إستراتيجيات بناء الذات والآخر في الخطاب الأميركي والإيراني خلال الحرب (فبراير-مارس 2026)

تُحَلِّل الدراسة الخطابين الرسميين، الأميركي والإيراني، خلال الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على إيران، في 28 فبراير/شباط 2026، استنادًا إلى مقاربة نوعية مُقارِنة تجمع بين التحليل النقدي للخطاب، ونظرية التأطير، ومفهوم السرديات الإستراتيجية. وتعتمد الدراسة عينة قصدية تضم 136 خطابًا وتصريحًا رسميًّا، صدرت خلال الفترة الممتدة من 1 فبراير/شباط إلى 8 مارس/آذار 2026، وقد جرى تصنيفها ضمن ثلاث مراحل رئيسية، وهي: مرحلة التفاوض، ومرحلة التصعيد، ومرحلة الحرب. وتركز الدراسة على تحديد إستراتيجيات الخطاب التي وظَّفَها الفاعلون في الحرب في بناء صورة الذات وصورة الآخر، وفي تعيين مصادر التهديد، والمسؤولية عن الأفعال والتصرفات، وكيف أنتجت الذات الأميركية والإيرانية شرعية خياراتها السياسية والعسكرية.
الخطاب الأميركي والإيراني يتحركان داخل سرديتين متقابلتين لتعريف الشرعية والمسؤولية وتأطير الصراع (تصميم مُوَلَّد بالذكاء الاصطناعي)

مقدمة

تُظْهِر الأزمات الدولية المعاصرة أن الخطاب الرسمي بات أحد مكوناتها البنيوية، ووسيلةً أساسية من وسائل إنتاج المعنى السياسي وإدارة الصراع. فتُسْهِم اللغة التي تستخدمها الدول في توصيف خصومها، وتبرير خياراتها، وتحديد مصادر الخطر، ورسم حدود الممكن والمشروع، في بناء الواقع وتوجيه إدراكه وتثبيت قواعد التعامل معه. وفي هذا السياق، تَبْرُز أهمية تحليل الخطاب بوصفه مدخلًا لفهم الكيفية التي تُنْتَج بها الشرعية، وتُعاد بها صياغة المسؤولية، وتُقَدَّم من خلالها السياسات القسرية أو العسكرية في صورة الضرورة أو العقلانية أو الدفاع المشروع. ومن ثم، فإن دراسة الخطاب الرسمي في لحظات التفاوض والتصعيد والحرب تُتيح تجاوز القراءة الحَدَثِيَّة المباشرة نحو تفكيك البنية الرمزية والمعرفية التي تتحرَّك داخلها القرارات السياسية والإستراتيجية.

وهنا، تركز الدراسة على تحليل الخطاب الرسمي الأميركي والإيراني من منظور التحليل النقدي للخطاب، انطلاقًا من اعتباره ممارسة لغوية وسياسية تُسْهِم في إنتاج السلطة والمعنى، وإعادة تشكيل تصورات التهديد والشرعية والمسؤولية والردع خلال الأزمات والحروب. ومن ثم، تحاول الدراسة الإجابة على هذا السؤال المركَّب: كيف تُوظِّف الخطابات الرسمية الأميركية والإيرانية البنى اللغوية والإستراتيجيات الخطابية في بناء صورة الذات والآخر خلال مراحل التفاوض والتصعيد والحرب؟ وكيف يُسْهِم ذلك في إنتاج الشرعية وإعادة تشكيل العلاقات القوية والتأثير في مسار الصراع؟

1. اعتبارات منهجية ونظرية

تعتمد الدراسة مقاربةً مُقارِنةً نوعية تركز على الخطابين الرسميين للولايات المتحدة وإيران خلال مرحلتين مترابطتين: المرحلة السابقة للجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة في مسقط بتاريخ 6 فبراير/شباط 2026، والمرحلة الممتدة من اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران حتى 8 مارس/آذار 2026. وتُتِيح هذه المقاربة تحليل الخطاب الرسمي في سياقه السياسي والإستراتيجي، وتَتَبُّع التحولات التي تطرأ عليه بين مراحل التفاوض والتصعيد والحرب. كما يكتسب البُعْد المقارِن أهمية خاصة؛ لأن الدراسة تتناول حالتين مترابطتين داخل حقل تواصلي صراعي واحد، بما يسمح برصد أوجه التماثل والاختلاف في أنماط الخطاب بين الطرفين. ومن المهم الإشارة إلى أن الدراسة تعتمد مقارنة غير متماثلة تحليليًّا؛ إذ تحتلُّ الحالة الأميركية موقعًا تفسيريًّا رئيسيًّا بحكم دورها الأكثر تأثيرًا في توجيه مسار الأزمة، بينما تُدْرَس الحالة الإيرانية بوصفها خطابًا مقابلًا وضروريًّا لاستكمال التحليل العلائقي للصراع.

وتستند الدراسة أساسًا إلى التحليل النقدي للخطاب بوصفه الأداة المركزية لقراءة النصوص الرسمية، مع الاستفادة من تحليل الأطر وتحليل السرد بوصفهما أداتين مُكمِّلتين. ويُستخدَم التحليل النقدي للخطاب لفحص الاختيارات المعجمية، وبنى الحِجَاج، والثنائيات الضدية، والافتراضات المسبقة، وصيغ التأكيد والتحذير، بينما يُستخدَم تحليل الأطر لتحديد الأنماط التفسيرية المتكررة في تنظيم الموضوعات الرئيسية، ويُستخدَم تحليل السرد لتَتَبُّع البنى القصصية الأوسع التي تنتظم داخلها النصوص. كما يُوَظَّف التحليل الكمي بصورة مُسَانِدة من خلال تصنيف الوحدات الخطابية ورصد تَوَزُّعِها وتكرارها، بما يدعم نتائج التحليل النوعي ويزيد من دقتها.

ويتكوَّن مجتمع الدراسة من الخطابات والتصريحات والمواقف العلنية الصادرة عن شخصيات رسمية أميركية وإيرانية، خلال الفترة الممتدة مما قبل الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة في مسقط بتاريخ 6 فبراير/شباط حتى 8 مارس/آذار 2026. وتشمل عينة الدراسة 136 مادة من الخطابات الرسمية، والتصريحات الصحافية، والمقابلات، والمؤتمرات الصحافية، والإحاطات الرسمية، والبيانات المعلنة، وسائر النصوص ذات الطابع الرسمي القابلة للنسبة إلى موقع مُؤَسَّسِي داخل الدولة. وتعتمد الدراسة عينة قصدية -كما يوضح الجدول رقم (1)- من الفاعلين الرسميين الأكثر مركزية في إنتاج الخطاب السياسي والعسكري والدبلوماسي، خلال مراحل التفاوض والتصعيد والحرب، وذلك استنادًا إلى مواقعهم المؤسسية وأدوارهم في إنتاج السردية الرسمية أو شرحها أو تبريرها أو الدفاع عنها.

وتُنَظَّم المادة الخطابية وفق منطق زمني وموضوعي ومُؤَسَّسِي؛ إذ تُقَسَّم أولًا بحسب مراحل الدراسة، ثم تُصَنَّف داخل كل مرحلة وفق القضايا المحورية التي تتناولها، مثل التفاوض والتصعيد والحرب. وتقتصر الدراسة على النصوص التي تستوفي معايير محدَّدة، أبرزها الارتباط الزمني بحدود الدراسة، والطابع الرسمي أو شبه الرسمي للنص، والصلة المباشرة بمحاور البحث، والوزن السياسي أو الدلالي للنص داخل مسار الأزمة، وإتاحة النص بصيغة تسمح بإخضاعه لتحليل خطابي دقيق. وهي لا تشمل جميع ما صدر عن الشخصيات المختارة.

وقام الخطابان، الأميركي والإيراني، خلال هذه المراحل، ببناء سردية كلية عن الذات والآخر، وعن طبيعة التهديد والجهة التي تتحمَّل مسؤولية التعطيل أو التصعيد، وعن الشروط التي تجعل التفاوض ممكنًا أو الحرب مُبَرَّرة. وتكتسب الدراسة أهميتها انطلاقًا من مقاربتها لحالتين داخل حقل صراعي واحد؛ إذ يُقرأ كل خطاب بوصفه خطابًا يتشكَّل في علاقة تفاعلية مع خطاب مضاد، يستجيب له، ويُعارِضه، ويُعِيد تَمَوْضُعَه في مواجهته. وبذلك، فإن المقارنة هنا تهدف إلى فهم البنية العلائقية التي تجعل من إنتاج المعنى نفسه ميدانًا من ميادين الصراع.

جدول (1): توزيع عيِّنة خطابات المسؤولين الأميركيين والإيرانيين

م

الاسم

المنصب/البلد

عدد الخطابات والتصريحات

1

دونالد ترامب

رئيس الولايات المتحدة الأميركية، أميركا

25

2

جيه دي فانس

نائب رئيس الولايات المتحدة الأميركية، أميركا

7

3

ماركو روبيو

وزير الخارجة الأميركي، أميركا

5

4

بيت هيغسيث

وزير الحرب الأميركي، أميركا

3

5

ستيف ويتكوف

المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط، أميركا

3

6

علي خامنئي

المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، إيران

3

7

مسعود بزشكيان

رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إيران

28

8

علي شمخاني

أمين مجلس الدفاع الأعلى، إيران

12

9

عباس عراقجي

وزير الخارجية الإيراني، إيران

37

10

علي لاريجاني

الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي، إيران عأ

4

11

محمد باقر قاليباف

رئيس البرلمان الإيراني، إيران

9

ويقوم الإطار النظري للدراسة على مقاربة تكاملية تجمع بين ثلاثة مداخل رئيسية لفهم الخطاب الرسمي الأميركي والإيراني بوصفه أداةً سياسية وإستراتيجية في آن واحد. ويتمثَّل المدخل الأول في نظرية السرديات الإستراتيجية التي تنظر إلى الخطاب بوصفه وسيلةً تستخدمها الدول والفاعلون السياسيون لبناء روايات مقصودة تُسْهِم في تشكيل فهم الجمهور للواقع السياسي، وتعريف مصادر التهديد، وتحديد الفاعل الشرعي والخصم، وتبرير السياسات والخيارات الإستراتيجية، بما يجعل الخطاب جزءًا من ممارسة القوة ذاتها لها(1)

أما المدخل الثاني فهو نظرية التأطير التي تفترض أن الخطاب الإعلامي والسياسي يُعِيد تنظيم الواقع انتقائيًّا عبر إبراز بعض العناصر والمعاني وتهميش أخرى، بما يُوجِّه إدراك الجمهور لطبيعة القضية وأسبابها وتداعياتها والحلول المناسبة لها(2)(3). ويتمثَّل المدخل الثالث في التحليل النقدي للخطاب(4) الذي يُستخدَم لفهم الخطاب السياسي بوصفه ممارسة اجتماعية ومعرفية تُسْهِم في إنتاج المعنى السياسي وإعادة تشكيل علاقات القوة والشرعية داخل سياقات الصراع والحرب والتفاوض، من خلال تحليل كيفية بناء اللغة لتصورات الذات والآخر(5)، وإعادة إنتاج مفاهيم التهديد والمسؤولية والسيادة(6)(7).

وتعتمد الدراسة ثلاثة مستويات مترابطة في تحليل الخطابين الرسميين، الأميركي والإيراني. يتمثَّل المستوى الأول في السياق التاريخي-السياسي؛ حيث يُربط كل خطاب بظرف إنتاجه، والحدث أو التطور الذي استدعاه، والمرحلة التي صدر فيها، والموقع المُؤَسَّسِي للمتحدث، والجمهور المستهدف، بما يُتِيح فهم الوظيفة السياسية والإستراتيجية للنص داخل مسار الصراع. أما المستوى الثاني فهو التحليل النصي-الخطابي، ويستند أساسًا إلى أدوات نهج التحليل التاريخي للخطاب، من خلال فحص إستراتيجيات التسمية والإحالة، والإسناد، والتموضع المنظوري، والحجاج، والتكثيف والتخفيف، بهدف الكشف عن كيفية بناء صورة الذات والآخر، وتأطير الوقائع، وتبرير السياسات، وإنتاج التفسيرات المرغوبة.

ويتمثَّل المستوى الثالث في التفسير التركيبي وإعادة بناء السردية الكلية؛ إذ تُدْمَج نتائج المستويات السابقة من أجل إعادة تركيب البنية السردية العامة لكل خطاب، وتَتَبُّع تحوُّلاتها بين مراحل التفاوض والتصعيد والحرب، واستخلاص أوجه التماثل والاختلاف بين الطرفين في إنتاج الشرعية، وتحديد المسؤولية، وتأطير معنى الصراع وخيارات الفعل السياسي والعسكري.

شكل (1): مستويات التحليل الثلاثة للخطاب الأميركي والإيراني

1

2. وظائف وإستراتيجيات الخطاب الأميركي والإيراني

انطلاقًا من أن الخطاب الرسمي يَتَبَدَّل بتَبَدُّل السياق السياسي والعسكري الذي يُنْتَج داخله، قُسِّمت المادة الخطابية إلى ثلاث مراحل، وهي: التفاوض، والتصعيد، والحرب. ويهدف هذا التقسيم إلى رصد تحوُّل وظائف الخطاب وإستراتيجياته عبر مسار الأزمة، من خطاب يسعى إلى تحسين الشروط التفاوضية، إلى خطاب يركز على الضغط والردع ورفع السقوف، ثم إلى خطاب يُبَرِّر الحرب ويُدِير معناها السياسي والنفسي.

اعتبرت الدراسة أن مرحلة التفاوض امتدت من 1 إلى 11 فبراير/شباط 2026. واعتمدت هذه الفترة؛ لأن الأيام التي سبقت الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة في مسقط بتاريخ 6 فبراير/شباط كانت قد دخلت بالفعل في منطق التفاوض، سواء عبر تحديد الشروط والخطوط الحمراء، أو عبر إرسال إشارات الانفتاح والتشدُّد ومحاولة التأثير في الطرف المقابل. كما أن الخطاب خلال هذه المدة بقي محكومًا أساسًا بمرجعية التفاوض، حتى مع حضور بعض الضغط والتهديد؛ إذ ظل مُوَجَّهًا في جوهره نحو تحسين الموقع التفاوضي.

أما مرحلة التصعيد، فامتدت من 12 إلى 27 فبراير/شباط 2026. وتُمَثِّل هذه المرحلة انتقال الخطاب من أولوية التفاوض إلى أولوية التهديد المتبادل، والتشكيك في جدوى المسار الدبلوماسي، ورفع سقف الشروط، وتكثيف الرسائل الردعية والنفسية. واعتمدت 12 فبراير/شباط بداية لهذه المرحلة؛ لأنها تُمَثِّل، تحليليًّا، اللحظة التي أصبح فيها الخطاب أكثر تركيزًا على تحميل الطرف الآخر مسؤولية التعطيل والاستعداد لسيناريوات أشد حدَّة. أما 27 فبراير/شباط فاعْتُمِد نهاية لها؛ لأنها بقيت، رغم تصاعدها، دون مستوى الحرب الفعلية، وشكَّلت طورًا انتقاليًّا بين التفاوض والمواجهة المباشرة.

وبدأت مرحلة الحرب في 28 فبراير/شباط وانتهت في 8 مارس/آذار 2026، وهو الحدُّ الزمني الذي اعتمدته الدراسة. واعتمدت 28 فبراير/شباط بداية لهذه المرحلة؛ لأنه مثَّل الانتقال من خطاب التهديد والاستعداد إلى خطاب الحرب بوصفها واقعًا قائمًا، أي حين أصبحت العمليات العسكرية نفسها المرجع المباشر لإنتاج الخطاب الرسمي. وفي هذه المرحلة انصرف الخطاب إلى تفسير الحرب، وتبريرها، وتوزيع المسؤولية عنها، وإعادة بناء مفاهيم النصر والخسارة والشرعية والعقلانية السياسية داخل سياق عسكري مفتوح. أما اعتماد 8 مارس/آذار نهايةً لها فليس مرتبطًا بانتهاء الحرب بل لأنه شهد إعلان مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا، بما يدل على انتقال في موقع القيادة العليا ويفتح سياقًا سياسيًّا ورمزيًّا جديدًا قد ينعكس على بنية الخطاب وأولوياته وتمثيله للصراع.

2.1. المرحلة الأولى: المفاوضات

السياق التاريخي-السياسي

صدرت خطابات المرحلة الأولى بين 1 و11 فبراير/شباط في سياق انتقل فيه المسار التفاوضي الأميركي–الإيراني من التلويح العام إلى الترتيب العملي ثم إلى الانعقاد الفعلي في مسقط يوم 6 فبراير/شباط، قبل الانتقال إلى التعامل مع نتائج الجولة الأولى في الأيام التالية. لذلك، ارتبطت هذه الخطابات بلحظة تفاوضية ناشئة كانت لا تزال فيها قضايا أساسية، مثل أجندة التفاوض ونطاقه، موضع تجاذب بين الطرفين(8).

في الوقت نفسه، جرت الخطابات الأميركية ضمن سياق تفاوضي مشحون جمع بين الانخراط الدبلوماسي والضغط العسكري. فقد كانت واشنطن بدأت حشدًا عسكريًّا متصاعدًا في الشرق الأوسط شمل قوات إضافية، وحاملة طائرات، وسفنًا حربية، وطائرات مقاتلة، ومنصات استطلاع وناقلات وقود، إلى جانب تعزيز الوجود البحري في الخليج وتحريك قطع بحرية نحو السواحل الإيرانية(9). ومثَّلت حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" أبرز مظهر لهذا الانتشار، فيما كشفت حوادث 3 فبراير/شباط، ولاسيما إسقاط مسيَّرة إيرانية قرب الحاملة ومرافقة المدمرة "يو إس إس ماكفول" لناقلة أميركية في مضيق هرمز، أن هذا الانتشار تجاوز التمركز إلى الردع النشط وحماية القوات. ولذلك، يمكن فهم هذه المرحلة بوصفها افتتاحًا لحشد أميركي تصعيدي هدفه زيادة الضغط على إيران أثناء التفاوض مع إبقاء الخيار العسكري قائمًا.

إقليميًّا، صدر هذا الخطاب في بيئة شديدة التوتر تشكَّلت بفعل تراكم تداعيات الحرب على غزة، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم تعمَّقت مع آثار حرب الاثني عشر يومًا بين إسرائيل وإيران، في يونيو/حزيران 2025؛ حيث جاءت تطورات فبراير/شباط 2026 داخل إقليم مثقل أصلًا بمفاعيل التصعيد السابق.

أما في الداخل الإيراني، فقد صدرت هذه الخطابات بعد أحداث يناير/كانون الثاني 2026 التي شهدت احتجاجات وأعمال شغب في أكثر من مدينة؛ ما أضفى على السياق الداخلي طابعًا ضاغطًا وجعل الخطاب الرسمي يصدر تحت وطأة تحديات أمنية وسياسية متزامنة مع الضغوط الخارجية.

وفي المقابل، جاء الخطاب الأميركي في سياق داخلي لإدارة جديدة أرادت أن تعرض نفسها بوصفها قادرة على إدارة أكثر من أزمة دولية في آن واحد. لذلك ربط الرئيس دونالد ترامب الملف الإيراني بملفات أخرى، مثل روسيا-أوكرانيا وقضايا الشرق الأوسط، واستحضر الاتفاق النووي في عهد باراك أوباما بوصفه نموذجًا سلبيًّا يجب تجاوزه عبر اتفاق أكثر حسمًا. ومن ثم، صدرت خطابات هذه المرحلة أيضًا في إطار تنافسي داخلي سعت فيه الإدارة إلى التمييز بين نهجها ونهج الإدارات السابقة، وتقديم التفاوض مع إيران بوصفه دليلًا على القدرة على الجمع بين الضغط والدبلوماسية من دون تقديم تنازلات تعدُّها أخطاء سابقة.

التحليل النصي للخطاب

1. الخطاب الأميركي: تعريف التهديد وضبط التفاوض بمنطق الردع

أولًا: تمركز الذات الأميركية بوصفها مرجعًا تقريريًّا أعلى للمفاوضات

تُعيد الخطابات بناء المشهد التفاوضي بوصفه مشهدًا غير ندِّي، تُقَدَّم فيه الولايات المتحدة مرجعًا تقريريًّا أعلى يحتكر المبادرة ويُحدِّد مسار التفاوض وحدوده. ويتجلَّى ذلك خصوصًا في إحالة القرار إلى الرئيس دونالد ترامب بوصفه مركز الإرادة والحسم، بما ينقل مركز الثقل من الدولة كمؤسسة تفاوضية إلى القيادة الرئاسية كذات حاكمة، ويجعل التفاوض نفسه فعلًا من أفعال الإرادة الأميركية(10).

ويمتد هذا البناء إلى تَمْثِيل أدوات القوة العسكرية بألفاظ تَفْخِيمِيَّة تُرَسِّخ صورة الولايات المتحدة فاعلًا متفوقًا وقادرًا على الحسم، فتُبقي التفاوض ملتحمًا بمنطق الردع. كما يؤدي الزمن دورًا مهمًّا في هذا التراتب؛ إذ لا يظهر التفاوض داخل زمن مشترك، بل داخل إيقاع أميركي تملكه واشنطن، فيما تُوضَع إيران تحت ضغط السرعة والعواقب.

وفي هذا السياق، تُسْنَد إلى الولايات المتحدة صفات "القوة والعقلانية والانفتاح على السلام"، فتُقدَّم بوصفها "طرفًا قويًّا ومنضبطًا يُفضِّل الحلَّ السلمي من موقع السيطرة لا الاضطرار". وبهذا، يحمي الخطاب صورة القوة أثناء التفاوض ويمنع تأويل الانفتاح على أنه علامة تراجع أو حاجة.

ومن ثم، يُعيد الخطاب الأميركي تأطير التفاوض بوصفه امتدادًا للقوة والثقة بالنفس، لا خروجًا عنهما؛ فهو يربط الدبلوماسية بالحضور العسكري وخيارات التصعيد، ويعرضها كخطوة داخل مشهد إكراه أوسع، ويُعزِّز ذلك عبر تأطير الأزمة بوصفها ناتجة عن طبيعة "النظام الإيراني"، بما يمنح التفاوض بُعْدًا أخلاقيًّا يُقدِّمُه اختبارًا لتعديل سلوك خصم يُصَوَّر أصلًا بوصفه إشكاليًّا وغير ممثل لشعبه.

ثانيًا: بناء إيران بوصفها تهديدًا مركبًا ونظامًا منزوع الشرعية التمثيلية والأخلاقية

في المقابل، تُقَدَّم إيران عبر إحالات متراكبة تجعلها في الوقت نفسه "خطرًا أمنيًّا، ونظامًا قمعيًّا، وفاعلًا إقليميًّا مزعزعًا للاستقرار"، بما يُحمِّل اسمها ذاته دلالات سلبية تُبَرِّر الحذر والردع. ويُعَد الفصل بين "النظام الإيراني" و"الشعب الإيراني" من أبرز السمات في هذا السياق؛ إذ يَنْزَع عن النظام شرعية التمثيل الكامل، ويُتِيح للخطاب الأميركي أن يجمع بين التفاوض معه، ونَزْع مشروعيته الأخلاقية، وادِّعاء التضامن مع الشعب الإيراني(11). وبهذا المعنى، يستطيع الخطاب الأميركي أن يفاوض السلطة القائمة من دون أن يعترف لها بشرعية تَمْثِيلِيَّة كاملة، وأن يدَّعي في الوقت نفسه مواجهة نظام لا يُمثِّل هذا المجتمع.

وفي السياق نفسه، تُقَدَّم إيران بوصفها "خطرًا نوويًّا وأمنيًّا، ونظامًا قمعيًّا وغير موثوق تفاوضيًّا"، وفي الوقت نفسه طرفًا واقعًا تحت الضغط والخوف؛ إذ يُعاد تفسير انخراطها في المفاوضات بوصفه نتيجة مباشرة للردع الأميركي. فمن ناحية، تظهر إيران بوصفها دولة قد تمتلك أسلحة نووية، ويمتدُّ خطرها إلى حدِّ امتلاك صواريخ باليستية بعيدة المدى، "ورعاية منظمات إرهابية وتصدير الثورة". ومن ناحية أخرى، تُقَدَّم بوصفها "سلطة مارست حملة قمع عنيفة، وكانت على حافة تنفيذ حملات إعدام جماعية". وهكذا، تظهر إيران في هذا الخطاب بوصفها "نظامًا غير أخلاقي، ومضطربًا في بعض جوانبه، وفاقدًا للمصداقية التفاوضية".

أما الشعب الإيراني، فيُقَدَّم بوصفه أهلًا للاستحقاق والكرامة، ومتميزًا عن النظام، بما يَنْزَع عن السلطة الإيرانية شرعية التمثيل الأخلاقي والسياسي، ويُعِيد توزيع الشرعية والتعاطف داخل إيران نفسها. وبذلك، يرسم الخطاب حدود الشرعية، ويُحدِّد مواقع القوة، ويبني التراتب الأخلاقي والسياسي الذي يحكم المشهد التفاوضي كله.

ثالثًا: التفاوض بوصفه مسارًا إكراهيًّا محكومًا بمنطق الردع وتوسيع الشروط

يُظْهِر الخطاب الأميركي بنية حجاجية واضحة تقوم على ربط الوقائع المعلنة بالنتائج السياسية المراد تثبيتها عبر سلاسل منطقية متكررة. فإيران تُقَدَّم بوصفها "خطرًا لا يمكن السماح باستمراره"، فيما تُمَثَّل الولايات المتحدة بوصفها تملك القوة، لكنها تُفَضِّل الحلَّ السلمي. وعلى هذا الأساس، يغدو الاتفاق مطلوبًا فقط بالشروط التي تُزيل هذا الخطر وتؤكد فاعلية الردع، بينما يُصبح التصعيد مشروعًا إذا تعذَّر ذلك. وبهذه الصيغة، ينجح الخطاب في الجمع بين التفاوض والتهديد من دون أن يبدو متناقضًا؛ إذ تُقَدَّم المحادثات بوصفها مسارًا يُثْبِت نجاحه إذا أفضى إلى تنازل إيراني، ويُبَرِّر التصعيد إذا فشل بسبب "طبيعة النظام أو عدم موثوقيته".

ومن أهم الأنماط الحاضرة في هذا الخطاب إبراز الاتفاق بوصفه الخيار العقلاني الوحيد أمام إيران؛ إذ يُقَدَّم عدم القبول ليس بوصفه خلافًا سياسيًّا مشروعًا بل "حماقة تقود إلى الأذى". وهنا يتحوَّل الخطاب إلى أداة ضغط نفسي تسعى إلى ترسيخ صورة مفادها أن الرفض ليس فقط مرفوضًا سياسيًّا بل غير عقلاني ومُكَلِّفًا في آن واحد. كما يحضر بقوة استدعاء السوابق الناجحة؛ إذ تُستحضر الضربات السابقة ضد إيران بوصفها دليلًا على أن التهديد الحالي ليس تهديدًا لفظيًّا. فإذا كانت الولايات المتحدة قد نجحت سابقًا في إيقاع هذا النوع من الضرر، فإن تهديدها الحالي يبدو قابلًا للتصديق، ويغدو البديل عن الاتفاق سابقةً مجرَّبة لا احتمالًا نظريًّا. وبهذا المعنى، يُستخدَم الماضي العسكري حُجَّةً لدفع الامتثال التفاوضي في الحاضر.

ويعمل الخطاب على توسيع موضوع التفاوض؛ إذ لا ينحصر في الملف النووي بل يمتد إلى الصواريخ الباليستية، ورعاية التنظيمات المسلحة في الإقليم، والبرنامج النووي، وطبيعة تعامل السلطة مع الشعب الإيراني. وبهذا، يُرْسَم سقف التوقعات من هذه المرحلة على نحو يُعِيد تعريف ما يُراد من إيران قبوله في الإقليم والداخل. ومن ثم، يظهر هذا التوسع بوصفه نتيجة منطقية لصورة الخطر المركَّب التي يبنيها الخطاب الأميركي.

رابعًا: إدارة التوتر بين الإدانة الأخلاقية والانفتاح التفاوضي

من الأنماط المركزية في الخطاب أيضًا معالجته للتناقض الظاهري بين التفاوض والإدانة الأخلاقية للخصم. فالسؤال الضمني الذي يُحرِّك هذا البناء هو: كيف يمكن التفاوض مع نظام يُقَدَّم بوصفه "قمعيًّا وإرهابيًّا وغير مُمَثِّل لشعبه"؟ وتأتي الإجابة عبر إعادة صياغة معنى التفاوض نفسه، من خلال التأكيد أن الانخراط في الحوار لا يعني التنازل ولا الشرعنة، وأن المحاولة السلمية تبقى ممكنة من دون تعديل الحكم الأخلاقي على الخصم(12). وبهذا، يحمي الخطاب المسار التفاوضي من أن يُفْهَم داخليًّا أو خارجيًّا بوصفه شكلًا من أشكال التطبيع مع طرف سبق أن وُضع داخل دائرة الإدانة الأخلاقية.

2. الخطاب الإيراني في مرحلة التفاوض: مقاومة الإكراه الأميركي

أولًا: الذات الإيرانية بوصفها كلًّا سياديًّا متماسكًا ومصدرًا للشرعية والصمود

يحكم هذا الخطاب تَصَوُّرٌ لدولة ترى نفسها في موقع الدفاع عن السيادة والحقِّ والكرامة في مواجهة قوة خارجية تسعى إلى إخضاعها. لذلك يُقَدَّم التفاوض بوصفه اختبارًا لمدى استعداد الولايات المتحدة للتخلي عن الإكراه والالتزام بحدٍّ أدنى من الاحترام المتبادل. ومن هذا المنظور، تتعامل إيران مع نفسها بوصفها صاحبة حقٍّ ثابت تدخل التفاوض لحمايته، كما يظهر في الإصرار على أن انعدام الثقة صنعته أميركا، وأن التخصيب حقٌّ، والصواريخ شأن دفاعي، وأن جوهر المفاوضات أهم من شكلها. وفي الوقت نفسه، يُنقَل مركز القوة من الحشود الأميركية إلى الداخل الإيراني عبر تقديم الشعب والصمود والإرادة الجماعية بوصفها المصدر الحقيقي للقوة.

وتُبْنَى الذات الإيرانية بوصفها كلًّا سياديًّا متماسكًا يضم إيران والشعب والجمهورية الإسلامية في وحدة واحدة؛ إذ يرتبط أي مساس بالتخصيب أو الصواريخ أو الشؤون الداخلية بإيران كلِّها بوصفها كيانًا سياديًّا كاملًا. وفي هذا السياق، تُسْنَد إليها صفات "الصمود والكرامة والاقتدار والاستعداد والانفتاح على الدبلوماسية من دون خضوع"، فتظهر فاعلًا يجمع بين الشرعية والقدرة وضبط النفس، وينفتح على التفاوض من موقع استحقاق لا من موقع خوف أو اضطرار.

ويقوم البناء المركزي هنا على أن إيران صاحبة حقٍّ، وأن الولايات المتحدة قوَّضت الثقة ووسَّعت منطق الإكراه، لذلك فإن أي تفاوض ناجح يجب أن يبدأ بالاعتراف بالحقوق ورفع الإملاءات وحصر التفاوض في إطاره المشروع. ويتجلَّى ذلك في ربط الصراع بطموح أميركي قديم للهيمنة على إيران، وفي نقل عبء إثبات الجدية إلى واشنطن بوصفها الطرف الذي أفسد الدبلوماسية، وفي تثبيت التخصيب حقًّا مشروعًا ضمن معاهدة عدم الانتشار مع التأكيد على سلمية البرنامج والاستعداد للتحقق وبناء الثقة.

ومن ثم، يبني الخطاب الإيراني تصورًا تفاوضيًّا يجعل التفاوض جزءًا من مقاومة الضغوط الأميركية. فهو يُعَظِّم السلوك الأميركي بوصفه طمعًا وعدوانًا وخيانة للدبلوماسية، ويُبْرِز كلفة أي تصعيد محتمل عبر تصوير الردِّ الإيراني بوصفه رادعًا وقادرًا على توسيع الحرب، لكنه في الوقت نفسه يُحافظ على شرعية الانخراط التفاوضي عبر التأكيد على الاستعداد لمفاوضات عادلة، وإجراءات بناء الثقة، وأي تحقق يتم ضمن حدود الحقوق والسيادة. وبذلك، يظهر الخطاب صلبًا في الحقوق ومرنًا في الآليات.

ثانيًا: الولايات المتحدة بوصفها قوة هيمنة وخيانة للدبلوماسية

في الخطاب الإيراني تُقَدَّم الولايات المتحدة بوصفها "قوة طامعة ومعتدية وخائنة للدبلوماسية"، تُعَرَّف من خلال موقع ثابت في الصراع بوصفها "فاعلًا يسعى إلى الهيمنة على إيران"، ويستخدم الدبلوماسية والتهديد والعقوبات والإملاءات أدواتٍ ضمن هذا المسار، من دون أن يفصل الخطاب الإيراني بينها وبين شعبها أو مؤسساتها كما يفعل الخطاب الأميركي مع إيران(13).

وفي المقابل، تُنْسَب إلى الولايات المتحدة صفات "الطمع والخداع والغدر وفرض العقوبات والتهديد والإملاء والاستعراض وعدم الجدية"؛ إذ تُصَوَّر بوصفها "خصمًا غير موثوق ومُخِلًّا بشروط التفاوض العادل"، وهو ما يُشَكِّل ردًّا ضمنيًّا على الخطاب الأميركي الذي يُقَدِّم نفسه بوصفه عقلانيًّا وقادرًا على الجمع بين القوة والسلام.

وإلى جانب ذلك، يضع الخطاب نفسه داخل مشهد إقليمي لا أميركي، من خلال إبراز أدوار عُمان وتركيا وقطر والسعودية ومصر وأذربيجان وغيرها، بما ينزع عن واشنطن احتكار تعريف الأزمة، ويُعِيد تقديمها بوصفها أزمة يمكن للمنطقة نفسها أن تُسْهِم في احتوائها ومعالجتها.

ثالثًا: تحديد حدود التفاوض وحماية المجال السيادي من التوسيع والإملاء

يجري تحديد ما يدخل ضمن التفاوض وما يبقى خارجه على نحو واضح؛ إذ يُقَدَّم التخصيب بوصفه حقًّا، والصواريخ بوصفها شأنًا دفاعيًّا، والقضايا الإقليمية بوصفها من شؤون المنطقة، والاحتجاجات السلمية بوصفها حقًّا دستوريًّا، في مقابل توصيف الأعمال المسلحة بـ"الإرهاب". وبهذا، تُرْسَم خريطة الشرعية على نحو يحمي الحدود السيادية للملف من أن تتحوَّل إلى موضوع إملاء أو تفاوض خارجي.

ويظهر ذلك أيضًا في حصر التفاوض في الملف النووي، وإخراج الصواريخ والدفاع والإقليم والداخل من نطاقه، ردًّا على التوسيع الأميركي لموضوعات التفاوض. وأخيرًا، يربط الخطاب بين أولوية الدبلوماسية والاستعداد للرد إذا فُرِضَت الحرب، بما يُرسِّخ معادلة تجمع بين الصمود والمرونة، وتجعل من الجاهزية العسكرية أداةً لحماية التفاوض لا بديلًا عنه.

شكل (2): الوظيفة السياسية للخطاب الرسمي الأميركي والإيراني

2

2.2. المرحلة الثانية: التصعيد

السياق التاريخي-السياسي

صدرت خطابات مرحلة التصعيد في سياق استمرت فيه المفاوضات شكليًّا، لكنها بدت متعثرة عمليًّا. فبعد جولة مسقط، تواصلت المفاوضات غير المباشرة عبر جولة في جنيف، يوم 17 فبراير/شباط، بوساطة عُمانية، ثم جولة أخرى في المدينة نفسها يوم 26 فبراير/شباط، من دون اختراق حاسم، رغم الحديث عن بعض التقدم والاتفاق على استكمال التفاوض. لذلك، صدرت خطابات هذه المرحلة في لحظة ظلَّ فيها المسار الدبلوماسي قائمًا من حيث الشكل، لكنه كان يتآكل تحت وطأة الخلافات الجوهرية والضغط العسكري المتصاعد، بما جعل التصعيد جزءًا من إدارة التفاوض نفسه.

في الوقت نفسه، جاءت هذه الخطابات ضمن سياق تصاعد عسكري ميداني واضح. فقد أعلنت واشنطن في 13 فبراير/شباط إضافة حاملة طائرات ثانية إلى قواتها المنتشرة في الشرق الأوسط، فيما أشارت التصريحات الأميركية إلى أن هذا الحشد يندرج في إطار التحضير لاحتمال عمليات عسكرية ممتدة ضد إيران(14). وفي المقابل، ردَّت إيران بإشارات ميدانية مقابلة، تمثَّلت في مناورات للحرس الثوري في مضيق هرمز والإغلاق المؤقت لأجزاء منه في 17 فبراير/شباط(15).

إقليميًّا، صدرت هذه الخطابات في بيئة كانت احتمالات الحرب فيها تزداد اقترابًا في تقديرات الدول. فقد عكست قرارات الإجلاء الدبلوماسي الأميركي، في بيروت يوم 23 فبراير/شباط وفي القدس يوم 27 فبراير/شباط، انتقال التقدير الأمني من مستوى التحذير إلى مستوى الإجراءات الاحترازية العملية. كما أظهرت التدابير التي اتخذتها دول عدة، مثل سحب العاملين والموظفين غير الأساسيين، والسماح بالمغادرة الطوعية، والتحذير من السفر إلى إيران ولبنان وبعض دول المنطقة، أن الحرب باتت تُعامَل إقليميًّا ودوليًّا بوصفها احتمالًا قريبًا وواقعيًّا(16).

أما في الداخل الأميركي، فقد صدرت هذه الخطابات في سياق جدل متنامٍ حول خطر الانزلاق إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط. ففي 24 فبراير/شباط 2026، شهدت واشنطن تحركًا داخل الكونغرس للتصويت على قانون "صلاحيات الحرب" بهدف منع الرئيس دونالد ترامب من مهاجمة إيران من دون موافقة تشريعية، وهو ما عكس تصاعد القلق السياسي من أن يؤدي الجمع بين الضغط العسكري والتفاوض إلى مواجهة مفتوحة.

التحليل النصي للخطاب

1. الخطاب الأميركي: شرعنة الفعل القسري وضبط التصعيد بمنطق القوة

أولًا: احتكار الذات الأميركية للقرار الحاسم ومرجعية الفعل العسكري

في هذه المرحلة، يُسْنِد الخطاب إلى الذات الأميركية صفات "القوة المطلقة، والقدرة على الحسم، والمسؤولية الأخلاقية، بل وحتى وظيفة الخلاص"؛ إذ تُقَدَّم الولايات المتحدة بوصفها "قوة عسكرية متفوقة تُدافع عن شعبها، وتسعى إلى إنقاذ الأرواح، وتؤدي مهمة نبيلة"، مع الإبقاء على تفضيل الدبلوماسية متى أمكن. كما يُسْنَد إلى الرئيس دونالد ترامب دور الفاعل الحاسم الذي يُنْجِز ما عجز عنه الآخرون. كما أصبحت التسمية أكثر حدِّة من مرحلة التفاوض؛ إذ بُنِيَت الولايات المتحدة بوصفها الذات التي تحتكر القرار والفعل العسكري، مع اندماج واضح بين الإحالة إلى الدولة والإحالة إلى الرئيس، بحيث يظهر القرار الأميركي وكأنه مُتَجَسِّد في إرادة رئاسية حاسمة.

ويحكم خطاب التصعيد منظور يُرسِّخ الولايات المتحدة بوصفها "الفاعل الذي يملك حقَّ الحكم النهائي على السلم والحرب والشرعية والزمن". فمن هذا المنظور، تُقَدَّم إيران بوصفها "التهديد المركزي لاستقرار الإقليم"، بينما تَظْهَر "الولايات المتحدة مرجعًا يُحدِّد ما إذا كان المسار دبلوماسيًّا أو عسكريًّا أو متصلًا بما بعد النظام"، وبذلك يفرض الخطاب تفسيره للواقع الطبيعي(17). كما يُقَدَّم استخدام القوة العسكرية بوصفه لغة طبيعية ومسؤولة للفعل السياسي؛ إذ يصبح التصعيد امتدادًا مشروعًا لوظيفة القيادة الأميركية. كذلك يُبْنَى الزمن من زاوية أميركية حاسمة تقوم على المهلة الضيقة والنافذة المتقلصة؛ ما يجعل إيران تظهر دائمًا بوصفها "الطرف المتأخر أو المراوغ الذي يُبَدِّد الفرص"، ويمنع تأويل تأخرها بوصفه صمودًا أو مناورة.

ثانيًا: بناء إيران بوصفها عدوًّا شاملًا ومصدرًا تاريخيًّا للتهديد والعنف

في هذه المرحلة، تنتقل إيران من موقع "الخصم التفاوضي الصعب" إلى موقع "العدو الخطر الشامل"، عبر تسميات تُؤَطِّرُها "نظامًا إرهابيًّا ومتطرفًا وعنيفًا"، وتُدَعَّم هذه الصورة باستدعاء المواقع النووية والأحداث التاريخية المرتبطة بالعنف، بما يُحوِّل اسم إيران من فاعل جيوسياسي إلى سلسلة من الرموز التهديدية(18). وداخل هذا البناء، يستمر الفصل بين الشعب الإيراني والقيادة الإيرانية، لكن بصورة أكثر تَقَدُّمًا؛ إذ يُخَاطَب الشعب بوصفه فاعلًا سياسيًّا محتملًا في مرحلة ما بعد الضربة أو انهيار النظام. كما تتضخم تسمية الأدوات العسكرية الأميركية في هذه المرحلة لتؤدي وظيفة تتجاوز الوصف؛ إذ تُرَسِّخ الانتقال من منطق الردع إلى منطق التنفيذ، ومن التهديد المحتمل إلى الفعل القسري الجاري أو الوشيك.

كما تُسْنَد إلى إيران صفات "الشر والخطر والعنف والخداع وسوء التفاوض والقمع الداخلي"، مع إضافة بُعْد مهمٍّ يتمثَّل في تحميلها مسؤولية التصعيد؛ لأنها أضاعت الفرص ورفضت التخلِّي عن طموحاتها النووية. أما الشعب الإيراني، فتُسْنَد إليه صفات "الضحية والكرامة والاستحقاق والتطلع إلى الحرية"، بما يُرَسِّخ انقسامًا أخلاقيًّا داخل إيران نفسها بين نظام يُمَثَّل بوصفه "مصدر الشر"، وشعب يُقدََّم بوصفه "جديرًا بالخلاص". كذلك يُنْتِج الخطاب تمايزًا أخلاقيًّا داخل القوى الإيرانية المسلحة؛ إذ يمنح من يستسلم إمكان الحماية والمعاملة العادلة، بينما يربط من يواصل القتال بالموت المحتوم، وبذلك يَبْنَي سُلَّمًا تَفَاضُلِيًّا يُعِيد تأهيل من ينخرط في المسار الأميركي، ويُجرِّد الرافضين له من الشرعية الأخلاقية.

ثالثًا: الحجاج الأميركي في شرعنة التصعيد وتحويله إلى ضرورة سياسية وأخلاقية

في مرحلة التصعيد، يصبح الحجاج أكثر صلابة؛ إذ يقوم على أن إيران تُمَثِّل "خطرًا تاريخيًّا ممتدًّا"، وقد مُنِحَت فرصًا متعددة، وتعرضت لضربات سابقة، وأُعْطِيت مهلة، لكنها "استمرت في الرفض أو المراوغة"، ولذلك يصبح "التصعيد مشروعًا بل ضروريًّا". وبهذا، يُقَدَّم الفعل القسري بوصفه نتيجة لرفض إيران المسار الذي يصوَّر بوصفه عقلانيًّا.

كما يُوظِّف الخطاب حجاجًا تاريخيًّا واسعًا، عبر استدعاء سلسلة من الأحداث من طهران إلى بيروت والعراق كأحداث العام 2000 مع "يو إس إس كول" في اليمن، وأحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بهدف بناء استمرارية تاريخية تجعل الضربة تبدو استجابة متأخرة لسجل طويل من العنف. كذلك يتكثف حجاج "السلام من خلال القوة" في صيغة إقليمية ترى أن إزالة التهديد النووي الإيراني شرط لإمكان السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، وبذلك تتحوَّل الضربة من أداة ردع إلى أداة لتأسيس النظام الإقليمي المرغوب.

وفي موازاة ذلك، يعمل خطاب جيه دي فانس حجاجيًّا على طَمْأَنَة الداخل الأميركي عبر تأكيد أن هذا المسار لا يعني تكرار نموذج العراق أو الانزلاق إلى حرب مفتوحة طويلة، بل استخدامًا محدودًا ومحسوبًا للقوة مع إبقاء الدبلوماسية مفضلة متى أمكن.

2. الخطاب الإيراني: بناء الذات السيادية ومقاومة الهيمنة

أولًا: الذات الإيرانية بوصفها كيانًا سياديًّا جامعًا للشرعية والحق والدفاع

في الخطاب الإيراني خلال مرحلة التصعيد، تُصبح التسمية أكثر كثافة ووضوحًا في فرز المعسكرات؛ إذ تُبْنَى الذات الإيرانية عبر تداخل إيران والجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني وحقوق الإيرانيين والعقيدة الدفاعية والسيادة والكرامة والعزة في كيان واحد جامع. وتُدْمَج الدولة والشعب والتاريخ والحقُّ في حامل واحد للشرعية، في مواجهة محاولات الخطاب الأميركي الفصل بين النظام والمجتمع أو بين الحق القانوني والقرار السياسي.

على مستوى الإسناد، يمنح الخطاب الإيراني الذات الإيرانية صفات "الصمود واليقظة والكرامة والاقتدار والعقلانية الدفاعية والانفتاح على الدبلوماسية من دون خضوع"؛ إذ يُقَدَّم الشعب الإيراني بوصفه حيًّا ويقظًا وصاحب إرادة وعزم وصمود، وتُعْرَض "إيران دولةً لا تنحني ولا ترضخ ولا تستسلم"، وتجمع بين "الاستعداد للسلام والدبلوماسية والاستعداد للدفاع عن نفسها". كما تُسْنَد إلى القيادة الإيرانية صفات "الجدية والمبادرة والقدرة على إدارة الانتقال من حالة اللاحرب واللاسلم والسعي إلى إبعاد شبح الحرب"، بما يبني صورة لإيران فاعلًا قادرًا على الجمع بين الردع والتهدئة، والكرامة والدبلوماسية، والثبات والمرونة.

يحكم هذا الخطاب منظور دولة ترى نفسها في موقع التصدي لمحاولة إخضاع وهيمنة، ولذلك يُقَدَّم التصعيد الأميركي بوصفه حلقة ضمن مسار أوسع يهدف إلى فرض الإرادة على إيران أو ابتلاعها أو إعادة إخضاعها. ومن هذا المنظور، تُصبح عبارات من قبيل "ما شأنكم؟" و"هذا الشأن يخص الشعب الإيراني" و"لن نحني رؤوسنا" علامات على زاوية الرؤية التي يُراد للمتلقي أن يفهم منها المشهد كله، أي بوصفه صراعًا على السيادة.

ثانيًا: الولايات المتحدة بوصفها قوة هيمنة وتدخل وإخضاع مقرونة بإسرائيل

تُسَمَّى الولايات المتحدة بوصفها "قوة خارجية متدخلة وطامعة ومُحَرِّضَة"، وغالبًا ما تُقْرَن بإسرائيل داخل بنية واحدة، بما يضعها في حقل أوسع من الهيمنة والتدخل والعدوان الخارجي، ويمنع التعامل معها خصمًا منفصلًا عن إسرائيل. كما تُسْنَد إلى الولايات المتحدة صفات "الطمع والاختلال والتناقض والافتقار إلى المنطق والتهديد والضغط والمعلومات المغلوطة والحشد غير الضروري"، فتُقَدَّم فاعلًا يُعاني خللًا في منطقه السياسي، ويخلط بين التهديد والدبلوماسية بما يُفْقِدُه صدقية الشريك الجاد، في مواجهة خطابها الذاتي الذي يَنْسُب إليها العقلانية والمسؤولية.

ثالثًا: تحديد حدود التفاوض والدفاع عن الحق النووي والعقيدة الردعية

تؤدي التسمية دورًا حاسمًا في ترسيم ما يدخل التفاوض وما يخرج منه؛ إذ يُقَدَّم البرنامج النووي السلمي والتخصيب بوصفهما حقًّا، وتُسَمَّى "الصواريخ جزءًا من العقيدة الدفاعية وآلية الردع"، وتُوصَف المفاوضات بأنها عادلة أو متوازنة أو واقعية فقط إذا احترمت هذه الحدود. وبذلك تصبح التسمية أداة لترسيم الحدود المعيارية والسيادية للملفات المختلفة؛ إذ لا يمكن لما يُعَرَّف بوصفه حقًّا أو ردعًا أو مُكَوِّنًا دفاعيًّا أن يتحوَّل إلى مادة إملاء خارجي.

ويقوم الحجاج المركزي هنا على معادلة مفادها أن المشكلة قابلة للحلِّ إذا انحصرت في منع السلاح النووي ضمن الفتوى والعقيدة الدفاعية الإيرانية والضمانات الفنية، لكنها تتحوَّل إلى فشل وتصعيد إذا اتجهت نحو الهيمنة أو نزع أدوات الردع أو فرض مطالب مفرطة(19). وتُتيح هذه البنية للخطاب الإيراني أن يظهر عقلانيًّا ومنفتحًا على الحلِّ من دون التنازل عن خطوطه الحمراء، عبر التمييز بين المطالب المعقولة والمطالب غير المشروعة.

كما يُقَدِّم الخطاب حجاجًا مضادًّا مباشرًا لفكرة الحلِّ العسكري؛ إذ يؤكد أن الحرب جُرِّبَت سابقًا ولم تُنْهِ البرنامج، وأن التكنولوجيا لا تُدَمَّر بالقصف، وأن الخيار العسكري غير ضروري وعواقبه كارثية على المنطقة والعالم، بما ينقض الأساس الذي يبني عليه الخطاب الأميركي شرعية التصعيد. وإلى جانب ذلك، يعتمد الخطاب على حجاج السيادة، من خلال تثبيت التخصيب بوصفه حقًّا، والصواريخ بوصفها جزءًا من الردع، وتجريد المطالب الأميركية من الشرعية القانونية والمنطقية والواقعية.

رابعًا: إدارة الداخل والتمييز بين الجماعة الوطنية والعناصر المرتبطة بالعدو

داخليًّا، يُوزِّع الخطاب الإسناد بطريقة تفصيلية؛ إذ يُنْظَر إلى المحتجين السلميين أو المخدوعين بوصفهم متأثرين أو مُضَلَّلِين، لكنهم يظلُّون جزءًا من الجماعة الوطنية، في حين تُسْنَد إلى "العناصر المشاغبة المرتبطة بالعدو" صفات "الفتنة والإفساد والتخريب والعمل المسلح"، بما يُتيح للخطاب الحفاظ على التمايز داخل المجتمع ومنع تجريمه كليًّا، مع إعادة إدراج العنف ضمن إطار العمالة أو الإرهاب.

شكل (3): بنية مرحلة التصعيد بين الخطابين الأميركي والإيراني

3

2.3. المرحلة الثالثة: الحرب

السياق التاريخي-السياسي

صدرت خطابات المرحلة الثالثة، الممتدة من 28 فبراير/شباط إلى 8 مارس/آذار 2026، في سياق اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية المباشرة على إيران، بعد مسار متراكم من تَعَثُّر التفاوض والتصعيد العسكري انتهى بانهيار الضبط السياسي للأزمة وتحوُّلها إلى حرب مفتوحة. فقد بدأت الحرب في 28 فبراير/شباط بضربات أميركية/إسرائيلية واسعة استهدفت مراكز القيادة الإيرانية، وأدَّت إلى اغتيال المرشد الأعلى، علي خامنئي، وعدد من كبار المسؤولين والقادة الإيرانيين. وردَّت إيران سريعًا بإطلاق صواريخ على إسرائيل واستهداف قواعد أميركية في المنطقة، بما كشف انتقال المواجهة فورًا إلى ردٍّ عسكري مباشر ومتعدد الساحات. ومنذ ذلك التاريخ، صدرت الخطابات الأميركية والإيرانية داخل سياق حرب قائمة لا مجرد تهديد أو تصعيد.

ارتبطت هذه الحرب مباشرة بفشل المسار التفاوضي الذي استمر حتى الأيام الأخيرة من فبراير/شباط من دون نتيجة. كما اندلعت في بيئة إقليمية مترابطة لم تكن فيها الساحات منفصلة؛ الأمر الذي حال دون حصر المواجهة داخل المجال الإيراني. فسرعان ما ظهرت تداعياتها على جبهات أخرى، ولاسيما لبنان، فيما أدَّت إسرائيل دورًا مباشرًا وحاسمًا في توسيع الحرب ودفعها نحو مسار إقليمي متعدد الجبهات.

دوليًّا، صدرت هذه الخطابات في ظلِّ تصاعد القلق من اتَّساع الحرب إقليميًّا ومن آثارها على النفط والشحن والتوازنات الكبرى. وقد بدأ تأثيرها يظهر سريعًا في مضيق هرمز مع تقييد إيران مرور السفن الأجنبية في الأيام التالية، كما ارتفعت أسعار النفط منذ اليوم الأول بفعل المخاوف على الإمدادات والملاحة؛ إذ ارتفع خام برنت بنسبة 8.36% ليبلغ 84.24 دولارًا، في 3 مارس/آذار 2026(20).

كما جاءت هذه المرحلة محمَّلة بسياق تاريخي كثيف حضر في الخطابات نفسها، عبر استدعاء مرجعيات مثل أزمة السفارة الأميركية، عام 1979، وتفجير ثكنة المارينز في بيروت، عام 1983، والهجمات على القوات الأميركية في العراق وأفغانستان، ثم الحرب على غزة، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأخيرًا حرب الأيام الاثني عشر بوصفها المقدمة المباشرة للحرب. وبذلك، أُدْرِكَت الحرب داخل تتابع تاريخي متراكم من الصراع والذاكرة والتأويل السياسي.

التحليل النصي للخطاب

1. الخطاب الأميركي خلال الحرب: إنتاج شرعية الحرب ورسم أفق ما بعد النظام

أولًا: الذات الأميركية بوصفها ذاتًا سيادية موحَّدة تحتكر القرار والحسم

في مرحلة الحرب، تزداد التسمية مباشرةً واستقطابًا؛ إذ تُقَدَّم الذات الأميركية ذاتًا سياديةً مُوَحَّدَةً تضم الدولة والرئيس والجيش والأمة في بنية واحدة متماسكة؛ حيث يظهر الرئيس دونالد ترامب آمرًا، والجيش مُنَفِّذًا، والأمة داعمة، ضمن هدف واحد يُعَزِّز صورة القيادة المركزية والقرار الموحَّد.

على مستوى الإسناد، يُقَدِّم الخطابُ الذاتَ الأميركية بوصفها قوة مطلقة، لكنها "أخلاقية وضرورية وحاسمة وذات رُشد إستراتيجي". فهي تُعْرَض بوصفها أقوى قوة في العالم، "تستخدم قوتها للخير وتؤدي مهمة نبيلة من أجل المستقبل ومن أجل حماية الأميركيين وأطفالهم"، كما تُصَوَّر بوصفها من سيُنهي الحرب في كامل المنطقة، ويفعل ما كان لابد من فعله لمنع خطر كان سيتحوَّل إلى تهديد فعلي(21).

ثانيًا: إيران بوصفها شرًّا مطلقًا وكيانًا منزوع الأخلاق والشرعية

تُسَمَّى إيران عبر شبكة كثيفة من الألفاظ ذات الحمولة الشديدة، مثل "هذا النظام الإرهابي"، و"ديكتاتورية متطرفة شريرة جدًّا"، و"الراعي الأول للإرهاب في العالم"، بما ينقلها من موقع الدولة المعادية إلى موقع كيان منزوع الأخلاق يقع خارج الواقع السياسي، ويُغْلِق إمكان التعاطف معه أو التعامل معه خصمًا طبيعيًّا. ويظهر في هذا السياق أيضًا اغتيال السيد علي خامنئي بوصفه مفصلًا خطابيًّا يُختزل فيه "العدو في شخصٍ مُجَرَّم يُجسِّد النظام ويفتح أفق ما بعده". كما تُسْنَد إلى إيران صفات "الشر والكذب والإرهاب والجنون والدم والمماطلة"، سواء على مستوى الطبيعة العامة للنظام أو على مستوى سلوكه، بما يجعل الحرب تبدو استجابة لطبيعة مستمرة في الخصم.

ويبلغ التكثيف في هذه المرحلة ذروته؛ إذ يظهر في شيطنة الخصم من خلال أوصاف مثل "الشر، والتوحش، والتطرف، والتعطش للدماء"، وفي توصيف الحرب بوصفها عمليات كبرى وضخمة وجارية وهجومًا ساحقًا، وفي تصوير نتائجها بوصفها تدميرًا كاملًا وإبادةً وحسمًا نهائيًّا. ويظهر ضمن هذا المنطق التكثيفي أيضًا توظيف اغتيال خامنئي بوصفه "ذروة رمزية للنجاح الأميركي"، مقابل غياب مجزرة المدرسة الابتدائية للبنات في ميناب تقريبًا عن المركز الخطابي الأميركي بوصفها حدثًا خطابيًّا جرى تهميشه داخل السردية التبريرية للحرب. وتَتَمَثَّل وظيفة هذا التكثيف في ردع الخصم نفسيًّا وتعبئة الداخل الأميركي أخلاقيًّا وعاطفيًّا، عبر تحويل الصراع من خلاف سياسي محدود إلى معركة ضد شرٍّ كبير ينبغي استئصاله.

ثالثًا: إعادة توزيع الفاعلين داخل إيران ورسم أفق ما بعد النظام

يُحافِظ الخطاب على تسمية موازية للشعب الإيراني، مثل: "الشعب الإيراني العظيم" و"الوطنيين الإيرانيين التوَّاقين إلى الحرية"، بما يرفعه من موقع الضحية إلى موقع الفاعل المنتظر، كما يُعِيد تقسيم النظام نفسه عبر تسمية الحرس الثوري، والقوات المسلحة، والشرطة، والدبلوماسيين الإيرانيين بوصفهم شرائح يمكن فصلها عن النظام إذا اختارت "الطريق الصحيح"(22). كذلك تحمل تسمية الحرب نفسها دلالة رمزية، إذ تُعْرَض بوصفها "عملية الغضب الملحمي"، فيما تُسَمَّى الضربة السابقة "عملية مطرقة منتصف الليل"، بما يُضفي على الحرب بنية سردية مُنَظَّمَة تُقَدِّمُها حملةً ذات مراحل وأسماء ورسالة واضحة.

أما الشعب الإيراني والمعارضون للنظام، فتُسْنَد إليهم صفات "الشجاعة والوطنية والتطلع إلى الحرية والإمكان السياسي والحق في المستقبل"، في حين يُمْنَح من يترك السلاح السلامة والحصانة والوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ، بينما يُربط البقاء مع النظام بالموت المحتوم. كما يُدرج تغيير الداخل الإيراني ضمن الأفق الطبيعي للحرب، ويُقَدَّم النداء إلى الشعب أو إلى مؤسسات النظام بوصفه نتيجة متوقعة لتدخل أميركي يخلق لحظة تاريخية جديدة ينبغي على الإيرانيين استثمارها.

رابعًا: الحِجاج الأميركي في تحويل الحرب إلى ضرورة أخلاقية ومنفعة كونية

يقوم الحجاج المركزي في هذه المرحلة على أن إيران تُمَثِّل "خطرًا تاريخيًّا وراهنًا"، وقد مُنِحَت فرصًا متعددة لكنها فشلت واستمرت في المماطلة وأعادت بناء التهديد، وكانت على وشك الضرب أو إعادة التسلح. لذلك تُقَدَّم الحرب بوصفها ضرورة أخلاقية وعملًا محدَّد الهدف. كما يرتكز الخطاب على حجاج تاريخي يربط الحرب بسلسلة طويلة من الهجمات وما يُقَدَّم بوصفه إرهابًا مستمرًّا؛ إذ تبدو الحربُ خطوةً لكسر هذا المسار التاريخي. وفي الوقت نفسه، يُوظَّف حجاج "الفرصة الفائتة" لنقل المسؤولية الأخيرة عن التصعيد إلى إيران، عبر تصويرها بوصفها الطرف الذي أضاع إمكان تجنُّب الحرب.

2. الخطاب الإيراني: بناء الذات الوطنية المقاتلة وضبط الحرب بمنطق الصمود والردع

أولًا: بناء الذات الإيرانية كيانًا وطنيًّا جامعًا للسيادة والكرامة والاستمرارية

في مرحلة الحرب، تزداد التسمية في الخطاب الإيراني كثافةً واستقطابًا؛ إذ تُبْنَى الذات الإيرانية بوصفها كيانًا جامعًا يضم السيادة والكرامة والشعب والأرض والتاريخ والحضارة، بما يحوِّل الحرب من نزاع بين دولتين إلى صراع على وجود إيران ذاته، ويُوسِّع بذلك قاعدة الشرعية الوطنية للمواجهة إلى ما يتجاوز جمهور النظام.

على مستوى الإسناد، يمنح الخطاب الإيراني الذات الإيرانية صفات الكرامة والصمود والحقِّ والشجاعة والقدرة والانضباط والمسؤولية الإقليمية؛ إذ تُقَدَّم إيران بوصفها "دولة لا تستسلم ولا تقبل بالإذلال، وتواصل المقاومة، وتمتلك القدرة الكاملة على الدفاع، مع الحفاظ على التزامها بالقوانين الدولية والمبادئ الإنسانية واحترام سيادة الجوار وعدم السعي إلى توسيع الحرب". وبهذا، تظهر إيران فاعلًا أخلاقيًّا ومنضبط السلوك، بما يُعِيد بناء صورتها في مواجهة الخطاب الأميركي الذي قَدَّمَها بوصفها غير عقلانية وتوسعية بطبيعتها.

كما يحكم هذا الخطاب منظور الضحية المقاتلة، أي الدولة التي ترى نفسها معتدىً عليها، لكنها ليست منهارة ولا فاقدة للقدرة، بل تُقاوم وتُعِيد ضبط مسرح الحرب وتوزيع معناها الأخلاقي. ومن هذا المنظور، تُقَدَّم الحرب عدوانًا استهدف فرض الاستسلام أو التفكيك أو تغيير النظام، فقُوبِل بـ"مقاومة دفاعية قائمة على الكرامة والسيادة والثبات".

وإلى جانب ذلك، يَتَمَوْضَع الخطاب من زاوية ترى أن الزمن الطويل يخدم إيران ويمكن أن يتحوَّل إلى مورد في الصمود والاستنزاف، بما ينقل الحرب من منطق الصدمة والحسم السريع الذي يُفَضِّلُه الخطاب الأميركي إلى منطق الاحتمال الطويل والصبر ومواجهة الخصم على المدى الممتد.

ثانيًا: الولايات المتحدة وإسرائيل "منظومة عدوانية موحدة ومنزوعة الشرعية الأخلاقية"

تُسَمَّى الولايات المتحدة وإسرائيل بوصفهما "منظومة عدوانية موحَّدة"، من خلال صيغ تُحيل إلى "عدوان عسكري أميركي/صهيوني"، و"أعداء ومعتدين وقوى تسعى إلى زرع الفتنة"، مع استدعاء مباشر للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حين يتعلق الأمر بالتهديدات وجرائم الحرب، بما يدمج واشنطن وتل أبيب في بنية واحدة على مستوى القرار والمقصد والنتيجة.

كما يُسْنَد إلى الولايات المتحدة وإسرائيل صفات "العدوان والغدر والإجرام والتصعيد واستهداف المدنيين والتضليل والسعي إلى تفكيك إيران"، إلى جانب الفشل في تحقيق الأهداف والكذب وإخفاء الخسائر وترويج الروايات المُضَلِّلَة، بما ينزع عن الحرب الأميركية/الإسرائيلية شرعيتها الأخلاقية والعملياتية معًا.

ويُعاد تقديم الحرب بوصفها "امتدادًا لمسار سابق من الغدر الأميركي بالدبلوماسية"، فحين كان المسار التفاوضي يمضي، وفق هذا الخطاب، نحو إمكان النجاح، عمدت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تدميره، وبذلك تصبح الحرب في المنظور الإيراني تدميرًا لمسار دبلوماسي. وأخيرًا، اتَّسَم الخطاب الإيراني في مرحلة الحرب بدرجة عالية من التكثيف، تتَّجِه أساسًا إلى ثلاثة مسارات مترابطة، وهي: تكثيف عدوانية الخصم عبر توصيف الحرب بوصفها "عدوانًا عسكريًّا وحشيًّا وإجراميًّا يتضمن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ومخططات صهيونية مشؤومة"، وتكثيف مشروعية الردِّ الإيراني من خلال تأكيد امتلاك جميع الوسائل الدفاعية اللازمة، واعتبار الأهداف العسكرية أهدافًا مشروعة، والإصرار على الردِّ القاطع ورفض الاستسلام أو الإذلال، ثم تكثيف المظلومية المدنية عبر عرض الأرقام والتفاصيل المرتبطة بالمدارس والمياه والمستشفيات والقرى والضحايا المدنيين.

كما يُوَظَّف التخفيف لضبط الصورة الإقليمية والدولية للخطاب، من خلال "الاعتذار" المتكرر للجوار، وتأكيد "عدم وجود عداوة معه"، و"نفي استهداف الدول نفسها"، والحديث عن السلام والتعاون الإقليمي، وقبول مبدأ محادثات سلام مستقبلية، والتذكير بأن إيران قبلت سابقًا وقف إطلاق النار بحُسن نية. كما يظهر التخفيف في مقاربة الداخل، عبر التشديد على الوحدة، ووضع الخلافات جانبًا، وتقدير صبر الناس، وعدم إقصاء المنتقدين، والاعتراف بحبهم لإيران، بما يُوسِّع القاعدة الوطنية للخطاب ويمنعه من الانغلاق داخل جمهور النظام الصلب وحده.

ثالثًا: تنظيم الرد الإيراني وشرعنة الحرب الدفاعية ضمن منطق السيادة والردع

يربط الخطاب الإيراني الحربَ بفشل مشروع الحسم السريع، مؤكدًا أن الأميركيين والإسرائيليين أخطؤوا حين ظنوا أن اغتيال القائد وشلَّ القيادة كفيلان بفرض نصر سريع ومنخفض الكلفة. وبهذا، يُعَزِّز الخطاب داخليًّا الثقة بالقدرة على الاستمرار، وينزع خارجيًّا عن الحرب الأميركية صورة الهيبة والحسم الفوري.

ويولي الخطاب تسمية القواعد الأميركية أهمية خاصة؛ إذ يُعَرِّفُها بوصفها "مصدرًا للعمليات العدوانية وأهدافًا مشروعة للردِّ"، بما يسمح بإعادة فرز الجغرافيا على نحو يجمع بين "الحفاظ على خطاب حسن الجوار" وشرعنة "استهداف المواقع المرتبطة بالعدوان على أراضي الدول المجاورة". وفي السياق نفسه، يُقَدِّم هذه الدول بوصفها "أطرافًا شقيقة ينبغي صون العلاقة معها، مع التمييز بين احترامها واعتبار المواقع المستخدمة في العدوان جزءًا مشروعًا من الردِّ"، من دون تحويلها إلى خصوم أصليين.

ويقوم الحجاج المركزي في هذه المرحلة على أن الحرب فُرِضَت على إيران ولم تكن خيارها، وأن المعتدين انتهكوا القانون الدولي عبر اغتيال القيادة وقتل المدنيين. ولذلك يصبح الردُّ العسكري مشروعًا، كما يصبح استمراره مشروعًا ما دام وقف النار وحده لا يضمن نهاية دائمة للحرب، ولا يُبَدِّل الهدف الفعلي للعدو المتمثل في إذلال إيران أو تفكيكها أو تغيير نظامها. ولهذا، يستند الخطاب إلى حجاج قانوني وسيادي-أخلاقي يربط العدوان بخرق ميثاق الأمم المتحدة واستهداف المدنيين والبنى الحيوية، ويرفض التفاوض تحت النار أو مساواة المعتدي بالمعتدى عليه، بما يحوِّل الحرب من نزاع عسكري إلى قضية قانونية وأخلاقية دولية.

أما داخليًّا، فتَبْرُز تسميات، مثل: مجلس القيادة المؤقت، والبدلاء، والآليات الدستورية، والقوات المسلحة، والجنود الشجعان، بوصفها أدوات تؤكد الاستمرارية المؤسسية بعد اغتيال القيادات، وتُظْهِر أن الدولة لا تزال قائمة وأن انتقال القيادة جرى داخل النظام، في مواجهة الخطاب الأميركي الذي يُلمِّح إلى الانهيار أو التفكك.

3. التفسير التركيبي وإعادة بناء السردية الكلية في الخطاب الأميركي والإيراني

يظهر الخطاب الأميركي بوصفه مسارًا مُتَدَرِّجًا يبدأ من تقديم التفاوض امتدادًا للسيادة الأميركية، ثم ينتقل في مرحلة التصعيد إلى بناء منطق يجعل الإكراه نتيجة طبيعية لتعطيل إيران للمسار الذي يصفه الخطاب الأميركي بالعقلاني، قبل أن يبلغ في مرحلة الحرب ذروته عبر تقديم الفعل العسكري بوصفه تتويجًا أخلاقيًّا وإستراتيجيًّا لمسار طويل من الصبر والإنذار والفرص المهدورة.

وعلى هذا الأساس، تتأسَّس الشرعية الأميركية على ثلاث دعائم متراكبة، وهي شرعية القوة المنضبطة في مرحلة التفاوض، وشرعية الضرورة في مرحلة التصعيد، وشرعية الخلاص أو المنفعة العامة في مرحلة الحرب. وفي المقابل، تُبْنَى مسؤولية إيران بوصفها مسؤولية تراكمية؛ فهي تُقَدَّم أولًا بوصفها الخطر الذي يجب احتواؤه، ثم بوصفها الطرف الذي بدَّد الفرص وراوغ، ثم بوصفها الجهة التي فرضت الحرب بإصرارها على الاستمرار.

في المقابل، يظهر الخطاب الإيراني بوصفه بنية مضادة تصل المراحل الثلاث جميعها ضمن سردية سيادية دفاعية ثابتة، تُقَدَّم فيها إيران بوصفها ذاتًا واحدة تواجه تَبَدُّل أدوات الضغط الأميركية من تفاوض مقترن بالإملاء، إلى تصعيد مقترن بالتهديد، ثم إلى حرب تُصَوَّر بوصفها تدميرًا لمسار دبلوماسي. ففي مرحلة التفاوض، تقوم هذه السردية على تثبيت الحقوق والحدود السيادية. وفي مرحلة التصعيد، يُعاد التأكيد أن المشكلة لا تكمن في جوهر الملف النووي، بل في إرادة الهيمنة ونزع الردع. أما في مرحلة الحرب، فتبلغ هذه السردية ذروتها عبر تقديم الصراع بوصفه "عدوانًا مفروضًا يستهدف إذلال إيران أو تفكيكها أو تغيير نظامها"، بما يجعل المقاومة والردَّ امتدادًا لحقٍّ أصيل في الدفاع. وفي المقابل، تُنْقَل المسؤولية إلى الولايات المتحدة بصورة معاكسة تمامًا للرواية الأميركية؛ إذ تُقَدَّم بوصفها "الطرف الذي خان الثقة"، ووسَّع المطالب، وخلط بين الدبلوماسية والإكراه، ثم دمَّر المسار التفاوضي نفسه بالتصعيد والحرب.

أما في المقارنة بين الخطابين، فإن أبرز ما يظهر هو أن التماثل بينهما يقع في البنية العميقة لإنتاج الشرعية وتوزيع الأدوار داخل السردية، غير أن الاختلاف الجوهري يتمثَّل في مركز السردية ووظيفتها السياسية. كذلك يختلف الخطابان في معنى الفعل السياسي والعسكري، فالخطاب الأميركي يُقَدِّم القوة بوصفها أداة لإعادة ترتيب الواقع وإنقاذه من خطر قائم، في حين يُقَدِّم الخطاب الإيراني القوة بوصفها أداة لمنع الإخضاع وكسر مشروع الحسم السريع.

شكل (4): مصفوفة بناء الذات والآخر في الخطاب الرسمي الأميركي والإيراني

4

خاتمة

تُظْهِر نتائج التحليل أن الخطابين، الأميركي والإيراني، تحرَّكا عبر المراحل الثلاث داخل سرديتين متقابلتين، لكنهما متشابهتان في البنية العميقة؛ إذ سعى كل طرف إلى احتكار تعريف الشرعية، وتوزيع المسؤولية، وتأطير الانتقال من التفاوض إلى التصعيد ثم إلى الحرب بوصفه مسارًا عقلانيًّا ومشروعًا من جهته. فقد بَنَى الخطاب الأميركي سردية متصلة تبدأ بتقديم التفاوض امتدادًا للسيادة الأميركية، ثم تُعِيد في مرحلة التصعيد تأطير الإكراه بوصفه نتيجة ضرورية لتعطيل إيران، قبل أن تبلغ في مرحلة الحرب ذروتها عبر تصوير الفعل العسكري بوصفه تتويجًا أخلاقيًّا وإستراتيجيًّا لمسار طويل من الصبر والإنذار والفرص المهدورة. وبذلك تأسَّست شرعية هذا الفعل على ثلاث دعائم متراكبة، وهي: القوة المنضبطة، ثم الضرورة، ثم المنفعة العامة أو الخلاص.

في المقابل، بَنَى الخطاب الإيراني سردية تبدأ من تثبيت الحقوق والحدود السيادية في التفاوض، ثم تُعِيد في التصعيد تعريف المشكلة بوصفها نابعة من إرادة الهيمنة ونزع الردع، قبل أن تبلغ في الحرب ذروتها عبر تأطير الصراع بوصفه عدوانًا مفروضًا يستهدف إذلال إيران أو تفكيكها أو تغيير نظامها، بما يجعل المقاومة والردَّ امتدادًا لحقٍّ أصيل في الدفاع. ومن ثم تأسَّست شرعيته على ثلاث ركائز، وهي: شرعية التفاوض غير الخاضع للإملاء، وشرعية الردع بوصفه مانعًا للحرب، وشرعية الدفاع المشروع في مواجهة العدوان. وعلى هذا الأساس، تكشف الدراسة أن جوهر الاختلاف بين الخطابين كان في المعنى السياسي الكلي للصراع، فالخطاب الأميركي قَدَّمَه بوصفه صراعًا على فرض النظام ومنع الخطر، بينما قَدَّمَه الخطاب الإيراني بوصفه صراعًا على السيادة والكرامة والحقِّ في البقاء خارج منطق الإخضاع.

ABOUT THE AUTHOR

References

(1) Alister Miskimmon et al., Strategic Narratives: Communication Power and the New World Order, (Routledge, 2013), “accessed March 2, 2026”. https://tinyurl.com/yvfvr4xz.

(2) Robert Entman, “Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm,” Journal of Communication, Vol. 43, No. 4, (1993): 51–58.

(3) Erving Goffman, Frame Analysis: An Essay on the Organization of Experience, (Harper & Row, 1974).

(4) Teun van Dijk, Ideology: A Multidisciplinary Approach (Sage, 1998), “accessed March 2, 2026”. https://tinyurl.com/42naauha.

(5) Ruth Wodak, Michael Meyer, (eds), Methods of Critical Discourse Analysis, 2nd ed. (Sage, 2009), “accessed March 2, 2026”. https://tinyurl.com/yrpw5c7w. 

(6) Teun van Dijk, “Politics, Ideology, and Discourse,” in Encyclopedia of Language & Linguistics, 2nd ed., ed. Keith Brown, (Elsevier, 2006), 728–740.

(7) Norman Fairclough, Critical Discourse Analysis: The Critical Study of Language (Longman, 1995).

(8) Barak Ravid, “U.S. tells Iran it is ready to meet and negotiate a deal,” Axios, February 1, 2026, “accessed April 14, 2026”. https://tinyurl.com/yzs97njx.

(9) Samia Nakhoul et al., “US and Iran slide towards conflict as military buildup eclipses talks,” Reuters, February 20, 2026, “accessed April 14, 2026”. https://tinyurl.com/983r2p5d. 

(10) The Prime Minister of the Republic of Armenia, “Nikol Pashinyan and JD Vance Make Statements for Media Representatives,” primeminister.am, February 9, 2026, “accessed April 19, 2026”. https://tinyurl.com/2xtmnxd9.

(11) Marco Rubio, “Secretary of State Marco Rubio at a Press Availability,” U.S. Department of State, February 4, 2026, “accessed April 19, 2026”. https://tinyurl.com/2zfhnjzm.

(12) Marco Rubio, “Secretary of State Marco Rubio at a Press Availability,” U.S. Department of State, February 4, 2026, “accessed April 19, 2026”. https://tinyurl.com/b6dethkd.

(13) "كلمة الإمام الخامنئي في لقاء مع مختلف الفئات الشعبية في الذكرى السنوية السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية"، khamenei.ir، 1 فبراير/شباط 2026، (تاريخ الدخول: 19 أبريل/نيسان 2026)، https://arabic.khamenei.ir/news/10108.

(14) Kevin Liptak, Jim Sciutto, “US sending second aircraft carrier group to Middle East, sources say,” CNN, February 13, 2026, “accessed April 14, 2026”. https://tinyurl.com/bdeszmp3.

(15) “Iran shut Hormuz Strait for a few hours on Tuesday, Iranian media confirms,” Reuters, February 17, 2026, “accessed April 14, 2026”. https://tinyurl.com/5chxje3r.

(16) “Countries issuing Middle East travel advisories as Iran tensions rise,” Reuters, February 25, 2026, “accessed April 14, 2026”. https://tinyurl.com/3h63hvnu. 

(17) “Speech: Donald Trump Addresses a Board of Peace Meeting in Washington - February 19, 2026,” Roll Call Factba.se, February 19, 2026, “accessed April 19, 2026”. https://tinyurl.com/3stsu6yx.

(18) “President Donald J. Trump’s 2026 State of the Union Address,” The White House, February 24, 2026, “accessed April 19, 2026”. https://tinyurl.com/bdfcnv6p.

(19) غزل أريحي، "شمخاني للجزيرة نت: قدراتنا الصاروخية خط أحمر"، الجزيرة نت، 13 فبراير/شباط 2026 (تاريخ الدخول: 19 أبريل/نيسان 2026)، https://tinyurl.com/2u75fpwz.

(20) “Oil Prices Surge to $84 as Supply Risk Becomes Real,” Yahoo Finance, March 3, 2026, “accessed April 14, 2026”. https://tinyurl.com/mrxjpxf6.

(21) “President Donald J. Trump on the United States Military Major Combat Operations in Iran,” The White House, February 28, 2026, “accessed April 19, 2026”. https://tinyurl.com/3k8nybpf.

(22) “President Trump Participates in the Visit of the 2025 Major League Soccer Champions – Inter Miami CF,” The White House, March 5, 2026, “accessed April 19, 2026”.  https://tinyurl.com/3a47kdj8.