استهداف النظام: الجولة الثانية من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران

شنَّت إسرائيل والولايات المتحدة جولة جديدة من الحرب على إيران، وقد ركَّزتا على استهداف قادة النظام، فاغتالت المرشد الأعلى، خامنئي، وهاجمتا مراكز القيادة والسيطرة للدولة، ودعتا إلى بروز قيادة جديدة تقبل بشروطهم، وشجَّعتا في نفس الوقت الإيرانيين على قلب نظام بلادهم.
1 March 2026
ترامب يرفع سقف الجولة الثانية (الأناضول)

بدأت الحرب الأميركية/الإسرائيلية الثانية على إيران في ساعات الصباح المبكر من يوم السبت، 28 فبراير/شباط. استهدفت موجة الغارات الأولى، التي انطلقت من إسرائيل، قيادات الصف الأول السياسية والعسكرية للجمهورية الإسلامية، بمن في ذلك المرشد، آية الله علي خامنئي، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، وقائد مجلس الدفاع الأعلى، علي شمخاني، وقائد الحرس الثوري، محمد باكبور، ووزير الدفاع، عزيز ناصر زادة. وقد أدَّت الضربة إلى اغتيال المرشد، خامنئي، وقادة آخرين من الصف الأول. ولم تلبث القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة المحيطة بإيران أن شاركت في الهجمات، التي باتت تستهدف نطاقًا واسعًا من الأهداف.

جاء الرد الإيراني على الهجمات الأميركية/الإسرائيلية كما كان متوقعًا، واستخدم فيه الإيرانيون الصواريخ متوسطة المدى والطائرات بدون طيار. استهدف الرد الإيراني أهدافًا في إسرائيل والأردن ومواقع تواجد عسكري أميركي في العراق وفي كافة دول الخليج العربية (ما عدا عمان) التي تعرض ميناؤها، دقم، للقصف في اليوم التالي. ومع حلول مساء اليوم الأول من الحرب، وردت تقارير بأن سفن الشحن تلقت رسائل من إيران بمنع الملاحة عبر مضيق هرمز.

هذه هي الحرب الأميركية/الإسرائيلية الثانية على إيران في أقل من تسعة شهور؛ والمتوقع أن تستمر لعدة أيام، وربما حتى عدة أسابيع، وأن تكون واسعة النطاق، سواء على مستوى نوعية المواقع المستهدفة في إيران، أو على مستوى الجغرافيا الإيرانية. والملاحظ، أن اندلاع الحرب جاء بعد يومين فقط من جولة التفاوض الأميركي-الإيراني في جنيف، التي وصفها الوسيط العماني بأنها أحرزت تقدمًا كبيرًا، وأنها جعلت أطراف الأزمة أقرب إلى تحقيق السلام.

فكيف مهَّد الرئيس ترامب الطريق لإطلاق الحرب؟ وما الأهداف الحقيقية لهذه الحرب؟ وما الذي يمكن أن تؤدي إليه بالفعل؟

الطريق إلى الحرب  

على الرغم من أن عملية التفاوض الأميركي-الإيراني حول البرنامج النووي كانت تمضي قدمًا، كانت تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الواحد منها تلو الآخر، خلال الأسبوع الأخير من فبراير/شباط، تشير إلى اتجاه الخيار العسكري. لم يكن خافيًا على كل من استمع للرئيس ترامب في خطاب الاتحاد أمام مجلسي الكونغرس، في 24 فبراير/شباط، أن الحرب على إيران أصبحت أكثر ترجيحًا. الحقيقة أن الرئيس تناول إيران في خطابه بصورة سريعة، وبعبارات قصيرة نسبيًّا، ولكنها في المجمل كشفت عن سقف أكثر انخفاضًا للمفاوضات مما كان يكرره المسؤولون الإيرانيون حول انطباعاتهم عن سير عملية التفاوض حتى الآن.

قال ترامب بوضوح إنه مقتنع بأن إيران استأنفت برنامجها النووي بعد الضربات التي تلقتها منشآتها النووية، في يونيو/حزيران 2025؛ وأشار بصورة محددة، وللمرة الأولى، إلى منظومة الصواريخ الإيرانية بوصفها تهديدًا لأوروبا، وربما حتى الولايات المتحدة. بهذا المعنى، بدا الرئيس الأميركي وكأنه يرفض توكيدات إيران على سلمية برنامجها النووي، ويطالب بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم في إيران، وأنه يريد إدراج مخزون الصواريخ الباليستية الإيرانية في جدول المفاوضات. وهي المطالب التي يرفض الإيرانيون تلبيتها.  

ولكن الإيرانيين، على أية حال، لم يُظهروا أي تراجع أو تردد في السعي الحثيث لمواصلة عملية التفاوض. ففي اليوم نفسه، وقبل ساعات من إلقاء الرئيس ترامب خطابه، وصل سكرتير مجلس الأمن القومي الإيراني، ورجل النظام القومي، على لاريجاني، إلى مسقط ليسلِّم الوسيط العماني الصيغة الأولى لمقترح إيران للاتفاق مع الأميركيين. ويفترض أن يكون هذا المقترح هو الذي وعد الإيرانيون في جلسة التفاوض الثانية بإعداده، وأن يكون موضع مفاوضات الجلسة الثالثة.

في اليوم التالي، 25 فبراير/شباط، نُقل عن ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس ترامب للمفاوضات مع الإيرانيين، أول تصريح إيجابي عن مستقبل المفاوضات. قال ويتكوف: إن الرئيس ترامب قد يقبل بالسماح لإيران بمستوى رمزي من التخصيب، وإنه في حال التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي، فستبدأ مفاوضات أخرى حول المنظومة الصاروخية الإيرانية. بمعنى، أن الجانب الأميركي لم يعد يتحدث عن صفر تخصيب، المسألة التي كان يراها مسؤولون إيرانيون إهانة للجمهورية ودعوة للاستسلام؛ وأن ويتكوف يفصل بين مسار المفاوضات النووية ومسار التفاوض حول الصواريخ، بدون أن يجعل الاتفاق في المسار الثاني شرطًا للاتفاق في المسار الأول.

ما كاد ويتكوف ينتهي من حديثه حتى خرج وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، في تصريحات بالغة الحدة، قال فيها: إن على إيران التخلص كلية من مقدرات البرنامج النووي، وإن ترسانتها الصاروخية تمثل تهديدًا مباشرًا على الأمن الأميركي، وإن الولايات المتحدة لا يمكن أن تذهب إلى اتفاق تفاوضي بدون بحث ملف الصواريخ.    

يوم الخميس، 26 فبراير/شباط، عقد الوفدان، الأميركي والإيراني، جولة المفاوضات الثالثة، التي كان الرئيس الأميركي وصفها بمفاوضات الفرصة الأخيرة، والتي يُفترض أن تشكِّل مفترق الطرق الرئيس بين التوجه نحو الاتفاق التفاوضي أو الذهاب إلى الحرب. عُقدت الجولة الثالثة على جلستين، صباحية ومسائية، وبصورة غير مباشرة في معظمها، وانتهت بتصريحات عمانية أوحت بأن المفاوضات سارت في ظل أجواء إيجابية وأنها أحرزت تقدمًا ملموسًا.

وفي أول تعليق على مفاوضات الجولة الثالثة، قال وزير الخارجية الإيراني: إن الطرفين تعاملوا بجدية مع قضايا التفاوض أكثر من أي مرة سابقة، وإن المفاوضات ستُستأنف على مستوى الخبراء في فيينا، يوم الاثنين 2 مارس/آذار، بحضور مسؤولي وكالة الطاقة الذرية. كما أوحى الوزير الإيراني بأن وفدي التفاوض الرئيسين سيعودان إلى جولة رابعة ربما خلال أسبوع. وظل المسؤولون الإيرانيون يطلقون التصريحات التفاؤلية طوال الأسابيع القليلة الماضية، وتفادوا الخوض كثيرًا في تصريحات الرئيس ترامب التصعيدية وإن كرروا استعدداهم لخوض الحرب إن فُرضت عليهم.

وفي 27 فبراير/شباط، أدلى الرئيس ترامب بسلسلة من التعليقات على جولة المفاوضات الثالثة. قال ترامب إنه غير راض عن سير المفاوضات، وإن الإيرانيين لا يتحدثون بوضوح ومصداقية كافية. وفي إشارة إلى مطالبة إيران بالاحتفاظ بمستوى منخفض من التخصيب، قال ترامب: إن الإيرانيين لديهم الكثير من النفط وإنهم ليسوا بحاجة إلى أي مستوى من التخصيب. ولكنه قال أيضًا إنه لا يريد استخدام القوة، على الرغم من إيمانه بأن اللجوء للقوة قد يكون ضروريًّا في بعض الحالات؛ وإنه سينتظر ليرى نتائج جولة المفاوضات الرابعة، يوم الجمعة 6 مارس/آذار.

وكان لافتًا في اليوم نفسه، بينما كان الرئيس ترامب يغادر واشنطن لقضاء نهاية الأسبوع في فلوريدا، صدور بيان من وكالة الطاقة الذرية في فيينا، التي شارك مديرها في جزء من مباحثات جنيف، قالت فيه إن مراقبيها يعتقدون أن إيران تحتفظ بما يزيد عن تسعة آلاف كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بمستويات مختلفة، وإنهم لا يعرفون مكان هذه الكمية الهائلة من اليورانيوم، ولا يستطيعون بالتالي توكيد مصيرها.

جملة هذه التصريحات كانت تشير إلى ترجيح الحرب، وأن خطوات حشد القوات الأميركية في محيط إيران وجوارها، التي كانت تمضي في موازاة استمرار عملية التفاوض، كانت مؤشرًا قويًّا على ذلك. ولكن المسار التفاوضي كان يتقدم بخطى حثيثة نحو اتفاق مُرضٍ حول البرنامج النووي، على الأقل. وقد أكدت مصادر مختلفة، بما في ذلك مصادر الوساطة العمانية، أن الإيرانيين قدموا تنازلات كبيرة في جولة التفاوض الثالثة، سيما ما يتعلق بالتخلي عن المقدرات المؤهلة لصناعة سلاح نووي، وأعربوا عن استعداد لمناقشة ملفي الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي في مراحل لاحقة من المفاوضات. كما عرض الإيرانيون فرص تعاون واستثمار كبيرة للشركات الأميركية في مجالات النقل والاتصالات والبنية التحتية لمصادر الطاقة، بما في ذلك قطاع الغاز الإيراني.

فكيف يمكن، إذن، تفسير ذهاب الرئيس ترامب إلى خيار الحرب، بالتوافق المسبق مع الإسرائيليين؟

في خطاب الرئيس ترامب للأمة الأميركية، الذي افتُتح بالإعلان عن الهجمات الجديدة على إيران، وحاول تسويغ خيار الحرب، ظهر الملف النووي مسألة هامشية إلى حدٍّ كبير. كرَّس معظم خطاب الرئيس للتذكير بالعلاقات بالغة الاضطراب والتوتر بين نظام الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة طوال خمسة عقود. وبدا وكأن الرئيس يريد القول إن إدارته لم يعد بإمكانها التعايش مع هذا النظام، بغضِّ النظر عن مسائل التفاوض. لم يغفل الرئيس بالطبع عن استعادة مقولته الكلاسيكية بأنه لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، ولكنه لم يقدِّم للرأي العام الأميركي أدلة مقنعة على أن إيران مصرَّة على امتلاك هذا السلاح. أما الجزء الأهم من الخطاب، فقد جاء في نهايته، عندما توجه إلى الإيرانيين، مذكِّرًا إياهم بأن أمامهم فرصة قد لا تتكرر للتحرر والتخلص من النظام.

اتجه حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، شريك الحرب الرئيس، للإيرانيين، سيما لأبناء الأقليات التي تعرف بوجود تنظيمات معارضة مسلحة في أوساطها، مثل البلوش والأكراد، وَصَبَّ في نفس اتجاه العمل على تغيير النظام. وقد تجلَّت أهداف الإسرائيليين من الحرب في الاستهداف الأولي لكافة القيادات السياسية والعسكرية الإيرانية بهدف القضاء على قيادة نظام الجمهورية الإسلامية الحالي.

بكلمة أخرى، هذه حرب قد تكون حول مصير الجمهورية الإسلامية نفسها، حول وجودها وحول وجهتها الإستراتيجية، ولا تتعلق بأية خلافات على الملف النووي أو الصاروخي إلا بصورة جانبية. فأية حرب، إذن، يمكنها أن تخدم مثل هذه الأهداف؟

خيارات الحرب

يصعب بالنسبة لإدارة الرئيس ترامب مواصلة هذه الحرب لأجل غير محدود، سيما أن الحرب تفتقد لدعم أغلبية الرأي العام الأميركي، وقاعدة الرئيس الشعبية على وجه الخصوص؛ كما تثير معارضة ملموسة في مجلسي النواب والشيوخ. أما بالنسبة للإسرائيليين، فإن الوضع يبدو مختلفًا قليلًا، ولا يُستبعد أن يعود الإسرائيليون إلى الهجوم على إيران في المستقبل، بعد انتهاء هذه الجولة من الحرب. ولذا، فعلى الأقل من زاوية النظر الأميركية، فيمكن أن تكون هذه الحرب قصيرة، أي تستمر لثلاثة أيام إلى أسبوع، أو طويلة نسبيًّا، وتستمر إلى عدة أسابيع، أو ربما ما يزيد عن الشهر. في كلتا الحالتين، ستستهدف الحرب كافة مناحي الجغرافيا الإيرانية، وستجري بوتيرة عالية الحدة.

في حالة الحرب القصيرة، ستستمر محاولات استهداف قيادات النظام والشخصيات البارزة من الطبقة السياسية، وكافة القيادات العسكرية وقيادات الحرس الثوري والاستخبارات. ولكن، ولأن الإيرانيين لم يُفاجؤوا بالحرب، وأن الاستهداف المبكر للقيادات السياسية والعسكرية حقق نتائج مهمة لكنها جزئية، فالأرجح أن جهدًا أقل سيتوجه لهذا الجانب من الحرب، وستُكرَّس أيام الحرب القادمة لاستهداف أنظمة الدفاع الجوي، ومنصات ومواقع إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. كما ستستهدف الهجمات الموانئ ومعسكرات الجيش والحرس والأمن والاستخبارات والقوات البحرية، ومقار القيادة والسيطرة، وعُقَد الاتصال القيادية، وما يُعتقد أنه المتبقي من المواقع النووية.

والهدف الرئيس من الحرب القصيرة ليس فقط إضعاف النظام وإرباكه، وإفساح المجال لتحرك قوى المعارضة السياسية ومنظمات المعارضة العسكرية في أطراف البلاد، ولكن أيضًا دفعه إلى الاستسلام في أية مفاوضات أو اتصالات مقبلة محتملة. ويوحي قول الرئيس ترامب لبي بي سي مساء يوم الحرب الأول بأن لديه فكرة جيدة عمَّن يمكن أن يتولى قيادة إيران، بديلًا عن القيادة الحالية، أنه قد يراهن أيضًا على تفاهم مع جناح ما في النظام الحالي، شبيه بالتفاهم الذي توصل إليه مع خليفة الرئيس السابق، نيكولاس مادورو، في فنزويلا.

في حالة الحرب الأطول، سيتسع نطاق الهجمات لتستهدف، إضافة إلى المواقع العسكرية والأمنية والنووية ومراكز القيادة والسيطرة، مقدرات النظام الاقتصادية، ومقار الحكم والإدارة، وربما حتى المراكز الثقافية والإعلامية، بما في ذلك بعض الحوزات الدينية. ما يعنيه الذهاب إلى هذا الخيار من الحرب هو تحطيم مفاصل النظام وتمزيقه كلية ليكون عرضة للسقوط في حال أفضت الحرب إلى تحرك واسع النطاق لقوى المعارضة السياسية والعسكرية. وهذا ما يبدو أنه التصور الأقرب لوجهة النظر الإسرائيلية.

والمؤكد أن الإيرانيين يدركون الخلل الفادح في ميزان القوى بينهم وبين الأميركيين والإسرائيليين. ولذا، فإن الرد الإيراني، كما أصبح واضحًا من اليوم الأول، يعمل على رفع مستوى تكلفة الحرب، ومن ثم تقصير مدتها. وليس ثمة شك في أن ردود فعل الدول العربية الخليجية، التي تعرضت لهجمات إيرانية على أهداف أميركية، أو ما يُعتقد بأنها أهداف أميركية، كان حادًّا وغاضبًا، سيما أن أغلب هذه الدول كان قد اتخذ موقفًا مبكرًا ضد تصعيد المواجهة، ومارس ضغطًا على إدارة ترامب لمنع الذهاب إلى الحرب.

قد تكون تقديرات الإيرانيين أنه مهما كانت كفاءة منظومتهم الصاروخية وطائراتهم المسيرة فلن يستطيعوا إيقاع خسائر في الإسرائيليين والأميركيين تناظر حجم الخسائر التي تستهدف بلادهم ومقدراتهم. لذلك قد تكون تقديراتهم ترجِّح أن إسرائيل ودول الخليج العربية، سيما البحرين والإمارات، التي تبدو الأكثر استهدافًا من الرد الإيراني، لن تستطيع تحمل شلل الحياة الذي تتسبب به الهجمات الإيرانية طويلًا. وإن نجح الإيرانيون في إغلاق مضيق هرمز، فلابد أن أثر الحرب على مجمل الاقتصاد العالمي سيكون بالغًا.

أما إن طال أمد الحرب، وأصبح مصير النظام على المحك، فالأرجح أن تدفع إيران حلفاءها في المنطقة، سيما في لبنان والعراق واليمن، إلى التحرك، سواء لاستهداف إسرائيل ومواقع التواجد العسكري الأميركي في الجوار، أو لإغلاق باب المندب أمام الملاحة الدولية. ولكن الظروف بالغة التعقيد التي تحيط بحلفاء إيران في الإقليم، تجعل مساهمة هذه القوى في الحرب محل شك.      

عواقب الحرب

مهما كانت مآلات الحرب، فالمؤكد أن إيران ستخرج منها منهكة. وسيعتمد مستوى إنهاك النظام على المدى الذي ستذهب إليه الحرب، والنجاحات التي قد تحرزها الضربات الأميركية والإسرائيلية. وسواء كانت هذه حربًا قصيرة أو مديدة، فمن الصعب أن تنتهي إلى إسقاط النظام. إسقاط أنظمة الدول الحديثة بالقصف المدمر لبنية الدولة، بالطبع، ليس أمرًا مستحيلًا، ولكن طبيعة تشكل وتطور النظام الإيراني تجعل من إسقاطه بدون غزو فعلي على الأرض وسيطرة خارجية على البلاد، مسألة بالغة الصعوبة.

الجمهورية الإسلامية هي بلا شك نظام أيديولوجي الأساس والبنية؛ ولكن السلطة السياسية في إيران ليست مركَّزة في يد شخص واحد أو حتى مجموعة أشخاص؛ كما أن القوات المسلحة لا تنضوي في مؤسسة عسكرية واحدة. سياسيًّا، هناك المرشد ومكتبه، والرئيس وحكومته، ومجلس الأمن القومي، ومجلس الشورى، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ومجلس خبراء القيادة، إضافة إلى عشرات ممثلي المرشد وأئمة الجمعة. وفيما يخص القوات النظامية، هناك مئات الآلاف، موزعين على قوات الجيش (آرتش) والحرس الثوري واحتياط الحرس وأفراد أمن الداخلية ووزارة الاستخبارات، إضافة إلى شبكة الباسيج الواسعة.

وعلى الرغم من أن المسافة بين النظام وقطاع واسع من شعبه أخذت في الاتساع منذ انتفاضة 2008، فالمؤكد أن قاعدة النظام الشعبية لم تزل راسخة وواسعة الانتشار، وتمتد عبر أنحاء البلاد ومكوناته الإثنية. لذا، ففي حال أُوقِعت إصابات بالغة بمختلف مفاصل النظام ومؤسساته القيادية، فإن الاحتمال الأكثر توقعًا هو وقوع البلاد في حالة من التدافع الأهلي أكثر من الانهيار التلقائي للنظام. مثل هذا المصير هو الذي يثير الكثير من القلق في جوار إيران العربي والإسلامي، ليس فقط لأنه ينذر بتدفق ملايين من اللاجئين إلى دول الجوار، ولكن أيضًا لأنه قد يفضي إلى انتشار العنف العابر للحدود.

لتغيير النظام لا يكفي اغتيال هذا العدد من القيادات أو ذاك، وإضعاف هذه القوة العسكرية أو تلك، وإخراج هذا العدد من المظاهرات أو إدخال هذه المجموعة المسلحة إلى بلوشستان إيران، أو منطقتها الكردية. لتغيير النظام، بدون غزو أجنبي، لابد من تطور انقسام عميق في جسمي النظام السياسي والعسكري، وانحياز قطاع واسع ووازن من الشارع لأحد طرفي الانقسام.

كما أن الحرب، مهما بلغت من اتساع وشدة، فالأرجح أنها لن تفضي إلى تدمير مقدرات إيران النووية، أو منظومتها الصاروخية. فإن صدقت تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تمتلك إيران عدة آلاف من كيلوغرامات اليورانيوم المخصب بدرجات متفاوتة، منها ما يزيد عن 400 كيلوغرام من المخصب بدرجة تفوق 60 بالمئة. وليس معروفًا على وجه اليقين أين حُفظت هذه الكميات الكبيرة من اليورانيوم. كما أن مواقع الصواريخ الباليستية تنتشر في كافة أنحاء مساحة إيران الهائلة، وليس فقط في الشمال والغرب وأقصى الجنوب؛ حيث تتركز الغارات الإسرائيلية والأميركية. وفوق ذلك، فلا تقنية تخصيب اليورانيوم ولا صناعة الصواريخ الباليستية اكتُسبت من مصادر خارجية بل هي نتاج جهود علمية إيرانية مستمرة منذ عدة عقود.

ولكن هذا لا يعني أن ما قد تُحدثه الحرب من إنهاك للنظام سيمر بلا عواقب. ستشهد إيران المنهكة والمثخنة بالجراح تراجعًا ملموسًا في نفوذها الإقليمي، مثل تراخي قبضتها على العراق أو دفع دول الخليج العربية الغاضبة لإيقاع تغييرٍ ما في اليمن، والتفاتًا أكبر من النظام للشأن الداخلي. وإن قُدِّر للنظام الإيراني الخروج من الحرب بقدرٍ من التماسك، فسيكون عليه الاختيار بين طريقين: طريق الاستسلام للأميركيين ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، سواء بإجراء تغييرات ما في بنية الحكم أو في توجهاته الإقليمية وتحالفاته الدولية. أو الصبر والمقاومة، والمضي في طريق إعادة البناء والإصلاح والحفاظ على الاستقلال، بما في ذلك أن يلجأ إلى محاولة تطوير السلاح النووي. في الحالتين، ليس ثمة شك أن النظام الإيراني سيظل هدف ترامب الرئيسي ما لم تحدث تغييرات في بنية الكونغرس الأميركي بعد انتخابات التجديد النصفي هذا العام.