المشهد السوداني في نهاية 2009

إن اتفاقيات نيفاشا تلزم شريكي الحكم بأن يبذلا ما في وسعهما لتعزيز خيار الوحدة، لكن الكثير من المراقبين بدأوا يشعرون بقلق بسبب ما ظهر من دلالات على أن الانفصال سيكون هو الخيار المرجح لو أن الاستفتاء أجري تحت الظروف الحالية.
23 December 2009

عبد الوهاب الأفندي







في ندوة عقدت في العاصمة السودانية مؤخراً، كان محور النقاش هو كيف يمكن تعزيز فرص الوحدة وتجنب خطر ما بدا أنه انزلاق نحو الانفصال تحت تأثير عوامل متعددة خرجت عن سيطرة القوى الفاعلة خارجياً وداخلياً.

المعروف أن اتفاقيات نيفاشا للسلام تلزم شريكي الحكم بأن يبذلا كل ما في وسعهما لتعزيز خيار الوحدة، وهو التزام ما يزال الطرفان يكرران التمسك به. ولكن كثيراً من المراقبين في الداخل والخارج بدأوا يشعرون بقلق عميق بسبب ما ظهر من دلالات على أن الانفصال سيكون هو الخيار المرجح لو أن الاستفتاء أجري تحت الظروف الحالية.


غض الطرف عن الكارثة
الجنوب: الانفصال مرجح أم مرجوح؟
الاهتمام بدارفور: مد وجزر
خطر الانزلاق نحو الانفصال


غض الطرف عن الكارثة المحدقة


وقد أصبح هذا الاحتمال مصدر ذعر لكثير من الأطراف الإقليمية والدولية التي تجمع على أن الجنوب غير مستعد في وضعه الحالي لأن يصبح دولة مستقلة، وتخشى عدد من الدول المجاورة أن يتحول الجنوب المستقل إلى دولة فاشلة أخرى تهدد بصراعاتها أمن المنطقة، وتتحول كما تحولت الصومال والكونغو الديمقراطية من قبل إلى بؤرة صراع إقليمي بين الدول المتنافسة.


من هذا المنطلق قامت مساعٍ حثيثة ومكثفة لمعالجة الوضع، حيث طرحت مقترحات لتأجيل الاستفتاء ولتمديد الفترة الانتقالية وغير ذلك من المعالجات الساعية لتفادي ما يخشى الجميع أن تكون كارثة على السودان والمنطقة. ولكن بينما يسهر العالمون مجراها ويختصمون، فإن الأطراف السودانية الرئيسة تنام ملء جفونها ولا تشعر بأي قلق من الكارثة المحدقة.


ففي الندوة المشار إليها قال أحد المسؤولين البارزين في الحزب الحاكم إنه لا يرى مبرراً لتضييع الوقت في الحديث عن تجنب الانفصال، لأنه أصبح في حكم الواقع، وأن النقاش يجب أن يركز على كيفية جعل الانفصال سلمياً ومرتباً وتجنب العنف والفوضى عند وقوعه.


وقد سمعت بعد ذلك من أحد قيادات الحركة أنهم كانوا قد طلبوا في المداولات التي أعقبت توقيع اتفاقيات نيفاشا أن تسند للحركة بعض الوزارات السيادية، مثل المالية أو الداخلية أو النفط، لأن هذا من شأنه تعزيز خيار الوحدة، عندها كان رد قيادة المؤتمر الوطني الحاكم بحسب هذا المسؤول هو:


"إننا نعرف أنكم ستختارون الانفصال مهما حدث، ولهذا لن نضيع وقتاً أو جهداً في استرضائكم بهذه الوزارات الحيوية بالنسبة لنا."


ومع ما يبدو من ترسخ القناعة لدى أطراف القضية السودانية والأطراف المهتمة بالشأن السوداني إقليمياً ودولياً بأن انفصال جنوب السودان عن شماله قد أصبح في حكم المؤكد، إلا أن الاختلاف هو في الموقف من هذا الاحتمال.


فمن جهة نجد شريكي الحكم في السودان قد وصلا مرحلة القبول بالأمر وتهيئة الأجواء لما سيحدث، ومن جهة أخرى نجد الأطراف الدولية (وعلى رأسها الولايات المتحدة) والإقليمية (ومن أبرزها إثيوبيا ويوغندا ومصر) تسعى جاهدة لإيجاد معالجات تتجنب هذا الوضع.


الجنوب: الانفصال مرجح أم مرجوح؟





تمنع الحركة الشعبية من تشاء من المواطنين أو حتى المسؤولين من دخول الجنوب، أو تقوم بطردهم من هناك، خاصة منسوبي الأجهزة الإعلامية كما تمنح تأشيرات دخول لمن تشاء إلى الجنوب بدون إذن أو علم وزارة الخارجية، ولحكومة الجنوب ميزانيتها المنفصلة التي تشتمل على نصف عائدات النفط إضافة إلى أي موارد محلية أو معونات أجنبية
هذا الوضع يطرح سؤالين مهمين: هل انفصال الجنوب أصبح بالفعل مرجحاً؟ وهل سيتحول الأمر إلى كارثة كما يتوقع الكثيرون؟


هناك من جهة عدة وقائع وعوامل تؤكد -ليس فقط- أن انفصال الجنوب قد أصبح مرجحاً، بل إنه قد أصبح واقعاً بالفعل. فبحسب نصوص اتفاقية السلام أصبحت السلطة في الجنوب بيد الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تتولى رئاسة وتعيين الحكومة هناك، كما تعين أعضاء برلمان الجنوب وبرلمانات الولايات الجنوبية العشر وتكون لها الأغلبية فيها. وأهم من ذلك فإن للحركة أن تحتفظ بجيش منفصل وأن تتولى كل المهام الأمنية في الجنوب، وبحسب هذه الترتيبات فإن للجنوب الآن حكومته المنفصلة وجيشه المنفصل، ونظامه القانوني المنفصل (لا تطبق الشريعة الإسلامية في الجنوب) ونظامه المالي والمصرفي المنفصل.



ولحكومة الجنوب كذلك سفارات في الخارج واتصالات وعلاقات تجارية مع دول عديدة في العالم بدون المرور عبر وزارة الخارجية (التي يتولاها أحد قيادات الحركة)، ولا تستخدم أي حكومة الجنوب الرمز الدولي السوداني في شبكتها الهاتفية، بل تستخدم الرمز اليوغندي. وكثيراً ما تمنع الحركة من تشاء من المواطنين أو حتى المسؤولين من دخول الجنوب، أو تقوم بطردهم من هناك، خاصة منسوبي الأجهزة الإعلامية. وبنفس القدر فإن الحركة تمنح تأشيرات دخول لمن تشاء إلى الجنوب بدون إذن أو علم وزارة الخارجية، ولحكومة الجنوب ميزانيتها المنفصلة التي تشتمل على نصف عائدات النفط إضافة إلى أي موارد محلية أو معونات أجنبية.



لكل هذا فإن انفصال الجنوب، إذا تم، فإنه سيكون تقريراً لواقع قائم بالفعل. ولكن من جهة أخرى فإن بعض أنصار الوحدة استخدموا هذا الواقع لمحاولة إقناع قادة الجنوب بمزايا التمسك بالوحدة، وبحسب هؤلاء فإن الجنوب لن يكسب من الانفصال أكثر مما لديه الآن، لأن الجنوب يتمتع باستقلال القرار والحكم الذاتي في كل شيء، بينما يشارك كذلك في حكم السودان الأكبر. أما إذا وقع الانفصال فإن نصيب الجنوب من الحكم الفدرالي السوداني سيذهب، بينما قد يفقد ملايين الجنوبيين المقيمين في الشمال حق الإقامة والعمل هناك.



وهذا يقودنا إلى إشارات أخرى تعطي انطباعاً بأن شريكي نيفاشا لم ينفضا أيديهما تماماً من الوحدة، فعلى سبيل المثال نجد أن مسيرات الاحتجاج التي نظمتها المعارضة في مطلع شهر ديسمبر/ كانون أول 2009 وتولت الحركة الشعبية دوراً قيادياً فيها، تمت بالتنسيق بين الحركة ومجموعة من الأحزاب الشمالية، من أبرزها المؤتمر الشعبي بقيادة الشيخ حسن الترابي، وحزب الأمة القومي بقيادة السيد الصادق المهدي والحزب الشيوعي السوداني بقيادة محمد ابراهيم نقد، وطائفة من الأحزاب الأخرى والمنظمات المدنية.



وقد تم تأسيس هذا التحالف في مؤتمر عقد في العاصمة الجنوبية جوبا في سبتمبر/أيلول 2009، وأصبح اسم التحالف (كما يظهر في بياناته) "قوى الإجماع الوطني (تحالف مؤتمر جوبا)". ويشير هذا التحالف إلى أن الحركة لم تيأس بعد من أن يكون لها دور على المستوى القومي، وهو دور يحتاج إلى بقاء الوحدة.



أما المؤتمر الوطني فإنه قد بنى بدوره تحالفات مع بعض القوى الجنوبية، فهنالك أكثر من حزب وجماعة لها تحالف معلن أو ضمني مع المؤتمر الوطني، بل إن للمؤتمر الوطني وجوده المباشر في معظم أنحاء الجنوب، تماماً كما أن للحركة الشعبية أعضاءها في معظم أنحاء الشمال. فقد كان كل من الحزبين يسعى إلى مد نفوذه إلى كل أنحاء البلاد، ولهذا كان يسعى إلى تجنيد الأنصار حيثما استطاع. وقد عززت اتفاقيات السلام من هذا المنحى، لأن الاتفاقية سمحت للحركة الشعبية بأن يكون لها 28% من المناصب السياسية وعضوية البرلمانات في الولايات الشمالية كما منحت نفس النسبة للمؤتمر الوطني في الجنوب. ومن الطبيعي أن يستخدم كل حزب هذه النسبة لمكافأة أنصاره واستقطاب المزيد منهم. وبالنسبة للمؤتمر الوطني الذي كان حتى منتصف عام 2005 يحكم الجنوب منفرداً فإنه قد جمع حوله الكثير من الأنصار ممن لا يزال بعضهم يدين له بالولاء.



إذن يمكن أن يقال أن كلا الشريكين ما يزال يضع الوحدة في حساباته، ولكن أياً منهما لا يريد أن يدفع ثمنها، بل يريد الوحدة على شروطه. فالحركة الشعبية ظلت تطرح على لسان مؤسسها الراحل جون قرنق مشروع السودان الجديد الرامي إلى تغيير التركيبة السياسية ومحددات الهوية الثقافية باتجاه العلمنة والأفرقة كشرط لاستمرار الوحدة، بينما ظل نظام الإنقاذ يتمسك بمشروعه القائم على الأسلمة والتعريب.



ولكن التجاذب المستمر بين الشريكين والتصادم بين مشروعيهما المتناقضين لا يخدم قضية الوحدة، بل بالعكس، يقوض أسسها حتى عندما يكون الهدف المعلن هو تعزيز فرص الوحدة. فعلى سبيل المثال نجد أن التجاذب بين الشريكين حول قانون الاستفتاء الاستفتاء حول الوحدة المنتظر إجراؤه في يناير/كانون الثاني من عام 2011 (وقد حسم الخلاف بينهما أخيراً حول هذه المسألة) يتركز حول إصرار المؤتمر الوطني على تشديد الشروط حتى يضع أكبر عراقيل ممكنة في سبيل الانفصال.



ولكن مجرد التوتر الناتج عن استمرار النزاع يرسل رسالة سالبة إلى الرأي العام الجنوبي تعزز من فرص الانفصال بدلاً من العكس



يعتقد كثير من المراقبين أن هناك أغلبية ساحقة من الجنوبيين تؤيد الانفصال سلفاً، رغم أن الحركة الشعبية لم تعلن موقفها رسمياً بعد، ولكن المرجح أيضاً أن فرص الوحدة ستكون أكبر بكثير إذا طالبت الحركة المواطنين في الجنوب بدعم خيار الوحدة، أما إذا أعلنت الحركة دعمها للانفصال، فإن فرص الوحدة ستقترب من الصفر.



وهناك احتمال كبير بأن يرفض الناخبون توصية الحركة بدعم الوحدة، حتى وإن أصدرتها، لأن الرأي العام في الجنوب معبأ ضد الوحدة أصلاً بسبب الدعاية الكثيفة أثناء الحرب. وهناك عامل آخر، يتمثل في نمو نفوذ الحركات الانفصالية الجنوبية التي تعارض نهج الحركة الذي يمثل أكثر نحو الوحدة، ولعل المفارقة هي أن المؤتمر الوطني قد دعم وما يزال هذه الحركات الانفصالية على مبدأ "عدو عدوي صديقي"، مما فتح الجو للمزايدات حول الانفصال (أو "الاستقلال") بين الفصائل الجنوبية التي يسعى كل منها لتوسيع قاعدته الشعبية، بإظهار أكبر قدر من العداء للشمال والمناصرة لحق الجنوب في الانفصال.



لكل هذا فإن مواقف الحزب الحاكم تدفع باتجاه دعم الانفصال عبر أكثر من طريق: باستعداء الرأي العام الجنوبي عن طريق إذكاء التوتر مع الحركة الشعبية، وبالمماطلة في إنجاز الانفتاح الديمقراطي المطلوب، وأخيراً بالدعم المباشر للحركات الانفصالية.



إضافة إلى ذلك فإن وعود السلام والتنمية التي أطلقت عند إبرام اتفاقية السلام لم تنجز، خاصة فيما يتعلق بإعادة بناء ما دمرته الحرب في الجنوب وتوسيع الخدمات التعليمية والصحية وإقامة مشاريع تنمية تقدم الأمل للعائدين والمتأثرين بالحرب.



ويعود هذا لأسباب كثيرة، من أبرزها أن وعود المانحين لم يتم الوفاء بها بسبب المقاطعة الاقتصادية المستمرة للسودان على خلفية أزمة دارفور، وأيضاً لأن كثيراً من المانحين وجهوا مساهماتهم الموعودة لدعم الخدمات الإنسانية ونشر قوات حفظ السلام في دارفور. من الأسباب كذلك قلة الكفاءة وتفشي الفساد وضعف الإمكانيات الإدارية على المستويين المحلي والفدرالي.



أمام هذا الشعور باقتراب ساعة الحسم مع ترجيح الانفصال ومخاطره، تسارعت المحاولات لتقديم اقتراحات لتتفادى الكارثة المحتملة. ومن أبرز هذه الاقتراحات تمديد الفترة الانتقالية وتأجيل الاستفتاء ثلاث سنوات أخرى على الأقل، وهو اقتراح رفضته الحركة الشعبية بشدة لأن القبول به قد يفسر من قبل الحركات الانفصالية المنافسة بأنه تراجع عن تقرير المصير، وبالتالي يهدد شعبية الحركة. وهناك اقتراح آخر له حظ أكبر في القبول، وهو إقامة وحدة كونفدرالية بين شطري البلاد تكون في حقيقة الأمر تقريراً للأمر الواقع، لأن الوحدة القائمة حالياً هي أقرب إلى الكونفدرالية منها إلى الفدرالية.



الاهتمام بدارفور: مد وجزر






كان موقف الاتحاد الإفريقي هو الأبرز والأشد وضوحاً في هذا الصدد، وهو أمر له دلالته، خاصة وأن الصراع قد صور على أنه صراع بين العرب والأفارقة
في مفارقة أخرى فإنه يبدو أن الانشغال الأخير بمخاطر الوضع في الجنوب، وهو انشغال له ما يبرره، خاصة مع تصاعد أحداث العنف في الجنوب، قد صرف الأنظار نوعاً ما عن قضية دارفور التي كانت أحداثها شغلت العالم خلال السنوات الخمس الأخيرة.


فقد أدى تفجر أزمة دارفور في 2003-2004 إلى اهتمام دولي غير مسبوق بالأزمة، نتج عنه إرسال قوات دولية واستصدار عدد كبير من قرارات مجلس الأمن. وأخيرا ، في مارس/آذار 2009 تم توجيه الاتهام من المحكمة الجنائية الدولية للرئيس السوداني المشير عمر حسن أحمد البشير بارتكاب جرائم حرب في دارفور.



وبسبب الاهتمام المكثف بدارفور، فإن جهود بناء السلام في الجنوب أصبحت تحتل مركزاً ثانوياً في الاهتمامات الدولية، كما أن كثيراً من الموارد التي رصدت لإعادة إعمار الجنوب تم تحويلها إلى دارفور. وقد ارتفع التوتر بين السودان والقوى الدولية، خاصة حينما وصفت الولايات المتحدة ما يحدث في دارفور بأنه عملية إبادة جماعية تتولى كبرها الحكومة، وبلغ التوتر مداه حينما تم توجيه الاتهام السابق الذكر للرئيس البشير في مارس/آذار الماضي.



ولكن التصعيد كان له أثر جانبي تمثل في الاستقطاب الدولي الحاد الذي نشأ بين دول العالم الثالث التي انحازت إلى السودان، والدول الغربية التي وقفت ضده. وكان موقف الاتحاد الإفريقي هو الأبرز والأشد وضوحاً في هذا الصدد، وهو أمر له دلالته، خاصة وأن الصراع قد صور على أنه صراع بين العرب والأفارقة.



ولم يكتف الاتحاد الإفريقي بتسجيل موقفه الرافض لقرار المحكمة الجنائية الدولية، بل قام باتخاذ مواقف عملية بدأت بتقديم طلب مشترك مع المجموعة العربية لتأجيل ملاحقة البشير وانتهت بتعيين لجنة من الحكماء برئاسة رئيس جنوب إفريقيا السابق تابو امبيكي. وقد رفعت اللجنة تقريرها في أكتوبر/تشرين أول وتقدمت بتوصيات تهدف إلى تسريع جهود السلام وإحقاق العدالة عبر آليات داخلية.



وفي قمته التي عقدت نهاية أكتوبر/تشرين أول 2009 في أبوجا، كلف مجلس السلم والأمن الإفريقي امبيكي أيضاً بملف اتفاقية السلام الشامل ومساعدة الأطراف السودانية في اجتياز المرحلة الحرجة القادمة المفضية إلى استفتاء تقرير المصير. وفي هذا مؤشر إلى أن اهتمام الاتحاد الأفريقي سيتركز خلال الفترة القادمة على قضية الوحدة والسلام، لأن القادة الأفارقة يشعرون بالقلق من تداعيات تعرض أكبر أقطار القارة للتمزق، وهذا الاهتمام بالجنوب سيكون إلى حد ما على حساب النزاع في دارفور الذي تتولى قيادة الجهود لحله دولة قطر بالمشاركة مع الوسيط المشترك للأمم المتحدة جبريل باسولي.



وهناك إجماع دولي على دعم الوساطة القطرية، وإن كانت بعض الدول العربية المجاورة للسودان قد أسرت تحفظاتها لأنها ترى أن هذه الوساطة جاءت على حساب دورها. ولكن العقبة الأكبر التي تواجه الجهود القطرية هي تشرذم حركات التمرد في دارفور، حيث ارتفع عددها من ثلاث فصائل عند إبرام اتفاق أبوجا حول دارفور في مايو/أيار 2006 إلى ما يقرب من بضع وثلاثين فصيلاً انقسمت على أسس قبلية أو عشائرية أو، في أحيان قليلة، سياسية. وهناك أكثر من دولة تساهم في دعم انشقاق الفصائل لدعم دورها الإقليمي، كما أن الحكومة أيضاً لا تتورع عن دعم الانشقاقات لإضعاف حركات التمرد.



وقد بذلت جهود مكثفة على عدة محاور لتوحيد الفصائل أو على الأقل توحيد مواقفها التفاوضية. وفي هذا الإطار أعلنت الحكومة السودانية دعمها الجهود الليبية في هذا الخصوص، وطالبت بقية الأطراف، ومن بينها مصر، بالابتعاد عن هذا الملف حتى تتضارب الجهود. ولكن الولايات المتحدة أبدت اهتماماً بهذه الناحية بدورها، حيث بذل المبعوث الرئاسي سكوت قرايشن محاولات لتوحيد عدد من الفصائل التي تمثل قبائل الفور، وأقرته الحكومة على ذلك.



خطر الانزلاق نحو الانفصال



وكانت العلاقات السودانية-الأمريكية شهدت تحسناً ملحوظاً بعد وصول إدارة أوباما إلى الحكم وتعيين المبعوث قرايشن، هذا على الرغم من أن كلاً من أوباما وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون كانا أكثر تشدداً من إدارة سلفهما جورج بوش حول دارفور. ولكن المبعوث قرايشن اتبع سياسة تصالحية مع الحكومة السودانية مما عرضه لانتقادات حادة من صقور الإدارة ومن قيادات التمرد، وقد أدى هذا إلى نقاش حاد وعميق داخل الإدارة توصل في نهاية المطاف إلى وفاق حول إستراتيجية لم تبتعد كثيراً عن نهج قرايشن التصالحي كما أنها أكدت على دور الأخير على رأس الفريق المكلف إدارة الملف السوداني.



يمكن تلخيصاً أن نقول إن المنعطف الذي تمر به الدولة السودانية حالياً يرجح احتمال أن البلاد تواجه خطر الانزلاق نحو الانفصال وربما التمزق وهي مغمضة العينين، كما أن مخاطر الانسداد في طريق حلول الأزمة الأخرى الجاثمة على البلاد، وهي أزمة دارفور، لا تقل جسامة، خاصة في ظل تشرذم حركات التمرد والتدخلات المحلية والإقليمية.



ويزيد من تعقيد الأزمة ما نجم من تضارب بين متطلبات الحلول للأزمات المتداخلة في دارفور والجنوب، بحيث ظل تركيز الجهود والموارد على إحداها يتم على حساب الأخرى. وعلى الرغم من وجود أكثر من "خارطة طريق" باتجاه حل مرض للجميع، بدءاً باتفاقية نيفاشا التي رسمت طريقاً لانتقال سلمي ديمقراطي في انتخابات عامة ينتظر أن تعقد في أبريل/ نيسان القادم، مروراً باتفاق أبوجا حول دارفور وأخيراً تقرير امبيكي، إلا أن معالم طريق الخلاص للسودان ما تزال أبعد من أن تكون واضحة المعالم.
_______________
أستاذ مشارك في العلوم السياسية، جامعة وستمنستر، لندن