السودان بين الوحدة والانفصال

11 November 2010
2011101711293299580_2.jpg
 

 

كيف سيتم انفصال جنوب السودان عن شماله؟ هل سيكون سلسا مرنا أم سيصاحبه عنف واحتراب؟ لماذا تراجع الدور العربي عموما والمصري خصوصا بالنسبة لقضية جنوب السودان في حين تهتم الدول الأفريقية المتاخمة لجنوب السودان بشانه العام؟ عن هذه الأسئلة وغيرها نظم مركز الجزيرة للدراسات ندوة بعنوان السودان بين الوحدة والانفصال مساء الأربعاء 10 نوفمبر 2010.

وقد أطر مدير الندوة: رئيس قسم البحوث بمركز الجزيرة للدراسات الدكتور رفيق عبد السلام موضوع النقاش في سياقيه العام والخاص فالندوة تدخل في إطار أنشطة مركز الجزيرة للدراسات واهتماماته فضلا، وتشكل جزءا من أنشطته التي تركز على مناطق النزاع والتوتر في العالم العربي والإسلامي، هذا فضلا عن كونها تطرح مسألة وحدة والسودان وانفصاله خصوصا وأنه لم تعد تفصلنا عن تاريخ الاستفتاء المقرر إجراؤه في جنوب السودان في التاسع من يناير/ كانون الثاني 2011 سوى بضعة أسابيع وليس أكثر.

وقد شارك فيها القيادي في جبهة الإنقاذ الديمقراطية الجنوبية: المهندس فاروق قاتكوث، وعميد كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في جامعة الخرطوم: الدكتور حسن الحاج علي، والباحثة بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والمتخصصة في الشأن السوداني الدكتور أسماء الحسيني.

الوحدة الجاذبة.. هل انتهت إلى الفشل؟
الهوية الغائبة أو المغيبة
الموقف المصري من جنوب السودان
رهانات المستقبل

الوحدة الجاذبة.. هل انتهت إلى الفشل؟

كرست اتفاقية التوجه نحو الانفصال حيث لم يستطع شريكا الحكم في السودان تعزيز خيار الوحدة الجاذبة وقد وضعت الاتفاقية أسسا لحل بعض الإشكالات كتقاسم السلطة والثروة إلا أنها كرست الثنائية الإقصائية معطية لخيار الانفصال صيغة قانونية تعززت بانعدام الثقة الدائم بين طرفي الحكم

ناقشت الندوة موضوع الوحدة السودانية وخلص المشاركون إلى أن نتيجة الاستفتاء شبه محسومة لصالح خيار الانفصال الذي أصبح هو الأرجح، بينما تقلصت فرص الوحدة وباتت متراجعة بشكل واضح، وذلك اعتمادا على العديد من المشؤرات المحلية والإقليمية والدولية. ومن أبرز تلك المؤشرات على المستوى المحلي حالة الاستقطاب التي تعرفها العلاقة بين شريكي الحكم في السودان: المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، فخيار المؤتمر الوطني الاستراتيجي مع الوحدة في حين يشكل الانفصال خيار الحركة الشعبية الاستراتيجي.

ومن أبرزها محليا تراجع الدرو العربي عموما والمصري خصوصا، فبعد أن كانت قضية السودان جزءا من المنظومة الأمنية والاستراتيجية المصرية صارت القاهرة تتعامل بخلفية التكيف، وقبول الأمر الواقع مما يجري من تطورات في الجنوب السوداني. ومن أبرز تلك المؤشرات دوليا تشجيع الولايات المتحدة والدول الغربية وإسرائيل بشكل عام على إنجاز الاستفتاء في وقته المحدد والسعي –تصريحا أو تلميحا- على أن ينفصل الجنوب السوداني مشكلا دولة جديدة.

وقد كرست اتفاقية نيفاشا الموقعة سنة 2005، ضمن ما كرسته، التوجه نحو الانفصال حيث لم يستطع شريكا الحكم في السودان تعزيز خيار الوحدة الجاذبة. ولئن كانت هذه الاتفاقية قد وضعت أسسا لحل بعض الإشكالات كتقاسم السلطة والثروة إلا أنها كرست الثنائية الإقصائية معطية لخيار الانفصال صيغة قانونية تعززت بانعدام الثقة الدائم بين طرفي الحكم.

فالوحدة في نظر المهندس فاروق قاتكوث لم تعد مطروحة في ظل معاملة الشماليين الإقصاء والتمييز للجنوبيين حتى على صعيد المقابر حيث يمنع على الميت غير المسلم أن يدفن في مقابر المسلمين. مما يعني –حسب قاتكوث- أن الوحدة فشلت لا في الجانب الدنيوي فسحب بل وأيضا في الجانب الأخروي.

أما الطرف الجنوبي فإنه، في نظر الدكتور حسن الحاج علي، ظل يسعى جاهدا لإفشال الوحدة الجاذبة، ومن أمثلة ذلك بناء جيش الجنوب بناء قويا يعكسه شراء حكومة الجنوب من أوكرانيا مائة دبابة من طراز تي 72 وصلت جميعها إلى جنوب السودان.

 

الهوية الغائبة أو المغيبة

في غياب مواطنة وعدالة اجتماعية وتنمية متوازنة تقلص مفهوم "الهوية السودانية" المطلوبة ليحل محله الانتماء الديني والمناطقي والقبلي

طرحت الندوة إشكالية الهوية السودانية: هل السوداني عربي أم أفريقي أم هو في منزلة بين المنزلتين؟ ولئن اتفق المشاركون على أن للسودان هوية متعددة تجمع أعراقا متقاطعة وقبائل شتى ولغات مختلفة منها الأفريقي ومنها العربي ومنها المسلم والمسيحي وغيرهما، إلا أن السودان وإن استطاع عبر تاريخه أن يشكل نموذج الاندماج والتصاهر والتفاعل، فإنه في الحاضر أعاد وبإلحاح شديد طرح سؤال الهوية إلى الواجهة. وارتبط هذا السؤال بهواجس الوحدة والانفصال بين الشمال والجنوب بحيث أصبحنا أمام خطابين خطاب عروبي شمالي وخطاب أفريقي جنوبي.

وقد نبه المهندس قاتكوث إلى أن سؤال الهوية قد لا يكون مطروحا على السوداني البسيط الذي لا يعرف سوى التعايش السلمي سواء أكان في الشمال أم في الجنوب، إلا أنه مطروح على النخبة السياسية التي سيست هذا المعطى الاجتماعي التاريخي: فتعالي النخبة الحاكمة في الشمال على نظرائهم الجنوبيين هو ما أجج طرح مسألة الهوية. وتمسك الشماليين بالهوية العربية صارا مبررا للاستعلاء علي إخوانهم الأفارقة، وهذا الاستعلاء يترجم نفسه بمحاولات لفرض هذه الهوية علي الآخرين عبر الأسلمة والتعريب واستخدام العنف لمحو الثقافات الأخري.

ولم تؤد ادعاء عروبة السودان –حسب قاتكوث- من طرح أكثر من علامة استفهام خصوصا وأن بعض الدول العربية قد رفضت مساعي السودان للانضمام الى جامعة الدول العربية عام 1958 مقترحين تسمية الجامعة "جامعة الدول العربية والسودان". وفي غياب مواطنة وعدالة اجتماعية وتنمية متوازنة تقلص مفهوم "الهوية السودانية" المطلوبة ليحل محله الانتماء الديني والمناطقي والقبلي.

ولم يكن طرح موضوع الهوية مسؤولية طرف محدد –كما بين الدكتور حسن الحاج علي- فهو تراكم خلافات معقدة عاشها السودان منذ استقلاله في الخمسينات. وقد شهدت هذه الفترة المبكرة من تاريخ السودان تيارا جنوبيا انفصاليا وآخر يدعو لوحدة مشروطة.

 

الموقف المصري من مسألة جنوب السودان

ما يجري في جنوب السودان من تحضير لانفصال وشيك لا يمكن أن يكون عملا منعزلا عن واقع السياسة الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط، بل ربما كان المستهدف، فضلا عن السودان نفسه، هو مصر

هل تستعد مصر للوضع الجديد في جنوب السودان؟ اتفق المشاركون على أن مصر من أبرز المتضررين لو انفصل جنوب السودان وأسس دولة جديدة على الرغم من محاولة الحكومة المصرية التكيف مع الأمر الواقع. وترى مصر أن نتيجة الاستفتاء فيما إذا صارت على خيار الانفصال ستكون كارثية على المنطقة كما أكدت الدكتورة أسماء الحسيني. فقد تشمل تداعياته جميع مناطق السودان الساخنة وخصوصا إقليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق ومرتفعات أبيي. لذلك دعت الدولة المصرية إلى إيجاد صيغة ثالثة لا هي الوحدة ولا هي الانفصال وإنما هي صيغة الفيدرالية مع الدعوة إلى تأجيل الاستفتاء حتى يتم استيفاء تفاهماته المحلية والإقليمية.

وقد أعلنت المملكة العربية السعودية والجامعة العربية عن تأييد المبادرة المصرية غير أن الطرفين السودانيين المشاركين في الحكم لم يشجعا الطرح المصري.

ودور الجامعة العربية عموما ودور الدولة المصرية بشكل خاص ولا يعكس كون السودان يمثل عمقا إستراتيجيا مهما لمصر، على عكس بعض الدول الإفريقية المجاور لجنوب السودان والتي لها استراتيجية واضحة بشأن هذا الموضع وتشجع الجنوب على الانفصال.

وفي سياق مناقشة غياب الدور المصري أثارت الندوة علاقة إسرائيل بهذه الأزمة، فإسرائيل هي الحاضر الغائب في جنوب السودان, وبينت الندوة أن ما يجري في جنوب السودان من تحضير لانفصال وشيك لا يمكن أن يكون عملا منعزلا عن واقع السياسة الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط، بل ربما كان المستهدف، فضلا عن السودان نفسه، هو مصر. وقد أكد فاروق قاتكوث على أن دولة جنوب السودان في حل من إقامة علاقات مع إسرائيل، خصوصا وأن علم الدولة العبرية يرفرف في سماء أكبر عاصمة عربية. وللجنوبيين الحق في إنشاء علاقاتهم الدبلوماسية مع أي دولة وفق ما تمليه عليهم مصالحهم.

 

رهانات المستقبل

لا يستبعد الدكتور حسن حدوث عنف في الجنوب وهو أمر لو حدث فلن يكون في مصلحة الشمال فوجود دولة في الجنوب مستقرة سيعزز أكثر استقرار الشمال

ناقشت الندوة الآفاق المحتلمة لعلاقات شمال السودان في جنوبه في سياق تغليب خيار الانفصال. وقد رجح دكتور حسن الحاج أن يكون هنالك تفاعل وتواصل بحكم أن كلا منه الشمال والجنوب يحتاج للأخر وبالتالي فالاثنان محكوم عليهما سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بإيجاد شراكة متبادلة. ولا يستبعد الدكتور حسن حدوث عنف في الجنوب وهو أمر لو حدث فلن يكون في مصلحة الشمال. فوجود دولة في الجنوب مستقرة سيعزز أكثر استقرار الشمال.

ويؤكد فاروق قاتكوث على عمق العلاقات الاجتماعية بين الإنسان الشمالي والجنوبي، فقد كان الإنسان السوداني في الشمال حاضنا لأخيه الجنوبي لذلك فإن هذا الجنوبي لن يتنكر لتلك العلاقات الحميمة التي تربط بين المجتمعات هنا وهنا. غير أن قاتكوث يؤكد على أن العنف في الجنوب مصدره هو الشمال وأن الخرطوم ما فتئت تسلح أفرادا من الجنوب وتبعثهم لزرع الفتنة بين الجنوبيين.

وقد شفعت الندوة بنقاشات وردود توسعت في بعض الإشكالات التي يطرحها الاستفتاء ونتائجه لا على مستوى الجنوب فقط ولكن على مستوى الأقاليم السودانية الأخرى وخصوصا إقليم دارفور المرشح إلى أن يستقطب الاهتمام في مستقبل الأيام.