"خون‌خواهی": الثأر لدم المقتول في الخطاب الإيراني

لا يمكن قراءة مفردات "الدم" و"الثأر" و"الانتقام" ورفع الرايات الحمراء في تشييع آية الله علي خامنئي وفي الخطاب الإيراني ضمن لغة التهديد السياسي أو العسكري المباشر فقط؛ فذلك كله يستند إلى مخزون أسطوري وديني عميق يمنح الانتقام معنى يتجاوز الردَّ الآني. وفي هذا المخزون، يصبح الدم ذاكرة والذاكرة تكليفًا والتكليف قابلًا للانتقال بين الأجيال إلى أن يتحقق القصاص.
19 July 2026
الرايات الحمراء المطالِبة بالثأر كانت الأكثر حضورًا في تشييع آية الله علي خامنئي (الصورة خاصة بالباحثة)

يعد مفهوم الثأر (خون‌خواهی(1)) من أكثر المفاهيم رسوخًا في الذاكرة الثقافية الإيرانية؛ إذ تتجاوز دلالاته معنى الانتقام الفردي لتؤسس لرؤية أخلاقية وسياسية تربط بين الدم والشرعية والعدالة. فمنذ الملاحم الإيرانية القديمة، مرورًا بالتراث الشيعي، وصولًا إلى الخطاب الرسمي للجمهورية الإسلامية، ظل الثأر يُقدَّم بوصفه استجابة لاستعادة النظام الأخلاقي الذي اختلَّ بفعل قتل شخصية تتمتع بشرعية دينية أو أخلاقية. وقد برز هذا المفهوم بوضوح في الخطاب الإيراني عقب اغتيال آية الله السيد علي خامنئي، في فبراير/شباط 2026؛ حيث أعيد توظيف مفردات "خون‌ خواهی" و"الانتقام" بوصفها جزءًا من خطاب رسمي يؤكد أن الثأر ليس مجرد ردِّ فعل على حدث آني، وإنما مسؤولية تاريخية ودينية تتجاوز الأفراد إلى الأمة والدولة. ومن هذا المنطلق، تتناول هذه الورقة الجذور التاريخية والثقافية لمفهوم "خون‌خواهی"، وتطوره من الموروث الإيراني القديم إلى الفكر الشيعي، ثم توظيفه في الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية المعاصرة بوصفه أحد مرتكزات الشرعية والتعبئة السياسية.

دماء الصالحين

يرتبط مفهوم الثأر في الثقافة الإيرانية، سواء في جذوره القديمة أو في امتداده الشيعي، بفكرة الانتقام لدماء الشخصيات الصالحة والمظلومة، وهو ما يكشف عن استمرارية رمزية بين المخيال التاريخي لإيران القديمة والفلسفة التاريخية الشيعية(2). فالانتقام في هذا السياق لا يُقدَّم بوصفه ردَّ فعل شخصيًّا أو انفعالًا عابرًا بل بوصفه فعلًا أخلاقيًّا يعيد التوازن الذي اختلَّ بفعل الظلم والقتل.

وتظهر هذه الرؤية في واحد من أقدم النصوص الملحمية الإيرانية، "يادگار زريران"(3) (ذكرى زرير)؛ حيث يدخل بَستور، ابن القائد الإيراني زرير، ميدان الحرب للأخذ بثأر أبيه. ولا تتوقف دلالة القصة عند العلاقة بين الابن والأب؛ إذ يتحول دم زرير إلى قضية تتجاوز القرابة الشخصية، ويصبح الثأر جزءًا من الدفاع عن الجماعة وإيران والنظام القيمي الذي يمثلانه. وبذلك تضع الملحمة الانتقام في إطار تاريخي وأخلاقي: فالدم المسفوك يخلق تكليفًا لا ينتهي بمرور الزمن بل يبقى قائمًا إلى أن يُستعاد الحق ويُعاقَب القاتل(4).

1
تعد قصة "زريران" من أقدم النصوص الملحمية الإيرانية (المصدر: دائرة المعارف الإسلامية الكبرى)

ويتكرر هذا البناء بصورة أكثر وضوحًا في الـ"شاهنامة"؛ حيث تنطلق الحروب والقصص البطولية من الثأر لدم إيرج، وتبلغ ذروتها بالثأر لدم "سياوش"(5)، لتنتهي بمعاقبة أفراسياب والتورانيين وبدء مرحلة جديدة في التاريخ الإيراني. ويُلاحَظ أن هذا الثأر لا يُطلب لكل ملك أو أمير بل يقتصر على من تمنحهم الرواية شرعية أخلاقية؛ فلا يُثأر لجمشيد أو نوذر بعد فقدانهما "الفَرَّ الإلهي(6)/النعمة الإلهية" نتيجة الأنانية أو الظلم والجور.

2
في شاهنامة الفردوسي تنطلق الحروب ثأرًا لدماء الصالحين (المصدر: fitzmuseum)

لذلك تحرص الـ"شاهنامة" على بناء الصورة الأخلاقية لإيرج وسياوش قبل طرح مسألة الثأر لهما. فإيرج يُقدَّم شخصيةً معتدلةً، عاقلة ومحبة للسلام، فيما يظهر سياوش أميرًا طاهرًا قاوم الإغراء وأثبت براءته بعبوره النار(7). ومن ثم لا يكون مقتلهما مجرد موت لشخصيتين أسطوريتين بل انتهاكًا للنظام الأخلاقي نفسه، ويغدو الانتقام محاولة لإصلاح هذا الانتهاك وإعادة "داد"(8)، أي العدل والنظام، إلى العالم.

ومن هذه الزاوية، لا تنتهي قصة الانتقام بمقتل الخصم وحده؛ ففي المخيال الملحمي الإيراني يمثِّل القصاص نقطة عبور من زمن الفوضى إلى زمن جديد؛ فالثأر لسياوش، بعد الحروب الطويلة التي يخوضها الإيرانيون بقيادة رستم، ينتهي بالاقتصاص من أفراسياب على يد كيخسرو، ابن سياوش. وهنا يتحول الابن أو الوارث إلى حامل لمهمة تاريخية مؤجلة، ويصبح الزمن نفسه جزءًا من بنية الثأر: قد يتأخر القصاص، لكنه لا يسقط.

ويجد هذا التصور امتدادًا قويًّا في الفلسفة التاريخية الشيعية. ففي زيارة عاشوراء يُوصف الإمام الحسين بأنه "ثار الله"(9)، بما يمنح دمه موقعًا يتجاوز الثأر الشخصي والعائلي. ويتجلَّى المفهوم أيضًا في التطلع إلى الأخذ بثأره مع الإمام المهدي لتصبح المطالبة بالدم قضية ممتدة في الزمن، تنتقل من جيل إلى آخر، وترتبط بفكرة العدالة المؤجلة التي ستتحقق في نهاية المطاف.

ومن هنا، يمكن فهم الرمزية التاريخية للرايات الحمراء وشعار "يا لثارات الحسين". فالراية الحمراء تشير إلى دمٍ لم يُغلق ملفُّه بعد، وإلى ثأر لا يزال قائمًا، ولذلك ارتبطت بعدد من الانتفاضات والحركات التي شهدها تاريخ إيران والعراق بعد واقعة عاشوراء. وفي هذا السياق، لا تؤدي الراية وظيفة تذكارية فحسب بل تعلن استمرار التكليف التاريخي بالمطالبة بالدم.

3
"يا لثارات الحسين" الراية الحمراء تشير إلى دم لم يُغلق ملفه بعد (الصورة خاصة بالباحثة)

ولا يقتصر أثر هذه البنية على المجال الديني أو الأدبي بل أصبحت تمثل أحد الأطر المرجعية التي يستند إليها الخطاب السياسي في الجمهورية الإسلامية. فاستدعاء مفردات "الدم" و"الثأر" و"الانتقام" ورفع الرايات الحمراء لا يهدف فقط إلى استنهاض المشاعر أو التعبئة السياسية، وإنما إلى إضفاء معنى تاريخي وأخلاقي على الصراع الراهن، من خلال ربطه بسلسلة متصلة تبدأ بالملاحم الإيرانية، وتمر بكربلاء، وتنتهي بالأحداث المعاصرة. وبهذا الربط، لا يُنظر إلى الصراع الحالي بوصفه نزاعًا سياسيًّا منفصلًا، بل بوصفه حلقة جديدة في مسار تاريخي طويل يتجدد فيه الصراع بين العدل والظلم، ويصبح كل شهيد امتدادًا رمزيًّا لمن سبقه.

لقد أعادت الرسالة التي أصدرها آية الله مجتبى خامنئي، بمناسبة تشييع ودفن والده، آية الله علي خامنئي، تسليط الضوء على مركزية مفهوم "خون‌خواهی" (الثأر) في الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية. فقد قدَّمت الثأر بوصفه امتدادًا لثأر الإمام الحسين وربطت بين دماء القادة المعاصرين ودماء شهداء كربلاء، وأكدت أن "الانتقام" ليس ردًّا انفعاليًّا على عملية اغتيال بل "مطلب الأمة" و"تكليفًا إلهيًّا" سيتحقق بغضِّ النظر عن وجود الأشخاص في مواقع السلطة. ويكشف هذا الخطاب عن حضور بنية فكرية عميقة تمتد جذورها إلى الثقافة الإيرانية القديمة والموروث الشيعي؛ حيث يتحول الدم إلى مصدر للشرعية، والثأر إلى التزام أخلاقي وديني وتاريخي ينتقل عبر الأجيال حتى يتحقق القصاص.

4
لافتة ضخمة رُفعت في تشييع آية الله علي خامنئي تطالب بالقصاص من قاتليه (الصورة خاصة بالباحثة)

وتنسجم هذه المقاربة مع البنية الفكرية التي تقوم عليها الثقافة الإيرانية والشيعية؛ حيث لا يُنظر إلى الدم بوصفه حادثة تنتهي بوقوعها، وإنما بوصفه منشئًا لتكليف تاريخي ينتقل بين الأجيال حتى يستوفي القصاص. فكما انتقل الثأر في "يادگار زريران(10)" والـ"شاهنامة" إلى الوَرَثَة، وكما أصبح الأخذ بثأر الإمام الحسين مشروعًا مؤجلًا في الوعي الشيعي، تُقدِّم رسالة مجتبى خامنئي دماء والده وسائر القتلى بوصفها دماءً تؤسس لمسؤولية جماعية مستمرة، وهو ما يفسر استمرار حضور مفردات "الدم" و"الثأر" و"القصاص" في الخطاب الرسمي الإيراني بوصفها أدوات لإنتاج الشرعية وتعبئة المجتمع، لا مجرد تعبيرات انفعالية مرتبطة بحدث آني.

ونجد في رسائل وبيانات مجتبى خامنئي جميعها خيطًا ناظمًا؛ حيث إن مفهوم الثأر والمطالبة بدماء الشهداء يمثل محورًا ثابتًا ومتكررًا في تلك الرسائل، ويمثل أحد المرتكزات الرئيسة في الخطاب السياسي والديني خلال هذه الحرب.

ويتجلَّى هذا بوضوح في الخطاب الذي قدَّمه رئيس منظمة الدعاية الإسلامية، محمد قمي، خلال ندوة "لاهوت الانتقام". فبدل الاكتفاء بتفسير الرايات الحمراء التي رُفعت في تشييع آية الله علي خامنئي بوصفها رمزًا للعزاء أو الحداد، أعاد تعريفها بوصفها إعلانًا عن استمرار "خون‌خواهی"، أي المطالبة بالثأر لدم الشهيد، واعتبر أن هذا المفهوم يحتاج إلى مزيد من التأصيل العقدي والفقهي حتى يتحول إلى وعي اجتماعي راسخ. ومن هنا دعا إلى تدوين الأسس المعرفية لـ"لاهوت الانتقام" في مؤلفات علمية، بما يكشف عن محاولة واعية لتحويل مفهوم متجذر في الذاكرة الدينية والثقافية إلى نظرية سياسية قابلة للتدريس والتداول داخل المؤسسات الدينية والثقافية.

ويذهب قمي إلى أبعد من ذلك حين ينقل "خون‌خواهی" من مستوى الرمز إلى مستوى التكليف. فالانتقام، في تصوره، ليس استجابة انفعالية ولا قرارًا سياسيًّا يخضع للموازنة بين المصالح، وإنما "مأمورية إلهية" و"حكم شرعي" لا يجوز تعطيله أو تأجيله. كما لا يظل مسؤولية الأفراد وحدهم بل يتحول إلى التزام يقع على عاتق الدولة نفسها، لأن إرادة الشعب، عندما تنسجم مع الإرادة الإلهية، تصبح ملزمة لمؤسسات النظام. وبهذا تنتقل فكرة الثأر من المجال الرمزي إلى المجال المؤسسي؛ حيث تُعاد صياغتها بوصفها جزءًا من وظائف الدولة وأحد عناصر شرعيتها.

ويمكن تحديد عشرة مفاهيم يركز عليها الخطاب الحالي في الجمهورية الإسلامية فيما يتعلق بـ"الثأر":

  1. الرايات الحمراء رمزًا للثأر: الرايات الحمراء التي رُفعت في تشييع "القائد الشهيد" نجحت في إيصال مفهوم "خون‌خواهی" (المطالبة بالثأر للدم)، حتى إن وسائل إعلام دولية تساءلت عن دلالتها؛ مما يجعل هذا المفهوم يحتاج إلى مزيد من التأصيل المعرفي والفقهي.
  2. بناء نظرية معرفية للانتقام: الدعوة إلى قيام علماء الحوزة بتطوير مفهوم الثأر.
  3. الانتقام تكليف شرعي وسياسي: استنادًا إلى رسائل القيادة العليا في إيران؛ حيث تعهَّد مجتبى خامنئي فيها بالأخذ بثأر الشهداء، ليؤكد أن الانتقام ليس خيارًا سياسيًّا بل واجبًا ملزمًا لا يترك مجالًا للتراجع أو التهرب.
  4. الانتقام أوسع من القصاص الفردي: مفهوم الانتقام يشمل القصاص من الآمرين والمنفذين، لكنه يمتد أيضًا إلى أهداف إستراتيجية، مثل "إخراج الولايات المتحدة من المنطقة وإنهاء الكيان الإسرائيلي"، من دون أن يُغني ذلك عن معاقبة المسؤولين المباشرين عن الاغتيالات.
  5. إرادة الشعب تُلزم الدولة: ظهور مطلب الثأر في الرايات والقصائد والمراثي والشعارات الشعبية يعني أن هذه الإرادة أصبحت إرادة عامة، وتتحول إلى تكليف على مؤسسات الدولة لا مجرد واجب فردي على المؤمنين.
  6. الانتقام حكم غير قابل للتعطيل: تنفيذ الانتقام ليس خاضعًا للمصلحة السياسية أو الحسابات الظرفية بل هو حكم يجب تنفيذه ولا يجوز تعطيله تحت أية ذريعة.
  7. وجود "بنك أهداف" واسع: وجود قائمة كاملة بالمسؤولين عن الجرائم، وذلك يدل على انتقال الملف إلى مرحلة عملية، وأن الأهداف لا تقتصر على قَتَلَة "القائد الشهيد" بل تشمل جميع المسؤولين عن اغتيال القادة والعلماء والمدنيين الإيرانيين.
  8. سَلْب الأمن من الخصوم: وهو ما نجده في عبارة وردت في رسالة لمجتبى خامنئي "عليهم أن يدفنوا حلم الموت الهادئ"، وتعني ضرورة حرمان الخصوم من الشعور بالأمن والاستقرار، وعدم السماح لهم بالعيش في طمأنينة.
  9. رفض تأجيل الانتقام: وقريبًا الواردة في الرسالة لا تعني الإرجاء إلى أجل غير محدد، وأن الانتقام واجب عاجل لا يقتصر على الحكومات بل يشمل جميع المؤمنين بل وكل الأحرار في العالم الذين يرفضون الظلم.
  10. الانتقام بوصفه "مهمة إلهية": اعتبار الانتقام سُنَّة إلهية وجهادًا مشروعًا، وأن من يُقتل في هذا الطريق يُعد شهيدًا، مستندًا إلى الرؤية القرآنية التي تجعل القصاص وسيلة لحفظ الحياة وإقامة العدل.

6
من الشعارات التي رُفعت في طهران وتؤكد على الانتقام (الصورة خاصة بالباحثة)

ويتم اليوم إعادة إنتاج البنية الثقافية القديمة في سياق سياسي معاصر. فإذا كان دم زرير في "يادگار زريران" ودم سياوش في الـ"شاهنامة" قد أنشآ التزامًا تاريخيًّا انتقل إلى الأبناء والأحفاد حتى تحقق القصاص، وإذا كان دم الإمام الحسين قد تحول في الفكر الشيعي إلى قضية مفتوحة تنتظر اكتمالها مع ظهور الإمام المهدي، فإن الخطاب الرسمي يعيد اليوم إدراج دماء القادة والعلماء والجنود والمدنيين الإيرانيين ضمن السلسلة الرمزية ذاتها. وبذلك تُمنح الأحداث الراهنة معنى يتجاوز سياقها الزمني، فلا تُقدَّم بوصفها خسائر حرب وإنما بوصفها لحظات مؤسسة لتكليف تاريخي جديد.

ومن هذا المنظور، يغدو "خون‌خواهی" أكثر من مجرد دعوة إلى الانتقام؛ إذ يتحول إلى إطار تفسيري شامل يعيد تعريف العلاقة بين الماضي والحاضر، وبين الدين والدولة، وبين الذاكرة والسياسة. فالدم يصبح ذاكرة جماعية، والذاكرة تتحول إلى التزام شرعي، والالتزام يُترجم إلى سياسات وخطابات وممارسات تعبئة. وبهذه الآلية، يُعاد إنتاج الشرعية السياسية من خلال دمج الواقعة المعاصرة في سردية تاريخية ممتدة، بحيث يبدو الصراع الراهن استمرارًا لمعركة لم تنقطع، لا مجرد مواجهة فرضتها ظروف سياسية آنية.

تكشف المقارنة بين "يادگار زريران" والـ"شاهنامة" والمخيال الشيعي عن بنية ثقافية متكررة: شخصية صالحة أو مظلومة تُقتل، ودمها يتحول إلى دين تاريخي؛ ثم يظهر وريث أو جماعة تحمل مهمة الثأر، ويأتي القصاص بوصفه استعادة للعدل وبداية لمرحلة جديدة. ومن مفهوم "داد" في الثقافة الإيرانية القديمة إلى مبدأ العدل في الفكر الشيعي، يبدو الانتقام لدماء الصالحين في هذا المخيال تجليًا دنيويًّا للعدالة، ووسيلة لإعادة بناء النظام الأخلاقي بعد انتهاكه.

وعليه، فإن استدعاء مفردات "الدم" و"الثأر" و"الانتقام" ورفع الرايات الحمراء في الخطاب الإيراني لا يمكن قراءته فقط ضمن لغة التهديد السياسي أو العسكري المباشر؛ فهو يستند إلى مخزون أسطوري وديني عميق يمنح الانتقام معنى يتجاوز الردَّ الآني. في هذا المخزون، يصبح الدم ذاكرة والذاكرة تكليفًا والتكليف قابلًا للانتقال بين الأجيال إلى أن يتحقق القصاص.

ABOUT THE AUTHOR

References

1 - خون‌خواهی هو مفهوم فارسي يعني "المطالبة بدم المقتول والثأر له"، ويشير إلى واجب أخلاقي وديني يهدف إلى استيفاء القصاص وإعادة العدالة، وقد تطور في الخطاب الإيراني من كونه قيمة ثقافية إلى مفهوم سياسي.

2 - احسان آریادوست، مسلم میرزاوند، بررسی نقش ایرانیان در خون خواهی (بحث دور الإيرانيين في المطالبة بدم المقتول)، شهرية صف، (آبان 1394)، ص60.

3 - "يادگار زریران" هو أقدم نصٍّ ملحمي فارسي باقٍ باللغة الفهلوية، (الفارسية الوسطى)، ويُرجَّح تأليفه في العصر الساساني اعتمادًا على تقاليد أقدم تعود إلى العصرين الأشكاني والأخميني، يروي مقتل البطل الإيراني زرير وثأر ابنه بستور له، ويُعد من أهم المصادر التي أرست مفهوم خون‌خواهی (الثأر) بوصفه واجبًا أخلاقيًّا ودينيًّا في الثقافة الإيرانية القديمة.

4- ژاله  اموزگار، یادگار زریران، (تهران: انتشارات معين)، 2013، صص 40-44.

5 - فردوسی "شاهنامه" داستان سیاوش/ قصة سياوش" القسم 14، موقع گنجور، (تاريخ الدخول: 19 يوليو/تموز 2026)، https://ganjoor.net/ferdousi/shahname/siavosh/sh14

6 - يستند هذا التصور إلى مفهوم محوري في الفكر الإيراني القديم هو "الفَرّ الإلهي" (فرّه ایزدی)، الذي يشير إلى النعمة أو الهالة الإلهية التي تمنحها السماء للملك أو البطل الشرعي، فتمنحه أهلية الحكم والقيادة والانتصار. ولا يُنظر إلى هذا "الفَرّ" بوصفه قوة خارقة فحسب بل بوصفه مصدر الشرعية السياسية والأخلاقية.

-7 Mohammad Jafar Amir Mahallati."Ethics of War and Peace in the Shahnameh of Ferdowsi."
Iranian Studies 48, no. 6 (2015): 905–931

8- "داد" هو مفهوم إيراني قديم يعني العدل والحق والنظام الأخلاقي، ويُعد في الفكر الإيراني أساس شرعية الحكم وغاية الثأر المشروع؛ إذ يهدف القصاص إلى إعادة "العدل" بعد أن اختل بفعل الظلم أو القتل. ومن هنا جاء اسم المحكمة باللغة الفارسية "دادگاه".

9- مفهوم‌شناسی «ثارالله» در زیارت عاشورا، (مفهوم «ثار الله» في زيارة عاشوراء.)وكالة مهر، 12 تير 1404 ش، (تاريخ الدخول: 19 يوليو/تموز 2026)، mehrnews.com/x38rhZ

10 - حمیدرضا پاشازانوس، «ایادگار زریران»، یادگاری حماسی از نبرد یزدگرد دوم(439-457 م.) با خیونی ها، «يادگار زريران»؛ أثرٌ ملحمي يخلّد معركة يزدجرد الثاني (439–457م) ضد الخيونيين، فصليةپژوهش علوم تاریخی، جامعة طهران الدورة 14، العدد 2 ،شهریور 1401ش، صص 7-12.