قراءة لنشأة الحوثية وأهدافها ومستقبلها

تقرير يقرأ نشأة ما عرف بالحركة الحوثية باليمن والسياق التاريخي الذي جاءت فيه، ومراجعة لمجمل الأدبيات والمفاهيم المؤسسة لها، ومحاولة للوقوف على أهدافها ومطالبها العامة كما يراها الكاتب وعايشها. ويرصد التقرير مجريات الصراع العسكري القائم اليوم بين الحوثيين والجيش اليمني ومآلاته المتوقعة.
Posted on: Mon, 11/16/2009 - 11:48
1_951658_1_6.jpg







 

محمد عزان أبو راس


هذا التقرير هو قراءة لنشأة ما عرف بالحركة الحوثية في اليمن والسياق التاريخي الذي جاءت فيه، ومراجعة لمجمل الأدبيات والمفاهيم المؤسسة لها، ومحاولة للوقوف على أهدافها ومطالبها العامة كما يراها الكاتب وعايشها. كما يرصد التقرير مجريات الصراع العسكري القائم اليوم بين الحوثيين والجيش اليمني والمآلات  المتوقعة له.


في مطلع الثمانينات كان النشاط الديني في مجمل هِجَر محافظة صعدة، وحلقات الدروس الدينية في نواحيها محدودة الانتشار، وكانت هجرة (ضحيان) و(صعدة) و(رحبان) هي البقية الباقية من الهجر القديمة، التي كانت تقيم حلقات الدروس، وتستقبل قليلاً من المهاجرين لطلب العلم والذين كان يغلب على أكثرهم الهجرة لطلب العيش لا طلب العلم.





المعروف أن الحوثي وجماعته ينتمون إلى المذهب الزيدي المصنف على أنه حركة سياسية في الدرجة الأولى.
وحينما دخلت السلفية تلك المناطق بقيادة الشيخ مقبل الوادعي (توفي عام 2001)، ركزت على مهاجمة أتباع المذهب الزيدي وعلمائهم وعقائدهم وفقههم وعاداتهم وتقاليدهم وهم يمثلون النسبة الأعلى من سكان المنطقة، مما أدى إلى ردة فعل معاكسة دفعت بعلماء المذهب الزيدي نحو التصدي لما أسموه بالغزو الوهابي، فألفوا الكتب، وعقدوا المناظرات، ونشطوا في تأسيس حلقات الدروس، وانتشروا في القرى لإلقاء الخطب والمحاضرات، مما جعل النشاط الديني لأتباع المذهب الزيدي يتصاعد ولكن ببطء ومحدودية؛ إلا أن ردود الفعل تجاه من اعتبروهم أعداء المذهب، كانت هي الغالبة على ذلك النشاط. وكان معظم القائمين عليه من كبار السن علماء ودارسين، إضافة إلى اعتماد الأساليب والمناهج القديمة وغياب التنظيم والتخطيط.

وشهدت المنطقة في عام 1986 تأسيس مدارس علمية وتجمعات ثقافية جلها من الشباب، وكانت مبعثرة ومحدودة وتتواجد فقط في الهجر العلمية وبعض قرى صعدة، ولكن بعد توحيد اليمن (عام 1990) دخلت البلاد مرحلة جديدة اتجه فيها الناس إلى تشكيل الأحزاب والتجمعات فكان من أبرزها منتدى الشباب المؤمن، والذي اتسع نفوذه حتى طغى على المد السلفي، وتمدد على حساب المدارس التقليدية، وصارت له قاعدة شعبية معتبرة خصوصاً في محافظة صعدة.


وبلغ تيار الشباب المؤمن ذروته في الانتشار عام 1998، ثم تعرضت قيادته للانقسام ما بين تيارين، أحدها رأى أن سبب نجاح التيار وصموده في مواجهة خصومه هو انفتاحه على الآخرين، والتزامه بتجديد المناهج والرؤى، والتحرر من بعض جزئيات الموروث التقليدي الزيدي. بينما آثر الفريق الآخر التزام النهج والمدرسة الزيدية التقليدية، والبقاء على خط المواجهة مع المذهب السني على أساس أنه سر النجاح والكفيل ببقاء الحركة ونموها.


وهنالك بدأ الشرخ يظهر ويتسع بين الفريقين إلى أن ظهر إلى العلن عام 2000، حيث تمكن حسين بدر الدين الحوثي من فرض نفسه على الشباب المؤمن بمساعدة أخيه محمد بدر الدين الذي كان أحد مؤسسي منتدى "الشباب المؤمن"، وقَبل الشباب المؤمن به إلى جانب عبد الله الرزامي ويحيى الحوثي وآخرين، وفي أواخر عام 2001 طالب حسين الحوثي بإلغاء "منتدى الشباب المؤمن" وأعلن رفض منهجه وأهدافه، بعدما وجد أنه لا يمضي في الاتجاه الذي يريد، وأخذ في تسجيل محاضراته وتفريغها في ملازم دراسية، واعتبرها بديلاً عن مناهج "الشباب المؤمن" وذهب في اتجاه آخر انتهى به إلى مواجهة الدولة عسكريا، وهو الأمر الذي لا تزال تداعياته قائمة وتتصاعد كل يوم.


الخلفية الفكرية السياسية للحوثيين
أهداف الحركة الحوثية
الأهداف المرحلية للحروب
الحوثيون والنظام والعلاقة بإيران
مستقبل الحركة الحوثية
الحل الصعب ومآل الأزمة


الخلفية الفكرية السياسية للحوثيين 


المعروف أن الحوثي وجماعته ينتمون إلى المذهب الزيدي المصنف على أنه حركة سياسية في الدرجة الأولى، لكن المذهب الزيدي كغيره من المذاهب يمكن قراءة نظرياته قراءات مختلفة، وقد اشتهر عن الزيدية أنهم كانون يتوزعون في مجال الفكر السياسي ـ إلى تيارين اثنين:


أحدهما
كان يعرف بـ"الصالحية" نسبة إلى الحسن بن صالح بن حي (المتوفى 169هـ)، وهو اتجاه تميز بالتسامح والمرونة، والبعد عن الغلو في الأشخاص، والمبالغة في شرعنة النظريات السياسة، وينظر إلى الإمامة على أنها وسيلة من أجل خدمة المجتمع، ومن ثم يجب أن تلبي حاجاته ومتطلباته الأساسية، وبالتالي يكون للناس الحق في صياغة نظام الحكم ـ من خلال الشورى ـ بما يتناسب مع الزمان والمكان والأحوال.


الثاني
وهو تيار يعرف بـ"الجارودية" وهو لقب يطلق على من ذهب من الزَّيدية إلى أمرين:



  • أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَصَّ على الإمام علي بن أبي طالب باعتباره خليفة من بعده بصفات لا توجد إلا فيه، واعتبروا تلك الصفات كالنص عليه باسمه، لذلك يرون أن الذين صرفوا الأمر إلى غيره قد ضلوا وتسببوا في انحراف الأمة.
  • والآخر: أن الإمامة حق إلهي خاص بأبناء علي بن أبي طالب من فاطمة خاصة، وليس للمجتمع أي خيار إلا القبول والتسليم بما هو مختار له، سواء من النص على أن الإمامة حق خاص بأبناء علي بن أبي طالب من فاطمة الزهراء، أو أن الإمام له حق مطلق في تسيير الأمور، وأن الشورى مطلوبة ولكنها غير ملزمة له، وأن الناس ملزمون باتباعه، باعتبار أنه يمثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه مؤيد من عند الله، يعلم مالا يعلمون ويدرك مالا يدركون، وإن لم يكن معصوماً.




الحوثيون لا يزالون يعتقدون أن بإمكانهم فرض أنفسهم على النظام بالقوة، في حين لا يزال الجيش يرى أن بإمكانه إنهاء التمرد بالحسم العسكري، والصحيح أنه لا حل جذري للمشكلة دون إنهاء المظهر العسكري للحركة الحوثية.
وسموا جارودية لأن أبا الجارود زياد بن المنذر (المتوفى150هـ)، كأن أول من أظهر تلك الآراء بين الزيدية، وبحسب وصف الزيدية المخالفين لأبي الجارود، فإن أبا الجارود إمامي المذهب وليس زيديا، انضم إلى أصحاب الإمام زيد، ولم يظهر رأيه في الإمامة والصَّحابة إلا بعد استشهاد الإمام زيد، فكان بمثابة جسر لنقل الأفكار الإمامية إلى الزَّيدية، ومن ثم عُرف موافقوه بالجارودية.

علما بأن الجارودية لا تعد فِرقة مذهبية كاملة الاستقلال، بحيث يكون لها آراء في مختلف المسائل الفكرية كما هو حال الفرق المشهورة، كما أنه لا يعني هنا أن تسمية جارودي من ينتسب إلى الزيدية قد انسلخ عن المذهب في كل شيء، إنما ذلك مجرد لقب يُميز به من وافق أبا الجارود في الفكر السياسي، خصوصاً مسألتي الإمامة والتفضيل وما يترتب عليه