الانتقال الديمقراطي في تونس (2011-2021): مراجعات نقدية للمسار والأدوار

(الجزيرة)

يقدِّم كتاب "الانتقال الديمقراطي في تونس (2011-2021): مراجعات نقدية للمسار والأدوار" قراءة نقدية لتجربة الانتقال الديمقراطي التونسية خلال العقد الذي أعقب ثورة 2011، متتبعًا السياقات التي نشأت فيها التجربة، وأدوار الفاعلين الرئيسيين فيها، والعوامل التي أسهمت في نجاح بعض مراحلها وتعثر مراحل أخرى، وصولًا إلى توقف المسار الديمقراطي في عام 2021.

ينطلق مؤلف الكتاب، الدكتور عز الدين عبد المولى، مدير البحوث بمركز الجزيرة للدراسات، من فرضية مفادها أن التجربة التونسية، رغم ما انتهت إليه من تعثرات وإخفاقات، تمثل إحدى أهم تجارب التحول الديمقراطي في العالم العربي، وتختزن دروسًا سياسية ومؤسسية وفكرية تستحق المراجعة والتحليل، سواء لفهم الحالة التونسية ذاتها أو لاستيعاب التحديات التي تواجه مسارات الدمقرطة في المنطقة العربية عمومًا.

صدر الكتاب عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت، ويتناول في ثمانية فصول مختلف أبعاد التجربة التونسية، من الإطار النظري للانتقال الديمقراطي وسياقاته المحلية والإقليمية والدولية، إلى أدوار النخب السياسية والإسلاميين والاتحاد العام التونسي للشغل ووسائل الإعلام والعامل الخارجي، وصولًا إلى مناقشة شروط عودة الديمقراطية وإمكانات استدامتها في المستقبل.

يضع المؤلف التجربة التونسية ضمن إطار أوسع يرتبط بأدبيات الانتقال الديمقراطي المقارنة، مستفيدًا من الخبرة النظرية المتراكمة حول تجارب التحول السياسي في مناطق مختلفة من العالم، كما يربطها بسياقاتها الوطنية والعربية والدولية، ساعيًا إلى فهم أسباب النجاح والإخفاق بعيدًا عن القراءات التبسيطية أو الأحكام المسبقة.

يتناول الفصل الأول مسار الانتقال الديمقراطي في تونس من منظور شامل، فيستعرض السياقات الوطنية والعربية وما بعد الكولونيالية التي أحاطت بالتجربة، ويناقش مفهوم "الاستثناء التونسي" الذي شغل مساحة واسعة من النقاش الأكاديمي والسياسي خلال العقد الماضي. كما يقف عند أبرز المحطات التي شهدتها المرحلة الانتقالية، بدءًا من تأسيس المؤسسات الانتقالية وصياغة دستور 2014، مرورًا بالانتخابات الدورية ومسار العدالة الانتقالية، وصولًا إلى الأزمات السياسية والمؤسسية التي انتهت بإغلاق المسار الديمقراطي.

ويخصص الفصل الثاني لدراسة دور النخبة التونسية، مستعرضًا مساهمتها في بناء التوافقات السياسية التي سمحت بإنجاز مراحل مهمة من الانتقال الديمقراطي، قبل أن تتحول الانقسامات والصراعات بين مكوناتها إلى أحد أبرز أسباب تعثر التجربة. ويخلص المؤلف إلى أن النخبة التونسية أدَّت دورًا مزدوجًا؛ إذ أسهمت في تأسيس التجربة الديمقراطية الناشئة، وأسهمت كذلك في تهيئة الظروف التي أفضت إلى إضعافها.

أما الفصل الثالث فيركز على تجربة الإسلاميين في الحكم، وعلى رأسهم حركة النهضة، محللًا طبيعة انتقالها من موقع المعارضة إلى موقع السلطة، والتحديات التي واجهتها خلال إدارة المرحلة الانتقالية، والعلاقة بين الإسلاميين والديمقراطية من حيث الممارسة السياسية والخلفيات الفكرية وتأثير ذلك في مسار الانتقال الديمقراطي.

ويتناول الفصل الرابع دور الاتحاد العام التونسي للشغل بوصفه أحد أبرز الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في تونس الحديثة، مستعرضًا إسهاماته المختلفة خلال الثورة والمرحلة الانتقالية، بما في ذلك دوره في الحوار الوطني الذي أسهم في تجاوز أزمة 2013 السياسية، إلى جانب أثر مواقفه السياسية والنقابية في تطور المسار الديمقراطي وفي الأزمات التي واجهته.

ويفرد المؤلف الفصل الخامس لدراسة أداء الإعلام خلال عشرية الانتقال الديمقراطي، مستفيدًا من عدد من المقاربات النظرية في مجال الإعلام والاتصال، مثل تحديد الأجندة وحراسة البوابة والتأطير الإخباري، ليخلص إلى أن قطاعات واسعة من الإعلام أخفقت في مواكبة التحولات الديمقراطية، وأسهمت بدرجات متفاوتة في تعميق أزمات المرحلة الانتقالية.

كما يناقش الفصل السادس مفهوم "الدولة العميقة" وما يحيط به من جدل نظري وسياسي، متتبعًا نشأة المفهوم وتطوره وانتشاره في الأدبيات السياسية المعاصرة، قبل الانتقال إلى بحث حضوره في الحالة التونسية ودوره المحتمل في توجيه بعض مسارات الحياة السياسية خلال المرحلة الانتقالية.

ويتناول الفصل السابع تأثير العامل الخارجي في التجربة التونسية من خلال تحليل مواقف القوى الدولية والإقليمية من الثورة ومن مسار الانتقال الديمقراطي، كما يناقش أثر التفاعلات الإقليمية والدولية في فرص نجاح التجربة أو تعثرها، وفي التحولات التي شهدتها البلاد بعد عام 2021.

ويختتم الكتاب بفصل مخصص لمستقبل الديمقراطية في تونس، يناقش فيه إمكانات العودة إلى المسار الديمقراطي وشروط تحقيق ذلك. ويُفرِّق المؤلف بين فكرة استئناف التجربة السابقة من حيث توقفت، وفكرة "إعادة الدمقرطة" التي تقوم على بناء تجربة جديدة تستفيد من دروس المرحلة السابقة وتعمل على تجاوز إخفاقاتها. وفي هذا السياق، يطرح مجموعة من الشروط الضرورية لإنجاح أي تجربة ديمقراطية مستقبلية، من بينها المراجعة النقدية الجماعية، وتجديد النخب، وبناء ميثاق ديمقراطي واسع، وإصلاح المؤسسات الدستورية، وتعزيز الثقافة الديمقراطية، وإصلاح منظومة الإعلام، والاستفادة من الكفاءات الوطنية.

ويخلص الكتاب إلى أن عشرية الانتقال الديمقراطي في تونس، بما حملته من إنجازات وإخفاقات، تمثل محطة مفصلية في التاريخ السياسي العربي المعاصر، وتجربة غنية بالدروس التي تستحق الدراسة والنقد والاستفادة منها في فهم إشكاليات التحول الديمقراطي وإمكاناته في العالم العربي.

يمكن الاطلاع على الكتاب وتحميله من خلال (هذا الرابط).