الحصار البحري الأميركي على إيران من النظرية إلى التطبيق

ردَّت إيران على الحصار البحري الأميركي بتوسيع المنطقة الخاضعة لسيطرتها شرقًا وغربًا حول مضيق هرمز. غير أن لدى إيران خيارات أخرى متاحة للرد على الحصار البحري، لم تستخدمها حتى الآن، على الأرجح لأسباب عملياتية، وعلى افتراض احتمال استئناف الأعمال القتالية.
وقد يكون تفعيل ورقة مضيق باب المندب، التي تعرفها البحرية الأميركية جيدًا بحكم نحو عام من العمليات في تلك المنطقة البحرية، أحد أكثر الإجراءات ترجيحًا من جانب إيران ردًّا على استمرار الحصار البحري.
إن مسرح الصراع ووقف إطلاق النار الذي أعقبه يشبهان نارًا كامنة تحت الرماد تنتظر مَنْ يعيد إشعالها. ولذلك، فإن الوضع الميداني، الذي يبدو الآن صامتًا بفعل وقف إطلاق النار، هشٌّ وغير مستقر إلى حدٍّ كبير. وأي إجراء يؤدي إلى تصعيد مفاجئ في التوتر قد يفضي إلى استئناف هذا الصراع.
14 June 2026
المدمرة Rafael Peralta DDG-115 التابعة للبحرية الأميركية من فئة Arleigh Burke، إلى جانب الناقلة STREAM، وهي من بين السفن التجارية الخاضعة لعقوبات وزارة الخزانة الأميركية، وفق القيادة المركزية الأميركية.

في الثامن من شهر أبريل/نيسان، وبعد إعلان وقف إطلاق النار من جانب رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، الذي كان يؤدي دور الوسيط في وقف إطلاق النار وفي المحادثات الأميركية-الإيرانية(1)، استمرت الهجمات الإسرائيلية على لبنان. وعلى الرغم من أن وقف الأعمال العدائية على جميع الجبهات، ولاسيما في لبنان، كان جزءًا من اتفاق وقف إطلاق النار، فإن الرئيسين، الأميركي والإسرائيلي، رفضا ذلك رفضًا كاملًا(2)(3). وبعد هذه التطورات، أعلنت إيران أنها ستُبقي مضيق هرمز مغلقًا أمام السفن التجارية بسبب انتهاك وقف إطلاق النار.

استمر إغلاق مضيق هرمز من جانب إيران إلى أن أعلن وزير الخارجية الإيراني إعادة فتحه في السابع عشر من شهر أبريل/نيسان 2026(4). غير أن فتح المضيق لم يدم طويلًا؛ فبحسب ما أعلنه المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في 18 أبريل/نيسان 2026(5)، وبسبب استمرار الحصار البحري الأميركي المفروض على إيران، فإن مضيق هرمز سيعود إلى وضعه السابق تحت سيطرة القوات المسلحة الإيرانية.

وبعد الإعلان عن فشل المحادثات الإيرانية الأميركية التي عُقدت في إسلام آباد، يومي 11 و12 أبريل/نيسان، أعلن ترامب، صباح 13 أبريل/نيسان، عبر منصة تروث سوشيال، بدء الحصار البحري على إيران اعتبارًا من صباح ذلك اليوم، بهدف منع عبور السفن التجارية المرتبطة بإيران، سواء تلك القادمة من الموانئ الإيرانية أو المتجهة إليها(6). وفقًا للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، ومنذ بداية الحصار وحتى 4 يونيو/حزيران، أجبرت البحرية الأميركية 127 سفينة تجارية على تغيير مساراتها، واستهدفت ست سفن تجارية مرتبطة بإيران، كما احتجزت ما لا يقل عن أربع سفن إيرانية(7).

كانت سفينة الحاويات TOUSKA أول سفينة تجارية مرتبطة بإيران تُحتجز خلال الحصار البحري الأميركي؛ إذ أُوقفت بنيران أطلقتها المدمرة  Esperance DDG-111، في 20 أبريل/نيسان(8)، وفق ما أعلنته القيادة المركزية الأميركية. وفي 21 و23 أبريل/نيسان، احتجزت البحرية الأميركية السفينتين، الثانية والثالثة، المرتبطتين بإيران، TIFANI  وMAJESTIC X، قبالة الساحل الجنوبي الشرقي لسريلانكا.

1
الناقلة "تفاني" TFANI التي احتجزتها البحرية الأميركية في 21 أبريل/نيسان (القيادة المركزية الأميركية)
3
البحرية الأميركية تحتجز الناقلة MAJESTIC X في 23 أبريل/نيسان (القيادة المركزية الأميركية)

وقد جرى احتجاز السفينتين رغم أن بيانات الغاطس (تشير عادة إلى المواصفات الفنية المكتوبة على لوحة المعدن المُثبتة على مضخة المياه الغاطسة) المسجلة لكلتا الناقلتين كانت تشير إلى أنهما تحملان شحنات، وأن الولايات المتحدة احتجزتهما بينما كانتا في منتصف الرحلة. وكان هذا أول تحرك أميركي لملاحقة سفن تجارية في شرق المحيط الهندي(9)، وهو ما دلَّ على أن الولايات المتحدة تعتزم توسيع نطاق حصارها البحري لمنع مرور السفن التجارية الإيرانية إلى ما يتجاوز منطقة الحصار المعلنة(10)، المرسومة حول مدخل خليج عُمان(11)(12).

 

3

توسيع العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران حتى المحيط الهندي عبر احتجاز ناقلة

ولم تتوقف عملية اعتراض السفن التجارية الإيرانية عند هذه الإجراءات. ففي 6 مايو/أيار، استُهدفت الناقلة الفارغة HASNA في خليج عُمان، وفي 8 مايو/أيار، استُهدفت الناقلتان الإيرانيتان SEA STAR III وSEVDA في منطقة ميناء كنارك، بنيران مقاتلات F/A-18E/F Super Hornet التابعة للبحرية الأميركية، والمنتشرة ضمن مجموعتي الضرب Abraham Lincoln CSG-3 وGeorge Bush CSG-10  في شمال المحيط الهندي وخليج عُمان.

غير سري   

3

غير سري

4

استُهدفت ناقلة النفط الإيرانية «ليكسي» (LEXIE) باستخدام صاروخ من طراز AGM-114، وفقًا للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM).

ولم تقتصر عملية احتجاز السفن التجارية الإيرانية من جانب البحرية الأميركية على هذه الحالات. ففي 20 مايو/أيار، أُعلن أن البحرية الأميركية احتجزت الناقلة SKYWAVE في المحيط الهندي، وهي ناقلة خاضعة للعقوبات ومعروفة بارتباطها بإيران(13).

لا يُعَدُّ الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة أول حصار بحري في التاريخ. وفي ظل الوضع الراهن وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وكوبا، يمكن افتراض أنه لن يكون الأخير. غير أن فهم كيفية تنفيذ الحصار البحري ضد إيران وأسبابه يقتضي أولًا العودة إلى تاريخه، ثم فحص الأهداف الأميركية من فرضه على إيران.

الحصارات البحرية عبر التاريخ

الحصار البحري عملية عسكرية تُنفذ أساسًا بهدف تعطيل الملاحة التجارية أو العسكرية، أو كلتيهما معًا، لدولة مستهدفة. وعلى الرغم من أن هذا النوع من العمليات العسكرية لم يكن بارزًا بعد حربَي الخليج الأولى والثانية، فإنه عاد إلى دائرة الاهتمام في السنوات الأخيرة بسبب الأزمة الفنزويلية التي بدأت في البحر الكاريبي، في سبتمبر/أيلول 2025، وأدَّت إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، وهي أزمة لا تزال مستمرة. غير أن النظر في تاريخ الحروب السابقة يبين أن هذا النوع من العمليات العسكرية، التي تتركز في البيئة البحرية، قد نُفِّذ منذ عدة قرون.

ويمكن تقسيم عمليات الحصار البحري عبر التاريخ إلى ثلاث مراحل: المرحلة الكلاسيكية، من العصور القديمة حتى عام 1914، كما في الحصارات التي شهدتها الحرب البيلوبونيسية والحروب النابليونية والحرب الأهلية الأميركية وغيرها؛ والمرحلة الصناعية، من عام 1914 إلى عام 1945، كما في الحصار البحري الألماني خلال الحرب العالمية الأولى، والحصار البحري البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية؛ ثم المرحلة المعاصرة، وتشمل الحصار البحري لكوبا أثناء أزمة الصواريخ الكوبية، والحصار البحري للعراق خلال حرب الخليج، والحصار البحري لفنزويلا. وعلى الرغم من أن هذه الحصارات البحرية ربما اختلفت في أهدافها النهائية، فإنها تشترك جميعًا في هوية تنفيذية وبنية فكرية واحدة.

وتبدو العمليات التي نُفذت في المرحلة المعاصرة أكثر قابلية للفحص، بحكم قربها التاريخي ووضوح نتائجها الملموسة.

  • حصار كوبا البحري

تُعد أزمة الصواريخ الكوبية أول حصار بحري في العصر الحديث. وقد سمَّت الولايات المتحدة حصارها البحري لكوبا "حَجْرًا بحريًّا" لتجنب توصيفه إعلانًا للحرب، نظرًا إلى أن الحصار البحري يُعد عملًا عسكريًّا. وخلال هذا الحصار البحري، الذي استمر 13 يومًا، استخدمت الولايات المتحدة أساطيل بحرية سطحية وتحت سطحية، إضافة إلى الطائرات العسكرية، في محاولة لمنع السفن السوفيتية من التوجه إلى كوبا.

وعلى الرغم من أن التوتر بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة بلغ في إحدى المراحل مستوى خطيرًا، فإن الأزمة انتهت في نهاية المطاف باتفاق بين البلدين، حال دون تحولها إلى مواجهة أشد، وقضى بتفكيك الأسلحة الهجومية السوفيتية المتمركزة في كوبا، وإزالة القواعد الأميركية في تركيا وإيطاليا.

  • حصار العراق البحري

خلال حرب الخليج الأولى، وبعد غزو العراق للكويت عام 1990، وتنفيذ عقوبات مجلس الأمن الدولي الرامية إلى منع صادرات النفط، ووقف استيراد الأسلحة العسكرية، واستنزاف الاقتصاد بهدف إضعاف نظام البعث العراقي، نفذت الولايات المتحدة ودول التحالف عمليات اعتراض بحرية في شمال المحيط الهندي، والخليج، والموانئ العراقية الواقعة في غرب الخليج.

3
الأسطول البحري الأميركي المنتشر خلال عملية عاصفة الصحراء والحصار البحري على العراق في يناير/كانون الثاني 1991، (المعهد البحري الأميركي USNI)

4
عمليات سلاحَي الجو والبحرية الأميركيين، إلى جانب قوات التحالف المرافقة لهما، خلال الأيام الأولى من الحصار البحري في عملية عاصفة الصحراء، وفق المعهد البحري الأميركي  USNI

  • حصار فنزويلا البحري

على الرغم من أنه لم يُوصَف رسميًّا بأنه عملية عسكرية، فإن الحصار البحري ضد فنزويلا، في إطار عملية الرمح الجنوبي  Southern Spear، كان حملة عسكرية ورقابية بدأت باستخدام أسطول مشترك من السفن العسكرية لمكافحة التهريب في البحر الكاريبي، ثم تطورت مع مرور الوقت إلى فرض حظر بحري، واعتراض ناقلات النفط واحتجازها، وتعطيل شبكة النقل في البلاد. ومع أن هذا التوتر كان قائمًا منذ عام 2017، فقد بلغ ذروته خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، وعلى الرغم من اعتباره قد انتهى باختطاف نيكولاس مادورو، في يناير/كانون الثاني 2026، فإنه لا يزال مستمرًّا.

3
بدء الحصار البحري على فنزويلا في منتصف شهر مايو/أيار 2025- (وكالة الأناضول)

الأهداف الأميركية من الحصار البحري على إيران

بصرف النظر عن مسار تنفيذ الحصار البحري ضد إيران وطريقته، يبقى السؤال الأهم هو: ما الأهداف الرئيسية التي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها من وراء هذا الحصار؟ وتكمن أهمية هذا السؤال في أن الحصار البحري، وإن كان يُعد عملًا عسكريًّا، لا ينبغي النظر إليه من هذا المنظور وحده. فهو إجراء عسكري وجيوسياسي متعدد الطبقات، يمكن فهمه بوصفه فعلًا عسكريًّا يُنفذ بهدف خلق ضغط اقتصادي على إيران وإدارة سوق الطاقة في الوقت نفسه.

ويتمثل الهدف الأبرز لهذا الحصار البحري في ممارسة ضغط اقتصادي على إيران. فالمواجهة الحالية بين إيران والولايات المتحدة لم تعد مجرد مواجهة بين قدرات عسكرية بل انتقلت إلى ساحة القدرة على الاحتمال الاقتصادي والسياسي، وتحولت إلى أداة ضغط في مسار التفاوض.

ويمكن، إلى حدٍّ ما، قراءة الحصار البحري من زاوية المنظور الأميركي. فاستنادًا إلى تصريحات الرئيس الأميركي بشأن "تفجير آبار النفط" الإيرانية، وإلى التحليلات التي نُشرت حتى الآن حول الحصار البحري وتداعياته على الاقتصاد الإيراني، يتضح أن معظم هذه الدراسات تختزل هدف الحصار في الدفع نحو انهيار الاقتصاد الإيراني(14). وكانت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات FDD، التي يُعرف بعض أعضائها بوصفهم من مهندسي العقوبات الأميركية، ويشاركون حاليًّا في تخطيط حملات العقوبات وتنفيذها داخل وزارة الخزانة الأميركية، من بين المؤسسات التي نشرت مقالًا حول آثار الحصار البحري في الاقتصاد الإيراني. ويمكن قراءة ذلك المقال أيضًا بوصفه انعكاسًا لرؤية المخططين والمنفذين لحملات العقوبات ضد إيران.

وبناء على هذا التصور، ومع افتراض أن أكثر من 90% من تجارة إيران تمر عبر مضيق هرمز ومن خلال التجارة البحرية، فإن الحصار البحري قادر على تعطيل التجارة الإيرانية، التي تُقدر قيمتها بنحو 110 مليارات دولار سنويًّا.

الهدف الأول: تعطيل صادرات النفط الإيرانية

من هذا المنظور، يُعد استهداف صادرات النفط الإيرانية أحد الأهداف الأولى للحصار البحري. فالغاية هي تعطيل صادرات النفط الإيرانية، المقدرة بنحو 1.5 مليون برميل يوميًّا، ومن ثم خفض عائدات إيران النفطية، التي يعتمد أكثر من 90% منها على المسار البحري ولا تمتلك بديلًا مناسبًا له. وبذلك، يسعى الحصار البحري الأميركي في نهاية المطاف إلى قطع المصدر الرئيسي للدخل الإيراني.

أما الأهداف الثانوية لهذا الحصار في قطاع النفط الإيراني، فتتمثل في إلحاق الضرر بعمليات الإنتاج والتكرير والتخزين. ووفق ما يتوقعه مهندسو العقوبات، فإن إيران ملأت نحو 60% من طاقتها التخزينية البالغة 50 إلى 55 مليون برميل. ومع استمرار إنتاجها، المقدر بنحو 1.5 مليون برميل يوميًّا، ستُستنفد القدرة التخزينية الإيرانية خلال 13 يومًا؛ ما قد يدفع إيران إلى إغلاق آبارها النفطية، ويتسبب في إخراج ما بين 300 ألف و500 ألف برميل يوميًّا من طاقتها الإنتاجية بسبب ظاهرة تسرب المياه إلى الآبار أو ما يُعرف بـ"تكون المخروط المائي". وهذا، على الأرجح، هو ما قصده الرئيس الأميركي بتعبير "تفجير آبار النفط" الإيرانية.

4
معدل إنتاج النفط في إيران، وفق موقع  OilPrice

الهدف الثاني: تعطيل صادرات البتروكيماويات الإيرانية

إلى جانب التأثير في صادرات النفط وتخزينه، تُعد صادرات إيران من البتروكيماويات، وكذلك منتجاتها غير النفطية، أهدافًا ثانوية لهذا الحصار البحري.

وتشمل هذه الأهداف على وجه الخصوص صادرات المنتجات البتروكيماوية الإيرانية، المقدرة بنحو 54 مليون دولار يوميًّا، وصادرات المنتجات غير النفطية، مثل المعادن والفلزات، المقدرة بنحو 79 مليون دولار يوميًّا.

الهدف الثالث: تعطيل عمل الموانئ وإمدادات السلع الأساسية إلى إيران

تؤدي الموانئ الإيرانية دورًا محوريًّا في تحديد مدى فاعلية هذا الحصار. فمرافق الموانئ الإيرانية، بما في ذلك عسلوية، والإمام الخميني، وشهيد رجائي، الواقعة في الخليج، تحتاج إلى وصول مستمر إلى المسار البحري. وأي اضطراب في تدفق السفن التجارية يمكن أن يؤدي إلى تعطيل عمل هذه الموانئ.

كما أن التأثير في الواردات الإيرانية وتعطيلها، وهي تُقدر بنحو 160 مليون دولار يوميًّا، وتشمل أساسًا سلعًا أساسية مثل الغذاء، ومدخلات الصناعة، والآلات، يمثلان هدفًا آخر من أهداف هذا الحصار البحري. وقد يؤدي تعطيل هذه العملية إلى ارتفاع التضخم، وزيادة أسعار الغذاء والخدمات والسلع داخل إيران.

وبناء على ذلك، يمكن القول إجمالًا: إن تعطيل صادرات إيران، بوصفها المصدر الرئيسي لدخلها، بالتوازي مع تعطيل تدفق السلع الأساسية التي تحتاج إليها البلاد، والتي تُستورد في معظمها بحرًا، يمثلان الهدفين المركزيين لهذا الحصار. وهي أهداف يمكن اعتبارها عاملًا في خلق أزمات اقتصادية متزايدة، وتعزيز الضغط على الشعب الإيراني.

الحصار البحري في إطار عقيدة واردن

يمكن تحليل تنفيذ الحصار البحري ضد إيران ضمن سياق تطبيق الولايات المتحدة لعقيدة واردن. وتقوم هذه العقيدة، بوصفها إستراتيجية عسكرية، على فكرة مهاجمة البنية الكلية للعدو، وليس الاكتفاء باستهداف أهدافه العسكرية وحدها. وتتكون هذه العقيدة من خمس حلقات رئيسية:

  • بنية القيادة: السيادة، والحكومة، والقادة السياسيون، وهياكل اتخاذ القرار السياسي، والقيادة العسكرية.
  • البنى الحيوية: الكهرباء، والوقود، والطاقة، والاقتصاد.
  • البنية التحتية: الجسور، والطرق، والسكك الحديدية، وشبكات النقل.
  • السكان: الناس، والمعنويات، والرأي العام.
  • القوات العسكرية الميدانية: البنى العسكرية، والأفراد، والمعدات، والقواعد العسكرية، وما يتصل بها.

2
العقيد جون واردن والحلقات الخمس لعقيدة واردن، المسماة باسمه.

القوات العسكرية الميدانية السكان البنية التحتية البنى الحيوية القيادة

ويكمن الفرق بين هذا التصور والحرب الكلاسيكية في توسيع نطاق الأهداف ليشمل جميع مكونات بنية الحكم، بدلًا من تركيز الهجمات على الأهداف العسكرية فقط. ففي هذه العقيدة، يتمثل الهدف الرئيسي في تقويض البنية الكاملة للحكم، بحيث يؤدي توجيه ضربات قاتلة ومتزامنة إلى إحداث صدمة نظامية داخل الدولة، وقد يقود استمرار تطبيق هذه العقيدة في النهاية إلى انهيارها.

ولم يكن تطبيق الولايات المتحدة لهذه العقيدة أمرًا غير مسبوق؛ إذ ظهرت أبرز تجلياتها في حرب الخليج، عام 1991، وفي حرب كوسوفو، عام 1998. كما نُفِّذت في إيران منذ اليوم الأول للحرب الأميركية/الإسرائيلية التي استمرت 40 يومًا ضد إيران، وبدأت في 28 فبراير/شباط. ومن خلال هذه العقيدة، حاولت الولايات المتحدة وإسرائيل استهداف الحلقة الأولى من حلقات واردن، عبر استهداف القيادة العليا الإيرانية، إلى جانب عدد من الأعضاء الأساسيين في مجلس الدفاع الإيراني، الذي شُكِّل بعد حرب الاثني عشر يومًا، في يونيو/حزيران 2025، بوصفه هيئة تابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، مهمتها تركيز عملية اتخاذ القرار الدفاعي الإيراني وتعزيزها، فضلًا عن استهداف القيادة العليا للقوات المسلحة الإيرانية.

4
مدرسة شجرة طيبة في ميناب بعد استهدافها في اليوم الأول من الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران.

ويمكن كذلك تحليل استهداف مدرسة "شجرة طيبة" في مدينة ميناب بمحافظة هرمزغان الإيرانية، في اليوم الأول من الحرب، في ضوء عقيدة واردن. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تجنبت حتى الآن الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بأسباب استهداف المدرسة، فإن الهجوم يمكن اعتباره منسجمًا مع هذه العقيدة، وهادفًا إلى خلق خوف عام وتقويض المعنويات الاجتماعية للشعب الإيراني.

وتجدر الإشارة إلى أن مناطق سكنية أخرى في أنحاء مختلفة من إيران لم تكن آمنة من الهجمات الأميركية والإسرائيلية خلال الحرب. ويشهد على ذلك العثور على رأس حربي غير منفجر في سوق مولوي بطهران، وتفكيك وجمع ذخائر من مناطق سكنية داخل إيران، وسقوط 1460 شهيدًا مدنيًّا في إيران، بينهم 221 طفلًا و499 امرأة. ومن ثم، لا يمكن عزو الهجوم على مدرسة شجرة طيبة في ميناب فقط إلى خطأ عسكري في اختيار الهدف، أو إلى تقادم بنك الأهداف لدى الجيش الأميركي؛ ففي العصر الحالي، ومع وجود أنظمة التجسس وجمع المعلومات، والأقمار الصناعية ذات القدرة العالية على التصوير الدقيق، التي تؤدي دورًا حاسمًا في التحقق من الأهداف، لا يكون تحديث المعلومات وإعداد بنك أهداف حديث أمرًا صعبًا. ومع استمرار الحرب، استُهدفت على نطاق واسع بعض البنى

 الحيوية والمدنية في إيران. فقد جاء الهجوم الإسرائيلي على حقل جنوب فارس للغاز في عسلوية، والهجوم على مصانع البتروكيماويات الإيرانية في ميناء ماهشهر، والهجوم على مراكز تخزين النفط في شمال طهران وجنوبها، والهجوم على صناعات الصلب الإيرانية في محافظتَي أصفهان وخوزستان، وكذلك الهجوم على شبكة السكك الحديدية الإيرانية على محوري الغرب-الشرق والجنوب-الشمال، والطرق والجسور، ومن أبرزها الهجوم على الجسر B-1 قيد الإنشاء في كرج، وثمانية جسور أخرى في المناطق الوسطى، كلها إجراءات نُفذت في سياق تطبيق عقيدة واردن، وبهدف الوصول إلى حالة انهيار داخل إيران.     

 

4
خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي بشأن استهداف ثمانية جسور ومسارات نقل في إيران

وفي هذا السياق، نشرت مجلة War Room الأميركية، التي تصدر مقالات وتحليلات بدعم من مؤسسة كلية الحرب التابعة للجيش الأميركي، مقالًا، في 19 مارس/آذار، تناول تطبيق عقيدة واردن من أجل إسقاط النظام في إيران. وذهب المقال، باختصار، إلى أنه رغم تنفيذ عقيدة واردن على نحو جيد في إيران عبر استهداف الحلقات المركزية، فإن ذلك لم يؤدِّ إلى إسقاط النظام الإيراني ولا إلى انتصار الولايات المتحدة وإسرائيل(15). وبناء على ذلك، رأى المقال أن على الولايات المتحدة وإسرائيل استهداف الحلقات الخارجية بدلًا من الاكتفاء بالحلقات المركزية، من أجل تهيئة الأرضية لانتفاضة شعبية في إيران، على غرار ما فعله لينين في تحويل روسيا القيصرية إلى الجمهورية السوفيتية الروسية الاتحادية الاشتراكية، وما فعله ماو في تحويل جمهورية الصين إلى جمهورية الصين الشعبية.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار تنفيذ الحصار البحري جزءًا من تطبيق عقيدة واردن، ووسيلة لاستهداف الحلقات الخارجية عبر خلق ضغوط اقتصادية حادة، بهدف تقويض الرضا العام وإنتاج حالة من السخط داخل المجتمع الإيراني.

أثر الحصار البحري

مَرَّ أكثر من شهر على إعلان مُهلة الأيام الثلاثة عشر لإغلاق آبار النفط الإيرانية، أو ما وصفه الرئيس الأميركي بـ"تفجير آبار النفط". وخلافًا لما كان متوقعًا، لم تتعرض صادرات النفط الإيرانية لاضطراب خطير. فوفقًا للتقارير المتاحة، ومنها المعلومات التي نشرها موقع Tanker Trackers، وصلت معظم الناقلات الإيرانية التي غادرت في النصف الأول من أبريل/نيسان إلى وجهاتها. وفي الأثناء، تُظهر السجلات المتاحة أن عددًا من الناقلات الفارغة نجح أيضًا في تجاوز الحصار البحري والوصول إلى إيران بعد تسليم حمولته، وهي سفن يمكن استخدامها كذلك كمخازن نفط عائمة.

2
Tankertruckers - May 3

وفقًا لموقع Tanker Trackers، تمكنت 15 ناقلة إيرانية على الأقل من تجاوز الحصار البحري الأميركي والوصول إلى وجهاتها أو مناطق تفريغها بحلول أوائل أبريل/نيسان. ووفقًا لتقرير حديث نشرته صحيفة واشنطن بوست، فإن النفط الإيراني لا يزال يصل إلى شرق آسيا في ظل الحصار البحري(16). وتُظهر صور الأقمار الصناعية لجزر رياو، المعروفة بوصفها منطقة تجميع للناقلات الإيرانية، أن 13 ناقلة على الأقل نقلت حمولاتها إلى ناقلات فارغة عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى منذ الشهر الماضي، قبل وصول الشحنات إلى الزبائن.

وإلى جانب الناقلات التي تمكنت من كسر الحصار، كان هناك في أوائل فبراير/شباط، أي قبل بدء الحرب، نحو 90 مليون برميل من النفط الإيراني عائمة في البحر حول جزر رياو. وقد انخفض هذا الرقم الآن إلى 42 مليون برميل على الأقل؛ ما يدل على أن عملية نقل النفط الإيراني وبيعه استمرت أثناء الحرب وبعدها.

وحتى منتصف أبريل/نيسان، كان نحو 23 مليون برميل من النفط الإيراني متمركزًا على متن 12 ناقلة إيرانية من فئتَي VLCC وULCC  في منطقة تشابهار جنوب شرقي إيران. ويشير ذلك إلى أن إيران تعتزم إبقاء شحناتها النفطية عائمة، وتحريكها على دفعات أو بوسائل أخرى للالتفاف على الحصار البحري الأميركي في خليج عُمان.

4
تُظهر صور الأقمار الصناعية الملتقطة قرب جزر رياو، منذ بدء الحصار البحري الأميركي على الصادرات الإيرانية، تسع ناقلات وهي تفرغ شحنات من النفط الإيراني عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى، (وكالة الفضاء الأوروبية، بلانيت لابز)

في الوقت نفسه، وعلى الرغم من أن عددًا من السفن أُجبر على تغيير مساره والعودة إلى تشابهار تحت ضغط البحرية الأميركية(17)، فإن سجلات السفن الإيرانية تُظهر أن بعضها نجح أيضًا في تجاوز الحصار البحري الأميركي(18).

3
May 3 and 4 موقع - Tankertruckers

 ماذا ستفعل إيران؟ وما الذي سيحدث بعد ذلك؟

ثمة نقطة أساسية ينبغي أخذها في الاعتبار عند النظر في الحصار البحري، وهي أن هذا الحصار يُعد عملًا عسكريًّا. فدليل قيادة البحرية الأميركية بشأن الحصار البحري ينص على أن "الحصار البحري عملية حربية تُنفذ بغرض منع دخول أو خروج السفن أو الطائرات التابعة لجميع الدول، سواء كانت معادية أو محايدة، إلى أو من موانئ أو مطارات أو مناطق ساحلية محددة تملكها أو تسيطر عليها حكومة معادية"(19)(20).

وعليه، فلابد أولًا من توضيح أن الإجراء الأميركي المتمثل في فرض حصار بحري على إيران، في وقت كان فيه وقف إطلاق النار ساريًا وكانت المواجهات العسكرية قد بلغت حالة من الجمود، ينبغي اعتباره عملًا عسكريًّا. ومن ثم، فإن تنفيذ هذه العملية يُعد، بوضوح وبصورة علنية، انتهاكًا لوقف إطلاق النار.

بعد تنفيذ الحصار البحري، في 13 أبريل/نيسان، وعلى الرغم من جهود البحرية الأميركية لمنع حركة السفن المرتبطة بإيران من الموانئ الإيرانية وإليها، حاولت الولايات المتحدة تعطيل شبكة الملاحة الإيرانية عبر إجراءات متعددة، شملت تغيير مسارات السفن التجارية، واحتجاز سفن تجارية باستخدام مروحيات هجومية، واستهداف أنظمة الدفع في بعض السفن لمنعها من مواصلة طريقها. غير أن سلوك إيران إزاء هذا الحصار البحري يُظهر أن طهران بَنَتْ خطتها حتى الآن على الصبر وترك الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية، منعًا لعودة الحرب إلى المنطقة.

وفي أول رَدٍّ لها على استمرار الحصار البحري الأميركي، عَدَّلت إيران ووسَّعت المنطقة الواقعة تحت سيطرة قواتها المسلحة. ففي 4 مايو/أيار، أعلن مقر خاتم الأنبياء المركزي أن منطقتين، إحداهما غرب مضيق هرمز والأخرى شرقه، ستخضعان من الآن فصاعدًا لسيطرة القوات المسلحة. وتشمل هاتان المنطقتان جنوب الخط الممتد بين جبل مبارك في إيران وجنوب الفجيرة في الإمارات، شرقي مضيق هرمز، وغرب الخط الممتد بين نهاية جزيرة قشم الإيرانية وأم القيوين في الإمارات، غربي مضيق هرمز.

ويمكن تحليل هذا الإجراء الإيراني بوصفه توسيعًا للقيود المفروضة على حركة السفن التجارية التابعة للدول المحاربة في هذه المنطقة البحرية، ولاسيما الموانئ الإماراتية. فعلى الرغم من أن الإمارات تحاول إبقاء نفسها في خلفية هذه الحرب، فإن سلوكها قبل الحرب وأثناءها وبعدها يوضح أنها تسعى إلى أن تكون دولة مواجهة مع إيران في جنوب الخليج.

فالتعاون العسكري الإماراتي مع إسرائيل كان قائمًا حتى قبل هذه الحرب، ومنه شراء منظومة Barak-8 الدفاعية متوسطة المدى من النظام الصهيوني، وهي منظومة منتشرة في صورة قطعة واحدة على الأقل في منطقة أبو ظبي، إلى جانب تطبيع العلاقات مع إسرائيل عبر اتفاقات أبراهام. وخلال الحرب مع إيران، كَشَف تعاون الإمارات مع الولايات المتحدة وإسرائيل في الهجمات على إيران ضمن حرب الأربعين يومًا، وهي أدلة ترى إيران أنها واضحة وقدمتها إلى مجلس الأمن الدولي(21)، إضافة إلى الهجوم على المنشآت النفطية في جزيرة لاوان صباح اليوم الأول من وقف إطلاق النار، كشف أن هذه الدولة كانت منخرطة بوضوح في الحرب ضد إيران، خلافًا لما تحاول إظهاره.

3
نظام باراك-8 للدفاع الجوي ورادار EL/M-2084 المنشورة قرب أبو ظبي (جوجل إيرث)

ومن أبرز مظاهر هذا التعاون زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي للإمارات في خضم الحرب مع إيران، ولقاؤه الشيخ محمد بن زايد، حاكم أبو ظبي ورئيس دولة الإمارات(22). وبالنسبة إلى إيران، فإن إعلان هذا الخبر وتأكيده من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، رغم محاولة الإمارات إنكاره بإجراءات مكشوفة، يعد أمرًا بالغ الوضوح.

لذلك، فإن توسيع المنطقة الخاضعة للسيطرة الإيرانية إلى شرق مضيق هرمز وغربه، مع التركيز على الموانئ الإماراتية، قد يكون أول إجراء إيراني مضاد للحصار البحري. ويمكن أن يكون استهداف مرافق الموانئ، ومحطات النفط، والسفن التجارية التابعة للإمارات، التي تُصنف بوضوح دولة معادية لإيران، من بين الإجراءات الإيرانية المحتملة بوصفها ردًّا عسكريًّا أوليًّا على الحصار البحري الأميركي.

وفي دراسة هذه المسألة، لابد من التوقف عند أهمية مضيق هرمز وتداعيات تقييد حركة المرور عبره من جانب القوات المسلحة الإيرانية. يؤدي مضيق هرمز دور عنق الزجاجة في سوق الطاقة؛ ففي عام 2024 والنصف الأول من عام 2025، مَرَّ عبر المضيق في المتوسط نحو 20 مليون برميل نفط يوميًّا(23)، أي ما يعادل 20% من استهلاك النفط العالمي. وعلى الرغم من امتلاك السعودية مسارًا بديلًا لتصدير النفط عبر خط أنابيب الشرق-الغرب، وامتلاك الإمارات مسارًا بديلًا لتقليل اعتمادها على الصادرات عبر مضيق هرمز من خلال خط حبشان-الفجيرة، فإن هذه الخطوط لا تعمل عادة بطاقتها القصوى. ووفق التقديرات المتاحة، تتيح هذه الخطوط نقل نحو 2.6 مليون برميل نفط يوميًّا.

ولا يقتصر الأمر على النفط؛ إذ تعتمد تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية أيضًا على مضيق هرمز. فقد مَرَّ عبر المضيق، في عام 2024 والنصف الأول من عام2025 ، نحو 9.3 مليارات قدم مكعبة يوميًّا من الغاز الطبيعي المسال القطري، ونحو 0.7 مليار قدم مكعبة يوميًّا من الغاز الطبيعي المسال الإماراتي.

 

4
ارتفاع تكاليف شحن الحاويات، ولاسيما على المسارات العابرة للبحر الأحمر، خلال أزمة البحر الأحمر في عامي 2023 و2024، وفق مجموعة البنك الدولي

 

4


حجم الغاز الطبيعي المسال المنقول عبر مضيق هرمز، بحسب بلد المنشأ والوجهة، وفق إدارة معلومات منظمة الطاقة الأميركية

 

  تكفي هذه المعطيات لإظهار أهمية تقييد حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز، الذي كان يسمح قبل الحرب بعبور نحو 100 إلى 150 سفينة تجارية يوميًّا، وهو رقم انخفض الآن بصورة كبيرة. وقد أعلنت الولايات المتحدة، في 4 مايو/أيار، أنها تعتزم السماح للسفن التجارية بالمرور عبر مضيق هرمز في إطار خطة عملياتية سُميت "مشروع الحرية". وفي هذا السياق، أصدرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية UKMTO تعليمات للسفن التجارية الراغبة في عبور مضيق هرمز تحت الدعم الأميركي ضمن "عملية الحرية"، دعتها فيها إلى سلوك الطريق الساحلي الشمالي لعُمان، شمال منطقة خصب في جنوب مضيق هرمز، مع تشغيل نظام التعريف الآلي AIS.

3
ارتفاع تكاليف شحن الحاويات، ولاسيما على المسارات العابرة للبحر الأحمر، خلال أزمة البحر الأحمر في عامي 2023 و2024، وفق مجموعة البنك الدولي

غير أن هذه الخطة، وبعد يوم واحد من تنفيذها، أدَّت إلى اشتباك وتبادل محدود لإطلاق النار بين القوات المسلحة الإيرانية والبحرية الأميركية، التي كانت تعبر مضيق هرمز بهدف الخروج منه، وانتهت في نهاية المطاف إلى تعليقها مؤقتًا من جانب الولايات المتحدة(24).

إن وضع مسرح الصراع ووقف إطلاق النار الذي أعقبه يشبهان نارًا كامنة تحت الرماد تنتظر من يعيد إشعالها. ولذلك، فإن الوضع الميداني، الذي يبدو الآن صامتًا بفعل وقف إطلاق النار، هش وغير مستقر إلى حدٍّ كبير. وأي إجراء يؤدي إلى تصعيد مفاجئ في التوتر قد يفضي إلى استئناف هذا الصراع.

رَدَّت إيران على الحصار البحري الأميركي بتوسيع المنطقة الخاضعة لسيطرتها شرقًا وغربًا حول مضيق هرمز. غير أن لدى إيران خيارات أخرى متاحة للرد على الحصار البحري، لم تستخدمها حتى الآن، على الأرجح لأسباب عملياتية، وعلى افتراض احتمال استئناف الأعمال القتالية.

وقد يكون تفعيل ورقة مضيق باب المندب، التي تعرفها البحرية الأميركية جيدًا بحكم نحو عام من العمليات في تلك المنطقة البحرية، أحد أكثر الإجراءات ترجيحًا من جانب إيران ردًّا على استمرار الحصار البحري.

لقد أظهرت عمليات القوات المسلحة اليمنية خلال أزمة البحر الأحمر، بين عامي2023  و2024، أن هذه القوات قادرة على اتخاذ إجراءات واسعة وفعَّالة لمنع مرور السفن التجارية في هذه المنطقة المائية. ومن بين آثار العمليات اليمنية في مضيق باب المندب خلال تلك الأزمة: زيادة مدة الإبحار بالنسبة للسفن التجارية بسبب تغيير مسارات الملاحة، وارتفاع تكاليف نقل الحاويات، ولاسيما على الخطوط التي تمر عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، والانخفاض الكبير في نشاط الموانئ الواقعة على البحر الأحمر. وإذا أُعيد تفعيل هذه الورقة، واقترنت بالتداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز أو تقييد المرور فيه من جانب القوات المسلحة الإيرانية، فقد تكون آثارها أشد على سوق الطاقة، والنقل البحري، وتكاليف نقل السلع والمنتجات النفطية، وتأمين السفن التجارية، وغير ذلك.

 

3
تراجع نشاط الموانئ التجارية الواقعة على البحر الأحمر نتيجة أزمة البحر الأحمر في عامي 2023 و2024، (مجموعة البنك الدولي)

بات الصراع الآن محصورًا إلى حدٍّ كبير في المجال البحري. ففي هذه الساحة، تحاول الولايات المتحدة استخدام ورقة الحصار البحري للضغط على إيران ودفعها إلى التفاوض، بينما تسعى إيران إلى فرض كلفة اقتصادية أكبر على خصمها من خلال التحكم بمضيق هرمز.

ويشكِّل هذا التباعد في المواقف، الذي يحاول الوسطاء توجيهه نحو التقارب تمهيدًا للتوصل إلى اتفاق أولي وإطلاق مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، العامل الرئيس في رسم مسار الصراع حاليًّا. فمن جهة، ترى إيران أن الولايات المتحدة تسعى إلى الخروج من المواجهة بأقل قدر من التنازلات، ولذلك تحاول إرغام الطرف المقابل على التراجع عن مواقفه عبر إطالة أمد المواجهة ورفع كلفتها. ومن جهة أخرى، تسعى الولايات المتحدة إلى الموازنة بين تصعيد الضغط على إيران وتجنب الانزلاق إلى تصعيد أعمق قد يفضي إلى مرحلة جديدة من الصراع، كما حدث خلال تنفيذ مشروع "آزادي" الذي انتهى في نهاية المطاف إلى تعليقه مؤقتًا.

وفي الوقت الراهن، تنظر الولايات المتحدة إلى الحصار البحري المفروض على إيران بوصفه أداة للضغط على الدولة الإيرانية وعلى المجتمع الإيراني معًا. ورغم أن الحصار البحري يُعد، وفق اللوائح البحرية الأميركية، عملًا عسكريًّا، وأن تطبيقه خلال فترة وقف إطلاق النار يُعد انتهاكًا واضحًا لذلك الوقف، فإنه لا يزال قائمًا. ومن هذا المنطلق، يبدو أن واشنطن لا تنظر إلى الحصار باعتباره إجراءً عسكريًّا مؤقتًا بل أداةً إستراتيجية يمكن استخدامها ضد دول مختلفة، ومنها إيران، كلما رأت السلطات السياسية والعسكرية الأميركية ذلك مناسبًا، حتى خلال فترات وقف إطلاق النار أو تمديدها المحتمل. وفي هذه الحالة، وبغضِّ النظر عن الاعتبارات القانونية، يبدو من الضروري أن تبلور إيران ردًّا مناسبًا إذا استمر الحصار، بما يدفع صانع القرار الأميركي إلى إعادة تقييم معادلة الكلفة والعائد، أي مقارنة المخاطر والأضرار المحتملة التي قد تتعرض لها قواته البحرية بفاعلية الحصار وجدواه، ومن ثم ردعه عن مواصلة هذه العملية ضد إيران.

ونظرًا للسيولة السياسية والعسكرية التي أوجدها هذا الصراع، أصبح التنبؤ بمآلاته أكثر صعوبة من أي وقت مضى. كما أن الغموض الذي يكتنف المفاوضات التي تتوسط فيها باكستان وبعض الدول الإقليمية، مثل قطر، إلى جانب السلوك غير المتوقع والمتقلب للرئيس دونالد ترامب، جعلا استشراف التطورات المقبلة والإجراءات المحتملة للأطراف المختلفة أمرًا بالغ الصعوبة بل يكاد يكون مستحيلًا. وما يبدو واضحًا في الوقت الحالي هو أن النتيجة النهائية ستتوقف على الطرف الذي يُظهر قدرة أكبر على الصمود في ظل الظروف التي أفرزتها هذه الحرب، وهي دينامية لا ينبغي الاستهانة بإمكانات تصعيدها مستقبلًا.

وفي 29 مايو/أيار، أعلن ترامب عبر منصة "تروث سوشيال" التوصل إلى اتفاق، مستعرضًا عددًا من شروطه المقترحة. وقد أعادت هذه الشروط إلى حدٍّ كبير طرح المطالب الأميركية السابقة، بما في ذلك التزام إيران بعدم امتلاك سلاح نووي، وفتح مضيق هرمز فورًا ومن دون شروط أو رسوم تفرضها إيران، وإزالة الألغام البحرية التي زُعم أن إيران زرعتها في المضيق. كما أعلن أن السفن التي كانت معطلة بسبب الحصار البحري الأميركي ستتمكن من استئناف حركتها، وأن الحصار سيُرفع.

غير أن وسائل الإعلام الإيرانية وصفت هذا الإعلان بأنه "قائمة أمنيات ترامب"، وسرعان ما أظهرت التطورات اللاحقة أن الحصار البحري لم يُرفع، بل استمر فعليًّا(25). وفي هذا السياق، استهدفت القوات الأميركية ناقلة النفط الإيرانية "ليكسي" أثناء توجهها إلى جزيرة خرج لتحميل شحنتها النفطية. كما استهدفت لاحقًا برج اتصالات تابعًا للحرس الثوري الإيراني في جنوب جزيرة قشم.

وردَّت القوات المسلحة الإيرانية على الفور بعملية مضادة. وخلال الهجوم الانتقامي على استهداف الناقلة وبرج الاتصالات في قشم، أطلقت القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري الإيراني عددًا من صواريخ "قدر" و"عماد" متوسطة المدى العاملة بالوقود السائل، إلى جانب صواريخ من عائلة "فاتح" العاملة بالوقود الصلب وطائرات "شاهد-136" المسيرة الانتحارية. واستهدفت الضربات مواقع في الكويت، من بينها قاعدة علي السالم الجوية ومعسكر بوهرينغ، إضافة إلى مقر الأسطول الخامس الأميركي في البحرين.

ورغم إعلان القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) اعتراض جميع الصواريخ الباليستية الإيرانية وثلاث طائرات مسيرة، فإن صور الأقمار الصناعية التي نُشرت في اليوم التالي أظهرت، بحسب الرواية الواردة في النص، إصابة عدة مواقع داخل قاعدة علي السالم ومعسكر بوهرينغ، خلافًا لما أعلنته القيادة المركزية الأميركية.

4
معسكر بوهرينغ (Camp Buehring) في الكويت بعد الهجوم الإيراني على الكويت، في 3 يونيو/حزيران. وتُظهر صور الأقمار الصناعية منخفضة الدقة مواقعَ الإصابات الناتجة عن الضربات  (Soar Atlas)

 وكان الحرس الثوري قد استهدف قاعدة علي السالم الجوية في الكويت، في 28 مايو/أيار، ردًّا على ما وصفه بانتهاكات أميركية لوقف إطلاق النار. وفي تلك العملية، ورغم أن مصادر مجهولة نقلت عنها وكالة بلومبرغ أن صاروخًا من طراز "فاتح-110" جرى اعتراضه، فإن شظاياه أدَّت إلى إصابة خمسة عسكريين ومتعاقدين، وتدمير طائرة مسيرة من طراز MQ-9 Reaper وإلحاق أضرار بطائرة أخرى(26).

وتشير تطورات الأيام الأخيرة إلى أن شدة الهجمات الإيرانية المضادة، التي تُنفذ ردًّا على الانتهاكات الأميركية المتكررة لوقف إطلاق النار، آخذة في الازدياد تدريجيًّا. ويعكس هذا النمط مبدأ أوسع يقوم على الاستنزاف المتواصل ورفع الكلفة والمخاطر المفروضة على الولايات المتحدة مقارنة بما قد تجنيه من مكاسب متوقعة.

ABOUT THE AUTHOR

References
  1. Shehbaz Sharif, “With the greatest humility, I am pleased to announce…”, X, 8 April 2026, https://tinyurl.com/4hzpdntp (accessed 7 June 2026).
  2. Prime Minister of Israel, “Prime Minister’s Office: Israel supports President Trump's decision…”, X, 8 April 2026, https://tinyurl.com/4zzj4rcx (accessed 7 June 2026).
  3. Liz Landers, “A few minutes after the Pentagon briefing…”, X, 8 April 2026, https://tinyurl.com/4v2x3mdu (accessed 7 June 2026).
  4. Seyed Abbas Araghchi, “In line with the ceasefire in Lebanon…”, X, 17 April 2026, https://tinyurl.com/3kb4495k (accessed 7 June 2026).
  5. “بیانیه دبیرخانه شوراى عالی امنیت ملی بیرامون آخرین تحولات مذاکرات بایان جنك تحمیلی سوم [Statement of the Secretariat of the Supreme National Security Council on the latest developments in negotiations to end the third externally imposed war]”, Government of the Islamic Republic of Iran, 17 April 2026, https://tinyurl.com/tyx2c9mk (accessed 7 June 2026).
  6. U.S. Central Command, “More than 10,000 U.S. Sailors, Marines, and Airmen…”, X, 14 April 2026, https://tinyurl.com/35tddhfj (accessed 7 June 2026).
  7. U.S. Central Command, “A U.S. Sailor stands watch aboard USS McFaul (DDG 74)…”, X, 4 June 2026, https://tinyurl.com/3jrf5mfz (accessed 7 June 2026).
  8. U.S. Central Command, “U.S. Marines depart amphibious assault ship USS Tripoli…”, X, 20 April 2026, https://tinyurl.com/m8b8p4x (accessed 7 June 2026).
  9. Akram Sharifi, “غریب‌آبادى خطاب به نماینده امارات: شما متجاوز هستید [Gharibabadi to UAE representative: ‘You are the aggressor.’”, Fars News, 14 May 2026, https://tinyurl.com/8dfcvj9e (accessed 7 June 2026).
  10. Dave Lamothe and Imogen Piper, “U.S. operations against Iran expand to Indian Ocean with tanker capture”, The Washington Post, 21 April 2026, https://tinyurl.com/2nktvabu (accessed 7 June 2026).
  11. U.S. Central Command, “U.S. Forces Disable Vessel in Gulf of Oman Attempting to Violate Blockade”, X, 6 May 2026, https://tinyurl.com/3u82xt3v (accessed 7 June 2026).
  12. U.S. Central Command, “U.S. Disables 2 More Vessels Violating Blockade in Gulf of Oman”, X, 8 May 2026, https://tinyurl.com/5vbhpyc6 (accessed 7 June 2026).
  13. Shelby Holliday, Lara Seligman and Costas Paris, “U.S. Seized Iran-Linked Oil Tanker in the Indian Ocean”, The Wall Street Journal, 19 May 2026, https://tinyurl.com/ytf6vpvh (accessed 7 June 2026).
  14. Miad Maleki, “What the US naval blockade would mean for Iran’s economy”, The Foundation for Defense of Democracies, 13 April 2026, https://tinyurl.com/mtfcp9pr (accessed 7 June 2026).
  15. “Cracks Are Emerging in Iran’s Once-Resilient Oil Sector”, OilPrice.com, 20 January 2026, https://tinyurl.com/4836bmdz (accessed 8 June 2026).
  16. Imogen Piper, “As U.S. blockades Iran, its oil still flows ship to ship an ocean away”, The Washington Post, 7 May 2026, https://tinyurl.com/4s4mzyrx (accessed 8 June 2026).
  17. “US destroyer turns back two oil tankers leaving Iran – Reuters”, Iran International, 15 April 2026, https://tinyurl.com/4tuc9xcb (accessed 8 June 2026).
  18. TankerTrackers.com, Inc., “Twenty-four hours have passed since…”, X, 4 May 2026, https://tinyurl.com/ybnzrt59 (accessed 8 June 2026).
  19. “The Commander’s Handbook on the Law of Naval Operations”, Department of the Navy, March 2022, https://tinyurl.com/3z38dcau (accessed 8 June 2026).
  20. Efstathios Kyriakidis, “Naval Blockade vs Maritime Interdiction Operations”, Strategy International, 8 May 2026, https://tinyurl.com/55v3fdae (accessed 8 June 2026).
  21. Akram Sharifi, “غریب‌آبادى خطاب به نماینده امارات: شما متجاوز هستید [Gharibabadi to UAE representative: ‘You are the aggressor.’”, Fars News, 14 May 2026, https://tinyurl.com/8dfcvj9e (accessed 7 June 2026).
  22. Ione Wells, “Netanyahu says he 'secretly visited' UAE during war with Iran”, BBC, 14 May 2026, https://tinyurl.com/45tczn4h (accessed 8 June 2026).
  23. “Amid regional conflict, the Strait of Hormuz remains critical oil chokepoint”, U.S. Energy Information Administration, 16 June 2025, https://tinyurl.com/2yb4ndk3 (accessed 8 June 2026).
  24. The White House, “We have mutually agreed that…”, X, 6 May 2026, https://tinyurl.com/ycx8n28t (accessed 8 June 2026).
  25. “محاصره خصمانه دریایی همچنان پابرجاست [The hostile maritime blockade remains in effect]”, Tasnim News Agency, 30 May 2026, https://tinyurl.com/55487tdu (accessed 8 June 2026).
  26. Gerry Doyle, “Americans Injured in Iranian Missile Strike on Kuwaiti Air Base”, Bloomberg, 30 May 2026, https://tinyurl.com/yw6776sv (accessed 8 June 2026).