ماذا يعني انتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس؟

تناقش الورقة دلالات انتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس، وذلك على المستوى الداخلي التنظيمي-السياسي وعلى المستوى الخارجي. وتشير الورقة إلى التحديات التي تواجه رئيس الحركة الجديد، لاسيما مع موافقة الحركة على اقتراح الوسطاء للتقدم في المرحلة الثانية من خطة ترامب، بما يشمل تخزين السلاح وإشراف لجنة التكنوقراط عليه.
خليل الحية: رئيس المكتب السياسي الجديد لحركة حماس. (أسوشيتد برس)

بعد أكثر من عام وتسعة أشهر من شغور منصب رئاسة المكتب السياسي، أعلنت حركة حماس، في 20 يوليو/تموز 2026، انتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي خلفًا ليحيى السنوار(1). جاء الانتخاب بعد مرحلة اغتالت فيها إسرائيل إسماعيل هنية ثم السنوار، إلى جانب عدد من قادتها السياسيين والعسكريين؛ ما دفع حماس إلى إدارة شؤونها عبر مجلس قيادي مؤقت(2). وحُسمت النتيجة بعد جولة ثانية انحصرت المنافسة فيها بين الحية وخالد مشعل، وانتهت بفوز الأول بفارق محدود(3).

يكتسب انتخاب الحية أهميته من موقعه داخل حماس ومن طبيعة المرحلة التي يتولى فيها القيادة؛ إذ يضع الانتخاب على رأس الحركة شخصية تنتمي إلى قيادة غزة وتملك خبرة تفاوضية واسعة. كما يأتي الانتخاب في وقت يواجه فيه اتفاق وقف إطلاق النار تعثرًا في الانتقال إلى مراحله التالية؛ إذ تربط خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مستقبل غزة بتشكيل إدارة فلسطينية من التكنوقراط، ونزع سلاح حماس والفصائل الأخرى، ونشر قوة أمنية دولية وانسحاب الجيش الإسرائيلي، والبدء في إعادة الإعمار(4).

نطلق هذا التقدير من فرضية مفادها أن انتخاب خليل الحية يؤشر إلى استمرار القدرة البنيوية لحماس على إعادة إنتاج قيادتها، ويؤكد بقاء غزة في مركز القرار التنظيمي والسياسي داخلها. مع ذلك، لا تكفي استعادة انتظام القيادة لضمان استمرار الحركة بالوظيفة والمكانة اللتين شغلتهما قبل الحرب. وتتوقف الدلالة السياسية الفعلية للانتخاب على قدرة القيادة الجديدة على الانتقال من إدارة البقاء التنظيمي إلى المحافظة على دور سياسي قابل للاستمرار، ينسجم مع التحولات الميدانية والسياسية التي فرضتها الحرب، فضلًا عن تموضعها إزاء موازين القوى الإقليمية.

وبناء على ذلك، تبحث الورقة في دلالات انتخاب الحية داخل حركة حماس، كما تناقش أبرز الاستحقاقات التي تواجهه، إلى جانب تحليل الموقف الإسرائيلي من انتخابه والسيناريوهات المحتملة لمسار حماس خلال المرحلة المقبلة.

دلالات انتخاب خليل الحية

تتعدد دلالات انتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي، ويمكن تناول أبرزها على النحو الآتي:

أولًا: استمرار مركزية قطاع غزة داخل حماس

اكتسب قطاع غزة خلال السنوات الماضية وزنًا متقدمًا داخل حماس، بعدما تركزت فيه تجربة الحكم والقوة العسكرية وإدارة المواجهة المباشرة مع إسرائيل. ويظهر استمرار هذا الوزن في تولي ثلاثة قادة من القطاع رئاسة المكتب السياسي تباعًا، هم إسماعيل هنية ويحيى السنوار ثم خليل الحية. ولا يفسر الانتماء الجغرافي وحده اختيار هؤلاء القادة لكنه يكشف ارتباطًا متزايدًا بين قيادة الحركة والساحة التي تركزت فيها عناصر القوة التنظيمية والعسكرية وتجربة الإدارة.

يحمل هذا الاختيار دلالة سياسية، في ظل المساعي الإسرائيلية لإبعاد حماس عن المشهد الفلسطيني ولاسيما غزة(5). فاختيار شخصية تنتمي إلى القطاع يعبِّر عن رفض الحركة التعامل مع غزة بوصفها ساحة خرجت من مجال تأثيرها، ويؤكد تمسكها بدور في تحديد الترتيبات المقبلة. ومن ثم، لا يعني التخلي عن إدارة غزة بالضرورة التخلي عن الحضور أو عن التأثير في المجتمع والمؤسسات المحلية.

لكن استمرار مركزية غزة يضع الحية أمام مسؤولية مزدوجة؛ فهو مطالب بالحفاظ على مكانة الحركة داخل القطاع، وفي الوقت نفسه التعامل مع واقع ميداني وسياسي تقلَّصت فيه قدرتها على الحكم والعمل العسكري. ولهذا لن يستطيع استعادة الصيغة التي حكمت بها حماس غزة منذ عام 2007، وسيضطر إلى البحث عن صيغة جديدة تفصل بين الإدارة المباشرة والمحافظة على الحضور السياسي والتنظيمي.

ثانيًا: استعادة المرجعية القيادية

أنهى انتخاب الحية مرحلة المجلس القيادي المؤقت، وأعاد رئاسة المكتب السياسي إلى إطارها التنظيمي المعتاد. وتنبع أهمية ذلك من حاجة حماس إلى مرجعية واضحة تمثلها أمام الوسطاء والقوى الفلسطينية والدول الإقليمية، وتنسق بين مؤسسات الحركة وقيادات مناطقها المختلفة.

ولا تمنح رئاسة المكتب السياسي الحية سلطة منفردة؛ إذ ما زالت مؤسسات الحركة وأقاليمها في غزة والضفة والخارج والسجون تشارك في صياغة التوجهات والقرارات(6)، مع احتفاظ الجناح العسكري بثقل حاسم في بعض الملفات. لذلك، يتوقف نفوذه على قدرته على بناء التوافق داخل بنية تنظيمية أضعفتها الضربات وقيدتها الظروف الأمنية.

ويتميز الحية بمسار يجمع بين الحضور التنظيمي والاجتماعي داخل غزة والانفتاح السياسي على الإقليم. فقد أتاح له عمله التنظيمي السابق في القطاع بناء علاقات مباشرة مع قيادات الحركة وكوادرها على مختلف المستويات؛ ما منحه معرفة دقيقة ببنيتها الداخلية ومراكز التأثير فيها واحتياجات غزة وأولوياتها. كما وسَّع ترؤوسه وفد المفاوضات شبكة اتصالاته مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية. ويختلف هذا المسار عن تجربة خالد مشعل التي تشكَّلت أساسًا في قيادة الحركة من الخارج وإدارة علاقاتها السياسية والدبلوماسية.

ثالثًا: اختيار قيادة ذات خبرة تفاوضية

يشير انتخاب الحية إلى تقدم الوظيفة التفاوضية داخل أولويات حماس؛ فقد قاد وفد الحركة في المفاوضات المتعلقة بوقف الحرب، وأصبح نقطة اتصال أساسية مع مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة. ويعكس اختياره حاجة الحركة إلى شخصية تمتلك شبكة علاقات مع دول الإقليم، وعلى دراية تامة بتفاصيل الاتفاق والالتزامات التي قدمتها الأطراف والعقبات التي تمنع تنفيذها.

مع ذلك، لا يعني هذا أن حماس قررت التخلي عن العمل العسكري والانتقال إلى العمل السياسي. فقد أكَّد الحية في خطابه الأول استمرار التمسك بالمقاومة، ووضع في الوقت نفسه وقف الحرب واستعادة الحياة الكريمة في غزة ومنع التهجير وتسريع الإعمار والوحدة الفلسطينية ضمن أولويات قيادته(7). ويجمع هذا الخطاب بين المحافظة على الثوابت داخل الحركة، وإظهار الاستعداد للتعامل مع مقتضيات الاتفاق والواقع الذي فرضته الحرب.

ومع ذلك، لا تقتصر قيمة خبرة الحية التفاوضية على قدرته على التوصل إلى اتفاق، وإنما تشمل قدرته على إقناع مؤسسات الحركة وقواعدها بمخرجاته. فكل تقدم في مسار الاتفاق سيضعه أمام قضايا وملفات مترابطة تحدد وظيفة الحركة وهويتها وموقعها المستقبلي.

المهام والتحديات

يتولى خليل الحية القيادة في مرحلة لا تقتصر فيها المسؤولية على إدارة المؤسسات الداخلية؛ إذ ستتحدد مكانته بقدرته على التعامل مع خمسة استحقاقات مهمة ومترابطة، وهي على النحو التالي:

أولًا: تثبيت وقف إطلاق النار وترتيبات غزة

تتمثل المهمة الأكثر إلحاحًا أمام الحية في الحفاظ على وقف إطلاق النار ودفع الانتقال إلى المراحل التالية(8). ويرتبط هذا الملف به مباشرة لأنه ترأس وفد حماس المفاوِض، وشارك في مناقشة تفاصيل الاتفاق منذ مراحله الأولى. لذلك، ستُقاس قيادته بقدرته على نقل الاتفاق من حالة الهشاشة الراهنة إلى صيغة أكثر استقرارًا واستدامة، وضمان تنفيذ بنوده.

غير أن الواقع الميداني ما زال يهدد استمرار الاتفاق؛ إذ وسَّعت إسرائيل نطاق المناطق الخاضعة لسيطرتها داخل غزة إلى نحو 67% من مساحة القطاع، مع العمل على توسيعها إلى قرابة 70%(9).  كما واصلت تنفيذ الاغتيالات، بالتزامن مع طرح مخططات ودعوات لإقامة ثلاث أنوية استيطانية في شمال القطاع(10)، بما يكشف استمرار التوجه نحو فرض وقائع أمنية واستيطانية جديدة على الأرض.

وفي ظل هذه المعطيات، يواجه الحية مهمة توظيف علاقاته بالوسطاء للضغط من أجل وقف الخروقات، ودفع الانسحاب الإسرائيلي، ومنع تحول الوجود العسكري داخل القطاع إلى احتلال دائم. وفي موازاة ذلك، اتخذت حماس خطوة عملية تمثَّلت في حل الهيئة الحكومية التي كانت تدير الوزارات، وإعلان استعدادها لنقل المسؤوليات إلى اللجنة الوطنية الجديدة(11). غير أن إسرائيل عَدَّت الخطوة مناورة لا تثبت انتهاء سيطرة الحركة الفعلية، ورأت أنها تظل غير كافية ما لم تقترن بنزع السلاح(12).

ثانيًا: التعامل مع مستقبل السلاح

يمثل مستقبل السلاح أكثر الملفات حساسية، لأنه يمس هوية حماس وموقعها داخل الساحة الفلسطينية؛ إذ تشترط خطة ترامب نزع سلاح الحركة وتدمير الأنفاق والبنية العسكرية، وتربط استكمال الانسحاب وإعادة الإعمار بإتمام عملية نزع السلاح والتحقق منها(13). وتنص الخطة التنفيذية اللاحقة التي طرحها مجلس السلام على برنامج مرحلي يمتد ثمانية أشهر، يبدأ بتولي اللجنة الوطنية المسؤولية الأمنية والإدارية وينتهي بالتحقق من خلو غزة من السلاح والانسحاب الإسرائيلي الكامل(14).   

في المقابل، ترفض حماس التخلي عن سلاحها قبل إنهاء الاحتلال، وقد وافقت خلال المباحثات حول المرحلة التالية من وقف إطلاق النار التي عُقدت في مصر على حصر السلاح وتخزينه تدريجيًّا تحت إشراف اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ضمن مسار متبادل يرتبط بالانسحاب الإسرائيلي وتنفيذ بقية التزامات الاتفاق(15). ويتمحور الخلاف حول ترتيب التنفيذ؛ إذ ترى حماس أن حصر السلاح وتخزينه يجب أن يأتي بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي وتنفيذ إسرائيل التزاماتها الواردة في الاتفاق، بينما تشترط إسرائيل تجريد قطاع غزة من السلاح قبل بدء الانسحاب من الخط الأصفر(16).

يضع هذا التباين الحية أمام خيارات مرتفعة الكلفة. فقد يثير القبول بحصر السلاح اعتراضات داخل الحركة، ويُفقد حماس أحد أهم مصادر تأثيرها. وقد يؤدي رفض الشرط الإسرائيلي إلى تعطيل الاتفاق وتأخير الإعمار واستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي؛ ما يحمِّل الحركة جزءًا من المسؤولية عن استمرار الأزمة في غزة.

ولا يستطيع الحية حسم هذا الملف عبر المكتب السياسي وحده؛ إذ يحتاج أي قرار إلى توافق وتفاهم مع الفصائل الأخرى التي تمتلك سلاحًا داخل غزة. لذلك، يتمثل التحدي أمام القيادة في تحويل الطروحات المرحلية المتعلقة بضبط السلاح أو تخزينه إلى صيغة تحظى بتوافق داخلي فلسطيني، وربط التسوية النهائية بمسار أوسع يشمل دمج الفصائل في المؤسسات الأمنية وصياغة إستراتيجية وطنية مشتركة.

ثالثًا: إعادة بناء الحركة وتحديد موقعها السياسي

تواجه قيادة الحية تحدي ترميم البنية المؤسسية والتنظيمية لحماس بعد الخسائر التي استهدفت مستوياتها القيادية والعسكرية والإدارية. ويقتضي ذلك شغل المواقع الشاغرة وإعادة تنظيم توزيع الصلاحيات، وتأهيل جيل قيادي جديد إلى جانب تطوير آليات الاتصال وصنع القرار بما يتلاءم مع استمرار الاستهداف الإسرائيلي وتعقيدات البيئة الأمنية المستجدة.

غير أن ترميم الهياكل التنظيمية لا يكتمل من دون إعادة تحديد وظيفة الحركة ودورها المستقبلي. فقد تراجعت قدرتها على إدارة قطاع غزة، وتقلصت إمكانات استمرار العمل العسكري بصيغته السابقة، فيما ترفض إسرائيل والولايات المتحدة عودة حماس إلى حكم القطاع أو مشاركتها في ترتيبات إدارته المستقبلية(17). لذلك، تحتاج حماس إلى صياغة دور يحافظ على تأثيرها في الساحة الفلسطينية، من دون العودة إلى الحكم المنفرد أو حصر حضورها في القوة العسكرية.

وفي هذا السياق، يبدو الانخراط في النظام السياسي الفلسطيني أحد المسارات المتاحة أمام حماس. فقد حدَّد الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، موعدًا لانتخابات المجلس التشريعي(18). وهو ما يضع الحركة أمام استحقاق تحديد موقفها من المشاركة وإعادة تنظيم علاقتها بمؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، وصياغة موقعها داخل البنية السياسية الفلسطينية في مرحلة ما بعد الحرب.

وقد تؤدي مقاطعة الانتخابات إلى إبقائها خارج الأطر الرسمية، فيما تنسجم دعوة الحية إلى حوار وطني وإعادة بناء منظمة التحرير على أسس الشراكة والتوافق مع إدراك الحاجة إلى معالجة الانقسام، وتثبيت حضور مؤسسي للحركة داخل النظام السياسي الفلسطيني(19).

غير أن هذا المسار قد يواجه اعتراضات فلسطينية وإسرائيلية؛ إذ قد تشترط السلطة الفلسطينية على حماس الالتزام بالقرارات الدولية والاتفاقيات الموقَّعة مع إسرائيل، فيما يُتوقع أن تعارض إسرائيل مشاركة الحركة أو قوائم مرتبطة بها في الانتخابات. لذلك، يحتاج الحية إلى تفاهم وطني يحدد قواعد المشاركة والتمثيل، ويحول دون توظيف الانتخابات لإعادة إنتاج الانقسام أو إقصاء قوى سياسية رئيسية.

رابعًا: إعادة تنظيم العلاقات الإقليمية

يتولى الحية قيادة حماس في بيئة إقليمية تغيرت فيها موازين القوى وقدرات الحلفاء والوسطاء؛ حيث تحتاج الحركة إلى مصر وقطر وتركيا لمواصلة الوساطة والاتصال بالولايات المتحدة وإسرائيل وتأمين تنفيذ الاتفاق، كما تحتاج إلى الحفاظ على علاقاتها بإيران والقوى المتحالفة معها التي قدمت دعمًا سياسيًّا وعسكريًّا خلال الحرب.

وقد عكس الخطاب الأول للحية بعد انتخابه هذا التوجه؛ إذ وجه الشكر إلى مصر وقطر وتركيا بوصفها أطرافًا منخرطة في الوساطة، وخصَّ إيران وحزب الله وأنصار الله في اليمن بالإشادة، في إشارة إلى استمرار العلاقة بالقوى التي قدمت إسنادًا عسكريًّا خلال الحرب(20).

يملك الحية خبرة مباشرة في التعامل مع هذه الأطراف؛ فقد أقام علاقات وثيقة مع قطر ومصر وتركيا خلال جولات التفاوض، وحافظ في الوقت نفسه على علاقات مع إيران. ويمنحه ذلك قدرة على العمل بين دوائر إقليمية تختلف في أولوياتها ومواقفها من سلاح حماس ومستقبل غزة. لكن التصعيد الإقليمي يحدُّ من قدرة الحية على المحافظة على الصيغة السابقة للعلاقات. وتتمثل مهمة الحية في تنظيم هذه العلاقات وفق الوظيفة الفعلية لكل طرف.

ويملك الحية خبرة مباشرة في إدارة العلاقات مع هذه الأطراف، فقد نسج علاقات وثيقة مع مصر وقطر وتركيا، وحافظ في الوقت نفسه على صلاته بإيران. وتتيح له هذه الخبرة التحرك بين دوائر إقليمية تختلف في أولوياتها ومواقفها من حماس. غير أن التصعيد في الخليج والحرب الأميركية/الإسرائيلية مع إيران وتغير موازين القوى يحدان من قدرة القيادة الجديدة على الحفاظ على الصيغة السابقة لهذه العلاقات، ويجعلان مهمتها الأساسية إعادة تنظيمها وفق الدور الفعلي الذي يستطيع كل طرف أداءه في المرحلة المقبلة.

خامسًا: التعامل مع العقوبات والملاحقات الأميركية

تواجه قيادة الحية تحديًا إضافيًّا يتمثل في التعامل مع تصاعد العقوبات والملاحقات الأميركية التي تستهدف قيادات حماس في الخارج. ففي 7 أكتوبر/تشرين الأول 2024، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على أفراد ومؤسسات قالت إنها تعمل ضمن شبكة التمويل الدولي للحركة(21). وفي 19 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه فرضت عقوبات على ستة من كبار مسؤولي حماس وأشخاص بتهمة بالمشاركة في جمع الأموال وتهريب الأسلحة(22). وفي يوم 12 مارس/آذار 2026، أعلنت واشنطن فرض عقوبات إضافية على أربع جمعيات اتهمتها بتمويل الجناح العسكري للحركة(23).

تضيق هذه الإجراءات حركة قيادات حماس وتحد من قدرتها على إدارة مواردها وعلاقاتها الخارجية، وترفع كلفة عمل مؤسساتها وشبكاتها. لذلك، تواجه قيادة حماس الجديدة تحدي حماية القنوات السياسية والمالية للحركة، وتنظيم عملها الخارجي بما يقلِّل تعرضه للملاحقات ويحافظ على استمراريته.

الموقف الإسرائيلي

لا تتعامل إسرائيل مع انتخاب الحية بوصفه تحولًا في مسار حماس؛ حيث تنظر إليه بوصفه استمرارًا لقيادة غزة وللبنية التي أدارت الحرب والمفاوضات، وترى أن تغيير رئيس المكتب السياسي لا يغيِّر طبيعة الحركة أو شروط التعامل معها. وتركز القراءة الإسرائيلية على أن الحية سيحاول الجمع بين الحفاظ على سلاح حماس ومكانتها داخل غزة وتعزيز التيار القريب من إيران، ودفع المرحلة التالية من الاتفاق وبدء الإعمار. وترى أن هذه المعادلة قد تدفعه إلى قبول حكومة تكنوقراط وانسحاب إسرائيلي جزئي مع رفض نزع السلاح الكامل والفوري(24).

مع ذلك، لا يوجد اتفاق إسرائيلي موحد على دلالات انتخابه. فقد رأى معارضو نتنياهو أن قدرة حماس على إجراء انتخابات داخلية وتجديد قيادتها تقدم مؤشرًا إضافيًّا على إخفاق الحكومة في تحقيق أهداف الحرب(25). وكانت الحكومة الإسرائيلية قد أعلنت أن تفكيك الحركة يمثل أحد أهدافها الأساسية(26)، فيما تكشف قدرة حماس على انتخاب رئيس جديد عن استمرار بنيتها السياسية والتنظيمية وقدرتها على العمل رغم الضربات التي تعرضت لها.

ولا تفصل إسرائيل عمليًّا بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية في سياسة الاستهداف. فقد استهدفت الحية وقيادات الوفد المفاوض في الدوحة خلال اجتماع خُصِّص لمناقشة مقترح لوقف إطلاق النار، وصرَّح نتنياهو لاحقًا بأن القضاء على قادة حماس في قطر قد يزيل عقبة أمام الاتفاق(27). ويعني ذلك أن تولي الحية رئاسة المكتب السياسي لن يوفر له حماية سياسية، وقد يدفع الحركة إلى اعتماد ترتيبات أمنية أكثر تعقيدًا في إدارة مؤسساتها واتصالاتها.

خاتمة

أنهى انتخاب خليل الحية مرحلة الفراغ القيادي داخل حماس، وأكد استمرار قدرة مؤسساتها على تجديد القيادة رغم الخسائر التي استهدفت مستوياتها السياسية والعسكرية. كما وضع على رأس المكتب السياسي شخصية تنتمي إلى قيادة قطاع غزة، وتمتلك خبرة في التفاوض وإدارة العلاقات الإقليمية بما يتناسب مع طبيعة الاستحقاقات التي تواجه الحركة بعد الحرب.

مع ذلك، لا تعيد استعادة انتظام القيادة لحماس مكانتها السابقة؛ فقد تقلصت قدرتها على إدارة غزة ومواصلة العمل العسكري بصيغته المعهودة، وأصبحت قضايا السلاح والإدارة والانسحاب وإعادة الإعمار خاضعة لترتيبات فلسطينية وإقليمية ودولية متداخلة. كما تواصل إسرائيل استهداف قيادات الحركة، وتصر على نزع قدراتها العسكرية واستبعادها من إدارة القطاع.

وتفتح هذه البيئة ثلاث اتجاهات أمام القيادة الجديدة: يقوم الأول على تعزيز الانخراط السياسي والمشاركة في المؤسسات الفلسطينية والتوصل إلى ترتيبات مرحلية بشأن السلاح ضمن تسوية أوسع. ويتمثل الثاني في الإبقاء على وضع انتقالي تحتفظ فيه حماس بحضور سياسي وعسكري محدود من دون حسم الملفات الأساسية، وهو ما قد يؤخِّر الإعمار ويُبقي احتمالات التصعيد قائمة. أما الاتجاه الثالث، فيرتبط بتجميد الاتفاق واستئناف الحرب، بما يضاعف الأزمات الإنسانية في القطاع، ويقيد قدرة الحركة على ترميم مؤسساتها.

ويبدو المسار الأول أكثر اتساقًا مع موقع الحية وخبرته. وعليه، يتوقف نجاح الحية على قدرته على الحفاظ على دور حماس وتأثيرها بما يتجاوز مجرد صون بقائها التنظيمي، ويعزز موقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني. ويتطلب ذلك بناء توافق داخلي والتوصل إلى شراكة وطنية، ومعالجة ملف السلاح ضمن إطار فلسطيني مشترك، وإدارة العلاقات الإقليمية بما يخدم الأولويات الفلسطينية في المرحلة المقبلة.

ABOUT THE AUTHOR

References

(1) حركة حماس، "انتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي للحركة"، قناة حركة حماس الرسمية على تليغرام، 20 يوليو/تموز 2026 (تاريخ الدخول: 25 يوليو/تموز 2026)، https://t.me/+sklEwcJvC2tjNGVk

(2) عبد الكريم السموني، "مصدر في حماس: الانتخابات جرت بظروف معقدة"، موقع ألترا فلسطين، 20 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 25 يوليو/تموز 2026)، https://short-url.cc/1uz-R

(3) حركة حماس، "حول نتائج انتخابات رئاسة حركة المقاومة الإسلامية حماس"، قناة حركة حماس الرسمية على تليغرام، 20 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 25 يوليو/تموز 2026)،  https://t.me/+sklEwcJvC2tjNGVk 

(4) البيت الأبيض، "بيان بشأن خطة الرئيس ترامب الشاملة لإنهاء الصراع في غزة"، 16 يناير/كانون الثاني 2026، (تاريخ الدخول: 27 يوليو/تموز 2026)،  https://www.whitehouse.gov/briefings-statements/2026/01/statement-on-president-trumps-comprehensive-plan-to-end-the-gaza-conflict/

(5) رويترز، "مجلس الحرب الإسرائيلي الجديد يتعهد بمحو حماس من على وجه الأرض"، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2023، (تاريخ الدخول: 25 يوليو/تموز 2026)، https://www.reuters.com/world/middle-east/netanyahu-gantz-agree-form-emergency-israel-government-statement-2023-10-11/

(6) حركة حماس، "حول نتائج انتخابات رئاسة الحركة"، مصدر سابق.

(7) حركة حماس، "كلمة الدكتور خليل الحية، رئيس المكتب السياسي"، قناة حركة حماس الرسمية على تليغرام، 22 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 29 يوليو/تموز 2026)، https://t.me/+sklEwcJvC2tjNGVk

(8) حركة حماس، "انتخاب خليل الحية رئيسًا للحركة"، قناة حركة حماس الرسمية على تليغرام، 20 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 25 يوليو/تموز 2026)، https://t.me/+sklEwcJvC2tjNGVk

(9) ينون شالوم يتاح، "الجيش الإسرائيلي لوزراء الكابينت: نسيطر حاليًّا على نحو 67% و70% من مساحة غزة"، i24NEWS، 15 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 26 يوليو/تموز 2026)، https://www.i24news.tv/he/news/news/defense-news/artc-b20c3f61

(10) القناة السابعة، "الخطة الجديدة لشمال قطاع غزة"، 6 يونيو/حزيران 2026، (تاريخ الدخول: 29 يوليو/تموز 2026)، https://www.inn.co.il/news/698442

(11) المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، "بيان صحفي بشأن تقديم رئيس لجنة الطوارئ الحكومية ورئيس المتابعة الحكومية بالإنابة استقالته"، قناة المكتب الإعلامي الحكومي على تليغرام، 6 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 26 يوليو/تموز 2026)، https://t.me/mediagovps/4118

(12) عيناف حلبي وإيتمار آيخنر، "خطوة حماس لنقل السيطرة في غزة، والرد في إسرائيل: مناورة تهدف إلى كسب الوقت"، يديعوت أحرونوت، 6 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 26 يوليو/تموز 2026)، https://www.ynet.co.il/news/article/sjeojwtxgx

(13) الجزيرة نت، "خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة"، 30 سبتمبر/أيلول 2025، (تاريخ الدخول: 29 يوليو/تموز 2026)، https://aja.ws/pdaip1

(14) رويترز، "خطة مجلس السلام الذي شكله ترامب تنص على نزع سلاح حماس وتدمير أنفاق غزة خلال ثمانية أشهر"، 27 مارس/آذار 2026، (تاريخ الدخول: 26 يوليو/تموز 2026)، https://www.reuters.com/ar/world/Z4BAFIHG7BJVVGHB6IKEL7CRHM-2026-03-27/

(15) الجزيرة نت، "ماذا تضمنت مسودة اتفاق سلاح المقاومة بغزة؟ ومَن سيتولى إدارة الملف؟"، 31 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 2 أغسطس/آب 2026). https://aja.ws/ulyikg  

(16) إيتمار إيخنر، "إسرائيل تقلل من شأن التقارير عن اتفاق: لا انسحاب دون نزع سلاح حماس بالكامل"، يديعوت أحرونوت، 30 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 2 أغسطس/آب 2026)، https://www.ynet.co.il/news/article/rki8jythgl?utm_source=ynet.co.il&utm_medium=Share&utm_campaign=copy_url

(17) رويترز، "روبيو يؤكد لمصر الحاجة للتعاون لمنع حماس من حكم غزة مجددًا"، 29 يناير/كانون الثاني 2025، (تاريخ الدخول: 29 يوليو/تموز 2026)، https://www.reuters.com/world/middle-east/rubio-told-egypt-about-need-stop-hamas-governing-gaza-again-us-says-2025-01-29/

(18) وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، "الرئيس يصدر مرسومًا بتحديد يوم 28 تشرين الثاني المقبل موعدًا لإجراء الانتخابات التشريعية"، 9 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 29 يوليو/تموز 2026)، https://short-url.cc/1uPlV

(19) حركة حماس، "أبرز ما ورد في كلمة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية (5)"، قناة حركة حماس الرسمية على تليغرام، 22 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 26 يوليو/تموز 2026)، https://t.me/+sklEwcJvC2tjNGVk

(20) حركة حماس، "أبرز ما ورد في كلمة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية (6)"، قناة حركة حماس الرسمية على تليغرام، 22 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 26 يوليو/تموز 2026)، https://t.me/+sklEwcJvC2tjNGVk

(21) وزارة الخزانة الأميركية، "Treasury Targets Significant International Hamas Fundraising Network"، 7 أكتوبر/تشرين الأول 2024، (تاريخ الدخول: 30 يوليو/تموز 2026)، https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy2632

(22) وزارة الخزانة الأميركية، "Treasury Targets Key Hamas Leaders and Financiers"، 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، (تاريخ الدخول: 30 يوليو/تموز 2026)،  https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy2720  

(23) وزارة الخزانة الأميركية، "Treasury Continues to Disrupt Hamas’ Sham Charity Network as the Group Refuses to Disarm"، 12 مارس/آذار 2026، (تاريخ الدخول: 30 يوليو/تموز 2026)، https://home.treasury.gov/news/press-releases/sb0415

(24) ميخائيل ميلشتاين، "على أنغام الحية: صورة قائد حماس الجديد"، يديعوت أحرونوت، 24 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 26 يوليو/تموز 2026)، https://www.ynet.co.il/news/article/yokra14841535

(25) موران أزولاي، "ليبرمان: نتنياهو لا يريد إنهاء الحرب، وغير قادر على القضاء على حماس"، يديعوت أحرونوت، 12 مايو/أيار 2025، (تاريخ الدخول: 26 يوليو/تموز 2026)، https://www.ynet.co.il/news/article/hkytd8kwll

(26) مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، "رئيس الحكومة: حددنا في المجلس الوزاري خمسة مبادئ لإنهاء الحرب"، موقع الحكومة الإسرائيلية، 14 أغسطس/آب 2025، (تاريخ الدخول: 29 يوليو/تموز 2026)، https://www.gov.il/he/pages/spoke-statement140825

(27) رويترز، "القضاء على قادة حماس بقطر سيزيل عقبة رئيسية أمام اتفاق غزة"، 13 سبتمبر/أيلول 2025، (تاريخ الدخول: 29 يوليو/تموز 2026)، https://www.reuters.com/ar/world/VOUWKNCIIFKNDEK7MRYQEWSPGY-2025-09-13/