات إطلاق حوثية. وفي اليوم التالي، استقبل رضائي سفير الحوثيين في طهران وأشاد بمواقف الجماعة. وقال إن الاجتماع الرباعي بحث ترتيبات أمنية نابعة من المنطقة، وخروج القوات الأجنبية منها.
العامل الثالث: الملف الأميركي الإيراني في المرتبة الثانية
يبدو أن النقاش حول مضيق هرمز والحرب الأميركية الإيرانية كان ثانويًا، لسببين. الأول، أن هذه الدول لا تستطيع أن تقدم لإيران وعودًا لا تملك فرضها على واشنطن. والثاني أن الخارجية السعودية حددت دور الزيارة في دعم الوساطة القطرية الباكستانية، ولم تتحدث عن مسار مستقل.
وذكرت تقارير أن الدول الثلاث حملت إلى طهران رسالة المقترح القطري نفسها. وتدعم هذا المقترح باكستان والسعودية ومصر وتركيا. ويقضي المقترح بأن تسمح إيران بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى منشآتها النووية، وربما عبر إحياء اتفاق القاهرة الموقع مع الوكالة في سبتمبر/أيلول 2025. في المقابل، تحصل إيران على تخفيف جزئي للعقوبات. ويشمل ذلك استثناءات لبيع النفط، والإفراج الجزئي عن الأموال المجمّدة لشراء الغذاء وبعض السلع الاستهلاكية. لكن مسؤولًا إيرانيًّا رفيعًا وصف المقترح، في 28 أكتوبر/تشرين الأول، بأنه "غير مقبول". بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن طهران ستعرضه على المرشد.
ويبقى موقف إيران المعلن ثابتًا: تأجيل الملف النووي إلى ما بعد الاتفاق على هرمز، مع الفصل التام بين الملفين. فخطة طهران ذات النقاط السبع تقترح إعادة فتح المضيق خلال أسبوع تقريبًا، بعد رفع الحصار البحري الأميركي والإفراج عن نحو 24 مليار دولار من احتياطاتها. وتُبقي الخطة مسائل التخصيب والتفتيش خارجها. بل أعلن رضائي أن "ذرة واحدة" من المواد المخصبة لن تخرج من إيران. وفي 27 أكتوبر/تشرين الأول، التقى المرشد مجتبى خامنئي برضائي، وشدد على ضرورة تحقيق الشروط الإيرانية لإنهاء الحرب، وعلى حماية الأمن الوطني والإقليمي عبر إدارة مضيق هرمز.
جوهر الخلاف: حلول جزئية أم جبهات موحدة
يرجع الخلاف بين دول اتفاق مكة وإيران إلى اختلاف طريقة النظر إلى صراعات المنطقة. فدول اتفاق مكة تريد حلولًا جزئية، وتفصل بين الملفات، أما إيران فتريد حلًا شاملًا وتربط الملفات ببعضها.
وظهرت الرؤية الإيرانية بوضوح في "مذكرة تفاهم إسلام آباد"، التي تحققت بوساطة باكستانية في 15 يونيو/حزيران 2026، بعد نحو 107 أيام من الحرب. وتضم المذكرة، التي وقّعها ترامب وبزشكيان عن بُعد، 14 بندًا. ينص البند الأول على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على كل الجبهات، ومنها لبنان. وقد ذُكر لبنان في المذكرة ثلاث مرات. كما نصت على رفع الحصار البحري خلال 30 يومًا، ومهلة 60 يومًا للوصول إلى اتفاق نهائي.
لكن ترامب أعلن في 8 يوليو/تموز من أنقرة أن المذكرة "انتهت". واستأنفت القوات الأميركية ضرباتها على إيران في الليلة نفسها، واتهمت طهران بخرق تفاهمات الملاحة في هرمز. ثم عاد ترامب في 26 أكتوبر/تشرين الأول ليصف المذكرة بأنها كانت "مضيعة للوقت". ومنذ ذلك الحين، تتمسك طهران بثلاثة شروط أعلنها رضائي، تتمثل في إنهاء الحرب على كل الجبهات، والإفراج عن الأموال المجمدة، ورفع الحصار البحري.
وبعد لقاء طهران مباشرة، كرر رضائي أن وقف إطلاق النار لا يتحقق إلا بوقف القتال على كل الجبهات. وكان قد ربط صراحة، منذ توليه أمانة المجلس في 9 أغسطس/آب، بين فتح مضيق هرمز ووقف الحرب على لبنان وغزة، هذا يعني أن طهران تعدّ الحرب بين السعودية والحوثيين إحدى هذه الجبهات. وهي تريد وقف القتال فيها، لكن مع بقية الجبهات، لا وحدها. وينسجم ذلك مع قاعدة إيرانية جديدة تقول "لا أمن لأحد في المنطقة ما لم تنعم إيران وحلفاؤها بالأمن".
فرص اللقاء الثاني
وصفت إيران لقاء طهران بأنه "الاجتماع الأول"، ونص البيان على مواصلة الحوار. وقالت القيادة الإيرانية إن الأطراف اتفقت على أن أمن المنطقة مسؤولية دولها، لكن الفجوة بين الطرفين لا تزال كبيرة. لذلك، تبدو فرص عقد لقاء ثانٍ ضعيفة، وفرص خروجه بنتائج ملموسة أضعف. فإيران تشترط وقف القتال على كل الجبهات. وهذا يعكس رؤيتها للأمن الإقليمي. لكن دول اتفاق مكة قد ترى أن هذا المبدأ لن يحقق الأمن. بل سيُبقي صراعات قابلة للحل مشتعلة، لأنه يربطها بصراعات لا حل لها في المدى القريب. أو سيحمّلها التزامات تفوق قدرتها وتضر بمصالحها، مثل ربط تسوية اليمن والعلاقة مع إيران بوقف الحرب في لبنان أو غزة.
ولن تُردم هذه الفجوة إلا بثلاثة شروط: تراجع كبير في النفوذ الأميركي في المنطقة، وتفوّق واضح لإيران، وتدهور كبير في الوضع الأمني الإسرائيلي. وهذه الشروط غير مرجحة، وإن تحققت، فلن يحدث ذلك قريبًا، ولن تتحقق كلها في وقت واحد.