انتقلت قضايا المياه بإفريقيا منذ عام 2025، من مجرد مصدر قلقٍ إلى محور الأمن الوطني بدول متعددة. ويرتبط بها ما تشهده منطقة شرق إفريقيا من توترات جيوسياسية بسبب مساعي دول (غير ساحلية أو حبيسة) للوصول إلى منافذ بحرية، ومخاوف دول أخرى من الآثار السلبية المحتملة نتيجة مشروع سد ضخمة، ومزاعم وجود "عدم الاستقرار" في هيكل قاعدته. وقد أعلن الاتحاد الأفريقي عام 2026 "عام المياه والصرف الصحي" خلال دورته العادية التاسعة والثلاثين في أديس أبابا(1)، ليكون دعماً مباشراً لأجندة أفريقيا للمياه عام 2063.
وعليه، يتناول هذا المقال قضية المياه كجبهة أمنية جديدة لأفريقيا، بدءاً من مشهد الأمن المائي في القارة، مروراً بملفات الماء كعوامل محفزة لانعدام الأمن في منطقتي الساحل والقرن الإفريقي. ويختتم بفكرة "الدبلوماسية المائية" في إدارة قضايا المياه الإفريقية، اعتماداً على أجندة أفريقيا للمياه وغيرها من المبادرات الإقليمية الساعية نحو مواءمة إدارة المياه العابرة للحدود مع جهود التنمية ومكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار.
موارد المياه في أفريقيا بين الوفرة الطبيعية وضغوط الندرة
تتسم إفريقيا بضخامة مواردها المائية، وتمتد مناطقها عبر 63 حوضاً نهرياً وبحيرياً عابراً للحدود يوفر 90% من جميع موارد المياه السطحية في القارة(2). ويتجلى هذا المشهد الأمني المائي في أن الأنظمة المائية الرئيسية تعيل أكثر من 1.4 مليار نسمة، بما في ذلك حوض الكونغو (أكبر أحواض القارة الذي يحتوي على 27% من مياه الغابات الاستوائية العالمية)، وحوض النيل (أطول أنهار العالم بطول 6650 كيلومتراً)، ونهري النيجر (الممتد لمسافة 4200 كيلومتر تقريباً) وزامبيزي (رابع أطول نهر في القارة بحوالي 2574-2700 كيلومتر)، وبحيرة تشاد (بحيرة مياه عذبة ضحلة في أجزاء الساحل بغرب وسط أفريقيا، وتقع عند ملتقى حدود تشاد والكاميرون ونيجيريا والنيجر).
وفي حين تمتلك القارة ما يقرب من 9% من المياه العذبة المتجددة في العالم، فهي تُعاني بعض أشد حالات ندرة المياه على مستوى العالم(3). وقد كشف تقرير رصد قطاع المياه والصرف الصحي في أفريقيا لعام 2024 (الذي عُرض في قمة الاتحاد الأفريقي في فبراير 2026)، أن نحو 411 مليون شخص - أي ما يقارب ثلث السكان – يفتقرون إلى خدمات مياه الشرب الأساسية(4).
وهناك فوارق إقليمية تُفاقم مواطن ضعف الأمن المائي، وعوامل بشرية تُفاقم أزمة المياه بالقارة. وعلى سبيل المثال: تواجه منطقة الساحل جفافاً مزمناً وأنشطة بشرية أخرى أدت إلى انكماش بحيرة تشاد بنسبة 90% منذ عام 1963 وتشريد الملايين من السكان(5). بينما تعاني اقتصادات جنوب أفريقيا المعتمدة على الطاقة الكهرومائية من تدفقات مائية غير منتظمة، مثل دولتي زامبيا وزيمبابوي اللتين تعتمدان على "سد كاريبا" في حوض نهر زامبيزي، الذي يعاني فترات متناوبة من الجفاف الشديد والفيضانات الكبيرة(6). إضافة إلى التوسع الحضري السريع (حيث تنمو المدن الأفريقية بنسبة 3.5% سنوياً منذ عام 1970)(7)، والإفراط في استخدام المياه للزراعة (حيث يُسحب 70% من المياه للزراعة)(8)، والتلوث الناتج عن التعدين(9).
المياه كمحرك للتوترات الجيوسياسية وانعدام الأمن في أفريقيا
إن تطورات السنوات القليلة الماضية في جميع أنحاء القارة الإفريقية تدل على أنه لم يعد يُنظَّر إلى الماء كمجرد مورد، بل هو ركيزة أساسية للأمن الإقليمي والبقاء الاقتصادي، والتماسك الاجتماعي. ولذلك كان عاملاً محفزاً للتوتر وانعدام الأمن عند الاختلاف حول توافره وإدارته.
فمن ناحية، تُشكل الاعتمادات المائية العابرة للحدود وحوكمتها بؤر احتكاك دبلوماسي ببعض مناطق القارة، كما أن كون العديد من المسطحات المائية الرئيسية بإفريقيا مشتركة بين دول ذات سيادة متعددة يخلق مشهداً جيوسياسياً معقداً، حيث قد تتعارض أهداف التنمية لدول المنبع مع احتياجات دول المصب. وأبرز مثال على ذلك نهر النيل الذي تشترك فيها 11 دولة رئيسية وتشكل شبكة تصريف مياه واسعة ومترابطة(10).
وقد أدى بناء سد النهضة الإثيوبي إلى توترات دبلوماسية طويلة الأمد بين إثيوبيا والسودان ومصر. فبينما ترى إثيوبيا أن السد ضروري لتوفير الكهرباء ودفع عجلة التنمية على المستوى الوطني والحد من الفقر، تعتبر مصر أي انخفاض محتمل في تدفق المياه تهديداً وجودياً لقطاعها الزراعي، كما يُنظر إليه أنه يمنح أديس أبابا سيطرة كبيرة على النيل الأزرق - مصدر ما يقارب 85% من مياه النيل الرئيسي -. وتخشى الدولتان الواقعتان في المصب أن يؤدي ملء وتشغيل هذا السد الضخم بشكل أحادي إلى تهديد أمنهما المائي(11).
وهناك تغير المناخ الذي يضاعف النزاعات المرتبطة بندرة المياه بين المجتمعات المحلية، حيث إن تقلص مصادر المياه الحيوية يؤدي إلى تفاقم التنافس بين مختلف فئات مستخدمي الأراضي الزراعية، وخاصة في منطقة الساحل التي تتوقع العديد من عمليات المحاكاة المُحدَّثة (CMIP6) المعنية بتغير المناخ زيادة محتملة في هطول الأمطار بنحو 25% بحلول أربعينيات القرن الحالي في الساحل الوسطى، ولكن نماذج أخرى تشير إلى جفاف في أقصى غرب الساحل (مثل السنغال وموريتانيا)(12). وهذا الوضع يُؤجِّج الصدامات والمواجهات بين الرعاة (ومعظمهم من الفلان) والمزارعين (من المجتمعات المحلية) في دول مثل بوركينا فاسو ومالي ونيجيريا، لأن انحسار خط الساحل يعني اختفاء مسارات الرعي التقليدية للرعاة، مما يُجبرهم على الهجرة إلى المناطق الزراعية الجنوبية في وقت مبكر من الموسم(13).
بل في حالة نيجيريا، أودت النزاعات الناتجة عن ندرة المياه بحياة أكثر من 20,000 شخص في منطقة الحزام الأوسط منذ عام 2010، وفاقمت من أزمة الإرهاب في شمال نيجيريا، بل وعززت مزاعم الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بوجود "إبادة جماعية" للمسيحيين في المنطقة بسبب الاختلافات الإثنية والدينية ببعض المجتمعات التي تشهد هذه النزاعات، مثل ولايتي "بَيْنْوَيْ" و"بَلَيْتُو"(14)، وهو ما يُحوِّل ندرة الموارد البيئية إلى عدم استقرار مجتمعي عميق يُرهق هياكل الحكم المحلي والجهود الوطنية.
من ناحية أخرى، تجاوز التوسع الحضري السريع في المدن الأفريقية الكبرى وتيرة تطوير البنية التحتية للمياه، وأدى إلى ما أطلق عليه البعض بـ"الفصل العنصري المائي"، أو التفاوت الشديد في الحصول على المياه. ففي مدن مثل لاغوس (نيجيريا) ونيروبي (كينيا) وكيب تاون (التي شهدت أزمة نقص حاد في المياه عام 2018)، غالباً ما تحافظ الأحياء الثرية على حصولها على المياه عبر آبار خاصة أو صهاريج، بينما يواجه سكان الأحياء العشوائية (الفقيرة) أسعاراً باهظة للمياه غير الصالحة للشرب.
وعندما تعجز الحكومة عن توفير حق أساسي كالمياه النظيفة، تتآكل ثقة الجمهور ويتطور الاستياء إلى مظاهرات أوسع مناهضة لها، كما هو الحال مع الاحتجاجات في كل من جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا في عام 2026(15)، ومدغشقر في عام 2025 نتيجة انقطاعات حادة في الكهرباء والمياه(16)، ومقاطعة نتشيسي في ملاوي عام 2025 نتيجة نقص المياه النظيفة، حيث يعتمد الكثيرون على جداول مائية بعيدة(17)، وفي منطقة كاراموجا بأوغندا التي تتجدد فيها أعمال عنف واحتجاجات نتيجة أزمة المياه(18)، وغيرها.
يضاف إلى ما سبق أن انعدام الأمن المائي يؤثر في معظم الاقتصادات الإفريقية، لأن جزءاً كبيراً من الناتج المحلي الإجمالي للقارة يعتمد على الزراعة المطرية، بينما الجفاف الممتد يؤدي إلى فشل المحاصيل، وبالتالي ارتفاع أسعار المواد الغذائية وهجرة جماعية من الريف إلى المدن. ويُخلِّف هذا النزوح الاقتصادي فراغاً تستغله الجماعات الإرهابية، كما هو الحال في حوض بحيرة تشاد(19) وأجزاء من الصومال(20)، حيث سُجِّل استغلال الجماعات الإرهابية يأس الشباب الذين دُمِّرت سبل عيشهم بسبب ندرة المياه، وذلك بتقديم حوافز مالية أو السيطرة على مصادر المياه المتبقية، ليصبح انعدام الأمن المائي في هذه المنطقة أداة استراتيجية للتجنيد الإرهابي.
ومن الملفات المتجددة في هذا الصدد؛ سعي الدول الأفريقية غير الساحلية (الحبيسة) الحثيث نحو الوصول إلى البحر، إذ تُشكل هذه الدول نحو ثلث دول القارة، وترى أن تكلفة التجارة غالباً ما تكون أعلى بنسبة تتراوح بين 40% و60% مقارنةً بجيرانها المطلة على السواحل. وقد أدى هذا إلى بذل جهود دبلوماسية مكثفة – ومتوترة أحياناً - لتأمين منافذ بحرية مستقرة إلى محيطات العالم.
ويتجلى ما سبق في تحركات وتصريحات كل من إثيوبيا وأوغندا. فإثيوبيا ترى اعتمادها على ميناء جيبوتي نقطة ضعف استراتيجية منذ فقدانها لشريطها الساحلي عام 1993 (بعدما انفصلت عنها إريتريا). ومنذ عام 2024 تسعى بقوة إلى الحصول على منفذ بحري، لا سيما من خلال مذكرة تفاهم مثيرة للجدل مع "أرض الصومال" الانفصالي، تنص على عقد إيجار لمدة 50 عاماً لشريط ساحلي بطول 20 كيلومتراً لإقامة قاعدة بحرية وتجارية، مقابل اعتراف دبلوماسي محتمل باستقلال "أرض الصومال"، وهي خطوة أزّمت علاقات أديس أبابا مع الصومال وحلفائها(21).
وبالنسبة لأوغندا، ازدادت حدة السعي للحصول على منفذ بحري في عام 2025، إذ بينما اعتمدت البلاد تاريخياً على ميناء مومباسا الكيني، فقد دفعت التوترات السياسية الأخيرة، والاختناقات التجارية، وبداية إنتاج النفط الوشيكة، الرئيس الأوغندي "يويري موسيفيني" إلى تبني موقف حازم - ومستفزٍّ أحياناً - فيما يتعلق بما يسمى "حق أوغندا" في المحيط الهندي(22).
وفي غرب أفريقيا، يسعى "تحالف دول الساحل"، الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إلى الابتعاد عن طرق العبور التقليدية المرتبطة بدول "المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا" (إيكواس)، بما في ذلك بنين ونيجيريا وساحل العاج، نظراً للتوترات السياسية الناتجة عن موجة الانقلابات العسكرية منذ عام 2020. ولذلك يتطلع "تحالف دول الساحل" إلى المبادرة الأطلسية المغربية(23)، التي تتيح لدوله الوصول إلى المحيط الأطلسي، وبشكل أساسي عبر ميناء الداخلة. كما أن هناك تقارير حول تحرّك دولة مالي نحو تطوير ممر ملاحي على طول نهر السنغال، بهدف تحويله إلى شريان تجاري مباشر إلى المحيط الأطلسي، وبالتالي تقليل اعتمادها الكلي على النقل البري(24).
الدبلوماسية المائية كإطار للتعاون وإدارة النزاعات في أفريقيا
شهدت الساحة الإفريقية والدولية مؤخراً دعوات كثيرة إلى تبنّي "الدبلوماسية المائية" و"الدبلوماسية الزرقاء" في حل القضايا والتحديات المائية(25). ويُقصد بهما استخدام المياه كأداة للتعاون وتحقيق السلام بدلاً من الحرب والصدام. ويتماشى هذا التوجه مع مبادرات مثل "استراتيجية الاتحاد الأفريقي البحرية المتكاملة لعام 2050" (2050 Africa’s Integrated Maritime Strategy) التي تدمج النمو الاقتصادي الناتج عن صيد المأكولات البحرية ومراكز الشحن مع الأمن ضد الصيد غير القانوني(26).
وتعزز "الدبلوماسية المائية" رؤيةُ الاتحاد الأفريقي للمياه لعام 2063، والتي أُطلِقت في فبراير 2026، وترتكز على ثمانية محاور هي: توفير المياه والصرف الصحي المُدارين بشكل آمن للجميع؛ وتوفير المياه بشكل مستدام للنمو الصناعي والاقتصادي؛ واقتصاد أزرق مزدهر يُوازن بين البنية التحتية وصحة النظام البيئي؛ وحوكمة رشيدة للمياه من خلال مؤسسات خاضعة للمساءلة وتبادل البيانات؛ وإدارة تعاونية لأحواض المياه المشتركة كعوامل مُحفزة للسلام؛ وبنية تحتية مُقاومة لتغير المناخ للحماية من الفيضانات والجفاف؛ وتنمية رأس المال البشري من خلال التكنولوجيا والتعلم التكيفي؛ ونظم معلومات مائية مُعترف بها لتوجيه تخطيط الاستثمار(27).
وتدعم الرؤيةُ الدبلوماسيةَ المائية بدمج إدارة المياه في هيكل السلام والأمن الأفريقي، وربطها بأهداف أجندة عام 2063 للاتحاد الأفريقي حول المرونة والازدهار(28)، مع محاولة معالجة فجوات التمويل التي تُقدر بنحو 30 مليار دولار سنوياً. وتعتبر الرؤية أحواض الأنهار والخزانات الجوفية المشتركة في أفريقيا "محركات للتكامل الإقليمي". وكل هذه المحاولات لإرساء "موقف أفريقي مشترك" بشأن المياه العابرة للحدود - إذا نُفِّذت وتحققت - ستمكّن الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي من الانتقال من الاستجابات الوطنية المجزأة إلى التعاون الجماعي القائم على الاستثمار، والذي يعزز الوحدة والاستقرار على مستوى القارة(29).
وفي حين أن هذه الرؤية وغيرها من الأجندات القارية تواجه تحديات كثيرة تؤثر في التطبيق والامتثال وتحقيق نتائج ملموسة؛ فقد كانت هناك مبادرات إقليمية سابقة ترجح قدرة الدول الإفريقية على تحقيق الأجندة المائية والإدارة التعاونية لموارد المياه العذبة المشتركة لتجنب النزاعات، كما هو الحال في الحوارات الأولى لـ"مبادرة حوض النيل" (Nile Basin Initiative = NBI) التي توسعت لاحقاً لتشمل إدارة المحيطات، ومصايد الأسماك المستدامة، وتطوير البنية التحتية للموانئ(30). وهناك جهود جماعية أخرى لأعضاء "لجنة حوض بحيرة تشاد" (نيجيريا وتشاد والكاميرون والنيجر)، حيث تنسق تحركاتها لإعادة تنشيط البحيرة وإنعاشها(31)، وسط التهديدات الإرهابية وتداعيات تغير المناخ.
وتتيح اتفاقيات المياه الإقليمية إمكانات هائلة غير مُستغلة لتعزيز دبلوماسية المياه من خلال توسيع نطاق آليات التعاون، كما هو الحال مع دول مطلة على سواحل البحر - مثل السنغال - التي تستغلّ الدبلوماسية لجذب الاستثمارات في طاقة الرياح البحرية وتربية الأحياء المائية، مُصوِّرةً المياه كحاجة للبقاء ومحرك اقتصادي قوي(32). بل وأظهرت دول أنغولا وبوتسوانا وناميبيا في "لجنة مياه حوض نهر أوكافانغو" (Okavango River Basin Water Commission = OKACOM) في إفريقيا الجنوبية(33) أن بإمكان دول إثيوبيا ومصر والسودان التعاون المائي لتجنب تصعيد التوتر وتأزيم العلاقات. كما أن تقاسم "لجنة مجرى نهر زامبيزي" لعائدات الطاقة الكهرومائية(34) يمكن أن يُلهم نماذج الاقتصاد الأزرق لتحالفات الموانئ الإقليمية الإفريقية.
ويمكن للدول الأفريقية دمج الاتفاقيات الإقليمية في هياكل السلام والأمن التابعة للاتحاد الأفريقي - كما تدعو إليه رؤية المياه لعام 2063 -، وذلك من خلال ركائز عابرة للحدود ومؤتمرات التمويل القادمة. ويستلزم هذا أيضاً توسيع هيئات مثل "المجلس الوزاري الأفريقي للمياه" (African Ministers' Council on Water = AMCOW) للإشراف على منصات هجينة تجمع بين الطاقة الكهرومائية والطاقة الزرقاء، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص لربط الموانئ بالممرات المائية الداخلية.
وبالنسبة للدول غير الساحلية (الحبيسة) التي تُطالب بالوصول إلى البحر بكل الوسائل، فإن الحل المرضي للجانبين قد يكمن في الاستفادة من فكرة "المنطقة البحرية الخالصة المشتركة لأفريقيا" (CEMZA)، والتي اقترحها الاتحاد الأفريقي(34) وتُدار من قِبل لجنة مشتركة، حيث في هذه المناطق تستطيع الدولة غير الساحلية (الحبيسة) إدارة أرصفتها وجماركها وفقاً لنموذج "السيادة المشتركة"، بينما تحصل الدولة الساحلية على نسبة من رسوم الميناء واستثمارات البنية التحتية. وتكمن أهمية هذا المقترح في أن "امتلاك" ميناءٍ في أرض أجنبية والسعي وراء عقود إيجار إقليمية سيؤدي بلا شك إلى تجدّد نزاعات وخلافات سيادية.
يُضاف إلى ما سبق أنه يمكن أيضاً، في إطار نموذج الدبلوماسية المائية، أن تستثمر دولة غير ساحلية (حبيسة) - مثل إثيوبيا - في تطوير وتحديث ميناء جارتها (مثلاً في إريتريا أو الصومال) مقابل ضمان حقوق عبور معفاة من الرسوم الجمركية، مما يحوّل العلاقة من ديناميكية "مستأجر-مالك" إلى شراكة استثمارية مشتركة. كما يمكن للدول الأفريقية التصديق على معاهدة قارية تُعامل الممرات المائية الداخلية الرئيسية وخطوط السكك الحديدية التي تربط البحر بالبحر على أنها "ممرات زرقاء"، مما يمنحها وضعاً قانونياً محمياً يضمن استمرار تدفق السلع الأساسية إلى الدول غير الساحلية (حبيسة) دون انقطاع، حتى أثناء النزاعات السياسية (على غرار المجال الجوي الدولي).
وقد تعزز الدول التي تعاني ندرة المياه الاتفاقياتِ الإقليميةَ ومواءمتها مع بروتوكولات استراتيجية إدارة المياه المتكاملة لعام 2050، لكي تتيح المراقبة المشتركة عبر تقنيات الأقمار الصناعية وصناديق المناخ لتجنب انعدام الأمن المائي وانعدام الاستقرار.
خاتمة
يستنتج مما سبق أن المياه برزت كجبهة أمنية استراتيجية في أفريقيا، إذ تحولت من مجرد تحدٍ تنموي إلى قضية جوهرية للاستقرار الوطني والإقليمي. ومع تسارع تغير المناخ وتزايد عدد السكان والاحتياجات التنموية، يحوّل التنافس على طبقات المياه الجوفية وأحواض الأنهار المشتركة المياهَ إلى مورد استراتيجي يُؤجج سوءُ إدارته والتنازع عليه التوترات والهجرة والتدهور الاقتصادي.
وتُقدم "الدبلوماسية المائية" إطاراً حيوياً لتحويل الصراعات المحتملة إلى فرص للتكامل الإقليمي ترتكز على الإدارة التعاونية، حيث تنتقل الدول المتشاطئة من الاستغلال الأحادي إلى الإدارة المشتركة للمسطحات المائية. ومن خلال الاستفادة من الهيئات الإقليمية كالاتحاد الأفريقي ومنظمات أحواض الأنهار القائمة، تستطيع الدول الإفريقية إرساء تبادل عادل للبيانات، واستثمارات مشتركة في البنية التحتية القادرة على الصمود أمام تغير المناخ، وأنظمة متكاملة لإدارة المياه، مما يمنع الاحتكاك وينشئ ترابطات تُحفّز السلام وتُعزّز الاستقرار الدبلوماسي طويل الأمد. كما أن تحويل التركيز، من الاستحواذ على الأراضي للوصول إلى البحر، إلى التكامل الوظيفي، سيضمن تحويل الحواجز البرية في الدول الأفريقية غير الساحلية (الحبيسة) إلى بوابات للازدهار الجماعي والنمو الاقتصادي والتعاون الإقليمي.
1. Khumalo, Khayelihle. “AU leaders address water security as continental priority in Ethiopia.” SABC News, 14 February 2026, https://shorturl.at/rhxuP (اطلع عليه في فبراير 27, 2026)
2. AFDB. “African Water Facility Strategy 2026-2030.” African Development Bank, November 2025, https://shorturl.at/IeMwL (اطلع عليه في فبراير 27, 2026)
3. Adeaga, Olusegun, and Saeid Eslamian. "Assessment of Freshwater and Conservation in A frica." Handbook of water harvesting and conservation: case studies and application examples (2021): 119-139.
4. AMCOW. “2024 AFRICA WATER AND SANITATION SECTOR MONITORING (WASSMO) REPORT - Africa Water Vision 2025 Situational Analysis.” https://shorturl.at/uCPzT (اطلع عليه في فبراير 27, 2026)
5. Li, Yahe. “Shallow dive: The data behind the impacts of Lake Chad’s shrinkage.” World Bank Group, April 05, 2024, https://shorturl.at/JIcKi (اطلع عليه في فبراير 27, 2026)
6. Dube, Kaitano, and Godwell Nhamo. "Evaluating climate Change's impact on hydroelectricity in the Zambezi river basin." Heliyon 9, no. 12 (2023).
7. Rosegrant, Mark W., and Nicostrato D. Perez. "Water resources development in Africa: A review and synthesis of issues, potentials, and strategies for the future." Environment and Production Technology Division International Food Policy Research Institute, 1997, https://shorturl.at/AKgM9 (اطلع عليه في فبراير 27, 2026)
8. Yannick, Djoumessi Fosso, and Kamdem Cyrille Bergaly. "Water Use and Agricultural Productivity Growth in Sub-Saharan Africa." African Economic Research Consortium, 2023, https://tinyurl.com/mb64sec5 (اطلع عليه في فبراير 27, 2026)
9. Anoyege, Raymond, and Kennedy A. Alatinga. "Impacts of illegal mining activities on water quality for irrigation and implications for public health: A case study of the Oda River in the Ashanti Region of Ghana." Journal of Water and Health 22, no. 10 (2024): 1886-1898.
10. Østigård, Terje. “How big land deals add stress to the River Nile.” The Conversation Africa, February 11, 2018, https://tinyurl.com/2fv8c397 (اطلع عليه في فبراير 28, 2026)
11. Morsy, Ahmed and Girmay, Tsedenya. “With Ethiopia’s GERD Active, Tensions Mount Along the Nile.” Middle East Council on Global Affairs, September 25, 2025, https://tinyurl.com/5fp9kztv (اطلع عليه في فبراير 28, 2026)
12. Schewe, Jacob, and Anders Levermann. "Sahel rainfall projections constrained by past sensitivity to global warming." Geophysical Research Letters 49, no. 18 (2022).
13. Brottem, Leif, and Matthew D. Turner. "Violent farmer–herder conflicts in West Africa: Landscape–livelihood interactions and the political ecology of customary dispute resolution." The Journal of Peasant Studies 52, no. 3 (2025): 574-596.
14. نجم الدين، حكيم. " ماذا وراء مزاعم ترامب حول "الإبادة الجماعية" لمسيحيي نيجيريا؟." شبكة الجزيرة، https://tinyurl.com/4rt38947 (اطلع عليه في فبراير 28, 2026).
15. Naidoo, Dhesigen. “Johannesburg’s water crisis clouds Africa’s bold new water vision.” ISS Africa, March 3, 2026, https://tinyurl.com/yc5a3t9x (اطلع عليه في فبراير 28, 2026)
16. Magee, Caolán. “Madagascar president dissolves government after youth-led deadly protests.” Aljazeera, September 29, 2025, https://tinyurl.com/2p9wt7hh (اطلع عليه في فبراير 28, 2026)
17. Rachel Savage. “‘Without water nothing can exist’: the Malawians repeatedly displaced by drought.” The Guardian, August 23, 2025, https://tinyurl.com/5faaweaz (اطلع عليه في فبراير 28, 2026)
18. Nicol, Alan, Liza Debevec, and Samuel Okene Ayaru. "Water and complex problemsheds in Karamoja, Uganda." In Tony Allan, pp. 99-115. Routledge, 2025.
19. Frimpong, Osei Baffour. "Climate change and fragility in the Lake Chad Basin." Wilson Center, Africa Up Close, 2020, https://tinyurl.com/mt33vhwv (اطلع عليه في فبراير 28, 2026)
20. Grand, Anab Ovidie, & Tarif, Kheira. “The Impact of Climate Change on Peace and Security in Somalia: Implications for AMISOM.” ACCORD, February 24, 2021, https://tinyurl.com/5yu4jajd (اطلع عليه في فبراير 28, 2026)
21. Boelens, Jules. “Ethiopia’s Strategic Pursuit of Water and Maritime Access Through Somalia.” The Maastricht Diplomat, February 13, 2025, https://tinyurl.com/3hy48hez (اطلع عليه في فبراير 28, 2026)
22. Kiiza, Christopher. “Museveni Clarifies his Indian Ocean Statement After East Africa Erupts in Debate.” ChimpReports, November 21, 2025, https://tinyurl.com/4yapaufh (اطلع عليه في فبراير 28, 2026)
23. Banchereau, Mark. “Landlocked Sahel states back Morocco’s sea access initiative.” AP, April 29, 2025, https://tinyurl.com/43cyww3f (اطلع عليه في فبراير 28, 2026)
24. Adegboyega, Ayodeji. “Landlocked Mali to access the sea through Senegal River in landmark trade project.” Business Insider Africa, February 20, 2026, https://tinyurl.com/fzfapwas (اطلع عليه في فبراير 28, 2026)
25. Elmourad, Nagla Elmourad Abdallh, and Süleyman Erkan. "Renaissance Dam: Negotiations and Regional Cooperation Between Egypt, Sudan, and Ethiopia." International Journal of Water Management and Diplomacy 1, no. 9: 6-26; ANGELOVA, Milena, & VARDAKASTANIS, Ioannis. “Opinion of the European Economic and Social Committee Blue diplomacy and water cooperation – solutions to relieve the pressure of climate induced migration (own-initiative opinion) (C/2026/18).” Official Journal of the European Union, January 16, 2026, https://tinyurl.com/y9hj4dxk (اطلع عليه في مارس 1, 2026)
26. “2050 Africa’s Integrated Maritime Strategy (2050 Aim Strategy).” African Union, https://tinyurl.com/484x779h (اطلع عليه في مارس 1, 2026)
27. “Africa Water Vision 2063 And Policy: A water secure and resilient Africa with safe sanitation for all.” African Union, February 2026, https://tinyurl.com/4wm8mz7j (اطلع عليه في مارس 1, 2026)
28. “Agenda 2063: The Africa We Want.” African Union, https://tinyurl.com/5t59u4rs (اطلع عليه في مارس 1, 2026)
29. المصدر سابق:
“Africa Water Vision 2063 And Policy: A water secure and resilient Africa with safe sanitation for all.” African Union.
30. “Nile River Basin Initiative.” IW:LEARN, https://tinyurl.com/3hp6skxk (اطلع عليه في مارس 1, 2026)
31. “African Development Bank and Lake Chad Basin Commission Sign $10 Million Grant Agreement to Revitalize Lake Chad.” African Development Bank, April 2025, https://tinyurl.com/345rsfw9 (اطلع عليه في مارس 1, 2026)
32. “Harnessing the Atlantic Breeze: Senegal’s Journey to Clean and Affordable Energy.” Africa Climate Insights, October 31, 2025, https://tinyurl.com/39k29fyj (اطلع عليه في مارس 3, 2026)
33. Heyns, PS vH. "Governance of a shared and contested resource: a case study of the Okavango River Basin." Water Policy 9, no. S2 (2007): 149-167.
34. المصدر سابق:
26. “2050 Africa’s Integrated Maritime Strategy (2050 Aim Strategy).” African Union.