مقدمة
لم يكن شيء مما حدث في سوريا متوقعًا ولا مُتخيلًا في أكثر السيناريوهات تطرفًا، عندما بدأت عملية "رد العدوان" العسكرية، في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بقيادة هيئة تحرير الشام وبشراكة جميع الفصائل العسكرية الإسلامية الأخرى وفصائل الجيش الحر، وانتهت في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 بإسقاط نظام الأسد الذي روَّع السوريين لأكثر من خمسة عقود.
بالرغم من أن سقوط النظام شكَّل حدثًا سوريًّا تاريخيًّا فارقًا ستمتد آثاره لعقود طويلة، فإن دلالاته الأعمق تكمن في تحولات الحركة الإسلامية نفسها في هذا البلد، ومن المتوقع أن تكون أبعد من ذلك بكثير؛ فقد شكَّلت سوريا مختبرًا لجميع الحركات الجهادية التي وفدت إليها من أنحاء العالم، وهي المرة الأولى التي تصل فيها حركة جهادية إلى موقع السلطة عبر القوة المسلحة في سوريا وتحظى بدعم إقليمي ودولي غير مسبوق، وهو يعكس التحولات في المنطقة، والتحول الذي أصاب الجهادية السلفية في سوريا على الأقل. ولن يبقى في سوريا ما حدث فيها، لطبيعة الوضع الجيوسياسي في سوريا، وطبيعة موقع سوريا (الشام) في المخيلة الإسلامية.
طوال سنوات الحرب (2011–2024)، كانت خارطة القوى والجماعات الإسلامية غير مستقرة، لكنه في السنوات الأخيرة صار واضحًا أن الجهادية السلفية العابرة للحدود انحسرت تقريبًا انحسارًا شبه كامل في سوريا، فيما زاد حضور النزعة المحلية لدى الفصائل العسكرية الإسلامية. وقد لعبت عوامل عدة في تحويل النزعة المحلية إلى فاعل مؤثر، منها التنافس على الموارد والنفوذ، وبالتأكيد الأساس السياسي للأحداث في سوريا الذي جذب الجماعات الإسلامية المختلفة -والجهادية منها على وجه الخصوص- للانخراط في الأحداث، وكذلك الأصول الاجتماعية لأعضائها. وفي نهاية عام 2024، كانت الخارطة تضم قوى إسلامية محلية من خلفية جهادية تحمل مشروع "دولة سُنِّية" لمواجهة المشروع الإيراني وتمارس حكمًا محليًّا، وقوى وطنية ينحدر قسم لا بأس به منها من سلفية محلية أو صوفية شعبية، فيما ظل تأثير التنظيمات الإسلامية السياسية محدودًا. وعلى الرغم من وجود تنظيمات إسلامية سياسية ناشئة، إلا أن جماعة الإخوان المسلمين بقيت هي القوة السياسية الأهم، وتكاد تكون الوحيدة التي لها حضور ملحوظ، في حين طوَّرت جماعات الإحياء الديني هياكلها وبدت في السنوات الأخيرة أكثر شعبيةً ونفوذًا، ولاسيما المجلس الإسلامي السوري وروابط علماء الدين، وتعدَّى نشاطها الإحياء الديني إلى المجال السياسي والتأثير فيه.
لقد أدى انتقال "هيئة تحرير الشام"، بوصفها التعبير الأبرز عن السلفية الجهادية المتحولة، إلى موقع إدارة الدولة إلى تحولات جذرية في تفكيرها الإستراتيجي وفي ممارساتها السياسية والتنظيمية. وقد أثار هذا التحول غير المتوقع أسئلة جديدة لدى الباحثين في مجال الحركات الإسلامية والحركات الجهادية بوجه خاص؛ إذ يمكن اعتبار ما جرى بمنزلة "صدمة تحليلية" تدفع إلى إعادة التفكير في ديناميات العلاقة بين الأيديولوجيا والبنية الاجتماعية والسياسية للحركات السلفية الجهادية، والبحث عن آليات منهجية أكثر قدرةً على فهم الظاهرة والتنبؤ بها.
وبالنظر إلى تعقيد المشهد السوري، فإن هذه الورقة تحاول فهم المشهد كاملًا والتفاعل بين التيارات المختلفة في السنوات الأخيرة، لتفسير التحولات التي حدثت منذ سقوط نظام الأسد في عملية عسكرية خاطفة، وستركز الورقة على ثلاثة أنماط من التنظيمات الإسلامية: الجهادية السلفية، والإسلام السياسي، والإحياء الديني. وبالنظر إلى أن السياق والأحداث كانا يتركان آثارهما على كل تغير في هذه التنظيمات، فقد أوْلت الورقة هذا السياق اهتمامًا ملحوظًا لتحولات الإسلاميين في سوريا.
أولًا: التيارات الإسلامية عشية سقوط النظام
في مقابل صعود أشكال أكثر براغماتية من الحركات الإسلامية المسلحة، ظلت الأحزاب السياسية الإسلامية تتبنى خطابًا تقليديًّا ينتمي إلى حقبة ما قبل الثورة وإلى سنوات الصراع مع نظام الأسد، والمقصود هنا على وجه الخصوص جماعة الإخوان المسلمين والحزب التابع لها "وعد". في حين كان يتطور الخطاب السياسي للجهادية السلفية ويعكس التحولات العميقة من حوله. وتكَشَّف في نهاية المطاف عن خطاب سياسي محافظ بملامح وطنية وليبرالية في الاقتصاد والسياسة، يستوعب إلى حدٍّ كبير متغيرات العالم وآثار الحرب على البلاد، مع الحفاظ على العقيدة السلفية الجهادية للتحشيد والتعبئة.
ومن المهم فهمُ هذه التحولات لفهم كيف صارت تفكر وتعمل هذه التنظيمات الآن وما الديناميات التي تتحكم بها، وكيف تكيفت مع تحولات الوضع السوري.
- الجهادية السلفية المتحولة
إن تاريخ تشكل جبهة النصرة وعلاقتها بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق كُتب فيه الكثير من الأبحاث، غير أن التغير والتطور في الجبهة لا يزال يحتاج مزيدًا من الفحص والتفسير، سواء ذلك المتعلق بدور قيادة التنظيم أو بالبنية الهيكلية أو بالأصول الاجتماعية لأعضائه أو بالسياق السياسي والصراع العسكري الذي دار في سوريا وغيرها.
وثمة العديد من الاستنتاجات حول هذا التنظيم بات كثير منها اليوم بحاجة إلى إعادة النظر. لقد تمثلت إحدى محطات تحولات جبهة النصرة في إدراجها على القوائم الأميركية للإرهاب، في 11 ديسمبر/كانون الأول 2012، ثم إدراجها على القوائم الأممية، في 13 مايو/أيار 2023. ولم تكن هذه التصنيفات مجرد إجراءات قانونية، بل شكَّلت ضغوطًا دفعت التنظيم نحو إعادة النظر في بنيته وخطابه وخياراته الإستراتيجية. وسعى قائد النصرة، أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع)، إلى تجنب المصير الذي لحق بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) عبر عدة خطوات:
أ. إعلان القطيعة التنظيمية مع تنظيم القاعدة وتشكيل تنظيم جديد باسم "جبهة فتح الشام" (يوليو/تموز 2016).
ب. الانتقال التدريجي من الخطاب الجهادي السلفي العابر للحدود إلى صيغة جهادية محلية أكثر مرونة وأقرب إلى الخطاب الوطني، وإعادة تسمية التنظيم مرة أخرى والتخلي عن تعبير "الفتح" (Conquest) الذي يحمل دلالات تاريخية مرتبطة بالغزو وحالة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة، إلى "هيئة تحرير الشام" (يناير/كانون الثاني 2017)، وتحويل التنظيم ليصبح مظلة تحالف تستوعب فصائل أخرى من المعارضة المسلحة، بما فيها بعض مكونات الجيش الحر.
ومع ذلك، ليس بالإمكان فهم هذه الخطوات فقط من منظور الضغوط الخارجية والقلق من مصير القاعدة في أفغانستان أو تنظيم داعش في سوريا والعراق؛ فقد كشفت التطورات الأيديولوجية اللاحقة أن الأيديولوجيا السلفية ذاتها لم تكن متجذرة بما يكفي في زعيم النصرة. كان هناك مزيج فاعل ومؤثر من العقائد القومية والوطنية عَزَّز في مجموعه النزعة المحلية. كما أن الهدف النهائي للنصرة، الذي تم التعبير عنه في خطابات أبي محمد الجولاني في مناسبات عدة، لم يكن خارج الحدود السورية؛ بل إن جزءًا رئيسيًّا من الخلاف بين الجولاني وزعيم تنظيم الدولة آنذاك، أبو بكر البغدادي، يرجع إلى الخلاف حول تنفيذ عمليات خارج الحدود السورية؛ ما يعكس أن النزعة المحلية كانت أصيلة فيه.
كما أن الخلفية الشخصية والتكوين السياسي والاجتماعي لـ"الجولاني"، تساعد على تفسير هذه النزعة المحلية التي كانت سببًا جوهريًّا للانفصال عن تنظيم الدولة. وكان الهدف الرئيس له بحسب تعبيره هو: "العمل على التوحد مع الفصائل لـرصِّ صف المجاهدين"، لنتمكن من "تحرير أرض الشام" والقضاء على "النظام وأعوانه"[1]، و"عدم استخدام الشام كقاعدة انطلاق لهجمات غربية وأوروبية كي لا نشوش على المعركة الموجودة"[2].
شكَّلت هذه التحولات مسارًا إستراتيجيًّا هدفه النهائي إعادة تأهيل "الهيئة" دوليًّا، أو على الأقل منع استهدافها المباشر عبر حملات دولية مشابهة لتلك التي قضت على تنظيم الدولة في الحد الأدنى. فقد أدرك "الجولاني" أن الاستمرار في الصيغة الجهادية العابرة للحدود يضع التنظيم في مواجهة استنزافية لا يمكن تحملها، بينما يفتح خطاب "الاعتدال النسبي" والتموضع المحلي مجالًا أوسع للبقاء والتفاوض مع الفاعلين الإقليميين والدوليين[3].
هذه التحولات لم تمر دون آثار؛ فقد قاد إعلان الانفصال عن القاعدة إلى انشقاق المقاتلين الأجانب وتأسيس تنظيم "حراس الدين" فرعًا للقاعدة في سوريا، الذي سرعان ما تحول إلى تهديد داخلي مباشر للهيئة؛ ما دفع "الجولاني" إلى العمل على تفكيكه بصورة منهجية، وتفكيك شبكات المقاتلين الأجانب في إدلب أيضًا، للحدِّ من قدرتهم على تحدي سلطة الهيئة، في الوقت الذي كان فيه في مواجهة مستمرة مع تنظيم الدولة الذي حاول التغلغل في مناطق نفوذه، ونجح في نهاية المطاف في تعزيز صورة الهيئة كقوة محلية ليس لها امتداد مع الحركة الجهادية العابرة للحدود. وعملت هيئة تحرير الشام على ترسيخ سلطة أمر واقع أقرب إلى نموذج الحكم المحلي المدني، وقد اقتضى منها ذلك مرونةً وأنظمة حكم شبه دولتية، عبر تشكيل حكومة "الإنقاذ" التي أدى المنشقون من أجهزة الدولة دورًا بارزًا فيها.
أسهمت هذه الإكراهات، كما الضغوط الخارجية، فضلًا عن الخشية من أن تلقى مصير "داعش"، في تحويل التحولات التي شهدتها هيئة تحرير الشام إلى وقائع ثابتة. فإلى جانب العمل على تفكيك التنظيمات الجهادية العابرة للحدود، عملت هيئة تحرير الشام على تفكيك الفصائل السورية الأخرى، سواء تلك التي تشكِّل منافسًا لها مثل حركة أحرار الشام، أو تلك التي تمثل تنظيمات محلية محدودة القوة. وخلال سنوات ما بين 2015 وحتى 2021 استطاعت تفكيك معظم هذه الفصائل في إدلب.
كانت فكرة "الجولاني" آنذاك أن مواجهة النظام تتطلب قوة مركزية، وأن أساس ضعف الفصائل يرجع إلى تشرذمها ومصادر تمويلها الخارجية، وقد كرر ذلك في أكثر من مناسبة؛ ما جعل توحيد الفصائل وتشكيل سلطة مركزية وتحقيق استقلال مالي هاجسًا لهيئة تحرير الشام بعد ظهور معالم الاستقرار في إدلب واستتباب السلطة المحلية بيدها. كانت فكرة التوحيد تهدف في الأساس إلى حماية "المناطق المحررة" أولًا[4]؛ إذ كان التهديد من قبل الروس وقوات نظام الأسد وحلفائه تهديدًا يوميًّا مستمرًّا، خصوصًا مع خرق اتفاقات تخفيف التصعيد، وبشكل خاص اتفاق M4–M5 الذي منح تركيا نقاطًا عسكرية للمراقبة، وسمح بتعزيز الاستقرار نسبيًّا في إدلب ومناطق سيطرة المعارضة في الشمال.
وفي حين اندمجت التنظيمات السلفية المحلية الأخرى مثل حركة أحرار الشام وجيش الإسلام وصقور الشام في الجيش الحر وتبنَّت الخطاب الوطني بالكامل، لم يمنع ذلك من حدوث انقسامات في هذه التنظيمات بين مجموعات رأت مصلحتها في الانضمام إلى هيئة تحرير الشام ومشاركتها الموارد مع الاحتفاظ بحدٍّ أدنى من الاستقلال، وبين مجموعات أخرى رأت مصلحتها في الانخراط التام في تنظيمات الجيش الحر، مثل الجيش الوطني والجبهة الوطنية للتحرير، خشية ابتلاعها.
فشلت الدعوات التي أطلقتها الهيئة لإنشاء مجلس عسكري مشترك يوحد القوى العسكرية تحت مظلة مركزية، ولعبت عوامل عديدة في هذا الفشل، منها وجود أطراف خارجية مؤثرة مثل الحليف التركي، الذي يمثل أيضًا طرفًا في ضمان تنفيذ اتفاق خفض التصعيد. قاد هذا الفشل الهيئة إلى محاولة مواصلة توحيد الفصائل بالقوة وفرض الوقائع على الأرض التي تُجبر الجميع على التعامل معها كحقائق.
اغتنم "الجولاني" فرصة خلاف في مدينة الباب مع الجبهة الشامية وحلفائها نتيجة اغتيال أحد الناشطين الإعلاميين (الإعلامي محمد أبو غنوم وزوجته)، وأطلق حملة عسكرية، في أكتوبر/تشرين الأول 2022، للقضاء على فصائل من الجيش الوطني (جيش حر) في مناطق تقع تحت النفوذ التركي (منطقتا درع الفرات وغصن الزيتون أساسًا)، لكن تدخل القوات التركية حال دون نجاح المحاولة[5]. انتهت التنظيمات الجهادية السلفية العابرة للحدود في سوريا أو أصبحت ضعيفة للغاية، وإن ظلت بقايا تنظيم "حراس الدين" (القاعدة) موجودة على شكل أفراد متناثرين في إدلب تحت الضغط والتهديد المستمر والمراقبة.
وضمت الهيئة ما تبقى من المقاتلين الأجانب ممن يلتزمون بعدم القيام بعمليات جهادية خارج الحدود وباحترام السلطة القائمة، وخصوصًا الإيغور (الحزب الإسلامي التركستاني) وبعض المجموعات الأخرى. فيما تركزت بقايا تنظيم داعش في مناطق نائية في الصحراء، وأعلنت عبر عملياتها بين حين وآخر أنها لا تزال موجودة وتهدد بالعودة[6]. غير أن سوريا في عام 2024 شهدت نهاية فعلية لهذه التنظيمات التي بلغت ذروتها عام 2014 قبل عقد من الزمن؛ ما يؤكد أنها تنظيمات طارئة سياسيًّا، لاسيما أنها افتقدت تمامًا إلى القاعدة الاجتماعية وفشلت في تعزيز حضورها.
- التنظيمات التقليدية إلى الهامش
بالرغم من التحولات الكبرى التي شهدتها الساحة السورية خلال العقود الأخيرة، ظلت جماعة الإخوان المسلمين التنظيم الوحيد الفاعل سياسيًّا والأكثر تماسكًا تنظيميًّا، دون أن يطرأ على بنيتها الفكرية أو برامجها السياسية تغير جوهري يعكس مراجعة جادة لتجربتها التاريخية. فقد استمرت تداعيات أحداث الثمانينات وذاكرتها الدامية المثقلة بالتنكيل والانقسام تشكل عبئًا نفسيًّا على الجماعة، وظلت تأثيراتها ممتدة حتى بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، وأدَّت التحديات الإقليمية الناتجة عن صعود الثورة المضادة، لاسيما أن دولا عربية جعلت من مواجهة تيارات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها الإخوان المسلمون، محورًا إستراتيجيًّا لسياساتها، إلى تعميق أزمة الجماعة.
وأسهمت سنوات الحرب الدامية وتعقيدات الأزمة السورية في تكريس حالة الجمود داخل الجماعة، بحيث بقي حضورها السياسي قائمًا بوصفه معطًى ثابتًا، لكن دون أن يقترن بقدرة ملموسة على إنتاج مشروع سياسي جديد أو التأثير في مسار الأحداث.
ظلت جماعة الإخوان المسلمين موجودة وحاضرة في المشهد السياسي السوري لكنها هامشية التأثير؛ كانت صورة حضورها أكبر من ظل تأثيرها الفعلي، حال جميع التنظيمات السياسية الأخرى، لكنها ظلت محتفظةً بتماسكها التنظيمي القوي؛ فقد كانت الكلمة العليا هي للقوى المقاتلة في الميدان التي لم تكن القوى السياسية تملك عليها سيطرة أو حتى نفوذًا يُذكر. وعلى الرغم من سيطرة الإخوان على عدد من الفصائل، فإن تلك الفصائل كانت صغيرة ولم يشكل النفوذ عليها فارقًا في موازين القوى على الأرض. في عام 2012، أنشأ إخوان سوريا تنظيمات عسكرية صغيرة تحت اسم "الدرع" (يُضاف إليه اسم المدينة)، ثم أنشؤوا مظلة عسكرية لها تحت اسم "هيئة دروع الثورة"[7]، وتجنبوا على العموم استخدام أسماء إسلامية مستمدة من التراث. وفي عام 2014، اندمج العديد من فصائل هيئة الدروع مع تنظيم عسكري آخر أنشأه مقربون من الجماعة تحت اسم "هيئة حماية المدنيين"، عام 2012، وأُطلق على التنظيم الجديد اسم "فيلق الشام"[8]. أصبح هذا الأخير أحد القوى المتوسطة في الجيش الحر، دون أن يملك خطابًا سياسيًّا خاصًّا أو رؤية أيديولوجية تميزه عن باقي تنظيمات الجيش الحر. فقد أراد الإخوان من خلال الفيلق والعمل العسكري، على ما يبدو، حجز موقع لهم على الأرض يسند موقعهم في الخارطة السياسية ويقوي قدرتهم في التفاوض على مستقبل سوريا عندما يحين الوقت. عشية سقوط نظام الأسد، في ديسمبر/كانون الأول 2024، بقي من خارطة الإسلام السياسي، الإخوان المسلمون وحزب "وعد" التابع لهم، وعدا ذلك فإن الأحزاب والتنظيمات السياسية الإسلامية لم يُكتب لها البقاء أو بقيت هامشية للغاية إلى درجة أنه لا أحد يلحظها، باستثناء تنظيم جديد هو "تيار سوريا الجديدة" الذي تأسس رسميًّا عام 2024. ومع ذلك يجب أخذ هذا التنظيم في الحسبان عند الحديث عن التحولات المقبلة.
لقد تفككت فعليًّا جميع تنظيمات الإسلام السياسي، سواء تلك التي نشأت بغرض التنافس على حجز موقع في منصات المعارضة أو تلك التي نشأت فيما بعد؛ لأسباب عدة أهمها أنه لا توجد بيئة طبيعية لممارسة النشاط السياسي، فالقوى التي تحكم هي القوى العسكرية، ولكل منها منطقة نفوذ وجغرافيا تمارس فيها سلطتها. وجميع الأحزاب السياسية لا تملك تأثيرًا مهمًّا على الأرض، باستثناء حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الكردي الذي يملك ميليشيا وحدات حماية الشعب (YPG)[9]، وقد سيطر من خلالها، بدعم من قوات التحالف الدولي، على أكثر من 21% من الأراضي السورية. وبالتالي، فإن الوجود الفعلي لهذا التنظيم يستمده من ذراعه العسكرية لا من نشاطه السياسي وحده.
- إحياء الإحياء الديني
كانت الضغوط الأمنية على جماعات الإحياء الديني في سوريا لاتخاذ موقف موال لنظام الأسد قد أدت إلى انقسامات في تلك الجماعات أو خروجها بالكامل من مناطق سيطرة النظام، إما إلى المناطق المحررة أو إلى المنفى. ومثل جماعات دينية سورية أخرى انقسمت "جماعة زيد" بين جماعتين، جماعة في مدينة دمشق لا تعلن تأييدها لتوجهات الثورة وتفضل الحياد السياسي وإظهار الولاء للنظام من دون مبالغة طلبًا للبقاء والاستمرار في جهودها للإحياء الديني، وأخرى في المنفى بقيادة شيوخ الجماعة الرمزيين، الشيخ أسامة الرفاعي والشيخ سارية الرفاعي أبناء مؤسس الجماعة. أعادت الجماعة تنظيم نفسها في المنفى، وهو الذي ساعدها على توسيع تأثيرها على المجتمع السوري، فقد كان تأثير الجماعة قبل ذلك محصورًا بدمشق تقريبًا.
وحين تشكل "المجلس الإسلامي السوري"، عام 2014، لعبت جماعة زيد دورًا محوريًّا فيه؛ فقد شُكِّل المجلس من الأئمة والفقهاء والشبكة المشيخية السورية، وغلب عليه طابع المشيخة الدمشقية وطيفها في جنوب ووسط سوريا. كان الغرض من إنشاء المجلس في الأساس مواجهة الفكر المتشدد لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وجبهة النصرة، بالإضافة إلى مواجهة الخطاب الديني الذي استخدمه النظام لمواجهة الثورة. وعلى الرغم من أن هذه الأهداف كانت سياسيةً بالدرجة الأولى، فإن المجلس في السنوات الأخيرة بدأ يعالج قضايا اجتماعية ودينية، وأخذ يهتم أكثر بالإحياء الديني في مناطق الشمال السوري على نحو خاص، بعد أن تم تنصيب رئيس المجلس في موقع "المفتي العام للجمهورية العربية السورية"، في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وذلك ردًّا على إلغاء نظام الأسد هذا المنصب واستبدال مجلس الإفتاء المتعدد المذاهب به بهدف إدماج الشيعة والعلويين في الخطاب الديني حينها، وإلغاء الهوية السنية له.
لقد أدت الديناميات التي وُلدت بفعل الثورة والحرب إلى سيطرة خطاب التضحية والجهاد، وبالتالي تقدم العسكري والجهادي على ما سواه، بفعل الحاجة الماسَّة إلى المعنى في مواجهة القوة العارية. وفي الوقت نفسه، خلَّفت التحولات حاجة ماسَّة لخطاب ديني يواجه هذه التحديات[10]، لكن المجلس أعلن عن حل نفسه في ظل الحكم الجديد، في 28 يونيو/حزيران 2025. وعلى الرغم من أن الأسباب المعلنة لحل المجلس تتعلق بإنجازه لأهدافه مع انتصار الثورة، فإن الغرض العميق من حل المجلس هو توحيد المرجعية الدينية السنية في سوريا؛ ولهذا حل المجلس أيضًا جميع المؤسسات المرتبطة به، ولاسيما "مجلس الإفتاء" و"مجلس القراء"[11]. غير أن هذه الخطوة نُظر إليها بريبة بأنها قد تعني سعي الرئيس أحمد الشرع إلى احتكار التمثيل الديني للسنَّة في سوريا من قبل السلطات الحاكمة[12]، ويمكن فهمها في أحد وجوهها على أنها إخراج للإخوان المسلمين من التأثير العام، فللإخوان حضور كبير في المجلس.
بطبيعة الحال تفككت جماعات دينية كاملة واضمحلت؛ بعضها لم يعد قادرًا على النشاط في المنفى، وبعضها تحول من حركة إحياء ديني إلى تنظيم عسكري، ففي زمن الثورة كان الفعل والتأثير للقوة لا للكلمة، مثل جماعة الشيخ عبد الله سراج الدين في حلب، والتي انتمى العديد من شيوخها إلى تشكيلات عسكرية، وبشكل خاص "الجبهة الشامية"، وهي تحالف عسكري تأسس نهاية عام 2014، وأصبح لاحقًا جزءًا من الفيلق الثالث في الجيش الوطني السوري (جيش حر) المناهض للنظام.
كذلك تفككت جماعة الكفتارية، أو ما يُعرف محليًّا بـ"جماعة أبو النور" (نسبة إلى لقب الشيخ كفتارو)، فقد انقسمت الجماعة على نفسها، وبرز تنافس في إرث مؤسسها بعد وفاته، وأدت نقمة بعض شيوخها على التدخل الحكومي فيها إلى انتقالهم إلى المعارضة حتى انتهت الجماعة.
- التكيف وفراغ التنظير
حدثت في سنوات الدم التي امتدت نحو عقد ونصف، تحولات عاصفة غيَّرت من منظور كثير من السوريين للعالم وللدين أيضًا؛ ما بين صراع سياسي وعسكري وبين تنظيمات إسلامية أيديولوجية "متطرفة" ومتعارضة (مثل داعش وجيش اليرموك وجند الأقصى) من جهة، وماركسية أو يسارية وقومية "متشددة" (مثل حزب الاتحاد الديمقراطي) من جهة أخرى، من دون وجود خطاب إسلامي سياسي يملأ هذا الفراغ أولًا، ولا خطاب ديني يواكب التغيرات الكبرى والتحديات التي تطرحها وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت ملاذًا للباحثين عن المعنى، ثانيًا.
وانشغل السلفيون الجهاديون في سوريا بقضايا الحكم والسيطرة على الموارد وإدارة المناطق استنادًا إلى القوة، ولم تحظ مكانة الشريعة بنقاشات حقيقية؛ إذ جرى التعامل معها بوصفها قانون الدولة بداهةً، لكنها استُخدمت في الواقع أداةً للسيطرة وتصفية الخصوم أكثر من كونها مرجعًا لتأسيس نظام حكم جديد على أنقاض الدولة الوطنية. وقد خلَّف هذا النمط من الاستخدام صدمة أخلاقية وفكرية بسبب الفجوة بين الصورة المتخيلة للشريعة المتوشحة بالعدل والرحمة، والواقع الذي تجلت فيه تطبيقاتها على يد الفصائل السلفية.
أما تنظيمات الإسلام السياسي فانشغلت بالنضال السياسي والتحريري، وبكيفية الحفاظ على موقعها وصورتها في المتخيل العام للسوريين والبقاء رقمًا لا يمكن تجاوزه في الخارطة السياسية الوطنية، فقد ظل سؤال المكانة والمسؤولية عن الأحداث الجارية في البلاد محورًا رئيسًا لأنشطتها التنظيمية الداخلية. وعلى الرغم من أن هاجس الهوية يمثل جوهر الأيديولوجيا السياسية لهذه الأحزاب والجماعات، فإنه اختفى تمامًا من النقاشات والأنشطة التي كانت تقوم بها.
وانشغلت حركات الإحياء الديني التقليدية بسؤالها الوجودي حول البقاء واستمرار الدور والتأثير في المجتمع، وببناء مناورات تكيفية مع قوى الأمر الواقع والسلطات المتباينة، سعيًا للبقاء تحت مظلة كل من القوى الحاكمة في سوريا. لم تظهر خلافات فكرية عميقة حول الخيارات التي انتهجتها تلك الجماعات للاستمرار في نشاطها، بما في ذلك إعلان التأييد لسياسات النظام مقابل البقاء. وقد شكَّل هذا الإعلان خط انقسام حاسمًا وخيارًا واقعيًّا بين بديلين مرنين.
تعرضت حركات الإحياء الديني لتحولات وانقسامات، وواجه بعضها خيارات صعبة؛ فقد تغيرت خريطتها هي الأخرى، لكنها استطاعت التكيف في نهاية المطاف. تمكن قسم منها من الاندماج في العمل العسكري وتشكيل فصائل تتبع لها، ونجح قسم آخر في إنشاء هيئات ومنظمات ومؤسسات منحتها قدرة أكبر على الانتشار والتأثير، ونجحت إلى حدٍّ كبير في تنظيم عملها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية وبروزها جهة مؤثرة نسبيًّا في المشهد العام، مثل المجلس الإسلامي السوري، وروابط العلماء (رابطة علماء الشام، رابطة علماء حلب، رابطة طلاب العلوم الشرعية... إلخ)، والمدارس الشرعية والمؤسسات الخيرية التي تديرها.
وقد كسبت هذه الجماعات بانحيازها إلى الثورة ثقة وشعبية واسعتين، وبرهنت الأحداث المتعاقبة على استقلاليتها النسبية في المواقف؛ ما عزَّز قربها من المجتمع. كما أسهمت هذه الأشكال الجديدة من التنظيم في تجاوز الخلافات حول القضايا الدينية التقليدية، واستوعبت على نحو استثنائي، الانقسام الصوفي-السلفي؛ إذ ضمت مجالسها اتجاهات دينية إحيائية متنوعة.
غير أن الجديد في المشهد هو أن هذه الهيئات ذات الطابع المؤسسي حلت محل الحركات الإحيائية التقليدية التي انحدرت منها، وأدَّت إلى اختفائها تدريجيًّا لصالح الهياكل التنظيمية الجديدة. وقد اقتصر هذا التحول على المناطق الخارجة عن سيطرة النظام منذ عام 2012، أو ما كان يُعرف بـ"المناطق المحررة".
في المقابل، تقلصت المساحات المتاحة لما تبقى من جماعات الإحياء الديني في مناطق سيطرة نظام الأسد، وتراجعت بشدة هوامش المناورة أمام سلطات الأمر الواقع. وفيما كان السكان يعانون من انعدام الموارد وظروف اقتصادية وأمنية قاسية، ضعفت قدرة الجماعات الإحيائية على جذب الشباب إلى أنشطتها.
وفي مجتمع محطم، لا شك أن هذا الواقع خلَّف آثارًا خطيرة؛ فبينما يحتاج الناس إلى الدين بوصفه مصدرًا للمعنى والسكينة لمواجهة الظروف الصعبة، لا تجد الحركات الإحيائية فضاءً كافيًا للحركة، ولا تستطيع التواصل بسهولة مع الأفراد للقيام بمهامها، كما لا يجد المجتمع نفسه وقتًا ولا قدرةً للجوء إليها.
وفي خضم ذلك لم تكن لدى التنظيمات الإسلامية السورية، على اختلافها، قدرة على تطوير خطاب ديني جديد؛ فقد كانت منشغلة بالصراع وجبهاته المتعددة، غير أن الوقائع ذاتها، فرضت من غير قصد، وفرضت تطويرًا في الخطاب الديني بناءً على الممارسة الواقعية، لكنه تطوير محدود، فالحاجة إلى تلبية النزعة المحلية التي شكلت ضمانة البقاء لجميع التنظيمات، بما في ذلك هيئة تحرير الشام، والتكيف مع الواقع، أدَّتا إلى بروز خطاب عملي أكثر واقعية، لكنه لم يرق إلى مستوى التنظير.
ولم يكن ذلك فقط بسبب الانشغال بالصراع؛ بل لأن سوريا أصيبت بـقحط فكري في مجال الفكر الإسلامي في عهد الأسدين، وهناك قلة من المفكرين البارزين ممن حمل خطابًا محافظًا في المضمون وحديثًا في الشكل. وفعليًّا، توقف الخطاب الإسلامي عن التطور الملحوظ في هذا البلد بعد الطفرة الفكرية التي مثَّلها نتاج مصطفى السباعي (1915–1964)، ومصطفى الزرقا (1904–1999)، ومحمد المبارك (1912–1981) في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، باستثناء حالات محدودة، كانت غالبًا على مستوى بناء التنظيم الإسلامي الحديث، كما هو الشأن مع سعيد حوى (1935–1989) الذي قدَّم "خطابًا حركيًّا".
مشكلة التنظير لا تقتصر على حركات الإحياء الديني، بل أيضًا على مستوى التنظيمات السياسية والجهادية؛ إذ لم يصاحب تحولات الجهادية السلفية في سوريا أي تنظير أو إنتاج لأدبيات سياسية تعكس أيديولوجيا متكاملة؛ فقد كانت التطورات تفرض نفسها على تلك الحركات، والقناعات تتبدل تبعًا للظروف، فكانت قناعاتٍ لاحقةً وسياقية لا تسبق الأحداث، بل تتبع لها. اقتصر الإنتاج الفكري على الفتاوى والمواقف الجزئية التي تبرر التحولات من باب الضرورة أو المصلحة أو المناورة، وترد على الخصوم. كل إنتاج نظري أو فتوى دينية جاءت لاحقًا للأحداث؛ ما يعني أن هذه التنظيمات لم تكن تملك في الأصل أيديولوجيا صلبة كما هي الحال لدى القاعدة أو داعش.
وهذا ما منحها مرونة وسهولة في التكيف والتحول، قبل أن تتراجع بعد ثلاثة عشر عامًا من الصراع المتعدد الأوجه والجهات، لتبقى ظلالها على شكل "إمارات حرب" مفقودة، أو بقايا تنظيمات تعيش في الصحراء، وتشن هجمات متقطعة بين الحين والآخر.
ثانيًا: الانتقال إلى الدولة
كانت تجربة الإسلاميين السلفيين الجهاديين (داعش وجيش اليرموك وجند الأقصى… إلخ) في الحكم المحلي في غاية السوء، وأدت إلى نتائج وخيمة على مختلف المستويات؛ فمن جهة أدت إلى تراجع التأييد الدولي للثورة لصالح نظام "علماني" سلطوي أي نظام الأسد ويمكن التفاوض معه، بدلًا من تنظيمات دموية أيديولوجية متشددة. ومن جهة أخرى، كان لها آثار نفسية عميقة على المجتمع وبناه، أقرب إلى أن تكون صدمة (Trauma) قد لا تكون قابلة للشفاء، بسبب استباحة الدم المفرطة والصراعات البينية ومستويات العنف الفظيعة التي مورست لإخضاع السكان، وعدائها الشديد للمشروع الوطني وقوى الثورة الحاملة له. لم تكن تنظيمات الجهادية السلفية -مهما صغرت- قادرة على ممارسة السياسة في حدود الدولة الوطنية، وصرفت مجهودها الأساسي في مواجهة النظام العالمي، في حين عجزت عن إحلال نظام سياسي وحوكمي مُقنع يقوم على مفهوم الخلافة ويحمل حدًّا أدنى من الواقعية.
- المشروع الوحيد للتحرير
أدى استمرار انقسام البلاد بين أربع سلطات أمرٍ واقع[13]، وعدم التعامل مع النتائج المترتبة على الفظائع في سوريا، ونشوء حكم "أقلوي عرقي" (كردي) جديد شرق الفرات، إلى تعميق أسباب بقاء تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بوصفه منصة احتجاج عنيفة تلائم الاختناق السياسي المتزايد على طرفي الحدود (سوريا والعراق). وكانت العمليات التي يقوم بها تنظيم داعش في سوريا تشير إلى أنها في تصاعد مطرد، تمتد إلى مناطق سيطرة قسد في البادية وسط البلاد وفي المناطق العشائرية في الجزيرة جنوب شرق وشمال شرق سوريا، وقد تضاعفت، في عام 2024، مقارنة بالعام الفائت[14]، مستفيدة من "انتفاضة العشائر" ضد "سيطرة" قوات سوريا الديمقراطية (قسد SDF)، والتي بدأت في شهر أغسطس/آب 2023. وأيًّا يكن، فإن جميع الظروف ساعدت على بقاء التنظيم حيًّا ويهدد بالعودة مرة أخرى.
كانت فرص استمرار تجربة هيئة تحرير الشام كبيرة[15] في أي تسوية سياسية أو صراع عسكري جديد في البلاد؛ إذ استطاعت أن تتكيف مع الظروف المعقدة وتطور من نفسها هيكليًّا وفكريًّا، وقد مرَّت الهيئة بتحديات كبيرة استطاعت بقيادة "الجولاني" الانحناء لها وتجاوزها، آخرها الاحتجاجات الواسعة التي عمَّت محافظة إدلب وطالبت بتنحية "الجولاني" وإنشاء منظومة حكم قائمة على الانتخاب في إدلب. وقد شكَّلت هذه الاحتجاجات الواسعة اختبارًا كبيرًا للهيئة؛ إذ جمعت جميع خصومها من الجهاديين والجيش الحر والمدنيين في صف واحد، لكن الجولاني نجح في التعامل معها وتفريغها من شحنتها، وبقي ممسكًا بزمام الأمور في الحكم المحلي.
لقد نجح أبو محمد الجولاني على مدى ثماني سنوات في مواجهة جميع التحديات التي واجهته، وإقامة نموذج حكم شديد المركزية يوفر الاستقرار والأمن نسبيًّا مع سلطة مركزية شديدة، ودور إقليمي في مواجهة تمدد "القاعدة" والمقاتلين الأجانب غرب سوريا. وانطلاقًا من التجارب والتحولات التي خاضها في المراحل السابقة يمكن ملاحظة سمة أساسية للتنظيم، وهي قابليته لتطوير أدوات الحكم وأساليبه، وهذه تجربة غير معهودة لدى الإسلاميين في الحكم المحلي.
في المقابل، فشلت التنظيمات العسكرية الإسلامية الأخرى، مثل جيش الإسلام وأحرار الشام وفيلق الشام والجبهة الشامية، في إنشاء مثل هذا الحكم في مناطق سيطرتها شمال غرب سوريا، لأسباب عديدة، منها الانقسام وتعارض المصالح والانتماءات المناطقية ونشوء اقتصاد حرب وشبكات مصالح مرتبطة به. لكن الأهم والأكثر تأثيرًا كان غياب مشروع واضح وخطط وإستراتيجية للعمل على التحرير. ومع وجود التمويل والرعاية التركية المباشرة "فقدت" هذه التنظيمات العسكرية ومعها تنظيمات سياسية أخرى استقلال قرارها كليًّا؛ أي إنه حتى لو كانت لديها خطط للتحرير فإنها "لا تملك قرارها المستقل" لتنفيذها. خلافًا لما كان عليه الوضع لدى هيئة تحرير الشام التي كانت مستقلة في قراراتها.
بالإضافة إلى ذلك، كان ثمة عقبة سياسية، وهي أن وجود حكم محلي ناجح وراسخ في هذه المناطق لو تحقق، سيُعزز من "شرعية" إقامة الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا، والتي أُسست بوصفها منصةً لاستهداف وحدة وسلامة الأراضي التركية؛ وهو ما جعل خيار إقامة حكم مركزي في مناطق المعارضة المدعومة من تركيا غير مطروح.
وبينما كان الجميع منغمسًا في المصالح والصراعات وغارقًا في اليأس وانعدام القدرة على المبادرة، كانت هيئة تحرير الشام الجهة الإسلامية السورية الوحيدة التي كان تملك مشروعًا، وقد أعادت طرحه مرارًا وطورته في ظل صراعاتها ومناكفاتها مع فصائل الجيش الحر. لكن عدم وضوح هذا المشروع منع التمييز بين طموحات سلطوية تلازم العمل العسكري عمومًا، وبين مشروع سياسي وطني عابر للانقسامات الفصائلية. وبعبارة أوضح: لم يكن أحد يتخيل أن أطروحات هيئة تحرير الشام حول المجلس العسكري والإدارة الموحدة للمناطق المحررة يمكن أن تُفهم بحُسن نية، بالنظر إلى عملها السابق في تفكيك أكثر من ثلاثة وعشرين فصيلًا، إضافةً إلى محاولتها، في عام 2022، الاستيلاء على مناطق نفوذ الجيش الوطني وفصائله من الجيش الحر (منطقتي درع الفرات وغصن الزيتون). وبذلك لم يُنظر بجدية إلى أطروحات الهيئة، بل نُظر إليها بارتياب كبير.
- تجربة السيطرة في إدلب
لا يوجد ما يشير إلى أن فشل هيئة تحرير الشام ويأسها من السيطرة على مناطق الجيش الحر بالقوة لاسيما في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2022، كان سببًا في عدولها عن المحاولة مجددًا، أو في توجهها نحو التحالف معه ومحاولة ضمه إلى مشروعها شريكًا. لكن من المؤكد أن الهيئة بدأت التفكير جديًّا، عام 2021، في التخطيط لعمليات تحرير عسكرية واسعة النطاق ضد قوات نظام الأسد وحلفائه؛ فبدأت بإعادة هيكلة جناحها العسكري بعد أن أنشأت قوات أمن منفصلة تحت اسم "جهاز الأمن العام" في إدلب، عام 2019، وهي قوات أمن داخلي واستخبارات متعددة المهام. كما أنشأت أول "إدارة للتجنيد العسكري"، في مايو/أيار 2021، بالتزامن مع افتتاح كلية حربية في العام نفسه، مستعينةً بضباط منشقين انضموا إلى صفوفها، لتستقبل المجندين القادمين من شعب التجنيد بهدف الانتقال إلى حالة مؤسسية أكثر تنظيمًا. فقد هدفت الكلية إلى أن تكون بمنزلة أكاديمية عسكرية تستقبل أصحاب الشهادات العلمية بصفتهم طلابًا ضباطًا في مختلف التخصصات العسكرية. أرادت هيئة تحرير الشام أن تُظهر عملها منافسًا مؤسسيًّا لفصائل الجيش الوطني التابعة لوزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة؛ إذ كانت فكرة إدماج الجيش الحر بالقوة أو تفكيكه لا تزال قائمة.
بالمقابل، تأخرت فصائل المعارضة حتى أنشأت كلية عسكرية، وتم ذلك بالفعل في منتصف أبريل/نيسان 2024، ويبدو أنها جاءت استجابةً أو مواكبةً للخطط العسكرية التي كانت هيئة تحرير الشام قد بدأت الإعداد لها. وقد كانت فصائل المعارضة السورية العسكرية قد استخدمت الطيران المسير في وقت مبكر، منذ عام 2012، لكنه كان طيرانًا بدائيًّا مُعَدًّا للاستخدام الشخصي، جرى تعديله جزئيًّا ليصلح للأغراض العسكرية، في الاستطلاع غالبًا أو القصف الانتحاري من مسافات قريبة.
غير أن هيئة تحرير الشام بدأت العمل مبكرًا على تطوير أسلحتها النوعية، وبشكل خاص الدرون العسكري. وفي اليوم الأخير من عام 2017، نفذت أول هجوم بطائرات مسيرة صغيرة بأجنحة خشبية يدوية الصنع على مطار حميميم[16]، الذي يبعد عن أقرب نقطة لسيطرة الهيئة نحو 50 كم أو يزيد، وقد استمر الهجوم بشكل متقطع سبعة أيام (من 31 ديسمبر/كانون الأول 2017 حتى 6 يناير/كانون الثاني 2018)، وأدى إلى عطب عدد غير محدد من الطائرات الحربية، في حين اعترفت موسكو بمقتل ضابطين روسيين في القاعدة. وبحسب مصادر رسمية روسية، أظهر الفحص أن جميع الدرونات كانت مزودةً بأجهزة استشعار حرارية وأجهزة تحكم لتحديد المسار والارتفاع، وكانت على اتصال مباشر بالجهة التي تُسيِّرها، وجميعها أُطلقت في وقت واحد بعد تحميلها عبوات متفجرة مزودة بصواعق. وقد رجحت روسيا بسبب هذه المعطيات وجود مساعدة أجنبية، وكانت تلمِّح على الأرجح إلى تركيا أو أوكرانيا.
منذ ذلك الوقت، طوَّرت هيئة تحرير الشام بصَمْت نماذج عديدة للطيران المسير الحربي، وإن لم تعتمد فيها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة، إلا أنها كانت فعالة نسبيًّا. وقد أظهر هجوم بطائرات مسيرة على الكلية الحربية في حمص، يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول 2023 (قبل عملية طوفان الأقصى بيومين)[17]، نفذته الهيئة لاختبار نجاح نماذجها المطورة، مدى التقدم الذي أحرزته في الصناعة العسكرية الهجومية ضمن الإمكانات المحلية، ولاسيما أن الهجوم تم من مسافة تجاوزت 100 كم، واستطاعت المسيرات استهداف مواقع محددة بدقة، من بينها شخصيات رسمية بارزة، بينهم وزير الدفاع الذي غادر قبل وقوع الهجوم بدقائق.
أظهر هجوم الكلية الحربية قدرة عسكرية واستخبارية "متقدمة"؛ إذ عملت الهيئة، عبر الضباط المنشقين من الجيش وأجهزة الأمن، على اختراق الأجهزة العسكرية والأمنية للنظام السوري وحققت نجاحات لافتة ظهرت لاحقًا. ولا شك أن الظروف الاقتصادية القاسية، وتغول الحلفاء الإيرانيين، والعقوبات الاقتصادية الشديدة، أدت إلى ضعف الموارد وتوجه النظام إلى "إنتاج وتصدير الكبتاغون" لتحقيق فوائد سياسية واقتصادية وتمويل قوات الأمن والجيش. وقد أسهم الفساد المنتشر أصلًا في تسهيل اختراقات أمنية عالية المستوى داخل أجهزة الأمن والجيش، وصلت إلى شراء قطع أسلحة ومعدات من الجيش نفسه، مثل المناظير الليلية وبعض التجهيزات التقنية.
أصبحت محافظة إدلب "إمارة حرب" غير تقليدية، بل أشبه بدولة مصغرة تمتلك مواردها الخاصة وتسيطر على منفذين حدوديين مع تركيا وثلاثة معابر أخرى مع مناطق المعارضة وقوات قسد والنظام. شكَّلت الجمارك مصدر تمويل رئيسيًّا، ونجحت الهيئة في استقطاب استثمارات سورية متوسطة الحجم، وأنشأت شركة مصرفية تعمل كبنك غير رسمي لضبط حركة الأموال وتسهيلها، وقد تمكنت من تأمين موارد اقتصادية كافية لتمويل الإدارة والأعمال الأمنية والعسكرية والصناعة الحربية والعمليات الاستخباراتية.
- إسقاط نظام الأسد: التحول الكبير
لم يكن أحد من عموم السوريين يتخيل قبل عام أنه بالإمكان أن يتم الحديث يومًا ما عن إسقاط نظام الأسد بالقوة، لكن تحقق ذلك بالعملية العسكرية التي قامت بها هيئة تحرير الشام، في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، والتي أطلقت عليها اسم "عملية ردع العدوان". قبل هذا التاريخ، ومنذ عام 2017، كانت هيئة تحرير الشام تعمل على تطوير أسلحتها وتنظيم هياكلها العسكرية والأمنية، وأخذت تخطط فعليًّا للانتقال من الدفاع عن الحكم المحلي إلى الهجوم على مناطق سيطرة النظام وحلفائه بغرض الدفاع وتوسيع المجال الحيوي لحماية الأمن من جهة، وإضعاف "العدو" من جهة ثانية.
وابتداءً من نهاية عام 2022، بدأت الهيئة ترتيب علاقاتها لاسيما نسج علاقات جديدة مع خصومها التقليديين، والتوجه إلى بناء تحالفات بدل السياسات السابقة في تفكيك القوى والفصائل العسكرية، منها مع العشائر التي تمتلك هي الأخرى فصائل وقوات خاصة بها. وخلال عام 2023 وحتى منتصف 2024، كانت الهيئة قد عقدت تحالفات على امتداد سوريا، بما في ذلك فصائل دروز السويداء.
وبينما كان دور المجلس الإسلامي السوري يزداد حضورًا في مقابل غياب وضعف ملحوظين لحضور الإخوان المسلمين وتنظيمات الإسلام السياسي الأخرى، فإن سياقًا جديدًا وُلد في سوريا عبر سلسلة من الأحداث، كالآتي:
- في 24 فبراير/شباط 2022، بدأت روسيا غزوًا عسكريًّا لأوكرانيا. تبع الغزو قصف جوي استهدف البنى العسكرية في البلاد، وكذلك دخول الدبابات عبر حدود بيلاروسيا. لكن روسيا تعثرت في الغزو، وانتهى الأمر بها إلى مستنقع غير واضح النهاية؛ واضطُرَّت لتعزيز إمكاناتها في أوكرانيا، إلى سحب معظم طيرانها الحربي وسحب قوات "فاغنر" المرتزقة وأفراد القوات الروسية المنتشرة على الأراضي السورية تدريجيًّا، والتي كانت حتى منتصف عام 2023 تشغل نحو 105 مواقع وقواعد عسكرية في أنحاء سوريا وزجها في معاركها المتعثرة في أوكرانيا. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، كانت لدى روسيا ثماني طائرات حربية في سوريا من أصل نحو 86 طائرة كانت تعمل في سوريا، وقد لعبت دورًا رئيسيًّا في تغلب قوات الأسد وحلفائه الإيرانيين على مناطق المعارضة ابتداءً من 30 سبتمبر/أيلول 2015[18].
- مظاهرات محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية التي اندلعت في 17 أغسطس/آب 2023 احتجاجًا على التضخم وتدهور الوضع الاقتصادي ورفض التجنيد الإجباري؛ وقد تحولت بسرعة إلى مظاهرات سياسية بحلول 20 أغسطس/آب ردَّد فيها آلاف المتظاهرين شعارات تطالب بإسقاط حكومة الأسد، واستمرت المظاهرات حتى بدء عملية "ردع العدوان"، نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
- "انتفاضة العشائر" في دير الزور ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في 28 أغسطس/آب 2023، التي "تتحكم" بالمناطق العربية القبلية الغنية بالنفط والثروة المائية. وعلى الرغم من عدم نجاح الانتفاضة، فإنها استمرت خلال عامي 2023 و2024 على شكل عمليات خلف "خطوط العدو" إلى حين سقوط النظام.
- عملية طوفان الأقصى، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي أدت إلى إعادة تعريف الإسرائيليين للعقيدة العسكرية وبناء إستراتيجية جديدة تعتمد على توسيع المجال الحيوي والحروب الطويلة[19]، وبالتالي إضعاف قدرات حزب الله والميليشيات الإيرانية في سوريا، وصولًا إلى إيران والهجوم على منشآتها النووية، وما أدت إليه العمليات العسكرية الإسرائيلية واسعة النطاق في لبنان وسوريا، ومع ذلك كان الإيرانيون حتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2024، يمتلكون على الأقل 529 قاعدةً ومقرًّا عسكريًّا في سوريا منتشرةً في جميع البلاد[20]، باستثناء مناطق سيطرة المعارضة ومناطق سيطرة قسد حيث توجد قوات أميركية.
- مظاهرات احتجاجية ضد هيئة تحرير الشام، في 24 فبراير/شباط 2024، طالبت بإسقاط زعيمها، أبو محمد الجولاني، على خلفية الاعتقالات التي قام بها جهاز الأمن العام في قضية عُرفت باسم "ملف العملاء"، والتي استهدفت أكثر من خمسمائة اسم اشتُبه بتورطهم في علاقات خارجية تهدف إلى إحداث انقلاب في قيادة الهيئة. وقد استمرت الاحتجاجات في معظم المدن الواقعة تحت سيطرة الهيئة، لكن الجولاني نجح في امتصاصها وإضعافها إلى أن توقفت، أو لم تعد مؤثرة، في نهاية سبتمبر/أيلول 2024. وفي سياق المظاهرات، ألمح الجولاني إلى خطط الهيئة لتحرير مدينة حلب، التي كان قد شكَّل سقوطها تحولًا في مسار الثورة بل وحتى سقوط دمشق.
- تحولات هيئة تحرير الشام المستمرة
كانت هيئة تحرير الشام قد مرَّت بتحولات عديدة منذ نشأتها تحت اسم "جبهة النصرة لأهل الشام"، عام 2011، وحتى صارت بصيغة تحالف تحت اسم هيئة تحرير الشام ابتداءً من يناير/كانون الثاني 2018. لكن بنية الهيئة نفسها تغيرت؛ لم تعد كما كانت في البداية، وهي بقدر ما تفسر أثر الأحداث عليها، تفسر أيضًا سلوك الهيئة وسلوك زعيمها، أبو محمد الجولاني، ومآلات هياكلها التنظيمية بعد الوصول إلى دمشق، فالهيئة بعد الوصول للحكم ليست هي ذاتها قبله.
تشكَّلت جبهة النصرة في البداية من مزيج سوري-عراقي بحكم العلاقة مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. وعلى الرغم من انضمام العديد من الجهاديين العرب والأجانب إلى الجبهة، بقي السوريون هم الأكثرية، وكان كثير منهم، حتى نهاية 2012، ينحدر من الشبكة الجهادية العراقية. لكن بعد الانفصال عن تنظيم الدولة، في أبريل/نيسان 2013، غادر معظم العراقيين التنظيم، وبدأ يتوافد عليه مقاتلون أجانب وعرب عبر الشبكة الجهادية لتنظيم القاعدة الذي أعلن أبو محمد الجولاني وقتها البيعة له، للتخلص من تسلط أبي بكر البغدادي. وأصبح بذلك المكون الرئيس لقاعدة التنظيم وقيادته، سوريًّا مع حضور أردني واضح في مجالس القيادة. وما بين أبريل/نيسان 2013 وحتى يوليو/تموز 2016، حين أعلن الجولاني الانفصال عن تنظيم القاعدة وتأسيس "جبهة فتح الشام"، كان عدد المقاتلين العرب والأجانب يتراجع تدريجيًّا في جبهة النصرة. فقد فتحت النصرة أبوابها للسوريين للانضمام إلى صفوفها، واحتوت تنظيمات قوقازية وتركمانستانية من آسيا الوسطى، وبشكل خاص من الإيغور الصينيين، وصار معظم قيادة التنظيم سورية، بما فيها القيادات الوسطى والميدانية.
ومنذ عام 2017، أي حين قرر الجولاني التخلص من عبء تنظيم القاعدة وتفكيك شبكات المقاتلين الأجانب في وقت كانت داعش تنحسر، بدأ تكوين الهيئة يختلف مرة أخرى. وبدأت هيئة تحرير الشام، التي أُعلن عن تشكيلها، في يناير/كانون الثاني 2018، فتح أبوابها لتجنيد المتطوعين السوريين. ساعد على ذلك أن معظم المقاتلين السابقين من الجيش الحر، والكثير من أبناء "المناطق السورية الثائرة" الذين انتهى ببعضهم المطاف في إدلب نتيجة تهجير قسري، وجدوا في التطوع فرصةً للاستمرار بالثورة وفرصةً للصمود في ظل ظروف اقتصادية قاهرة. وأدت حادثة الاعتقالات فيما يعرف بـ"ملف العملاء"[21] إلى انقسام في قيادة الهيئة، وإلى خروج آخر العراقيين في القيادة، وهو أبو ماريا القحطاني (ميسر علي موسى عبد الله الجبوري 1976–2024)، ورفيق الدرب أبو أحمد زكور (جهاد الشيخ).
وفي نهاية 2024، كانت هيئة تحرير الشام قد أخذت شكلها النهائي:
- القيادات في الصف الأول تمثل غالبًا مزيجًا من "رفاق الدرب" والمقاتلين السوريين السابقين في العراق من "الآباء المؤسسين" للتنظيم والمنضمين المبكرين إليه، وقليلًا من الجهاديين العرب والأجانب.
- القادة الميدانيون والقيادات المتوسطة: يميل قسم منهم إلى العقائد السلفية ذات الجذور الجهادية، بما يمكن وصفه بـ"السلفية الجهادية المُستأنسة" محليًّا، غير أن معظم القيادات الميدانية لا يحملون عقائد جهادية صلبة؛ وإنما هم جزء من تطورات الحالة السورية. كثيرون منهم مقاتلون في الجيش الحر أو مدنيون من الحراك السلمي انتقلوا إلى العمل المسلح، واكتسبوا بعض العقائد السلفية اللازمة لمواجهة العنف الوحشي العاري الذي مارسه نظام الأسد ضد السكان؛ أي بصفتها أثرًا مؤقتًا من آثار الحرب مرتبطًا بالسياق أكثر منه بالفكر.
- المقاتلون: وهم في معظمهم سوريون، مع وجود مجموعات من المقاتلين الأجانب تُشكل وحدات عسكريةً منفصلة بقيادتها، وعددُهم لا يتجاوز 5% من المقاتلين.
- المدنيون الذين يديرون جهاز الحكم: فقد انخرط العديد من الصفين الأول والثاني في الأجهزة التنفيذية المدنية للهيئة وإدارة شؤون الحكم المحلي. وكثير منهم يملكون كفاءات جامعية، وساعدت جامعة إدلب، التي أنشأتها حكومةُ الإنقاذ، على تحصيل العديد منهم شهادات جامعية ورفع كفاءتهم. ومعظم هؤلاء صاروا مرتبطين بالهيئة ومؤسساتها، وأصبحوا بحكم السياق جزءًا عضويًّا منها، يمثلون ذراعها المدنية والحوكمية.
وقبيل طوفان الأقصى بأيام قليلة، تحديدًا في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كشف الهجوم الذي قامت به هيئة تحرير الشام عبر الطيران المسير على الكلية الحربية في حمص عن مدى ما وصلت إليه من تطوير لأسلحتها. ومع ذلك لم تكن هذه التحولات ملحوظةً جيدًا حتى للنظام وحلفائه من الروس والإيرانيين. لم يكن يتوقع أحد أن الهيئة تطور أسلحة تبلغ هذا المدى وهذه الدقة؛ إذ كان الاعتقاد أن دولًا أخرى قدمت المساعدة لهذه العملية، وأن الهيئة أقل قدرةً من أن تفعل ذلك منفردة[22]. حدثت عملية طوفان الأقصى فأحدثت زلزالًا قويًّا أدى إلى تغيرات سياسية وعسكرية في الشرق الأوسط، وكان من تداعياته الرئيسة تصاعد استهداف إيران، واستغلال اللحظة المناسبة لاستهداف برنامجها النووي.
- جمود الإخوان و"الفرص الضائعة"
كانت تجربة تنظيم داعش قد أضعفت التطلع إلى العودة إلى الخلافة الإسلامية التي تمثل لاهوت الإسلام السياسي، وهشمت مشاعر الحنين إلى الخلافة باعتبارها رمزًا للعدالة المفقودة في الدولة الوطنية. إذ لم تكن قسوتها المفرطة وتأثيرها على التدين والنظر إلى الدين فقط هو الأثر الأهم، بل كان الأثر الأبرز هو تهشيم فكرة العودة إلى الخلافة ذات الجذور العالمية للإسلام السياسي.
وأدى التحول والصراع في المختبر السوري بين الحركات الجهادية، وأيضًا تحولاتها وتجاربها في الحكم ووصولها إلى السلطة في سوريا، إلى فتح مسار نهاية الإسلام السياسي كما نعرفه، قد لا يكون نهاية تنظيماته، لكنه على الأقل نهاية لرؤاه التقليدية عن السياسة والدولة وإلى تكريس النزعة المحلية على حساب فكرة الخلافة.
كذلك أدى وصول هيئة تحرير الشام فعليًّا إلى الحكم والسياسات التي اتبعتها فور وصولها، وهي سياسات تطورت بحكم الممارسة في إدلب، إلى نهاية "المظلومية السنية"[23] في سوريا، التي كانت سببًا لاضطرابات امتدت على عقود. وابتداءً من وصول الهيئة وتدشين نهاية "حكم الأقلية" هناك، ستظهر آثاره في المنطقة على المدى القريب، ومن المحتمل أن تتوالى تداعياته الإقليمية على لبنان والعراق.
كانت التحولات الكبيرة التي رافقت الثورة السورية قد شكَّلت فرصة للتنظيمات الإسلامية المختلفة للنشاط والانخراط في المجتمع السوري والتأثير في مسار الأحداث. وفي حين كان الإخوان المسلمون يريدون الانخراط مرة أخرى بعد خروجهم بهزيمة دموية قاسية في الثمانينات في حقبة حافظ الأسد، حالت عوامل عدة دون قدرتهم على ذلك، فضلًا عن ترددهم في خياراتهم السياسية. إذ بقيت ذاكرة أحداث الثمانينات الدموية ضاغطة، فهم لا يريدون تحمل مسؤولية الفشل مرة أخرى، ولا يريدون أن يظهروا في المقدمة كي لا يزعجوا الحلفاء، خصوصًا أن المزاج الإقليمي مناهض للإخوان عمومًا، لاسيما بعد تجربة الرئيس محمد مرسي في مصر. نتيجة لذلك تحولوا إلى قوة هامشية غير مؤثرة، حاضرة في المشهد السياسي والعسكري دون أن يكون لها تأثير يتناسب مع وزنها السياسي والتاريخي.
حتى نهاية عام 2024، نشأت تنظيمات وأحزاب سياسية إسلامية، لكنها لم تكن تختلف في جوهر أيديولوجيتها عن جماعة الإخوان المسلمين. ولم تكن في وضع يؤهلها لمنافسة تنظيم عريق يملك خبرة تنظيمية وتاريخًا سياسيًّا وتمويلًا ذاتيًّا تعجز عنه. ولكن "الشيخوخة" و"الجهوية"، والانقسامات المتتالية في الإخوان، إضافة إلى "النزعة الحزبية" كانت من العوامل التي منحت منافسي الإخوان فرصة للتقدم عليهم واجتذاب الشارع السوري والتحول إلى قوة فاعلة. ولم تستطع جماعة الإخوان المسلمين في سوريا والتنظيمات العسكرية المرتبطة بها تعزيز نفوذها وتأثيرها في المجتمع السوري خلال سنوات الثورة الأربع عشرة. ففي الوقت الذي نجحت فيه بالنأي بنفسها عن الصراعات الدامية والحكم المحلي في ظل الحرب وخرجت بأقل الخسائر، كانت تضع نفسها في وضع لا تُحسد عليه يوم إسقاط النظام، في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، فالواصلون إلى الحكم بقوة السلاح كانوا دائمًا خصومًا للجماعة بتوجهاتهم الفكرية، وهؤلاء اليوم يُرغِّبون الجماعة بتفكيكها أو حلها لنفسها؛ لأنهم لا يريدون انقسامًا سياسيًّا مبكرًا في الجمهور السوري على أسس أيديولوجية دينية، بمعنى أنهم لا يريدون أي منازعة على تمثيل الأكثرية السنية.
الواقع أن جماعة الإخوان المسلمين تواجه أساسًا مجموعة من التحديات. فمن جهة، هم يعانون من انقسامات مناطقية (الحلبيون، الحمويون، الشوام... إلخ) داخل التنظيم، ومن جهة ثانية قادة التنظيم مُسنون، وقد أُعيد بناء هياكل التنظيم منذ السبعينات وفق أسس تشبه أسس التنظيمات الشيوعية حينها، وهذا خلق صراعًا جيليًّا وهو ما يشهده التنظيم داخليًّا، فبينما يسعى الأعضاء الشباب إلى لعب دور سياسي، يحرمهم النظام الداخلي وهيمنة "قدامى القادة" من لعب أي دور مؤثر على هذا الصعيد. وهذا كان أحد عوامل الضعف في تمدده وانتشاره تنظيميًّا داخل المجتمع السوري، وما زالت قواعده الاجتماعية تعتمد تقريبًا على الروابط العائلية للإخوان في سوريا قبل خروج التنظيم نهائيًّا عام 1982، والحقيقة أن التنظيم لم يبذل جهدًا يُذكر في هذا الاتجاه، باستثناء خلاياه التي أنشأها عام 2000.
ومن جهة أخرى ثالثة، يخوض التنظيم منافسة غير متكافئة مع هيئة تحرير الشام وقاعدتها الاجتماعية التي حققت "الإنجاز الكبير" في إسقاط النظام، في الوقت الذي تُتَّهم فيه الجماعة بدور سلبي في مؤسسات المعارضة. ورغم أن ذلك قد لا يكون أكثر من دعاية "قادها الخصوم" لأغراض سياسية، إلا أنها في النهاية تشكل جزءًا من سمعة الجماعة على نطاق واسع. ثم إن وجود هيئة تحرير الشام في السلطة يعزز من قدرتها التنافسية، في الوقت الذي لا تشكل أيديولوجيا الإخوان السياسية إغراءً إضافيًّا مقارنة بتصورات هيئة تحرير الشام الفكرية. ولطالما شعرت جماعة الإخوان المسلمين بالرضا من اعتبارها ممثلةً لسُنَّة سوريا، على الرغم من أن نظام الأسد استخدم هذا الوصف لقمع المجتمع السوري الذي تؤلِّف السنَّة أكثريته الساحقة. ومع وصول الهيئة للحكم، صار تمثيل الإخوان للسنَّة أمرًا من الماضي، فالتمثيل السني غير المعلن انتقل بقوة "التحرير" إلى منظومة الحكم الجديد التي يُديرها قادة الهيئة. كما أن هناك سياقًا إقليميًّا ضاغطًا يرى الإخوان المسلمين خطرًا يهدد استقرار الأنظمة، ويربط بينهم وبين ثورات الربيع العربي.
انعكس هذا الوضع على الإخوان المسلمين في حضور شبه مفقود في انتخابات مجلس الشعب، يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول 2025، على الرغم من بعض الادعاءات غير الدقيقة في سياق التنافس الانتخابي في حلب. ومن المحتمل أن الجماعة تحاول أخذ خطوة إلى الوراء حتى لا تعقِّد المشهد ويزداد الضغط عليها. فالجماعة لا تريد أن تظهر في مظهر المناوئ لحكم الرئيس الشرع، وقد تكون الخطوة إلى الوراء بديلًا عن حل الجماعة في الوقت الراهن.
لكل هذه الاعتبارات، فإن فرصة بقاء الإخوان كتنظيم تبدو ضعيفة، وإذا قرر التنظيم الاستمرار وعدم حل نفسه كما قرر مجلس الشورى، في شهر سبتمبر/أيلول 2025[24]، فإنه سيكون لاعبًا ضعيفًا لفترة طويلة. وحتى إذا حل تنظيم الإخوان نفسه، فلا يعني ذلك أن الإخوان أو إسلاميين آخرين لن يظهروا في أحزاب جديدة أو لن ينشئوا أحزابًا بديلة، لأن خبراتهم التنظيمية وطموحاتهم السياسية ستبقى حية. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يُطرح فيها حل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا؛ فقد كان هذا طرحًا متكررًا من داخل الجماعة للتكيف مع الانسداد السياسي في سوريا في عهد آل الأسد، وكان مقترح الحل مرتبطًا دائمًا بإنشاء بدائل. كان من بين المقترحات تفرُّغ الجماعة للعمل الدعوي والإحياء الديني، أي حلها سياسيًّا وبقاءها اجتماعيًّا، في مقابل إنشاء حزب يتبع لها سياسيًّا. قد لا يحدث مثل هذا الآن، ولكن يمكن أن يحدث بعد خمس سنوات، أي بعد نهاية المرحلة الانتقالية، حيث سيكون بإمكانهم إعادة التموضع داخل المجتمع السوري وتنظيم صفوفهم كقوة سياسية أو إنشاء حزب بديل يلائم قانون الأحزاب المرتقب.
المنافسة الأيديولوجية بين الإخوان والهيئة هي على المرجعية الإسلامية، فكلاهما يقدم نفسه على أنه مشروع وطني بمرجعية إسلامية، خصوصًا بعد أن تخلت الهيئة عن "السلفية الجهادية"، فصار المشروعان متشابهين إلى حدٍّ بعيد. لكن ثمة فارق مهم في النهاية، هو عراقة الاسم (العلامة التجارية "الإخوان المسلمون") التي لها تاريخ يمتد لنحو ثمانين عامًا في سوريا، في حين أن هيئة تحرير الشام حديثة، لا يتجاوز عمرها 14 عامًا. تخلت عن الاسم وصارت جزءًا من كوادر الحكم، أو هي الحكم نفسه. ومع ذلك، في حين أن جماعة الإخوان المسلمين تملك روابط تنظيمية مع الإخوان حول العالم، فإن هيئة تحرير الشام تفتقد هذه الروابط تمامًا؛ ما يشكِّل نقطة ضعف لها قد تكون "قاتلة" سياسيًّا. ولهذا من الطبيعي أن يُتوقع أن الهيئة ستتجه نحو تشكيل تنظيم سياسي خلال المرحلة الانتقالية، وسيكون وجودها في السلطة وإنجازاتها الكثيرة عامل جذب لتكون أكبر قوة سياسية تنظيميًّا، وعلى الأرجح ستكون أقل "إسلامية" مما هي عليه اليوم، لكنها أكثر جاذبية من منافسيها من تنظيمات الإسلام السياسي الناشئة.
لقد نشأت تنظيمات على يسار الإسلام السياسي في سوريا خلال الفترة السابقة تمتلك رؤية جديدة، أقرب إلى رؤية التنظيمات الإسلامية التي انشقت عن الإخوان المسلمين في دول مختلفة في المنطقة وتبنت رؤى محلية. أبرز هذه التنظيمات "تيار سوريا الحرة"، ويعكس اسم التنظيم التوجه المحلي بوضوح. ومثل هذه التنظيمات الجديدة تجد في البيئة الراهنة بيئة مثالية لنشاطها، وهي تملك قدرة كبيرة على التكيف، بالنظر إلى أنها تنظيمات شابة وذات مصداقية من جهة، وتتقاطع مع أفكار قيادة الحكم الراهن في آليات التفكير حول الدولة والدين والتنمية.
وقد تغيرت تمامًا خلال سنوات الثورة والحرب، جماعات الإسلام السياسي وتنظيمات السلفية الجهادية التي نشأت من أصول عسكرية، مثل حركة الزنكي، الجبهة الشامية، جيش الإسلام، وغيرها. وتخلت هذه الجماعات والتنظيمات عن الأيديولوجيا السياسية الدينية لصالح الأيديولوجيا الوطنية حين التحقت بالجيش الحر، وصارت أقرب إلى الجماعات المحافظة منها إلى جماعات الإسلام السياسي. وبعد التحرير، انتهى دورها ودخلت في عملية تفكيك وإدماج كبيرة في جسم الدولة تحت مظلة وزارة الدفاع. كانت هذه جزءًا من صفقة التحرير أساسًا، التي شاركوا فيها تحت قيادة هيئة تحرير الشام.
أما الجهاديون الأجانب الذين يتراوح عددهم، نهاية عام 2024، بين 3 إلى 5 آلاف، فربما صار الأدق استخدام تعبير "المقاتلين الأجانب" لوصفهم. فقد أدَّت السنوات العشر إلى تكيفهم مع تحولات هيئة تحرير الشام ومع الأوضاع السياسية الجديدة، ولا يبدو واضحًا ما إذا حدثت تحولات أيديولوجية عميقة في تنظيماتهم، وبشكل خاص مقاتلو الإيغور من الصين. لكن من الواضح أن قضيتهم الوطنية في الصين تمثل قضية محورية، وأن الجهاد في سوريا لم يكن سوى وسيلة لإيجاد وطن بديل. ويمكن النظر إلى الاندماج الاجتماعي الكبير الذي قاموا به خلال سني إقامتهم وتزاوجهم من السوريين على أنه أحد الدلائل على سعيهم لوطن بديل، لا للجهادية العالمية التي أخذت بالذبول مع سقوط آخر معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، عام 2019.
ببعض المجازفة، يمكن القول: إننا نعيش بداية عصر يتجاوز الإسلام السياسي، ولم يكن هذا ممكنًا لولا التحولات التي شهدناها في "المختبر السوري". وما يحدث في سوريا لا يبقى في سوريا بسبب الجغرافيا السياسية وموقعها في خارطة الفكر الإسلامي والعربي؛ وهو ما أدى إلى تغييرات في الجذور الفكرية والسياسية والنفسية لظهور "الإسلام السياسي" ذاته منذ نحو قرن؛ إذ ستحل الذكرى المئوية الأولى لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين بعد أقل من ثلاث سنوات من الآن، في 22 مارس/آذار 2028. وهي ذكرى مناسبة لمراجعة وتقييم جذري لمائة عام من الإسلام السياسي، من العمل والنجاح والفشل، من النشاط والانكسار والانحسار.
- التهديدات للتجربة الجديدة
التحولات الكبرى التي حصلت بإسقاط النظام، وأدت إلى الإطاحة بجميع أعداء هيئة تحرير الشام في سوريا مرة واحدة، لم تُنه محاولات خصومها التكيف مع الأوضاع الجديدة، وفي مقدمتهم تنظيم داعش والميليشيات المدعومة من إيران بما فيها حزب الله.
فقد انتقل تنظيم داعش من النشاط في البادية، الواقعة تحت سيطرة الحكومة الانتقالية بقيادة الرئيس الشرع، بعد أن أحكمت القوات الحكومية السيطرة على الطرق والممرات الرئيسية فيها، إلى المدن، وأنشأ خلايا داخلها[25] للقيام بعمليات تهدف إلى منع استقرار حكم الشرع، وفق إستراتيجية جديدة تمنح التنظيم مرونة أكبر من خلال التحول إلى بنية أقل مركزية وهجينة تُعطي الفروع والخلايا المحلية استقلالية نسبية في تنفيذ الهجمات، والانتشار كخلايا نائمة صغيرة متنقلة، واستخدام تكتيك حرب العصابات والاغتيالات والكمائن النوعية، والاعتماد الأكبر على العبوات الناسفة (IEDs)، بما في ذلك استهداف أماكن ذات حساسية دينية وطائفية لأنها أكثر تهديدًا للاستقرار، أي استخدام الورقة الطائفية[26]. لكن فشل التنظيم في معظم عملياته داخل المدن، وانكشف العديد من خلاياه، وبالنظر إلى أن البيئة التي يستطيع التنظيم النشاط فيها هي البيئات المضطربة، فإن مستقبل التنظيم في سوريا مرهون بمدى استقرارها.
أما "الجماعات الشيعية" المحلية المؤيدة لإيران فهي تحاول إحياء شبكاتها، ولا يبدو أنها نجحت حتى الآن في تنظيم نفسها، رغم أنها شكَّلت تنظيمًا لا تزال الشكوك تحيط بوجوده باسم "أُولي البأس". لكن القوات الحكومية اكتفت بمتابعة بعض الخلايا "المرتبطة" بالحرس الثوري أو حزب الله التي تحاول إعادة نشاطها من جديد. ولم يظهر حتى الآن نشاط علني لهذه الخلايا أو الشبكات المرتبطة بها، ومستقبلها عمومًا مرتبط باستقرار الحكم أو فشله، فهي لن تستطيع النشاط في بيئة مستقرة.
خاتمة
دشَّنت هيئة تحرير الشام، يوم 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، عصرًا من التحول التاريخي في المنطقة، ومن المحتمل أن يكون بداية فعلية لمشهد غير تقليدي لعصر "ما بعد الإسلام السياسي" في سوريا على الأقل. سماته تتجلى فيما يلي:
- تهشم فكرة الخلافة
شكَّلت تجربة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الفاشلة والقاسية منعطفًا كبيرًا. لم يكن الأمر مجرد إخفاق تجربة مبنية على رفض النظام العالمي وإقامة دولة تستعيد النموذج التاريخي للحكم في ظل الدولة الوطنية، بل بدا في الواقع سيرًا عكسيًّا في اتجاه التاريخ.
وبما أن الخلافة تمثل عنوانًا مشتركًا بين الحركات والجماعات الإسلامية، فإن فكرة العودة إلى الخلافة ونظام الحكم الإسلامي وتوحيد الأقطار العربية والإسلامية كانت تعني بهذا المنطق العودة إلى الإسلام ذاته[27]، في مقابل الدولة الوطنية القومية التي مزقت الوحدة وأزاحت الشريعة من موقعها كمرجعية. كما مثَّلت الخلافة الأمل بالعدالة بعد فشل الدولة الوطنية في معظم الدول التي كانت جزءًا من نظام الخلافة.
ولهذا السبب، فإن إخفاق تجربة داعش لم يعنِ فقط عدم إمكانية عودة النموذج في ظل النظام العالمي، بل "قضى" أيضًا على جاذبية فكرة الخلافة. وشكلت القسوة المفرطة والاستعراضية التي مارستها داعش تحت اسم الخلافة نهاية لحلم الخلافة المرتبط بالعدالة المتخيلة. بل إن صدمة نموذج الخلافة في تجربة داعش أدت إلى تغيرات في التدين في المناطق التي وقعت تحت التجربة على الأقل.
- بداية لنهاية "المظلومية السنية" في الشرق الأوسط
لطالما شكَّلت "المظلومية السنية" في الشرق الأوسط عنوانًا رئيسيًّا في الأيديولوجيا الجهادية منذ تأسيسها، خصوصًا في سوريا والعراق، باعتبارهما قلب العالم الإسلامي الذي يعكس أزمته الكبرى. فالعنف الطائفي في دول مثل سوريا التي حكمتها عائلة الأسد من "الأقلية العلوية"، والعراق الذي تحكمه "غالبية" شيعية، جعل الصراع السني-الشيعي جوهر المظلومية السنية المولدة للحركات الإسلامية. ومع نجاح هيئة تحرير الشام في سوريا، وإخراج إيران منها، وبداية انحسار النفوذ الإيراني في المنطقة وتراجع حدة الصراع السني-الشيعي، انتهى جزء رئيسي من السردية التي غذَّت الإسلام السياسي لعقود.
- عودة القضية الفلسطينية إلى المركز
بعد تراجع "المظلومية السنية" من جهة، وتغير مدلول مفهوم الأمة، الذي كان "يُحصر" غالبًا في أدبيات الحركات الإسلامية على السنة، ومع التعديلات الكثيرة في بنية الحكم في دول إسلامية عديدة قبل وبعد الربيع العربي، التي خفَّفت من حدة العنف السلطوي فيها، وبعد مشاركة الإسلاميين في الحكم في بعض الدول ونجاح التجربة التركية، بقيت القضية الفلسطينية قضية جامعة. وعادت لتمثل العنوان الرئيس للهيمنة الغربية على العالم الإسلامي. فمشكلات العالم الإسلامي اليوم لم تعد كما كانت قبل عقدين من الزمن، ولم تعد التصورات التقليدية للعالم ومشكلاته تنطبق على الواقع الجديد.
- الانتقال إلى التفكير المحلي والوطني
رافق تراجع جاذبية فكرة العودة إلى الخلافة بعد تجربة داعش نزعة محلية متزايدة. ولطالما كان المحلي مُهمشًا أو مُدمجًا قسريًّا في السردية الأممية الكبرى. إلا أن جميع التحولات في سوريا التي أصابت الحركات الإسلامية تشترك في سمة تزايد المحلية. ولا شك أن تجربة تنظيم الدولة الفاشلة العابرة للحدود عززت هذا التوجه وأعطته دفعة قوية إلى الأمام. هذا الانتقال من الأممي إلى المحلي أو الوطني سيكون أحد أبرز معالم التنظيمات الإسلامية في سوريا، وعلى الأرجح سيظهر كذلك خارجها. فمعظم الحركات الجهادية والإسلامية الناشطة الآن، خصوصًا في إفريقيا، حيث تنشط فروع تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة، أصبحت قضاياها وطنية في جوهرها.
أخيرًا، لقد مثلت سوريا خلال سنوات الثورة مختبرًا استثنائيًّا للحركات الإسلامية، وقد عززت نتائج هذا المختبر من حجج النظرية القائلة بأن الجذور الاجتماعية والسياسية للحركات الإسلامية تمثل المحرك الأساس لسلوكها السياسي والعسكري، بينما تعمل الأيديولوجيا الدينية أساسًا أداةً للتعبئة والتغيير أكثر مما هي محدد جوهري للخيارات السياسية والإستراتيجية. وقد فتح وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة أفقًا بحثيًا جديدًا أمام الدراسات المعنية بالإسلام السياسي، لكن التجربة السورية لا تزال جديدة، ومن الموضوعية القول: إنه من المبكر الحكم على نتائجها، خصوصًا أنها تواجه تحديات كثيرة أمام استقرارها. فلا أحد يعرف إلى أين ستؤول الأمور، لكن ذلك لا يغير من حقيقة أن تحولات كبرى قد حدثت بالفعل، ومن غير المحتمل أن تبقى محصورة داخل سوريا فقط.
[1] ورد النص في إعلان تأسيس جبهة فتح الشام، انظر: نذير رضا، "الجولاني ينفصل عن "القاعدة" ويمنح "النصرة" اسم "فتح الشام""، الشرق الأوسط، 28 يوليو/تموز 2016 (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://bit.ly/4o4nLVX
[2] دينا عادل، "رويترز: تليفزيون: زعيم جبهة النصرة يقول إنه يسعى للسيطرة على دمشق"، تحرير سيف الدين حمدان، رويترز، 28 مايو/أيار 2015.
[3] سلطان الكنج، "الطريق نحو "الجهادية الوطنية".. كيف تفادى الجولاني مصير البغدادي؟"، تليفزيون سوريا، 25 مايو/أيار 2022 (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://bit.ly/3KDuNmf
[4] "اغتيال الناشط محمد أبو غنوم وزوجته في مدينة الباب شرقي حلب"، تليفزيون سوريا، 7 أكتوبر/تشرين الأول 2022، https://www.syria.tv/186075 ، "دبيب النمل".. إستراتيجية الجولاني لتحقيق طموحه بريف حلب الشمالي"، ثائر المحمد، تليفزيون سوريا، 29/11/2022، (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)،https://www.syria.tv/192667
[5] "الجولاني يدعو إلى مجلس عسكري موحد في إدلب"، جريدة عنب بلدي، 14 يناير/كانون الثاني 2019 (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://bit.ly/47baPrL
[6] قام تنظيم الدولة بـ 192 هجومًا منذ بداية العام 2025 وحتى نهاية شهر سبتمبر/أيلول، أكثر من 95% منها في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أي خارج سيطرة الحكومة:
"ISIS cells resurface in Syria. Coalition and SDF brace at frontlines", Syria Press, 5/10/2025, (accessed on 10/11/2025), https://bit.ly/4pQH7Qa
[7] أُعلن عن تأسيس هيئة دروع الثورة في بيان مصور، في 21 ديسمبر/كانون الأول 2012، وضمَّت الهيئة نحو 42 تشكيلًا عسكريًّا في مناطق مختلفة من سوريا.
[8] أعلن عن تأسيس فيلق الشام مصور في 10 مارس/آذار 2014 (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://bit.ly/4aoEGMe
[9] قوات مسلحة لا توجد مراجع موثوقة حول تاريخ إنشائها، ويزعم التنظيم أن تأسيسها يعود للعام 2004 إلا أن أول ظهور لها كان في مطلع عام 2012. شكَّلت هذه القوات عمادة وقيادة قوات سوريا الديمقراطية التي ضمت فصائل عربية وسريانية بهدف إضفاء صفة التعددية على مظهرها، التي ظهر أنها شكلية تمامًا مع انتفاضة العشائر في دير الزور في نهاية عام 2023 والتي لا تزال مستمرة ضد هذه القوات حتى اليوم.
[10] عبد الرحمن الحاج، "البحث عن سلام داخلي: العودة إلى التصوف: تحولات التدين في سوريا"، ضمن الصوفية اليوم: قراءات معاصرة في مجتمع التصوف ونماذجه، تحرير محمد أبو رمان (عمان: فريدريش إيبرت، 2020)، ص95-128.
[11] "بيان بشأن حل المجلس الإسلامي السوري"، 25 يونيو/حزيران (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://bit.ly/47aywjY
[12] "ياسين الحاج صالح، "حل "الإخوان" واحتكار التمثيل السني"، 3 سبتمبر/أيلول 2025، القدس العربي (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://bit.ly/4ob96Zm
[13] الأولى: حكومة نظام الأسد، والثانية: الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والثالثة: حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام، والرابعة: الإدارة الذاتية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية الكردية.
[14] Charles Lister, ISIS Syria Attack Data - August 2024, ISIS Increases Attacks in SDF & Regime Areas, Sep 02, 2024, https://bit.ly/3ZeCggQ
[15] عبد الرحمن الحاج، التيارات الإسلامية في سوريا: تجربة الثورة وإدارة سلطات محلية، مركز الجزيرة للدراسات، 7 أكتوبر/تشرين الأول 2024 (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://bit.ly/3KFCKY7 .
[16] أحمد حمزة، ""الدرونز"... لغز في سماء قاعدة حميميم"، العربي الجديد، 11 يناير/كانون الثاني 2018، https://bit.ly/3IyhHGr
[17] وقع الهجوم ظهر الخميس 5 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 واستهدف حفل تخرج للضباط في الكلية الحربية الذي كان الحفل يضم شخصيات رسمية كبيرة بينها وزير الدفاع السوري إضافة إلى عشرات الضباط الخريجين، استهدفت المسيرات مكان جلوس الشخصيات الكبيرة، التي غادرت بشكل مفاجئ دون أن تتم الحفل وقبل وصول المسيرات بدقائق أدى الهجوم إلى سقوط عشرات القتلى من الضباط، وأشارت بعض المصادر الرسمية إلى سقوط ضحايا مدنيين، واتهم نظام الأسد وقتها من وصفها بـ"التنظيمات الإرهابية المسلحة"، وهو وصف لجميع تنظيمات المعارضة، وتم التشكيك برواية النظام من أطراف مختلفة بأن وصول الطائرات المسيرة عبر مسافة تزيد عن 100 كم تحتاج إلى إمكانيات لا تملكها المعارضة.
[18] "الوجود العسكري الروسي بسوريا.. أسبابه وأهدافه وأماكنه"، الجزيرة نت، 25 يونيو/حزيران 2024 (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://bit.ly/3VV0xpr
[19] Assaf Orion, “Israel and the Coming Long War: To Defeat Iran’s Resistance Axis, the IDF Needs a New Strategy and a Unified Country”, Foreign Affairs, 12/09/2024
[20] أنس شواخ وآخرون، "خريطة المواقع العسكرية للقوى الخارجية في سوريا منتصف 2024"، مركز جسور، 2 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://bit.ly/47ejV7a
[21] حملة اعتقالات واسعة استهدفت أكثر من 300 عنصر وقيادي في هيئة تحرير الشام لتتبع وجود خلايا تتبع لوكالة المخابرات المركزية الأميركية CIA وأخرى عميلة للنظام السوري وروسيا، شُكلت خلية أزمة تضم إلى جانب أبو محمد الجولاني كلًّا من القياديين أبو أحمد حدود وأبو أحمد زكور والشرعي عبد الرحيم عطون، وأدَّت الاعتقالات وتسرب أنباء عن تعرض بعضهم للتعذيب إلى انقسام في الهيئة وموجة احتجاجات قادها مناهضون للهيئة لا يجمعهم هدف مشترك، وانتهت بالإفراج التدريجي عنهم. انظر: "الجولاني يصرح لأول مرة عن ملف العملاء في تحرير الشام.. ماذا قال؟"، 28 ديسمبر/كانون الأول 2023 (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://bit.ly/493fNs5
[22] عبد الله الموسى، قصة المعركة التي أسقطت الأسد في اثني عشر يومًا، مجلة ألفراتس، 7 فبراير/شباط 2025 (تاريخ الدخول: 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://bit.ly/4mXz2Xg
[23] سلامة كيلة، "المظلومية السنية" في سوريا، العربي الجديد 6 أغسطس/آب 2015 (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://shorturl.at/9nYjM
[24] "فضيلة المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا يعلق على دعوات حل الجماعة ويوضح موقفهم من السلطة الجديدة"، موقع إخوان سوريا، 11 سبتمبر/أيلول 2025 (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://bit.ly/4nzZlUB
[25] أعلنت إدارة الأمن العام أنها تمكنت بناء على معلومات جهاز الاستخبارات العامة من القبض على خلية وإفشال مخططاتها [خلية داعش] وإلقاء القبض على أفرادها، قبل قيامها باستهداف مقام السيدة زينب"، وكالة سانا للأنباء، 11 يناير/كانون الثاني 2025، (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، https://bit.ly/4gYU9a8
[26] أحبطت السلطات الحكومية عملية تفجير تستهدف مقام السيدة زينب من خلال القبض على خلية لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في دمشق، في 11 يناير/كانون الثاني 2025، واستهدف تنظيم داعش، في 22 يوليو/تموز 2025، كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس، في منطقة الدويلعة شرق دمشق بعبوة ناسفة أدت إلى مقتل أكثر من 20 شخصًا وجرح 64 آخرين.
[27] انظر: شفيق شقير، الأيديولوجيا الناعمة لـ"الإسلام السياسي" ومستقبله بعد الربيع العربي، مجلة لباب، مركز الجزيرة للدراسات، العدد 2، مايو/أيار 2019، ص 41 وما بعدها، https://studies.aljazeera.net/ar/magazines/book-1285