انتخابات الكنيست الـ26 (2026): التصويت على مكانة الفلسطينيين في إسرائيل، ومن هو "السيد"!

جعلت هذه الانتخابات مكانة الفلسطينيين في إسرائيل قضية مركزية فيها، إذ كشفت عن المعضلة السياسية لمعسكر المعارضة بأنه غير قادر على تغيير حكومة نتنياهو بدون التحالف مع القوائم العربية أو الاعتماد عليها. وكشفت الانتخابات لمعسكر نتنياهو الحالي أنه غير قادر على تشكيل حكومة بوجود أغلبية يهودية له، ولكن مع وجود معدلات عالية من التصويت في صفوف المجتمع العربي الفلسطيني.
(الأناضول)

أدخلت نتائج انتخابات الكنيست إسرائيل في أزمة سياسية جديدة، فمعسكر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو غير قادر على تشكيل حكومة لعدم وصوله إلى 61 مقعدا، ومعسكر المعارضة الصهيونية لا يريد تشكيل حكومة بالاعتماد على القوائم العربية. وهذا الواقع بين معسكر غير قادر، وبين معسكر لا يريد رغم أنه قادر، هو نتاج ارتفاع معدلات التصويت في المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل. فقد أدى ارتفاع معدلات التصويت في المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل إلى وضع الأغلبية اليهودية وأحزابها في مأزق سياسي كبير، فلا معسكر المعارضة الصهيونية قادر على تشكيل حكومة بدون القوائم العربية، ولا معسكر نتنياهو قادر على العودة إلى الحكم مع استمرار معدلات التصويت المرتفعة في المجتمع الفلسطيني. فرض الانقسام الداخلي في إسرائيل هذا الواقع السياسي، فوجود نتنياهو في السلطة مدة زمنية طويلة ومتواصلة هشّم المركز السياسي الإسرائيلي وأضعفه، وهذا أحد العوامل التي تُفسر صعود اليمين المتطرف الشعبوي في إسرائيل.

تنطلق هذه الورقة من مجموعة من المقولات، سنناقشها في عدد من المحاور على النحو الآتي:

أولا، حافظ معسكر نتنياهو على قوته الانتخابية في الانتخابات الحالية من ناحية عدد الناخبين، ولكنه تراجع في مستوى التمثيل البرلماني بسبب ارتفاع معدلات التصويت عموما، وفي المجتمع الفلسطيني في إسرائيل خصوصا. وهذا يعني أنه لو بقي معدل التصويت في المجتمع الفلسطيني على نفس النسبة في انتخابات 2022، لتمكن معسكر نتنياهو من الفوز في الانتخابات، والحصول على 61 مقعدا على الأقل.

ثانيا، نجح نتنياهو في توظيف مشاعر كراهية الفلسطينيين، وتعظيم فكرة "السيد" اليهودي، لإعادة مصوتي الليكود إلى الحزب، فكان ارتفاع تمثيل الليكود تصويتا على نزع شرعية الفلسطينيين، ومنعهم من التأثير في المشهد السياسي. وهذا يعني أن التصويت كان على فكرة السيادة اليهودية بمفهومها القبلي البدائي، وحول من هو "صاحب البيت" بتعبير إيتمار بن غفير، الذي تبناه نتنياهو بصورة عدائية أكثر، لكونه مؤثرا أكثر من بن غفير.

ثالثا، بالنسبة لأغلب اليهود في إسرائيل، فإن مسألة مكانة الفلسطينيين في إسرائيل، هي قضية أهم لديهم من فشل الحكومة في السابع من أكتوبر، وفشل الوزارات الحكومية في معالجة القضايا الداخلية التي تدهورت بشكل كبير في فترة حكومة نتنياهو الأخيرة، ومن قضايا الفساد في حكومة نتنياهو، بل أهم من إهمال الحكومة المتواصل لمدن وبلدات الجنوب والشمال خلال الحروب، التي انتخبت بمعدلات كبيرة لصالح معسكر نتنياهو عموما، والليكود خصوصا. يرى أغلب اليهود، أن الفلسطينيين في إسرائيل يهددون يهودية الدولة، في المركب الأساسي في تعريفها، وهو أن الأغلبية اليهودية هي صاحبة القرار السياسي، ومشاركة العرب في الانتخابات -ومن ثَم تمثيلهم البرلماني- هي عطيّة من السيد، وليست حقا سياسيا ومدنيا، وعليها أن تبقى عطيّة، في حين أن القرار المتعلق بالحسم السياسي يجب أن يكون يهوديا فقط. ولذلك انتشرت في أوساط اليمين الحاكم المطالبة بنزع حق التصويت من الفلسطينيين، أو اشتراط الولاء فيه(1).

رابعا، معدلات التصويت المرتفعة في صفوف الفلسطينيين في إسرائيل كانت نابعة من الشعور بالخطر الوجودي، وانسداد أفق التغيير بسبب قمع الحكومة للعمل السياسي، وحرية التعبير، والملاحقة المستمرة، والاستهتار بقضاياهم بشكل عدائي، وعلى رأسها الجريمة المنظمة، والرغبة في منع نتنياهو من تشكيل حكومة، والتعويل على التأثير في حكومة جديدة، فضلا عن الإبادة الجماعية في قطاع غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية، وتهديد وزراء في الحكومة ونتنياهو نفسه بنقل النموذج الاستيطاني في الضفة الغربية إلى مناطق 48. 

انتخابات حول السيادة والسيد اليهودي

تعتبر انتخابات الكنيست الـ26، استثنائية في تاريخ الانتخابات في إسرائيل، إذ تشير أغلب الأدبيات السياسية والاجتماعية التي درست أنماط تصويت الإسرائيليين اليهود في الكنيست إلى أن القضايا الأمنية والهُوية السياسية وحتى الإثنية، والقضايا الاجتماعية والاقتصادية، كانت من العوامل الأساسية في التأثير في أنماط تصويت المجتمع الإسرائيلي في الدورات الانتخابية المتتالية.

ظهرت الكثير من التحليلات والمقاربات السياسية لفهم أنماط التصويت في الانتخابات الحالية، فهنالك من اعتبر أن الأمر يعود إلى الطابع القبلي والعائلي التاريخي الذي ينظم العلاقة والانتماء بين حزب الليكود والمؤيدين له منذ عام 1977، ولا يمكن هدم هذه العلاقة في يوم واحد. وقد تحول نتنياهو إلى شخصية ترمز لوحدة الليكود(2). وهنالك من يعتقد أن العامل الأيديولوجي لمعسكر اليمين له الأولوية على السياسات الحكومية الفاشلة، وأن الصراع الداخلي ليس بين من لديه سياسات حكومية رشيدة أو سيئة، بل بين تصورات سياسية أيديولوجية تتعلق بهُوية الدولة، ومستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ومسألة الدين والدولة، وهي قضايا أهم من نجاح الحكومة أو فشلها في المسائل المدنية الداخلية أو الأمنية والعسكرية الخارجية.

في مقابل هذه الادعاءات، وهي وجيهة وصحيحة، تزعم الورقة أن مكانة الفلسطينيين في إسرائيل طغت على هذه القضايا، وتحولت إلى العامل الأساس الذي ساهم في الحفاظ على قوة معسكر نتنياهو الانتخابية، فهي تعيد النقاش حول قضية تم حسمها في السابق، هي أن إسرائيل دولة يهودية، من حيث إن الأغلبية اليهودية هي التي تقرر بشؤون الدولة، والصراعات على هُويتها، وسياساتها هي مسألة يهودية داخلية، لذلك فاستئناف الفلسطينيين في إسرائيل هذا الواقع، وما رافقه من مشاعر الكراهية لهم، أدى إلى إعادة المشهد السياسي إلى ميزان القوة الانتخابي كما كان في السابق.

لم تكن مكانة الفلسطينيين في إسرائيل عاملا مؤثرا في التصويت في الانتخابات، إذ لم تطرح مكانتهم وتأثيرهم وحقوقهم على محك الناخب الإسرائيلي، أما في هذه الانتخابات فكانت مكانتهم، وحقوقهم وحتى مواطنتهم على المحك الانتخابي في المجتمع اليهودي. لم تجر الانتخابات حول الحروب التي شنتها إسرائيل، وهي قضية أمنية من الطراز الأول، أثرت في حياة الإسرائيليين أمنيا، واقتصاديا، واجتماعيا، ودوليا. ففي حين ركز معسكر المعارضة الصهيونية على فشل الحكومة في السابع من أكتوبر، وتجنيد المتدينين اليهود، والأوضاع الداخلية، تمحور الحديث في معسكر نتنياهو في الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات حول مكانة الفلسطينيين في إسرائيل ومواطنتهم.

لم تكن الانتخابات الحالية هي المرة الأولى التي يحرض فيها نتنياهو على الفلسطينيين ويستحضرهم في المجال العمومي بوصفهم أعداء، بل حدث ذلك في حكومة إسحاق رابين (1992-1995)، حيث اعتبر نتنياهو أن حكومة رابين غير شرعية بسبب اعتماد بقائها على القوائم العربية، وهاجم اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية أيضا بسبب المصادقة عليه بدعم من القوائم العربية. وفي عام 2015، ومع تأسيس القائمة المشتركة لأول مرة عشية الانتخابات، وعندما اتحدت المعارضة لإسقاطه، وكانت تتجه جميع المؤشرات إلى خسارته الانتخابات، اتخذ قرارا بالتحريض على الفلسطينيين في إسرائيل في يوم الانتخابات، وأطلق جملته الشهيرة "العرب يتحركون بأعداد كبيرة نحو الصناديق من أجل إسقاط حكم اليمين"، مما استفز مؤيديه للتصويت لليكود، واستفز كذلك غير المهتمين بالانتخابات للتصويت فيها، ونجح حينها بالفوز في الانتخابات.

لا يمكن مقارنة حملة 2015 بحملة 2026، ففي عام 2015 كان كلامه تصريحا يتيما تم تداوله في صفوف قواعد اليمين الانتخابية، ولم يكن هنالك خوف من أن الفلسطينيين قادرين على حسم الانتخابات، والتأثير في المشهد الانتخابي، فلم تكن حالة التقوقع السياسي والأيديولوجي قد وصلت إلى هذا المستوى من التطرف والحدّة كما ذهبت إليه في السنوات الأخيرة، وكانت خيارات نتنياهو أوسع لتشكيل حكومة، وكان صراعه على جعل الليكود الحزب الأكبر في الانتخابات. وبعد فوزه في الانتخابات، نظم نتنياهو لقاء في بيته "لوجهاء" وزعامات محلية من المجتمع العربي، إشارة إلى اعتذاره عن هذه المقولة، وأنها لا تعبر عن عداء للمواطنين العرب، وليظهر أنه ملتزم بدعم المجتمع العربي.

كانت الحملة ضد التصويت في المجتمع العربي في هذه الانتخابات مثابرة، ومنظمة. في يوم الانتخابات قاد نتنياهو حملة منظمة ضد المجتمع العربي، من أجل استفزاز الجمهور اليهودي للتصويت لليكود، وكان شعاره أن "العرب يسرقون الانتخابات". في يوم الانتخابات شارك نتنياهو 146 محتوى دعائيا، 72 منها كان ضد التصويت في المجتمع العربي، أي حوالي 49% من المنشورات. بالإضافة إلى ذلك، شارك نتنياهو 28 تغريدة على منصة إكس، منها 17 ضد المجتمع العربي. وفي الإنستغرام نشر 33 منشورا من صور وفيديوهات، 18 منها لنزع شرعية الصوت العربي، وفي التيك توك شارك نتنياهو 28 محتوى، نصفها ضد المجتمع العربي. كما شارك نجله يائير نتنياهو في التحريض على العرب في يوم الانتخابات، فمن بين 160 منشورا له على منصة إكس كانت 103 ضد المجتمع العربي، وساهمت القناة الـ14 اليمينية في هذه الحملة، فمن بين 160 منشورا لها على منصة إكس كانت 40 ضد المجتمع العربي(3).

بدأت حملة الليكود ضد التصويت العربي ونزع شرعيته قبل يوم الانتخابات، ولكن نتنياهو كان يحضّر خطة ليوم الانتخابات لتحقيق هدفين، الأول: نزع الشرعية عن القوائم العربية لمنع معسكر المعارضة الصهيونية من التفكير في تشكيل حكومة بالاعتماد على تلك القوائم، وثانيا: رفع نسبة التصويت في قواعد الليكود الانتخابية. 

اعتمدت الخطة على تواطؤ رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) والشرطة مع الحكومة، وهذا التواطؤ هو نتاج جهود الحكومة للسيطرة على مؤسسات الدولة، خاصة المؤسسات الأمنية، من خلال تعيين شخصيات لأنها مقربة من نتنياهو، وليس حسب الكفاءة. بدأت الخطة بنقل معلومات من حزب الليكود للشرطة عشية الانتخابات، أدت إلى اعتقال أربعة مواطنين عرب في صبيحة يوم الانتخابات بتهمة محاولة التأثير في نتائج الانتخابات، جرى اعتقالهم وتفتيش بيوتهم بدون أمر قضائي، وسربت الشرطة لوسائل الإعلام هذا الحدث، مما ساعد نتنياهو على بدء حملته التحريضية على المجتمع العربي بالقول إن "العرب يسرقون الانتخابات بدعم دول أجنبية" مستشهدا ببيان الشرطة عن اعتقال عرب من القائمة الموحدة في النقب تلقوا أموالا من أجل التأثير في نتائج الانتخابات. اعتقلت الشرطة مواطنين عربا بناء على معلومات من حزب سياسي، دون التأكد منها أو إصدار أمر قضائي بالتفتيش والاعتقال، وكان الهدف من هذه الحركة التي تواطأت معها الشرطة هو منح حملة الليكود دليلا بأن هنالك حملة في المجتمع العربي للتأثير في الانتخابات. 

وبعد فرز النتائج، وخسارة معسكر نتنياهو بسبب التصويت العربي، دخل المشهدَ جهازُ الأمن العام (الشاباك) من خلال رئيسه دافيد زيني، وطالب بالتحقيق في الأمر، لدرجة أنه طالب بالتحقيق مع النواب العرب، وهو أمر رفضته المستشارة القضائية للحكومة لعدم قانونيته ولغياب مسوغات حقيقية تسمح بالتحقيق مع ممثلي جمهور. وكان الهدف من تحقيق الشاباك ودخوله الصورة، هو محاولة إلغاء نتائج الانتخابات، وإجراء انتخابات جديدة. وقد تبين لاحقا أنه لا توجد أدلة على المسّ بنزاهة الانتخابات، وتم الإفراج عن المعتقلين العرب في هذه القضية(4).

تبين هذه الوقائع كيف حوّل نتنياهو مسألة الفلسطينيين في إسرائيل إلى الموضوع الرئيسي للانتخابات، وهو مدرك أنه يطرح مسألة حساسة في صفوف جمهور عنصري وكاره للفلسطينيين في إسرائيل، بسبب هُويتهم، ونجاحهم الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي، والقلق على مكانة "السيد" اليهودي. وقد نجح في ذلك، ليس في حسم الانتخابات، بل في تقدم معسكره على معسكر المعارضة الصهيونية، على عكس جميع استطلاعات الرأي التي أظهرت عكس ذلك على مدار شهور عديدة.

حزب الليكود ومعسكر نتنياهو

تشير نتائج لجنة الانتخابات المركزية للكنيست الـ26 إلى أن الليكود حصل على 1.167.589 صوتا في الانتخابات، بمعدل يصل إلى 20.5% من مجمل الأصوات الصحيحة(5).  وعلى الرغم أنه حصل على عدد أصوات أعلى مما حصل عليه في انتخابات 2022 فإن نسبة تأييده تراجعت، إذ وصلت في انتخابات 2022 إلى 23.4%، وهو ما يفسر تراجع تمثيله البرلماني في الكنيست من 32 مقعدا إلى 27 مقعدا(6).

ارتفع عدد المصوتين لحزب الليكود بحوالي 50 ألف صوت عن انتخابات 2022، ولكن تراجع معدل تأييده من حوالي 23% إلى 20% (انظر الجدول 1). زاد الليكود قوته الانتخابية بمعدل 4.4% مقارنة بانتخابات 2022، وهي زيادة قليلة بالنظر إلى ارتفاع عدد المصوتين في هذه الانتخابات مقارنة بالانتخابات السابقة، حيث وصل الارتفاع إلى 20%. جاء ارتفاع تمثيل الليكود البرلماني في الانتخابات، بسبب الحملة ضد الفلسطينيين، وجاءت مقاعد الليكود بشكل أساسي من أنصار حركة شاس الدينية الشرقية التي تراجعت من 11 مقعدا إلى 6 مقاعد، وهذا يعني أن الليكود نجح في يوم الانتخابات في جذب المصوتين الشرقيين المحافظين الذين كانوا يصوتون لحركة شاس للتصويت لليكود، كما أنه منع حزب قوة يهودية من زيادة تمثيله الانتخابي، من خلال تغيير خيارات الناخبين الشرقيين في بلدات الجنوب وإعادتهم لليكود، فلم يكن حصول الليكود على 27 مقعدا بسبب جذب أصوات جديدة، بل من خلال زيادة نسبة التصويت في معاقل الليكود التقليدية من جهة، وبانتزاعه مقاعد من قوائم المعسكر نفسه من جهة ثانية.

تُبين معطيات الانتخابات في صفوف معسكر نتنياهو، أن المعسكر حافظ على قوته الانتخابية من الناحية العددية، في حين تراجع تمثيله البرلماني بسبب تصويت الفلسطينيين، الذي أثر بالأساس في حزبي الليكود وشاس، فحزبَا قوة يهودية والصهيونية الدينية حافظا، إلى حد كبير، على تمثيلهما الانتخابي (من 14 مقعدا عام 2022 إلى 13 مقعدا)، كما حافظت قائمة يهدوت هتوراه على تمثيلها الانتخابي (7 مقاعد)، نظرا لثبات قاعدتها الانتخابية على عكس حركة شاس الدينية.

حصل معسكر نتنياهو على حوالي 42% من الأصوات مقابل حوالي 48% من الأصوات عام 2022، وذلك على الرغم من ارتفاع عدد الأصوات المؤيدة له إلى حوالي 80 ألف صوت، ولكنه ارتفاع بسيط مقارنة بارتفاع عدد الناخبين خلال السنوات الأربع الماضية. تبين هذه النتائج أن ارتفاع نسبة التصويت في المجتمع العربي الفلسطيني، كان له تأثير كبير وعميق في معسكر نتنياهو، وهذا التأثير هو أحد التفسيرات الهامة لحملة نزع الشرعية عن الصوت العربي، فلن يتمكن نتنياهو ومعسكره الحالي من تشكيل حكومة ما دامت معدلات التصويت مرتفعة في المجتمع الفلسطيني.

الجدول (1) نتائج الانتخابات والتصويت لمعسكر نتنياهو في انتخابات الكنيست 2022 و2026

 

2022

2026

 

النسبة

المقاعد

النسبة

المقاعد

الليكود

23.4%

32

20.5%

27

شاس

8.2%

11

5.2%

6

يهدوت هتوراه

5.9%

7

5.4%

7

الصهيونية الدينية

10.8%

14

5.1%

6

قوة يهودية*

5.7%

7

المجمل

48.3%

64

41.9%

53

* خاض حزب قوة يهودية الانتخابات عام 2022 ضمن قائمة الصهيونية الدينية.

معسكر المعارضة الصهيوني

خاضت أربع قوائم سياسية الانتخابات ضمن معسكر المعارضة الصهيونية، ونجحت جميعها في تجاوز عتبة نسبة الحسم، فلم يكن هنالك أي تهديد لمركبات المعارضة الصهيونية من السقوط في الانتخابات، على عكس معسكر نتنياهو. ومركبات المعارضة التي شاركت في انتخابات 2022 لم يبق منها على حاله سوى حزب "إسرائيل بيتنا" برئاسة أفيغدور ليبرمان، أما باقي مُكونات المعارضة فهي جديدة أو نتيجة تحالفات حزبية، مثل حزب "الديمقراطيون" وهو تحالف بين حزب العمل وحركة ميرتس. يشير ذلك إلى الفرق بين معسكر نتنياهو الذي يتكون من أحزاب لها جذور شعبية وتاريخية مثل الليكود والأحزاب الدينية، وبين معسكر المعارضة الذي تتغير مكوناته في كل دورة انتخابية، في مسعاه للبحث عن صيغة لإسقاط حكم نتنياهو.

لم يتغير معدل التصويت لمعسكر المعارضة مقارنة بانتخابات 2022 (انظر الجدول 2)، فقد حافظ على نسبة تصويت لمركباته تصل إلى حوالي 37%، ولكن على عكس معسكر نتنياهو ارتفع عدد أصوات هذا المعسكر بنسبة تصل إلى حوالي 17%، أي بزيادة تصل إلى حوالي 322 ألف صوت، (بينما ازداد معسكر نتنياهو بـ80 ألف صوت)، مما أدى إلى ارتفاع تمثيل معسكر المعارضة من 46 مقعدا إلى 48 مقعدا، وظل التصويت المرتفع في المجتمع العربي عاملا مؤثرا أيضا في معسكر المعارضة الذي لم يترجم هذا الارتفاع الكبير في عدد المصوتين إلى تمثيل برلماني أكبر. 

كما وقع لحركة شاس في معسكر نتنياهو، فإن الخسارة الكبرى في هذا المعسكر كانت لتحالف "بياحد" بين يائير لبيد ونفتالي بينيت الذي حصل على 12 مقعدا، في حين حافظ حزب "الديمقراطيون" على قوته الانتخابية، وازداد تمثيل حزب ليبرمان بمقعد واحد، وحصل حزب "يشار" على 21 مقعدا. شهد تحالف "بياحد" فشلا انتخابيا، ففي انتخابات عام 2022 حصل حزب "يوجد مستقبل" برئاسة لبيد لوحده على 24 مقعدا، في حين انهار تحالف "بياحد" الذي يضم لبيد ونفتالي بينيت إلى 12 مقعدا فحسب. ويتضح أن هذا التحالف أضر بهما، ومنع بينيت من جذب مصوتين من اليمين الديني بسبب تحالفه من لبيد العلماني. 

الجدول (2): نتائج الانتخابات والتصويت لمعسكر المعارضة الصهيونية في انتخابات الكنيست 2022 و2026

 

2022

2026

 

النسبة

المقاعد

النسبة

المقاعد

إسرائيل بيتنا

%4.4

6

%5.9

7

الديمقراطيون*

%6.7

4

%6.4

8

بياحد**

%17.7

24

%9.3

12

يشار***

%9.07

12

%16.05

21

المجمل

%37.8

46

%37.6

48

* تنافس حزب العمل وميرتس بشكل منفصل، النسبة المذكورة في الجدول هي حاصل جمع ما حصلت عليه القائمتان. للتذكير لم تتجاوز قائمة ميرتس نسبة الحسم، والوحدة بينهما في إطار حزب "الديمقراطيون" جرت بعد انتخابات 2022.

** النتائج في عام 2022 هي لحزب "يوجد مستقبل" برئاسة يائير لبيد، الذي تحالف عشية انتخابات 2026 مع نفتالي بينيت في قائمة "بياحد".

*** النتائج في عام 2022 هي لحزب "معسكر الدولة" برئاسة بيني غانتس، وكان آيزنكوت ضمن هذا الحزب بالشراكة مع غانتس. 

القوائم العربية

ارتفعت نسبة التصويت في المجتمع العربي الفلسطيني إلى 80% من مجمل أصحاب حق التصويت العرب. وهو أعلى معدل مشاركة في المجتمع الفلسطيني منذ أيام الحكم العسكري الذي فرضته إسرائيل عليهم (1948-1966)، حيث كانت المخابرات الداخلية الإسرائيلية تفرض عليهم التصويت لقوائم عربية تابعة للحزب الحاكم. في عام 2022 وصل معدل التصويت في المجتمع الفلسطيني إلى 54%، وهو أحد الأسباب المركزية التي مكنت معسكر نتنياهو من الفوز بـ64 مقعدا وتشكيل الحكومة. يعود ارتفاع معدل التصويت في المجتمع العربي إلى مجموعة من الأسباب، أهمها إسقاط حكومة نتنياهو التي مارست أشد سياسات العنف والإبادة ضد الفلسطينيين، والدفاع عن النفس في ظل تهديد اليمين الحاكم بتقليص الحيز الوجودي للفلسطينيين، حيث إن فوزه في الانتخابات سيمنحه القوة والشرعية لتعميق الممارسات العنيفة ضد الفلسطينيين عموما، وفي إسرائيل خصوصا. 

الجدول (3): نتائج الانتخابات والتصويت للقوائم العربية في انتخابات الكنيست 2022 و2026

 

2022

2026

 

النسبة

المقاعد

النسبة

المقاعد

القائمة العربية الموحدة

%4.09

5

%5.9

8

القائمة المشتركة*

%6.6

5

%8.8

11

المجمل

%10.6

10

%14.7

19

* في عام 2022 خاض التجمع الوطني الديمقراطي الانتخابات بشكل منفرد ولم يجتاز نسبة الحسم. النسبة في الجدول تشمل أيضا أصوات التجمع عام 2022.

مارست حكومة نتنياهو سياسات عنف سياسي، واقتصادي، وجغرافي، وحقوقي، واجتماعي وحتى إنساني ضد الفلسطينيين في إسرائيل، وكانت حملة الانتخابات لقوائم اليمين المتطرف وخاصة الليكود، تسعى لتعميق هذه السياسات في المرحلة المقبلة. بناء على ذلك، كان تصويت الفلسطينيين دفاعا جماعيا وفرديا عن النفس من جهة، وانتقاما سياسيا من حكومة نتنياهو التي شنت حرب إبادة على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية.

لا تنبع حملة التحريض ونزع الشرعية عن الفلسطينيين من كراهيتهم فقط، بل من حساب سياسي انتخابي واضح أدركه نتنياهو منذ عام 2019، خلاصته أن معسكره لن يفوز في الانتخابات مع معدلات مرتفعة في تصويت المجتمع العربي. في انتخابات الكنيست في مارس/آذار 2020 حصلت القائمة المشتركة (الرباعية) على 15 مقعدا، وكان حينها أكبر تمثيل للفلسطينيين في إسرائيل منذ مشاركتهم في انتخابات الكنيست، حيث وصلت نسبة التصويت في المجتمع العربي إلى 65%، وحينها لم يتمكن نتنياهو من تشكيل حكومة، وكان يُمكن لمعسكر المعارضة الصهيونية برئاسة بيني غانتس تشكيل حكومة بالاعتماد على القائمة المشتركة، ولكن غانتس فضّل الذهاب إلى حكومة تناوب مع نتنياهو تحت ذريعة جائحة كورونا، وقد فكّكها نتنياهو عشية التناوب، لمنع غانتس من شغل منصب رئاسة الحكومة.

الجدول (4) نسبة تصويت العرب في الكنيست وتمثيل القوائم العربية

 

نسبة التصويت

عدد مقاعد القوائم العربية

2015

%64

13

2019 أبريل/نيسان

%49

10

2019 سبتمبر/أيلول

%60

13

2020

%65

15

2021

%45

10

2022

%53

10

2026

%80

19

الخلاصة: تحدّي ديمقراطية الدولة ويهوديتها

جعلت هذه الانتخابات مكانة الفلسطينيين في إسرائيل قضية مركزية فيها، إذ كشفت عن المعضلة السياسية لمعسكر المعارضة بأنه غير قادر على تغيير حكومة نتنياهو بدون التحالف مع القوائم العربية أو الاعتماد عليها. وكشفت الانتخابات لمعسكر نتنياهو الحالي أنه غير قادر على تشكيل حكومة بوجود أغلبية يهودية له، ولكن مع وجود معدلات عالية من التصويت في صفوف المجتمع العربي الفلسطيني.

محورية قضية الفلسطينيين في الانتخابات، لم تكن حاضرة في يوم الانتخابات، بل حضرت بعد الانتخابات، فالتحدي أمام معسكر المعارضة الصهيونية الذي يطلق على نفسه "معسكر التغيير" الديمقراطي الليبرالي، هو كيف يكون ديمقراطيا مع إقصاء القوائم العربية التي تريد أن تكون جزءا من التغيير ضمن قواعد السياسة الإسرائيلية، والتحدي أمام معسكر نتنياهو هو كيف يمكن التعويل على أغلبية يهودية في الانتخابات بوجود القوائم العربية التي تعطل هذه الأغلبية. لذلك فالفلسطينيون هم تحدٍّ لديمقراطية الدولة وتحدٍّ ليهوديتها في نفس الوقت.

ABOUT THE AUTHOR

References
  1. بار بيلغ ونوعا شبيغل. "إرهاب الصناديق": في الائتلاف الحكومي والقناة الـ14 ينادون بإلغاء نتائج الانتخابات. هآرتس، 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (تاريخ الدخول: 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2026) בחירות 2026 | "טרורהקלפיות": בקואליציהובערוץ 14 קוראים לבטלאתתוצאותהבחירות - בחירות 2026 - הארץ

  2. روبيك روزنطل. الناخبون العرب أثبتوا: بدون لاصق اجتماعي مُوحِّد، لا يوجد لمعسكر التغيير أي أمل. هآرتس، 31 أكتوبر/تشرين الأول، 2026 (تاريخ الدخول: 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026) המצביעיםהערביםהוכיחו: בלידבקחברתימלכדאיןלמחנההשינוישוםסיכוי - דעות - הארץ 

  3. بار بيلغ وعمر بن يعقوب. كل محتوى ثان في يوم الانتخابات ضد العرب. هكذا بنى نتنياهو حملة سرقة الانتخابات. هآرتس، 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (تاريخ الدخول 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026) בחירות 2026 | כל פוסטשני ביום הבחירות – נגד ערבים. כךבנה נתניהו אתקמפיין גנבת הבחירות - בחירות 2026 - הארץ

  4. أمير اتينغر. اللجنة أعلنت رسميا: "لا يوجد أدلة على المسّ بنزاهة الانتخابات أو تغيير النتائج". موقع Ynet، 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2026) הוועדה הודיעה רשמית: "אין ממצאים על פגיעה בטוהר הבחירות או שינוי התוצאות"

  5. لجنة الانتخابات المركزية للكنيست الـ26. نتائج انتخابات الكنيست الـ26، لجنة الانتخابات المركزية، 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026) ועדת הבחירותהמרכזיתלכנסתה-26 | תוצאות ארציות

  6. المصدر: لجنة الانتخابات المركزية لانتخابات الكنيست الـ25، (تاريخ الدخول 20 يوليو/تموز) : ועדת הבחירות המרכזית לכנסת ה-25 | תוצאות ארציות (bechirot.gov.il)