الحرب على إيران وإعادة تشكيل توازن الردع في الشرق الأوسط

تكشف الحرب الدائرة اليوم أن الجغرافيا الإيرانية، بأبعادها الطبيعية والطاقوية، أصبحت عنصرًا مركزيًّا في إعادة تشكيل ميزان القوة؛ فهي لا تمنح إيران فقط القدرة على الصمود بل تتيح لها التأثير في بنية النظام الدولي ذاته. إن توازن الردع الجديد يقوم على تلاقي الجغرافيا والطاقة والقدرة على إطالة الحرب؛ ما يجعل الصراع أقرب إلى معادلة إدارة مستمرة للكلفة، وليس حسمًا نهائيًّا. ولذلك يتراجع سيناريو الحسم السريع، لصالح استمرار حرب استنزاف مفتوحة، تتجاوز آثارها طرفي الصراع لتصيب الاقتصاد العالمي وحسابات الحلفاء والشركاء الإقليميين.
5 April 2026
صبيٌّ إيراني يرفعُ قبضته وهو يقف على علم بلاده خلال جنازة علي رضا تنكسيري، الذي قتل في الهجمات الأميركية-الإسرائيلية. (أ.ف.ب)

تشير ديناميات الحرب الدائرة، والتي أطلقت عليها إيران "حرب رمضان"، إلى انتقال الصراع بين إيران والولايات المتحدةوإسرائيل من نموذج المواجهة المحدودة إلى حرب مركبة متعددة الأدوات، لم تُفضِ حتى اللحظة إلى حسم إستراتيجي لكنها أعادت إنتاج معادلة جديدة للتوازن والردع؛ حيث تحول ميزان القوة من محاولة إخضاع إيران إلى محاولة احتواء قدرتها على التأثير العالمي. فقد أظهرت الحرب أن أدوات القوة لم تعد عسكرية فقط بل باتت تشمل الجغرافيا، والجغرافيا الطاقوية، خاصة مضيق هرمز؛ ما منح إيران قدرة على التأثير في النظام الاقتصادي العالمي.

لقد تجاوزت الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيرن إطار المواجهة العسكرية المحدودة، وأصبحت عاملًا مؤسسًا لتحولات بنيوية في الإقليم والنظام الدولي بما يجعل العودة إلى ما قبلها أمرًا بالغ الصعوبة. ويرجع غموض مآلات الحرب إلى ارتباك إستراتيجي أميركي نابع من غياب هدف سياسي واضح ومحدد، رغم التفوق العسكري والتخطيط العملياتي المسبق. كما يبين أن الرهان على اغتيال القيادة الإيرانية وإحداث انهيار داخلي سريع لم يحقق نتائجه بل دفع الصراع نحو نمط من الاستنزاف المتبادل.

وفي هذا السياق، باتت الولايات المتحدة تميل إلى تصعيد الضغط عبر استهداف البنية الاقتصادية والصناعية الإيرانية، فيما ترد طهران بتوسيع دائرة الكلفة إقليميًّا، سواء عبر ضرب المصالح والبنى التحتية في الخليج أو عبر توظيف ورقة مضيق هرمز بما يحمله من تداعيات على أمن الطاقة العالمي.

سياق الصراع

هذه الحرب تمثل امتدادًا للتصعيد السابق (حرب 12 يومًا)، في يونيو/حزيران 2025، ولا يمكن فصلها عن الحالة الاحتجاجية التي رافقتها محاولات لإحداث الفوضى، في ديسمبر/كانون الأول 2025 ومطلع يناير/كانون الثاني 2026. وجاءت العمليات العسكرية مترافقة مع الضغط الاقتصادي، والسعي لعملية تفاوضية وفق الشروط الأميركية. هدفت هذه الحرب أميركيًّا إلى فرض حسم سريع أو تغيير جذري في السلوك السياسي للجمهورية الإسلامية، لكن النتيجة كانت الفشل في تحقيق الحسم وتحول الحرب إلى نمط استنزاف، تسعى طهران لجعله استنزافًا طويلًا معوِّلة على قدرتها على تحمل الكلفة مقارنة بخصومها. من الناحية الإستراتيجية لا يمكن التهوين من مركزية الجغرافيا الإيرانية في الصراع؛ إذ تكشف الحرب الجارية أن الجغرافيا الإيرانية ليست مجرد خلفية للصراع بل عاملًا حاسمًا في تشكيل مساره ونتائجه؛ فإيران تمتلك مزايا طبيعية تعقِّد أية مواجهة عسكرية مباشرة معها، وتدفع بها نحو نمط الحروب الطويلة، ومن ذلك:

  • التضاريس الجبلية الوعرة: تعيق العمليات البرية وتَحُدُّ من فاعلية الحسم السريع
  • اتساع المساحة: يفرض تحديات لوجستية كبيرة على أي قوة مهاجمة
  • العمق الإستراتيجي: يتيح إعادة التموضع وامتصاص الضربات دون انهيار سريع

بالمقارنة مع خصومها، تمنح هذه العوامل إيران قدرة أعلى على إطالة أمد الحرب وتحويل الصراع إلى استنزاف طويل، إلى جانب ذلك، يشكِّل مضيق هرمز امتدادًا جيوسياسيًّا لهذه الجغرافيا؛ حيث يمثل نقطة اختناق رئيسية في النظام العالمي للطاقة وأداة ضغط مباشرة على الأسواق الدولية. وبالتالي، فإن الجغرافيا الإيرانية تعمل على مستويين متكاملين:

  • دفاعي: امتصاص الضربات وإطالة الحرب
  • هجومي غير مباشر: التأثير في الاقتصاد العالمي عبر الطاقة

هذه المعطيات تجعل خيار الحرب الشاملة ضد إيران خيارًا عالي الكلفة عسكريًّا ومحفوفًا بالمخاطر اقتصاديًّا ومعقدًا جيوسياسيًّا، وهو ما قد يقود القوى القوى الكبرى إلى الاحتواء أو التصعيد المحدود بدلًا من الانخراط في حرب مفتوحة. يترافق ذلك مع إخفاق فرضيات الحسم؛ حيث  لم يحدث انهيار داخلي في إيران بل على العكس تصاعد الحس الوطني وتعاظمت ظاهرة "الالتفاف حول العَلَم"، ولم تُشَلَّ القدرات العسكرية، وتَوَسَّع الصراع جغرافيًّا بدل احتوائه، لقد مكَّن اغتيال آية الله علي خامنئي من انتقال سلس للسلطة داخل الجمهورية الإسلامية لم يكن ليحدث لو كان جاء بعد وفاة طبيعة أو في ظروف غير ظروف الحرب؛ حيث كانت المعارضة الداخلية لتولي مجتبى خامنئي كبيرة جدًّا، لكن الاغتيال وما رافقه من هجوم على إيران ذلَّل كل تلك العقبات وأسكت الأصوات المعارضة خاصة أنها كانت من المروجين لضرورة التفاوض مع واشنطن ويتزعم هذه الأصوات حسن روحاني الذي طالب بعد حرب الـ12 يومًا بضرورة تغيير الباراديغم السياسي والاقتصادي لإيران.  

لقد مكَّنت الاغتيالات التي حدثت وآخرها اغتيال الأمين العام لمجلس الأمن القومي، علي لاريجاني، من إحكام قبضة الحرس على مجريات السياسة والاقتصاد في إيران بصورة شبه كاملة، ودفعت بشخصيات من داخل الحرس معروفة بتشددها تجاه المواجهة مع أميركا واسرائيل وتغليبهم لخيار استمرار المواجهة ومن ذلك الأمين العام الجديد للمجلس، محمد باقر ذو القدر، بموقف المتشدد تجاه المفاوضات.

ترافق ذلك مع صعود أدوات ردع غير تقليدية مثل مضيق هرمز أداةَ ضغط عالمية وقابلية توسيع الحرب إلى ممرات بحرية أخرى، واستمرار القدرة الصاروخية وذلك مردُّه إلى طبيعة البرنامج الذي بقي أكثر حصانة أمام الاختراق مقارنة بالبرنامج النووي الإيراني. كما يمكن لإيران استخدام "النووي الكامن" رافعةً تفاوضية، خاصة مع الغموض المتعلق بمخزون إيران من اليورانيوم المخصب ببنسبة 60%. يضاف إلى ذلك حديث إيران عن سلاح جديد يمكنه تغيير المعادلة، وربما يدفع ذلك إلى التوقف عند نجاح إيران في استهداف الطائرات الأميركية، ومنها: إف 15 وإف 18 وإف 35.

وينبغي التوقف عند عنوان "مضيق هرمز"، فالحرب الجارية تكشف أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري إستراتيجي، بل تحول إلى نقطة تقاطع بين المجالين العسكري والاقتصادي؛ حيث تتداخل ديناميات الصراع مع تدفقات الطاقة العالمية. فتعطيل المضيق، حتى بصورة جزئية، لا يقتصر أثره على ساحة العمليات، بل يمتد سريعًا إلى الأسواق الدولية عبر ارتفاع الأسعار، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد الضغوط التضخمية. وبذلك، يصبح مسار الحرب مرتبطًا ليس فقط بنتائج المواجهة العسكرية، بل بمدى تأثيرها في بنية الاقتصاد العالمي.

وتظهر أحدث إحصاءات TankerTrackers أنه من بين 108 ناقلات نفط عبرت مضيق هرمز منذ 1 مارس/آذار 2026 أي بمعدل 3 ناقلات يوميًّا، منها 78 ناقلة مملوكة لإيران أو مرتبطة بها وصفها الموقع بأنها ناقلات خرقت العقوبات.

في هذا السياق، تبرز الصدمة الاقتصادية بوصفها أداة إستراتيجية موازية للقوة العسكرية؛ إذ إن أي تهديد للملاحة في المضيق، حتى دون إغلاق كامل، كفيل بإحداث اضطراب واسع في سوق الطاقة، نظرًا لمرور نسبة كبيرة من النفط والغاز العالمي عبره. ويعني ذلك أن الصراع في هذه المنطقة يتجاوز طابعه الإقليمي ليغدو أزمة ذات امتدادات عالمية، تؤثر بشكل خاص على الاقتصادات الصناعية المعتمدة على واردات الطاقة. غير أن الأهمية الأبرز تكمن في إبراز حدود القوة العسكرية؛ حيث تُظهر التجربة أن التفوق العسكري، حتى لو أتاح إعادة فتح الممرات البحرية، لا يضمن احتواء التداعيات الاقتصادية الناتجة عن تعطيلها. فالكلفة الزمنية والعسكرية لعمليات التأمين، إلى جانب استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق، تجعل من الصعب استعادة الاستقرار بسرعة؛ ما يكشف فجوة واضحة بين القدرة على العمل العسكري والقدرة على التحكم في نتائجه. وتشير هذه المعطيات إلى فاعلية ما يمكن تسميته بـ"الإغلاق الناعم"؛ حيث لا يتطلب تحقيق التأثير الإستراتيجي إغلاقًا كاملًا للمضيق بل يكفي رفع مستوى المخاطر عبر تهديد الملاحة أو استهداف محدود بما يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين، ومن ثم إحداث تأثير اقتصادي مشابه للإغلاق الكامل، ولكن بكلفة عسكرية أقل.

في ضوء ذلك، يعاد تعريف مفهوم الردع؛ إذ لم يعد قائمًا على التوازن العسكري التقليدي بل على القدرة على إلحاق صدمة اقتصادية بالنظام العالمي. وهنا تتحول الجغرافيا، وخاصة ممرات الطاقة إلى أداة قوة مركزية تتيح للفاعلين الإقليميين التأثير في معادلات دولية أوسع. وعليه، فإن توازن الردع الجديد يقوم على تلاقي الجغرافيا مع الاقتصاد، بحيث تصبح القدرة على تعطيل تدفقات الطاقة عاملًا حاسمًا في تشكيل مسار الصراع ومآلاته.

السيناريوهات المحتملة

بالنسبة للرسائل التي تلقتها إيران بشأن المفاوضات، فلا يوجد إلى اليوم ما يمكن أن نسميه عملية تفاوضية بل هو رسائل تتلقاها طهران من مصادر عدة: عُمان ومصر وباكستان. ومع الواقع الجديد، تسعى إيران إلى إعادة تعريف التفاوض، بوصفه امتدادًا للحرب، أما الشروط التفاوضية فتُبنى على النتائج المتحققة من الميدان. وبناء عليه، يمكن الحديث عن السيناريوهات التالية:

الأول: حرب استنزاف؛ وهو السيناريو الأرجح على المدى القصير، والذي يبني عليه المخطِّطون الإيرانيون إستراتيجيتهم الدفاعية، وذلك قد يتضمن ضربات متبادلة منخفضة الكثافة وضغطًا مستمرًّا على أسواق الطاقة وتوسعًا جغرافيًّا محدودًا.

الثاني: تسوية تفاوضية؛ وهو سيناريو متوسط الاحتمال، ويتضمن وقف إطلاق نار غير معلن، وتفاهمات جزئية عبر وساطات، وتثبيت توازن ردع دون حسم. ونجاح ذلك مرهون بالوصول إلى تسوية بشأن العقوبات وحلحلة اقتصادية تريح الداخل الإيراني.

الثالث: تصعيد شامل، منخفض الاحتمال لكن حدوثه ممكن وهو مدرج ضمن خطط إيران. وهذا السيناريو عالي التأثير وعالي الكلفة؛ فسيؤدي إلى تعطيل كامل لمضيق هرمز، وتوسع الحرب إقليميًّا (دخول جماعة أنصار الله وإغلاق باب المندب) وهو ما سيؤدي إلى صدمة مدمرة في النظام العالمي للطاقة والاقتصاد العالمي عمومًا.

ولما سبق دلالات سياسة تتضمن مركزية الجغرافيا والطاقة، فالجغرافيا لم تعد عاملًا ثابتًا بل أداة قوة وممرات الطاقة أصبحت فعليًّا جزءًا من ميدان الصراع. أما ما يتعلق بحدود القوة العسكرية فالبيئة الجغرافية المعقدة تحد من فاعلية الحسم السريع، والأنظمة ذات العمق الإستراتيجي أكثر قدرة على الصمود؛ ما يعني صعود منطق إدارة الصراع فالحروب لم تعد تُحسم بسهولة بل تُدار عبر توازنات معقدة متعددة الأدوات.

وهذا الواقع يقتضي تطوير خطط طوارئ للتعطيل البحري، وتعزيز الخيار الدبلوماسي مع إيران ودعم الوساطات لتقليل احتمالات التصعيد، وإعادة تقييم إستراتيجيات الردع في ضوء العوامل الجغرافية، والمخاطر في حقل الطاقة.

خلاصة

تكشف الحرب أن الجغرافيا الإيرانية، بأبعادها الطبيعية والطاقوية، أصبحت عنصرًا مركزيًّا في إعادة تشكيل ميزان القوة. فهي لا تمنح إيران القدرة على الصمود فقط بل تتيح لها التأثير في بنية النظام الدولي ذاته. إن توازن الردع الجديد يقوم على تلاقي الجغرافيا والطاقة والقدرة على إطالة الحرب؛ ما يجعل الصراع أقرب إلى معادلة إدارة مستمرة للكلفة، وليس حسمًا نهائيًّا. ولذلك يتراجع سيناريو الحسم السريع، لصالح استمرار حرب استنزاف مفتوحة، تتجاوز آثارها طرفي الصراع لتصيب الاقتصاد العالمي وحسابات الحلفاء والشركاء الإقليميين.

ABOUT THE AUTHOR