مسار الحوار الوطني وتطورات المشهد السياسي في البحرين

اعتقدت بعض الأطراف المعارضة في البحرين أن التغيير الذي بدأ في تونس في شهر ديسمبر/كانون الأول 2011 ثم انتقل إلى مصر يمكن استنساخه في البحرين، علمًا أن هناك عوامل عديدة تجعل من الأخيرة استثناءً في قاعدة هذا التحول، باعتبار أن الإجماع على التغيير الذي توافر في تونس ومصر لم يكن متوافرًا في البحرين.
2013123102231517734_20.jpg
المصدر (الجزيرة)
ملخص
يسعى هذا التقرير إلى إلقاء الضوء على سيرورة الحوار الوطني في مملكة البحرين وتطورات المشهد السياسي فيها، وذلك من خلال استعراض المراحل التي مرَّ بها هذا الحوار منذ اندلاع الاحتجاجات في فبراير/ شباط 2011، وإبراز العقبات التي واجهته والصعوبات التي ما زالت تعترض نجاحه. كما تخلص الدراسة إلى أن نجاح الحوار الوطني في البحرين، مرهون بالتوصل إلى حلول للقضايا الخلافية الأساسية، وأن بعضًا من المطالب التي تتبناها المعارضة يمكن أن يؤدي إلى تقسيم المجتمع البحريني، فضلاً عن وجود بعض المطالب التي تتجاوز السياق الداخلي البحريني، وتمتد إلى السياق الإقليمي الخليجي العام وتهدد وجوده؛ حيث ترتبط البحرين في مسيرة تطورها السياسي بباقي دول مجلس التعاون الخليجي، التي  ينتمي جميعها إلى منظومة سياسية وأمنية واقتصادية واحدة.

مقدمة

اعتقدت بعض الأطراف المعارضة في البحرين أن التغيير الذي بدأ في تونس في شهر ديسمبر/كانون الأول 2011 ثم انتقل إلى مصر يمكن استنساخه في البحرين، علمًا أن هناك عوامل عديدة تجعل من الأخيرة استثناءً في قاعدة هذا التحول، باعتبار أن الإجماع على التغيير الذي توافر في تونس ومصر لم يكن متوافرًا في البحرين، كما أن الحياة المدنية والسياسية، وكذلك الأوضاع الاقتصادية فيها مغايرة تمامًا لما هو عليه الحال في تونس ومصر.

ولعلَّ هذا كان الدافع وراء استخدام أساليب مختلفة في الاحتجاج عن تلك التي اتُبعت في مصر وتونس؛ ففي حين خرج الشعب في البلدين بكل فئاته للتعبير بشكل سلمي عن مطالبه بالتغيير، قامت بعض الأطراف المحسوبة على المعارضة البحرينية يوم 14 فبراير/ شباط 2011 بالتظاهر والتحرك نحو دوار اللؤلؤة وسط المنامة والاعتصام فيه بهدف تقييد الحركة المرورية في البلاد(1)، والدفع نحو شل الحركة الاقتصادية والحياة السياسية، رافعين شعارات ومطالب سياسية محددة كإقالة رئيس الحكومة واحيانًا أبعد من ذلك كإسقاط النظام.

لقد تعاملت الحكومة مع تلك المطالب بحزم؛ حيث قامت بفض الاعتصام بالقوة  - بعد رفض المعتصمين إخلاء الدوار سلميًّا -  مما أدى إلى سقوط قتيلين وعدد من المصابين، الأمر الذي دفع الملك إلى منح ولي عهده صلاحيات مطلقة بعد أربعة أيام من الأحداث وتكليفه بإجراء حوار مع كافة أطياف الشعب البحريني استند جدول أعماله على سبعة مبادئ، وهي: أن يكون لمجلس النواب كامل الصلاحيات؛ أن تمثل الحكومة إرادة الشعب؛ إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية؛ مناقشة مسألة التجنيس؛ مكافحة الفساد الحكومي والمالي؛ حماية الثروات الوطنية؛ ومعالجة الاحتقان الطائفي.

لكن جمعيات المعارضة، والتي تتمثل في: الوفاق الوطني الإسلامي، والمنبر الديمقراطي التقدمي، والتجمع القومي الديمقراطي، والتجمع الوطني الديمقراطي، والإخاء الوطني، وضعت شروطًا وطالبت بتلبيتها قبل الموافقة على المشاركة في الحوار، ما اعتبرته الحكومة بمثابة إملاءات، لا سيما أن تلك الشروط تكاد تكون نفسها التي طرحها ولي العهد، وتتمثل في: تشكيل حكومة انتقالية جديدة، تغيير قانون الانتخابات، الاتفاق على دستور جديد من خلال تشكيل جمعية تأسيسية، وأن يكون الحوار بين الحكومة والمعارضة، بمعنى عدم مشاركة باقي مكونات الشعب البحريني، التي خرجت بمسيرة قدرت بــ ثلاثمائة وخمسون ألف شخص من مسجد الفاتح تؤيد الحكومة وتطالبها بتحقيق الأمن للوطن والمواطن بعد أعمال تخريب التي شهدتها البلاد وبعض الاعتداءات على المقيمين والمواطنين. لكن المبادرة وفشلت واستمرت المعارضة في التصعيد بمواصلة التظاهرات، وأعلنت جمعية "الوفاق" تجميد عضوية أعضائها في البرلمان (18 من أصل 40عضوًا)  ثم استقالتهم رغم محاولات إقناعهم بالعدول عنها، من منطلق أن بإمكانهم إحداث التغيير من خلال القنوات التشريعية وليس الشارع.

وفاقم من الأمر أن الاحتجاجات أدت إلى انفلات أمني بخروج الآلاف إلى الشوارع وتوقف الدراسة بالمدارس والجامعات، وتنظيم مسيرات أمام مبنى دار الحكومة والمنطقة الدبلوماسية والمجلس الوطني ووزارة الداخلية ونصب خيام والاعتصام فيها في ساحات المرفأ المالي، وإغلاق الطرق والشوارع الرئيسة في المنامة، والخروج في مسيرة إلى قصر الملك، ووقوع حالات اعتداء على قوات الشرطة؛ وتعرض بعض الأماكن الحيوية وغيرها لعمليات تخريب، فعمت الفوضى، ما عرض الأمن الاجتماعي، والسلم الأهلي للخطر،(2) وزاد من خطورة الأمر رفع بعض جمعيات المعارضة لسقف مطالبها بالمطالبة بإقامة جمهورية إسلامية في البحرين.(3)

لقد دفع ذلك البحرين إلى الطلب من دول مجلس التعاون الخليجي إرسال قوات من درع الجزيرة بغرض تأمين المنشآت الحيوية والمهمة، وفرض قانون "السلامة الوطنية" يوم 15 مارس/آذار 2011 لمدة ثلاثة أشهر.(4)

وفي أوائل يونيو/ حزيران 2011 دعا ملك البحرين من جديد كافة الأطياف البحرينية إلى حوار للتوافق الوطني، وكلّف في 12 يونيو/حزيران 2011 "خليفة الظهراني" رئيس مجلس النواب برئاسة الحوار، ليتبع هذه الدعوة أمر ملكي في 29 يونيو/حزيران 2011 بإنشاء لجنة مستقلة لتقصي الحقائق بالتعاون مع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، للوقوف على الأخطاء التي ارتُكبت أثناء أحداث فبراير/شباط ومارس/آذار 2011 لتلافي وقوعها مستقبلاً، وتم تشكيلها من أشخاص ذوي دراية واسعة بالقانون الدولي، برئاسة الخبير القانوني الدولي "شريف بسيوني".

حوار التوافق الوطني- يوليو/ تموز 2011

طالبت المعارضة أن يتولى ولي العهد رئاسة الحوار للمشاركة فيه، وأن تكون المبادئ السبع التي تمّ طرحها في فبراير/ شباط 2011 والتي لم توافق عليها في حينها هي جدول أعماله. وبالتوازي استمرت في تنظيم التظاهرات وإصدار التصريحات التي تتعارض مع أسس الحوار، وقررت المشاركة فيه قبل انطلاقه بساعات في 2 يوليو/ تموز 2011، بمشاركة كافة مكونات الشعب البحريني من تيارات فكرية وقوىً سياسية واقتصادية ومنظمات المجتمع المدني وجمعيات معارضة، لكنها عادت وانسحبت منه احتجاجًا على نسبة تمثيلها، ولأن الحوار لن يكون مجديًا حسب رؤيتها.(5)

لم يؤثر انسحاب القوى المعارضة على مجريات الحوار الذي خرج بالعديد من المرئيات التي تم التوافق حولها. وبدوره قام مجلس الوزراء يوم 31 يوليو/ تموز 2011 بتشكيل لجنة حكومية معنية بمتابعة تنفيذ المرئيات برئاسة الشيخ "محمد بن مبارك آل خليفة"، نائب رئيس مجلس الوزراء؛ وكان من ضمن المرئيات التي أفضى إليها الحوار 10 مرئيات تتطلب إجراء تعديل في الدستور أقرتها السلطة التشريعية؛ حيث منحت سلطة أكبر لمجلس النواب المنتخب، كما تم نقل مسؤولية رئاسة المجلس الوطني من رئيس مجلس الشورى إلى رئيس مجلس النواب، فضلاً عن إعطاء المجلس المنتخب الصوت الحاسم في أي خلاف تشريعي قد ينشب بين مجلسي الشورى والنواب، وأصبح بإمكان النواب استجواب الوزراء علنًا خلال جلسات البرلمان، وليس في لجان محددة، كما يحق للمجلس أيضًا إجراء مناقشات بشأن أية قضية يراها مناسبة، بغض النظر عما إذا كانت على جدول الأعمال أم لا.(6)

ولكن المعارضة بعد انسحابها من الحوار قدمت يوم 12 أكتوبر/تشرين الأول 2011 مبادرة سميت بـ"وثيقة المنامة" طالبت فيها بحكومة تمثل الإرادة الشعبية، ونظام انتخابي جديد، وسلطة تشريعية تتكون من غرفة واحدة منتخبة، وقيام سلطة قضائية مستقلة ماليًّا وإداريًّا وفنيًّا ومهنيًّا، واشتراك جميع مكونات المجتمع في تشكيل الأجهزة الأمنية والعسكرية، وإيجاد صيغة دستورية عبر جمعية تأسيسية، أو عبر استفتاء شعبي عام، وهي مطالب تحقق بعضها عبر حوار التوافق الوطني الذي انسحبت منه، مثل التعديلات الدستورية بمنح مجلس النواب صلاحيات أوسع، والاستقلال المالي والإداري للسلطة القضائية وغيرها، وكان بالإمكان إجراء دورة أخرى من الحوار لمناقشة كيفية تنفيذ هذه المطالبات التي تحتاج إلى مزيد من الوقت لدراستها ولتوفير البيئة السياسية الملائمة لتنفيذها محليًّا وإقليميًّا.   

والسؤال الذي يُشرع طرحه  هنا: لماذا انسحبت المعارضة من حوار التوافق الوطني رغم أنه يلبي الكثير من مطالبها؟

هذا ما استوقف تقرير لجنة تقصي الحقائق الذي صدر يوم 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، والذي أكد أنه لو قبلت المعارضة مبادرة الحوار التي طرحها ولي العهد في فبراير/ شباط 2011، لكانت قد مهدت الطريق لإصلاحات دستورية وسياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة في البلاد، ولكانت قد منعت الكثير من التبعات السلبية التي أعقبت أحداث فبراير/ شباط ومارس/ آذار 2011. وكان لافتًا عدم قبول المعارضة دعوة الملك لها للمشاركة في تنفيذ توصيات ذلك التقرير التي قبلها بالكامل، والذي أكد التقرير أن تجاوزات بعض رجال الشرطة خلال الأحداث لم تكن ممنهجة من قبل السلطات.

وفي أغسطس/ آب 2012، دعا وزير العدل البحريني كافة الجمعيات السياسية لإيجاد أرضية مناسبة للحوار السياسي، كما دعا ولي العهد لحوار وطني على هامش فعاليات منتدى حوار المنامة يوم 7 ديسمبر/ كانون الأول 2012، وأشادت بدعوته قوىً إقليمية ودولية. كما حاولت جمعية الوفاق عرض مبادرة للحوار يوم 19 يناير/ كانون الثاني 2013 قدمها الأمين العام للجمعية خلال مؤتمر صحفي، وجاء فيها أنه ليس أمام القيادة السياسية البحرينية لحل الأزمة إلا تشكيل حكومة يكون للمعارضة نصف مقاعدها، وتتولى هي الإعداد للحوار، وهي المبادرة التي لم تلق قبولًا من قبل الحكومة.(7)

ومع ذلك، لم يمنع ما سبق الملك من دعوة الجمعيات السياسية من جديد لاستكمال ما لم يتم التوصل إليه في حوار التوافق الوطني لعام 2011 المتعلق بالمحور السياسي، من دون استثناء أحد.

حوار التوافق الوطني- يناير/ كانون الثاني 2013

في يوم 21 يناير/ كانون الثاني 2013 دعا ملك البحرين إلى حوار وطني اعتُمدت عدة معايير تكفل نجاحه تتمثل في الآتي:(8) اختيار التوافق لا المغالبة العددية لتحديد جدول أعمال الحوار وتوصياته، والوعد بتنفيذ مخرجات الحوار في إطار من المؤسسات الدستورية، والتأكيد على أن جلسات الحوار محددة المدة، ويمكن تمديدها إذا لزم الأمر، وأيضًا أن تكون مغلقة عن وسائل الإعلام حتى تكون بعيدة عن تأثيرات المعارك الإعلامية، على أن يكون للحوار مركز إعلامي يقدم موجزًا يوميًّا عن الجلسات من أجل ترسيخ مبدأ الشفافية، وإدارته من خلال منسقين من غير المشاركين في الحوار، على أن ترفع التوصيات التي تتمخض عن ذلك الحوار إلى الملك لإقرارها مباشرة.(9)

لقد تعاطت المعارضة مع تلك المبادرة بطريقة لا تختلف عن تلك التي اتبعتها في حوار التوافق الوطني الذي انعقد في يوليو/ تموز 2011، من خلال إصدار تصريحات لا تتفق بمجملها مع شروط الحوار التي وردت في مقدمة هذه الدراسة؛ ومنها على سبيل المثال وصفه بأنه "خدعة ولا يُنتظر منه شيء"، والمطالبة بأن يكون الحوار بين الحكومة والمعارضة فقط وليس مع كافة أطياف المجتمع، حيث أنها تتحدث باسم الشعب، فيما يعد ذلك من حيث الواقع مصادرة لآراء ومطالب المكونات الأخرى من الشعب البحريني، ثم كان لجوؤها إلى المنابر الدينية الخاصة لتأييد وجهة نظرها من  الحوار، (10) تلا ذلك تقدمها بتسع مطالبات إلى وزير العدل لمشاركتها في الحوار رفضتها الحكومة باعتبارها شروطًا، وهي: "اعتبار الحوار تفاوضًا وليس حوارًا، وأن يكون للملك مُمثل فيه، وتأكيد أن نتائج المفاوضات ستكون قرارات وصيغًا دستورية وليست توصيات، مع تقديم أجندة للمفاوضات، وآلية التفاوض، وأن يكون تمثيل جميع الأطراف فيه متكافئًا، ووضع جدول زمني للمفاوضات، وتوضيح آلية تنفيذ الاتفاق النهائي، مع توفير ضمانات التنفيذ".(11) ثم أعلنت قبولها المشاركة في الحوار الذي انطلقت فعالياته يوم 10 فبراير/ شباط 2013 بمشاركة جميع الأطراف السياسية: 3 ممثلين عن الحكومة، و8 ممثلين عن البرلمان، إضافة إلى 8 ممثلين عن جمعيات المعارضة، و8 ممثلين عن جمعيات ائتلاف الفاتح.(12)

ولقد فُسرت مشاركة المعارضة وما قدمته من مطالبات بأنها محاولة منها لنفي مسؤوليتها عن تأزم الأوضاع، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الشروط التي وضعتها للمشاكة في الحوار لم تكن مقبولة من طرف الحكومة، ومنها: الدعوة إلى وقف المحاكمات الجنائية التي تراها المعارضة سياسية، وإطلاق سراح السجناء الصادرة في حقهم أحكام قضائية، وإرجاع المفصولين من الكادر الطبي إلى أعمالهم، والمطالبة باستبعاد المستقلين من الحوار،(13) ثم دعوتها إلى عصيان مدني في الذكرى الثانية للأحداث والتي توافق الرابع عشر من فبراير/ شباط وهو اليوم الذي يحتفل فيه الشعب البحريني بصدور الميثاق الوطني، أي بعد يوم واحد من انعقاد الجلسة الثانية من الحوار يوم 13 فبراير/ شباط 2013، لتصل بعد ذلك إلى تعليق مشاركتها فيه يوم 22 مايو/ أيار 2013 لمدة أسبوعين(14) تبعًا لعملية تفتيش منزل المرجع الشيعي الشيخ "عيسى قاسم" المرجع الشيعي بالبحرين، كما أعلنت جمعية "الوفاق" مسبقًا مقاطعة المعارضة المشاركة في انتخابات 2014. (15)

ورغم أن المعارضة عادت مرةً أخرى لتشارك في جلسات الحوار والتي وصل عددها إلى 23 جلسة مع بداية شهر رمضان الأخير، واتفاق كافة الأطراف على استئنافه مجددًا عقب عيد الفطر، وعودتها لتشارك في جلساته بحضور الجلسة 24 بتاريخ 28 أغسطس/ آب 2013،(16) إلاَّ أن مؤشرات أظهرت وجود ما قد يعرقل الحوار، ومنها تراجع المعارضة عن التوافقات التي تم التوصل إليها في جلسات الحوار السابقة، كالموافقة على تشكيلة طاولة الحوار وماهية الوفود المكونة لها ثم التراجع عن ذلك الموقف في الجلسة التالية، وكذلك الموافقة على كيفية معالجة التوصيات بعد التوافق عليها، ثم المطالبة بتغييرها.(17) وأخيرًا، تعليق مشاركتها في الحوار للمرة الثانية اعتراضًا على توقيف نائب الأمين العام لجمعية الوفاق "خليل المرزوق" بتهمة التحريض على العنف والتعاون مع ائتلاف "14 فبراير"،(18) وبقيت مشاركتها معلقةً في جلسات الحوار رغم الإفراج عنه مؤقتًا.

ومع ذلك، فقد استؤنفت الجلسات التشاورية للحوار بين ممثلي الحكومة وممثلي السلطة التشريعية بغرفتيها الشورى والنواب يوم 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2013،(19) في ظل غياب الجمعيات المعارضة، وتمّ إعطاء مهلة لهذه الجمعيات إلى 3 ديسمبر/ كانون الأول 2013 للرجوع إلى طاولة الحوار.(20)

رغم الإقرار بتثمين بعض الدول ومنها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا ودول أوروبية أخرى حرص الحكومة البحرينية على إنجاح الحوار ودعوتها الأطراف كافة للمشاركة فيه، فإن ذلك لم يمنع بعض منظمات حقوق الإنسان من توجيه النقد للحكومة، وهو النقد الذي وصل أيضًا إلى التشكيك في جدوى الحوار بدعوى استمرار وجود سجناء رأي، واتهام الحكومة بعدم تنفيذ توصيات تقرير "بسيوني" واتهامها بتراجعها عن وعودها بالسير في طريق الإصلاح، إلاّ أن الوقائع تدل على أن الحكومة نفذت معظم توصيات تقرير "بسيوني، وما قدمته خلال محطات الحوار المختلفة يفيد بأن عجلة الإصلاح مستمرة وليس لها سقف محدد.

أبرز المعوقات والعقبات التي يواجهها الحوار الوطني

من خلال استقراء المراحل التي مر بها الحوار الوطني في البحرين ومواقف كافة الأطراف المشاركة فيه يمكن تحديد أهم العقبات التي تواجهه في التالي:

  1. الجمعيات السياسية المعارضة؛ حيث تقوم بالآتي:
  • رفض المشاركة في الحوار أو الانسحاب منه كما ورد في تقرير بسيوني، متعللة بالشروط تارة، وبالآليات تارة أخرى.
  • الدعوة إلى مسيرات احتجاجية غير مرخصة وغير منظمة مع ما يصاحبها من قطع للطرق وإغلاق الشوارع العامة.
  • ارتباط بعض قوى المعارضة بقوى إقليمية تنتهج سياسات وتبدي مواقف غير ودية تجاه البحرين.(21 )
  • خطابات بعض رجال الدين المحسوبين على المعارضة، وأولئك الناشطين في إجراء المقابلات التلفزيونية وإصدار التصريحات الصحفية وإلقاء الخطابات الدينية المتشددة والتي تدعو إلى رفض الحوار واستخدام العنف ضد رجال الشرطة،(22) والدعوة إلى العصيان المدني.
  • التدخلات الخارجية في الشأن البحريني، وأهمها: تدخلات إيران وأذرعها الإقليمية؛ حيث تقدم وزير خارجية إيران السابق "علي أكبر صالحي" في 16 إبريل/ نيسان 2011 بشكوى لمجلس الأمن الدولي دعا فيها إلى تحرك فوري للأمم المتحدة للتدخل في البحرين، كما طالب رئيس مجلس الشورى "علي لاريجاني" يوم 7 مايو/ أيار 2011 رئيس دورة الاتحاد البرلماني الدولي بأن يشكّل لجنة خاصة لدراسة الأوضاع في البحرين، إلى جانب محاولات الزج باسم البحرين على جدول الاجتماعات في منظمة التعاون الإسلامي، أو من خلال تصريحات ومواقف المسؤولين الإيرانيين على اختلاف مستوياتهم والتي وصل عددها إلى 119 تصريحًا خلال الفترة من 14فبراير/ شباط 2011 وحتى 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، إضافة إلى حملات التشويه التي شنتها بعض وسائل الإعلام الإيرانية أو القنوات المحسوبة عليها، وذلك في إطار عملية الحشد الإعلامي لدعم المعارضة ودفعها لرفض الحوار.(23)
  • المنظمات الحقوقية التي سبقت الإشارة إليها ووسائل الإعلام الغربية ،(24) التي اعتمدت في تناولها للبحرين على شهادات المعارضة وتجاهل رأي الحكومة؛ مما ساهم في تشجيع المعارضة على عدم الدخول في الحوار أو الانسحاب منه.(25)
  • خاتمة

    إن نجاح الحوار الوطني في البحرين، خلال المرحلة المقبلة، مرهون بالتوصل إلى حلول للقضايا الخلافية الأساسية، والتي تتمثل في تشكيل الحكومة والاكتفاء بالسلطة التشريعية المنتخبة الواحدة، وبلورة الدوائر الانتخابية، والدستور، وهو ما تطالب به المعارضة والتي يجب أن تدرك جيدًا أنه إذا كان بعض مطالبها قابلاً للتنفيذ بل ووافق عليه الملك من قبيل الاكتفاء بسلطة تشريعية واحدة منتخبة، فإن هناك مطالبات أخرى لن يكون من الممكن –حسب تحليلنا- تنفيذها في الوقت الحالي على الأقل، وذلك من قبيل تشكيل حكومة مؤقتة للإعداد لدستور جديد ووضع دوائر انتخابية على أسس جديدة أيضًا. بل إن هناك بعضًا من المطالب التي تتبناها المعارضة والتي قد تؤدي إلى تقسيم المجتمع البحريني، فضلاً عن وجود مطالب أخرى تتجاوز السياق الداخلي البحريني، وتمتد إلى السياق الخليجي العام وتهدد وجوده؛ حيث ترتبط البحرين في مسيرة تطورها السياسي بباقي دول مجلس التعاون الخليجي، التي  ينتمي جميعها إلى منظومة سياسية وأمنية واقتصادية واحدة.(26)
    ___________________________________
    * د. عمر الحسن - رئيس مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية- لندن

    المصادر
    1- لوس أنجلوس تايمز، واشنطن بوست، 24 فبراير/شباط 2011.
    2- تعنت المعارضة والاشتراطات المسبقة فوتت فرص الحوار، الوطن، 28 يوليو/تموز 2012.
    3- رويترز، 23 فبراير/شباط 2011.
    4- عمر الحسن وآخرون، مملكة البحرين 2010-2011 وعقد جديد من الإصلاح، مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية، 2012، ص282.
    5- الوسط، رويترز، 20 فبراير/شباط2011.
    6- تليجراف، 24 فبراير/شباط2011.
    7- وكالة الأنباء البحرينية، 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2012.
    8- الحوار الوطني في البحرين ومتطلبات نجاحه، د. عمر الحسن، أخبار الخليج، 17 فبراير/شباط 2013.
    9- أسوشيتد برس، واشنطن بوست، 5 فبراير/شباط 2013.
    10- دويتش فيليه، 10 فبراير/شباط 2013.
    11- لطفي نصر، إصرار على إفشال الحوار!!، أخبار الخليج، 7 يونيو/حزيران 2013.
    12- الجمعيات العشر المؤيدة للحكومة وتتمثل في: تجمع الوحدة الوطنية، جمعية المنبر الوطني الإسلامي، جمعية الأصالة الإسلامية، جمعية الشورى الإسلامية، جمعية الوسط العربي الإسلامي، جمعية الحوار الوطني، جمعية حركة العدالة الوطنية، جمعية الصف الإسلامي، جمعية ميثاق العمل الوطني، جمعية التجمع الدستوري.
    13- الوطن البحرينية، 18 مايو/أيار 2013.
    14- ميدل إيست أونلاين، 23 مايو/أيار 2013.
    15- الآن الكويتية، 24 مايو/أيار 2013.
    16- أسوشيتد برس، بوسطن جلوب، 7 فبراير/شباط 2013.
    17- الديمقراطية تتطلب ثقافة القبول بالآخر، منصور الجمري، الوسط، 31 أغسطس/آب 2013.
    18- فايننشيال تايمز، 19سبتمبر/أيلول 2013.
    19- السفير اللبنانية، 28 أكتوبر/تشرين الأول 2013.
    20- بي بي سي نيوز، 22 يناير/كانون الثاني 2013.
    21- المعارضة ترفض القوانين وتهدد الوطن! أسامة الماجد، البلاد، 23 يناير/كانون الثاني 2013.
    22- الوطن البحرينية، 11 يونيو/حزيران2011.
    23- محمد عز العرب، الأزمة السياسية في البحرين: تعثر الديمقراطية وترسخ الطائفية، كراسات استراتيجية، 1 يونيو/حزيران 2011.
    24- الشرق الأوسط، 18 يونيو/حزيران 2012.
    25- عبد الإله بن سعود السعدون، النظام الإيراني والتدخل اللامسؤول في البحرين، الشرق الأوسط، 2 يونيو/حزيران 2013.
    26- فايننشيال تايمز، 15 أغسطس/آب 2013.