اتفاقية مكة للدفاع المشترك من أزمة الضمانة إلى هندسة الردع الإقليمي

شكّل توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين السعودية وتركيا وباكستان تحولا مهمّا في أسلوب إدارة دول الإقليم الرئيسية لسياساتها الأمنية والدفاعية. فقد جاءت هذه الاتفاقية لتضيف طبقة جديدة من الردع، تعزز العلاقات الأمنية القائمة، وتوسّع دائرة الأطراف التي يجب على الخصوم أخذ ردود أفعالها في الحسبان.
(رويترز)

أدخلت "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين السعودية وتركيا وباكستان عنصرًا جديدًا إلى معادلة الأمن في الشرق الأوسط، إلا أن أهميتها لا تُستمد من اجتماع ثلاث دول كبيرة تحت مظلة دفاعية واحدة، بقدر ما تُستمد من المشكلة التي تحاول هذه الدول معالجتها. فالاتفاق ظهر في لحظة أصبح فيها امتلاك الحلفاء والقدرات العسكرية المتقدمة أقل قدرة، بمفرده، على إزالة الشعور بالتعرض للخطر. فالولايات المتحدة ما زالت القوة العسكرية الخارجية الأهم في المنطقة، والسعودية ما زالت ترتبط بها بشبكة كثيفة من العلاقات الدفاعية والتسليحية، وتركيا ما زالت عضوًا في حلف شمال الأطلسي، وباكستان تحتفظ بعلاقات إستراتيجية عميقة مع الصين. ومع ذلك وجدت الدول الثلاث مصلحة في إضافة تعهد دفاعي جديد يَعُدُّ الهجوم المسلح على إحداها هجومًا عليها جميعًا(1). هذه المفارقة هي التي تمنح الاتفاق وزنه السياسي؛ فالدول لا تبحث عن تحالف لأنها بلا حلفاء وإنما لأنها لم تعد ترى أن التحالفات القائمة، كلٌّ على حدة، تكفي لتغطية نوع المخاطر التي أصبحت تواجهه.

من هنا، يبدو وصف الاتفاق بأنه محاولة لإنشاء "ناتو إسلامي" أو "ناتو سُنِّي" أقرب إلى اختصار إعلامي لحدث أكثر تركيبًا. فجوهر ما جرى في مكة المكرَّمة لا يتمثل في استنساخ حلف شمال الأطلسي، ولا في انتقال السعودية وباكستان إلى مظلته عبر تركيا، وإنما في السعي إلى بناء طبقة جديدة من الردع تستطيع العمل إلى جانب العلاقات الأمنية القائمة، وتزيد عدد الأطراف التي يجب على أي خصم محتمل أخذ ردود أفعالها في الحسبان. وما تضيفه الاتفاقية في مرحلتها الأولى ليس بالضرورة قوة عسكرية موحدة، وإنما تعقيدًا جديدًا في حسابات الحرب. فإذا تعرضت السعودية لهجوم، لم يعد السؤال مقتصرًا على شكل ردِّ الرياض أو واشنطن، وإنما أصبح يتسع، ولو بدرجات متفاوتة، ليشمل أيضًا تركيا وباكستان. وهذه الزيادة في عدد المتغيرات هي بحدِّ ذاتها إحدى وظائف الردع، لأن القرار بالهجوم يصبح أصعب عندما تتسع دائرة النتائج التي لا يستطيع المهاجم تقديرها مسبقًا. ولأن النص الكامل للاتفاق لم يُنشر بعد، ولم تُعلَن تفاصيل آليات تفعيله، فما تقدمه هذه الورقة قراءة في منطقه الإستراتيجي أكثر منه تفسيرًا لبنوده الحرفية.

وُلِدَت هذه الحاجة إلى هذا الاتفاق من سلسلة طويلة من الاختبارات التي تعرَّض لها نظام الأمن الإقليمي. فالمنطقة شهدت خلال السنوات القليلة الماضية انتقالَ الصواريخ والطائرات المسيَّرة من أدوات حرب على الأطراف إلى أدوات تستطيع الوصول إلى العمق، وتزايُدَ ارتباط أمن الدولة بأمن المنشآت النفطية والموانئ والممرات البحرية وشبكات الطاقة، واتساعَ قدرة الحروب الإقليمية على تجاوز حدود ساحاتها الأصلية. ثم جاءت الحرب الأميركية/الإسرائيلية مع إيران وما رافقها من استهداف للمصالح الخليجية والملاحة الدولية لتعيد طرح سؤال قديم بصيغة أوضح: ما قيمة الضمانة الأمنية إذا بقيت الدولة المضيفة لها معرَّضة لأن تتحول إلى جزء من ساحة الرد على عمليات لم تشارك في قرارها؟ وقد عكست اتفاقية مكة هذه البيئة المضطربة، مع تأكيد أطرافها طابعها الدفاعي وعدم توجيهها رسميًّا ضد دولة بعينها(2).

ليست القضية، إذن، تراجعًا بسيطًا للثقة بالولايات المتحدة يمكن تعويضه بحليف جديد. فتركيا وباكستان لا تستطيعان، منفردتين أو مجتمعتين، إحلال منظومتهما العسكرية محل الحجم الهائل للوجود والقدرات الأميركية في المنطقة. لذلك، فإن ما تسعى إليه السعودية أقرب إلى الانتقال من الاعتماد على ضمانة مركزية واحدة إلى إدارة شبكة من الضمانات المتداخلة. وهذه نقلة مختلفة في التفكير الأمني الإستراتيجي، لأنها لا تسأل فقط عمَّن سيدافع عن الدولة، وإنما كيف يمكن للدولة أن تجعل الاعتداء عليها يمس مصالح عدد أكبر من القوى، وأن تزيد بذلك الكلفة السياسية والعسكرية التي يتحملها الخصم قبل أن يقرر الاختبار.

من المظلة إلى الشبكة: ما الذي تغير في معنى الضمانة؟

طوال عقود، استندت المعادلة الأمنية الخليجية إلى نوع من تقاسم الأدوار. فقد وفرت دول الخليج الموقع والقواعد والموارد والشراكة السياسية، فيما تولت الولايات المتحدة العبء الأكبر في الردع والدفاع والتدخل العسكري عند الأزمات. وكان لهذه الصيغة منطقها في مرحلة بدت فيها الهيمنة الأميركية أوسع، والتهديدات العسكرية التقليدية أكثر وضوحًا. لكن البيئة الجديدة لم تُلغ التفوق الأميركي، وإنما جعلت العلاقة بين التفوق والضمانة أكثر تعقيدًا. فالقوة الكبرى تستطيع تدمير الخصم أو إضعافه، دون أن تتمكن بالضرورة من منع الصواريخ والمسيَّرات والهجمات غير المتماثلة من الوصول إلى حلفائها. وبذلك انفصلت جزئيًّا قدرة العقاب عن قدرة الحماية. فالأولى قد تبقى هائلة، بينما تظل الثانية ناقصة أمام أدوات غير متماثلة، زهيدة الثمن لكنها كثيفة العدد ومختلفة الأشكال وموزعة جغرافيًّا.

هذا الفارق يفسر جانبًا من التحولات في السياسة السعودية. فالرياض لا تتصرف باعتبار الولايات المتحدة شريكًا انتهت فائدته، بل باعتبار الأمن الوطني أكبر من أن يُربط بتقدير عاصمة واحدة للتوقيت الذي ينبغي فيه التدخل، ولمقدار الرد المناسب وطبيعته، ولنوع الخطر الذي يستحق الدخول في مواجهة. لذلك أخذت السياسة الأمنية السعودية تجمع بين استمرار العلاقة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتوسيع الصناعة العسكرية الوطنية، وتنويع المورِّدين، وتعميق العلاقات مع قوى إقليمية ودولية أخرى. وكانت اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك مع باكستان، في سبتمبر/أيلول 2025، خطوة لافتة في هذا الاتجاه. فقد كرست رسميًّا مبدأ اعتبار العدوان على أحد البلدين عدوانًا عليهما معًا، قبل أن يأتي الاتفاق الثلاثي في مكة ويضيف تركيا إلى معادلة أوسع(3).

تساعد تجربة السعودية مع حلف شمال الأطلسي على فهم المنطق نفسه. فقد فتح الناتو منذ إطلاق "مبادرة إسطنبول للتعاون"، عام 2004، مساحة منظمة للشراكة مع دول الخليج. وانضمت البحرين والكويت وقطر والإمارات، بينما بقيت السعودية وعُمان خارج العضوية الرسمية في المبادرة، مع مشاركتهما في بعض أنشطتها(4). وهذه المسافة بين التعاون المؤسسي والانضمام إليه لا تعكس انقطاعًا سعوديًّا عن المنظومة الغربية، فقد ظلت العلاقات الدفاعية السعودية-الأميركية والغربية عميقة، ولكنها تكشف تفضيلًا لترتيبات تسمح بالوصول إلى التدريب والتقنية والتشاور دون تحويل مؤسسة متعددة الأطراف إلى مرجعية وحيدة لتعريف الأمن الوطني. وفي هذا المستوى تحديدًا تصبح قراءة الناتو من منظور دول الجنوب مفيدة. فقيمة التحالف تختلف بالنسبة إلى الدولة الواقعة داخل مركزه المؤسسي عن قيمته بالنسبة إلى دولة تريد الاستفادة من قدراته مع إبقاء مساحة أوسع لاستقلال القرار(5).

من هذه الزاوية، لا تبدو تركيا بوابة سعودية إلى الناتو بل تكاد تكون مفيدة للسعودية بسبب العكس تمامًا. فهي شريك يملك خبرة الناتو من داخله، ويستطيع في الوقت نفسه استخدامها داخل ترتيبات لا يديرها الحلف. وهذه الخاصية تمنح اتفاق مكة واحدة من سماته الأكثر أهمية. فأنقرة لا تنقل المادة الخامسة من معاهدة واشنطن إلى الرياض وإسلام آباد، لكنها تنقل معها عقودًا من التدريب والتخطيط والعمل داخل منظومة القيادة والسيطرة والتشغيل البيني الأطلسية. هنا، توجد الصلة الحقيقية بين الاتفاق والناتو: صلة خبرة عسكرية ومؤسسية لا صلة ضمانة قانونية. بل إن المقارنة الدقيقة مع المادة الخامسة نفسها تكشف حدود التشبيه؛ فتلك المادة لا تعني أن كل عضو يدخل الحرب تلقائيًّا بالطريقة نفسها، وإنما تترك لكل دولة اتخاذ ما تراه ضروريًّا من إجراءات، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة. وبذلك، فإن أكثر أنظمة الدفاع الجماعي رسوخًا مؤسسيًّا في العالم يحتفظ للقرار الوطني بهامش معتبر. أما اتفاق مكة، الذي لم تتضح بعد بالتفصيل هياكل قيادته وقواعد تفعيله، فسيكون أكثر اعتمادًا على المشاورات والقرارات الوطنية عند وقوع الأزمة. لذلك، تعمل عبارة "الهجوم على واحد هجوم على الجميع" في المرحلة الراهنة بوصفها أداة ردع وإعلانًا سياسيًّا عن توسيع دائرة الخطر على المعتدي، أكثر من كونها آلية تقنية جاهزة لإطلاق حرب مشتركة.

تركيا: استخدام الرأسمال الأطلسي خارج الحلف

يكتسب الدور التركي عمقه الحقيقي من عضوية أنقرة القديمة مع حلف الناتو. فقد مكَّنتها هذه العضوية من تطوير معرفة عملياتية لا تقتصر على الأسلحة الغربية أو المناورات المشتركة، بل تشمل إدارة العمليات متعددة الجنسيات والتخطيط والقيادة والسيطرة والمعايير الفنية والاتصالات واللوجستيات والعمل داخل هياكل تستطيع دمج قوات من دول مختلفة. وهذه المعرفة لا تبقى محصورة داخل الناتو بل يحملها الجيش التركي معه في سياق أي ترتيبات إقليمية أو ثنائية خارج الحلف.

وهذه الميزة تجعل من أنقرة حالة مهمة في تطور التحالفات المعاصرة. فالدولة قد تستخدم عضويتها في مؤسسة كبرى لتراكم رأس مال عسكريًّا ومؤسسيًّا، ثم تستثمر هذا الرأسمال في بناء مساحة حركة مستقلة نسبيًّا عن المؤسسة نفسها. وقد فعلت تركيا ذلك تدريجيًّا عبر شبكة واسعة من الحضور العسكري والتعاون الدفاعي خارج أوروبا، من سوريا والعراق إلى ليبيا والصومال، مرورًا بتوسع صناعتها الدفاعية وعلاقاتها مع عدد متزايد من الدول. وقد أظهرت تجربتها في ليبيا، بصورة خاصة، قدرتها على الجمع بين المسيَّرات والحرب الإلكترونية والمستشارين ونظم الدفاع الجوي ودعم القوى المحلية لتغيير موازين ميدانية خارج أراضيها(6).

ومن ثم، فإن القيمة التركية في اتفاق مكة لا تنحصر في كون جيشها من أكبر جيوش الناتو أو في امتلاكها صناعة مسيَّرات ناجحة وحسب، وإنما أيضًا في امتلاكها خبرة في تحويل الموارد العسكرية إلى نفوذ سياسي خارج حدودها. وهذه القدرة تفتقر إليها ترتيبات دفاعية كثيرة في المنطقة. فامتلاك الأسلحة شيء، والقدرة على نقل القوة وتشغيلها وصيانتها ودمجها في إستراتيجية سياسية شيء آخر. لكن هذه الميزة تحمل معها قيدًا بنيويًّا. فتركيا لا تدخل الاتفاق بورقة بيضاء؛ إذ لديها التزامات أطلسية، وعلاقات اقتصادية مع روسيا، وتنافس مع إسرائيل في ساحات مختلفة، وحسابات تجاه إيران، ومصالح خاصة في سوريا والعراق وشرق المتوسط. لهذا، فإن قدرتها على الدفاع عن شريك ليست مستقلة عن شبكة المصالح التي تتحرك داخلها. فإذا تعرضت السعودية لهجوم مباشر غير مبرر، يمكن تصور مساحة واسعة للتضامن التركي. أما إذا دخل أحد أطراف الاتفاق نزاعًا ناشئًا عن عملية بدأها بنفسه أو عن ملف لا يراه الآخران متعلقًا بأمنهما المباشر، فستصبح حدود الالتزام أقل وضوحًا.

وهنا تظهر المعضلة التي سيواجهها الاتفاق في أول اختبار، وهي "تعريف العدوان". فالعبارة التي تبدو واضحة في النص قد تصبح شديدة التعقيد في الواقع؛ فهل الهجوم على قوة تركية في شمال سوريا يعد هجومًا على تركيا؟ هل ضربة هندية داخل باكستان في سياق تصعيد بدأ بهجوم من جماعة مسلحة تستوجب تطبيق الاتفاق؟ وهل هجوم حوثي على منشأة سعودية يعامل بالصيغة نفسها التي يعامل بها هجوم إيراني مباشر؟ بالتأكيد، لا تحتاج الاتفاقيات الدفاعية إلى نشر كل إجاباتها علنًا، لكن الأطراف نفسها تحتاج إلى اتفاق داخلي واضح عليها، وإلا تحولت المرونة التي تجعل الاتفاق ممكنًا إلى مصدر خلاف عند التفعيل.

هنا تحديدًا تبدو تجربة الناتو المؤسسية مفيدة. فقد احتاج الحلف إلى عقود من بناء آليات التشاور والتخطيط وتحديد المسؤوليات حتى أصبح التزام الدفاع الجماعي محمولًا على منظومة سياسية وعسكرية كثيفة. أما الشراكات التي أقامها مع دول الجنوب، فظلت تؤكد أن نقل بعض المعايير أو التدريب لا يعني تلقائيًّا نقل بنية التحالف بأكملها، وأن قابلية التشغيل البيني يمكن أن تتقدم أسرع بكثير من التكامل السياسي(7). وهذه هي المسافة التي سيضطر اتفاق مكة لقطعها. فالجيوش الحليفة يمكن أن تتعلم العمل مع بعضها قبل أن تتفق دولها تمامًا على الحروب التي ينبغي أن تخوضها معًا.

باكستان: نقل الغموض الإستراتيجي من جنوب آسيا إلى الخليج

إذا كانت تركيا تضيف إلى الاتفاق الخبرة العملياتية، فإن باكستان تضيف شيئًا مختلفًا وأكثر حساسية، هو "الغموض الإستراتيجي". فقد تشكلت العقيدة الأمنية الباكستانية داخل بيئة يتفوق فيها الخصم الهندي تقليديًّا من حيث الحجم والموارد، ولذلك اضطرت إسلام آباد إلى بناء ردع يجعل نيودلهي غير واثقة من حدود التصعيد التي يمكن أن تقبلها باكستان. لذلك، فقد تطورت عقيدتها النووية من "الردع الأدنى الموثوق" نحو "الردع بكامل الطَّيف"، مع الاحتفاظ بغموض حول شروط الاستخدام وعدم تبني تعهد رسمي بعدم البدء باستخدام السلاح النووي.

وحين تدخل دولة بهذه الخلفية إلى اتفاق دفاع مشترك مع السعودية، لا تنتقل ترسانتها النووية آليًّا إلى الخليج، لكن منطقها الردعي يترك أثرًا في الحسابات. فالخصم المحتمل للمملكة أصبح مضطرًّا إلى التفكير في سؤال لم يكن في السابق مطروحًا بالقدر نفسه: إلى أي حدٍّ يمكن أن تصل باكستان، إذا تعرضت السعودية لهجوم واسع يهدد بقاء الدولة أو أمنها الحيوي؟ ولا يحتاج الردع إلى إجابة معلنة بالكامل؛ ففي بعض الأحيان تكون قيمة الغموض في أن الخصم لا يستطيع استبعاد أسوأ الاحتمالات.

وقد ظهر هذا الجدل منذ توقيع اتفاق الدفاع السعودي-الباكستاني، في سبتمبر/أيلول 2025. فقد رأت تحليلات متخصصة أن الاتفاق أعاد فتح قضية احتمال امتداد الردع الباكستاني إلى السعودية، بينما بقي النص المعلن خاليًا من أي إشارة مباشرة إلى الأسلحة النووية(8). وتؤكد دراسات العلاقة الدفاعية بين البلدين أن الغموض في تفاصيل الالتزام يترك مجالًا واسعًا للتأويل لكنه لا يرقى في ذاته إلى إثبات وجود مظلة نووية رسمية(9). 

ومن الضروري هنا الفصل بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما تختلط: الأول: هو التحالف مع دولة نووية، وهو حقيقة بمجرد وجود باكستان في الاتفاق. والثاني: الردع النووي الممدد، أي تعهد باكستان باستخدام أو احتمال استخدام قدراتها النووية دفاعًا عن حليف، وهذا يحتاج إلى إشارات وعقيدة سياسية أوضح. والثالث: المشاركة النووية أو نقل السلاح، وهي مسألة مختلفة كليًّا وتحمل تبعات قانونية وسياسية مباشرة بالنسبة إلى السعودية وتركيا بوصفهما دولتين غير نوويتين في معاهدة عدم الانتشار. لهذا، قد يكون "الظل النووي" وصفًا أدق من "المظلة النووية". فالظل يؤثر في الحسابات دون أن يمنح ضمانة صريحة. ويمكن لهذا المفهوم أن يخدم الردع في زمن السلم، لأنه يضيف مستوى آخر من عدم اليقين لدى الخصم. لكن الفائدة تنقلب إلى مشكلة إذا بنت الدولة توقعاتها الأمنية على التزام غير موجود فعليًّا. فعند الأزمة، لا تكفي القدرة النووية الباكستانية، بل يجب أن تكون هناك إرادة سياسية تجعل الخصم والحليف يصدقان معًا أن إسلام آباد مستعدة للمخاطرة بتصعيد هائل دفاعًا عن شريكها.

في هذا السياق، تظهر الهند بوصفها القيد الأكبر على أي توسع غير محسوب للدور الباكستاني. فالترسانة النووية الباكستانية صُمِّمت أساسًا لمعادلة الهند، والجيش الباكستاني يبني الجزء الأكبر من تخطيطه التقليدي والإستراتيجي حول الجبهة الشرقية. وتوسيع الالتزام العسكري إلى الخليج لا يغيِّر هذه الأولوية بسهولة، لأن الدولة التي تفتح على نفسها دائرة ردع ثانية تخاطر بتشتيت الموارد والمصداقية معًا. لذلك، فإن أكثر ما تستطيع باكستان تقديمه بصورة مستقرة للسعودية قد يكون مزيجًا من التدريب والانتشار التقليدي والاستخبارات والدفاع الجوي والاستشارة العسكرية، مع إبقاء الطبقة النووية في نطاق الغموض.

هذه القراءة الحذرة تدعمها تجربة اليمن؛ ففي عام 2015، رفض البرلمان الباكستاني الانخراط في الحرب رغم عمق العلاقة مع السعودية. وقد كانت إسلام آباد مستعدة لحماية الأراضي السعودية، لكنها لم تكن مستعدة بالقدر نفسه للدخول في حرب يمنية مفتوحة(10). والفرق بين الموقفين مهم، لأنه يكشف أن باكستان تميز تاريخيًّا بين الدفاع عن الحليف والانخراط في حرب مع الحليف. واتفاق مكة يستطيع تضييق هذه المسافة، لكنه لن يلغيها بالكامل ما لم يضع تعريفًا أكثر دقة للحالات التي تتحول فيها الشراكة إلى التزام عسكري مباشر.

السعودية: من شراء الحماية إلى هندسة الاعتماد المتبادل

ربما يكون التحول السعودي هو العنصر الأكثر أهمية في هذا الاتفاق. فمن السهل تصوير المملكة على أنها الطرف الذي يقدم المال بينما توفر تركيا الخبرة وباكستان القوة البشرية والنووية، غير أن هذه القراءة تفوِّت البُعد السياسي الأعمق. فما تحاول الرياض بناءه ليس مجرد خدمة دفاعية يقدِّمها الآخرون، وإنما شبكة تجعل أمن السعودية مرتبطًا بمصالح شركاء متعددين.

وهذا تحول مهم عن نمط كان أمن المملكة فيه يعتمد بدرجة كبيرة على قوة خارجية مركزية. ففي الشبكة الجديدة لا تحتاج الرياض إلى أن يكون كل شريك قادرًا على حمايتها منفردًا، يكفي أن يجعل كل واحد منهم قرار الاعتداء عليها أكثر تعقيدًا. فتركيا تضيف احتمال تدخل قوة إقليمية ذات خبرة قتالية وصناعة دفاعية متقدمة، وباكستان تضيف جيشًا كبيرًا وظلًّا نوويًّا رادعًا. أما الولايات المتحدة فتبقى موجودة بقواعدها وتسليحها وقدراتها الاستخبارية. وتضاف إلى ذلك مصالح الصين والهند وأوروبا في استقرار إمدادات الطاقة والممرات البحرية. والنتيجة التي تطمح إليها الرياض ليست تحالفًا واحدًا يحل محل الآخر، وإنما رفع عدد القوى التي لديها شيء تخسره إذا تم تهديد الأمن السعودي.

هذا التحول يفسر أيضًا لماذا ينسجم اتفاق مكة مع مشروع توطين الصناعات الدفاعية السعودية. فالاستقلال الإستراتيجي لا يعني تصنيع كل شيء محليًّا، وإنما تقليل نقاط الاختناق التي يستطيع المورِّد الخارجي استخدامها عند الأزمة. ويمكن للتعاون مع تركيا وباكستان أن يفتح مسارات إضافية في المسيَّرات والذخائر والإلكترونيات والتدريب والصيانة، بحيث يصبح تنويع التحالفات متصلًا بتنويع التكنولوجيا وسلاسل الإمداد.

تكمن الأهمية العسكرية لهذا الاتجاه في أن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بحجم مخزون السلاح عند بدايتها بل بقدرة الدولة على تعويض الذخائر، وصيانة الأنظمة، وإصلاح المعدات، وتأمين قطع الغيار، وتحديث البرمجيات، والحصول على المعلومات أثناء الصراع. وقد أظهرت الحروب الأخيرة أن الاعتماد على مورد واحد يمكن أن يتحول بسرعة إلى قيد سياسي. لذلك، لا يُعدُّ بناء صناعة دفاعية وعلاقات مع أكثر من مصدر ملفًّا اقتصاديًّا منفصلًا عن الردع، بل جزءًا من مصداقيته.

ومع ذلك، يبقى على السعودية أن تدير تناقضًا دقيقًا يخلقه هذا الخيار الأمني والدفاعي. فكلما جعلت شبكتها الأمنية أكثر تنوعًا ازدادت قدرتها على المناورة، ولكن في المقابل، ازدادت أيضًا صعوبة تنسيق الأطراف في أزمة حقيقية. فواشنطن وأنقرة وإسلام آباد لا تملك التصور نفسه عن إيران أو إسرائيل أو الهند أو الصين، ولا تستخدم المفردات نفسها لتعريف الاستقرار الإقليمي. لذلك، يمكن أن تكون الشبكة قوية في منع الاعتداء وأقل قدرة على إدارة الحرب بعد وقوعها.  

أما أبرز ما يلفت الانتباه في هندسة هذه الشبكة، فهو ما لم يدخلها بعد. فالاتفاق قام على مثلث يتجاوز الجوار الخليجي المباشر، دون أن تنضم إليه في مرحلته الأولى بقية دول مجلس التعاون كالإمارات وقطر، ومن دون حضور مصر صاحبة الثقل العسكري البشري في الإقليم. وقد يكون هذا الغياب مقصودًا في هذه المرحلة؛ إذ يسهل بناء تفاهم بين ثلاثة أطراف أكثر مما يسهل بين ستة. ولكل من أبوظبي والقاهرة حساباته الخاصة تجاه أنقرة وطهران. لكنه يترك سؤالًا مفتوحًا حول ما إذا كانت مكة نواة لترتيب قابل للتوسع تدريجيًّا أم صيغة مغلقة على ثلاثة اختارها منطق القدرات لا الجغرافيا. والإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حدٍّ بعيد ما إذا كان الاتفاق طبقة جديدة تندمج مع الأمن الخليجي القائم أم مسارًا موازيًا قد ينافسه.

المفارقة المركزية: الغموض بين الردع والإرباك

هنا تصل الاتفاقية إلى مفارقتها الأساسية، فجانب من قوة الردع يقوم على عدم اليقين. وإذا لم يعرف الخصم هل ستتدخل تركيا، وما حجم الدعم الباكستاني، وأين تقع الحدود النووية، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستدخل بالتوازي، فإن حساباته تزداد تعقيدًا وكلفة. وهذا الغموض مفيد قبل الحرب، لأنه يوسِّع من دائرة السيناريوهات المحتملة ويجعلها أكثر عددًا. لكن اللحظة التي تبدأ فيها الحرب تتغير فيها المعادلة. فالخصم يستطيع تحمل الغموض، أما الحلفاء فيحتاجون إلى وضوح يتعلق بمن يقود، ومن يرسل القوات، ومن يشارك المعلومات، وبالهدف العسكري، وبموعد نهاية العملية، وبمن يقرر الانتقال من الدفاع إلى الهجوم. وهكذا، يمكن للعنصر نفسه الذي يقوِّي التحالف في الردع أن يُضعفه عند التنفيذ.  

لذلك، لا يمكن قياس جدية اتفاق مكة بعدد البيانات أو المناورات المقبلة فقط، فالمعيار الأهم هو مقدار ما ستبنيه الأطراف خلف الستار، من قبيل خطط الطوارئ، وهياكل الاتصال، وقواعد استخدام المجالات الجوية، وتبادل صور الرادارات والإنذار المبكر، وترتيبات نقل القوات، ومخزونات الذخيرة، وإجراءات الصيانة والإمداد، وآليات اتخاذ القرار في الساعات الأولى من الأزمة. فالحلف الحقيقي يبدأ في التفاصيل التي لا تظهر عادة في البيان السياسي.

وهذه المسألة تصبح أكثر صعوبة بسبب اختلاف بيئات التسليح. فالسعودية تشغِّل أساسًا أنظمة أميركية وأوروبية، وتركيا تجمع إرثًا أطلسيًّا مع صناعة وطنية متسعة، أما باكستان فتعتمد على مزيج يبرز فيه السلاح الصيني. وعلى المستوى النظري، تستطيع الجيوش الثلاثة إجراء تمارين مشتركة بسهولة نسبية، أما بناء شبكة دفاع جوي واحدة أو منظومة قيادة وسيطرة تشترك فيها البيانات الحساسة في الزمن الحقيقي فهو مسألة أكثر تعقيدًا. هنا تظهر حدود الخطاب السياسي أمام الواقع الهندسي والعسكري. وقد يكون من الحكمة ألا يحاول الاتفاق بناء نسخة مصغرة من الناتو. فالحاجة الفعلية للدول الثلاث قد لا تكون قيادة عليا موحدة أو جيشًا دائمًا، وإنما حزمة مركزة من القدرات المشتركة: إنذار مبكر، ودفاع جوي وصاروخي، وأمن بحري، ومكافحة المسيَّرات، واستخبارات، وتدريب، وحماية البنية التحتية، وتعاون سيبراني، وتصنيع ذخائر وأنظمة يمكن تشغيلها معًا. مثل هذا النموذج أقل طموحًا مؤسسيًّا لكنه ربما أكثر فاعلية وقابلية للاستمرار.

الهند وإيران وإسرائيل: ثلاثة اختبارات لوظيفة الاتفاق

تُظهر الهند حدود التحالف، فالسعودية تريد الاستفادة من القوة الباكستانية لكنها لا تريد أن تؤدي علاقتها الأمنية مع إسلام آباد إلى استيراد غير مدروس للصراع الباكستاني-الهندي. وقد أثار اتفاق 2025 بالفعل قلقًا في الهند، لأن أي تعميق للعلاقة السعودية-الباكستانية يزيد الموارد السياسية والإستراتيجية المتاحة لإسلام آباد(11). في المقابل، تشهد العلاقات السعودية-الهندية اتساعًا يصعب معه على الرياض التضحية بها، فهي تشمل الطاقة والاستثمار والتجارة والجالية والممرات الاقتصادية. وهكذا، تضع الهند أمام الاتفاق اختبارًا مبكرًا، فهل يستطيع هذا التحالف أن يكون دفاعيًّا تجاه السعودية دون أن يصبح طرفًا في التوازن الهندي-الباكستاني؟ لذلك، فإن نجاح الرياض في المحافظة على هذا الفصل سيكون مؤشرًا على أن الاتفاق مصمَّم لزيادة الخيارات لا لإنشاء محور مغلق.

أما إيران فتختبر شيئًا مختلفًا، هو الفرق بين الردع والاحتواء. فمن مصلحة السعودية أن تجعل الاعتداء الإيراني عليها أكثر كلفة، لكنها لا تستفيد بالضرورة من تحويل الاتفاق إلى تحالف أيديولوجي دائم ضد طهران. وتركيا وباكستان، بدورهما لهما حدود ومصالح وعلاقات مباشرة مع إيران تجعلهما أقل استعدادًا للتعامل معها بوصفها خصمًا مطلقًا. لهذا، يستطيع الاتفاق أن يرفع القدرة على الردع في الوقت الذي يُبقي فيه المجال مفتوحًا للتهدئة والتفاوض. وهذا التداخل لا يمثل تناقضًا بل هو إحدى سمات الإستراتيجيات الإقليمية الجديدة التي تجمع الردع والحوار في آن واحد.

ويختلف الاختبار الإسرائيلي عن الاثنين. فإسرائيل ليست مذكورة في صيغة الاتفاق، لكن الحرب على غزة واتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وسوريا وإيران في السنوات الأخيرة غيَّرت إدراك عدد من القوى الإقليمية لحدود القوة الإسرائيلية وقدرة واشنطن أو رغبتها في تقييدها. وقد ربطت التغطيات الإعلامية والتحليلات التي واكبت توقيع الاتفاق بين ظهوره والرغبة في بناء قدر أكبر من الاستقلال الأمني وسط القلق من إيران ومن اتساع حرية الحركة الإسرائيلية معًا(12).

تكمن حساسية إسرائيل بصورة خاصة في الملف السعودي-الأميركي. فقد ارتبطت مشاريع إعادة ترتيب المنطقة خلال السنوات الماضية بفكرة الجمع بين التطبيع السعودي-الإسرائيلي، وتوفير ضمانات أمنية أميركية، وتعاون عسكري واقتصادي واسع. أما بناء الرياض إطارًا دفاعيًّا موازيًا مع تركيا وباكستان، فيعني أن مسألة الأمن القومي السعودي أصبحت تملك مسارات إضافية لا يمر جميعها عبر الصفقة نفسها. وهذا لا يغلق باب العلاقات السعودية-الإسرائيلية مستقبلًا، لكنه يقلِّل القيمة الاحتكارية لفكرة أن "اتفاقات إبراهام" هي الطريق الوحيدة إلى هندسة أمنية جديدة.

وهنا تظهر الرسالة الأكثر دقة الموجهة إلى واشنطن، وهي أن اتفاق مكة ليس إعلان خروج من النظام الأمني الأميركي. فالأطراف الثلاثة لها مصالح متفاوتة في استمرار العلاقة مع الولايات المتحدة. لكنه يرسل إشارة بأن المركزية الأميركية لم تعد تعني الحصرية الأميركية. فالشريك يستطيع أن يبقى داخل شبكة واشنطن، وفي الوقت نفسه يبني روابط دفاعية قد تمنحه قدرة أكبر على رفض بعض خياراتها أو التفاوض معها.

من التحالف الصلب إلى الشبكة المرنة

قد يكون اتفاق مكة المكرَّمة مهمًّا بقدر ما يكشفه عن التحول في مفهوم التحالف في الشرق الأوسط أكثر من أهمية ما يحتويه نصُّه وحده. فقد كانت الصورة التقليدية للتحالف تفترض كتلًا واضحة: دولًا داخل محور وأخرى خارجه، مع قيادة مركزية وعدو رئيسي وخطوط التزام يمكن رسمها على الخريطة. أما العلاقات الراهنة، فتميل إلى شكل أكثر مرونة. فالدولة نفسها تستطيع أن تعتمد على السلاح الأميركي، وتستثمر مع الصين، وتتعاون مع الهند، وتتحاور مع إيران، وتوقِّع اتفاق دفاع مع تركيا وباكستان، دون أن تكون هذه العلاقات بالضرورة متعارضة.

وهذه ليست عودة إلى الحياد وإنما انتقال إلى تعدد الارتباطات. والغاية ليست الوقوف على مسافة متساوية من الجميع بل تقليل قدرة أي قوة واحدة على تحويل اعتماد الدولة عليها إلى نفوذ مطلق في قرارها. ومن هذه الزاوية يصبح تنويع العلاقات جزءًا من تعريف جديد للسيادة. فالسيادة لا تتحقق بالعزلة، وإنما بامتلاك عدد كافٍ من البدائل بحيث لا يستطيع شريك واحد إغلاق الخيارات الأخرى. لكن لهذا النموذج ثمن، فالتحالفات المرنة أكثر قدرة على المناورة في زمن السلم، وأقل قابلية للتنبؤ عند الحرب. وكلما اتسعت شبكة الشركاء المختلفين، أصبح من الأصعب معرفة أيهم سيتدخل، وفي أي مرحلة، وبأي حدود. لذلك، سيظل اتفاق مكة يتحرك بين ميزتين متعارضتين: الغموض الذي يزيد الردع، والغموض الذي يقلِّل مصداقية الالتزام. وليس مضمونًا أن ينجو اتفاق مكة من هذا المأزق، فكثير من الترتيبات المرنة بدا متماسكًا في زمن السلم ثم تبخَّرت التزاماته عند أول اختبار حقيقي.

وسوف يتحدد اتجاهه وفقًا لقدرة أطرافه على تحويل الغموض السياسي إلى وضوح عملياتي داخلي دون أن يفقد فائدته الردعية الخارجية. فإذا عرف الخصم تمامًا سقف كل التزام، يستطيع التخطيط بناء على ذلك. وإذا لم يعرف الحليف نفسه حدود الالتزام، يصبح الاتفاق ضعيفًا. فالتحالف الناجح يحتاج إلى درجة محسوبة بين الحالتين، وضوح كافٍ بين أعضائه، وغموض كافٍ تجاه خصومه. غير أن هذه المعايرة أصعب مما تبدو في الواقع، فالوضوح الداخلي يفترض اتفاقًا مسبقًا على تعريف التهديد وتوزيع الأدوار، وهو بالضبط ما تتحاشى الدول حسمه كي تحتفظ بحرية قرارها. لهذا، كثيرًا ما ظلت التحالفات المرنة غامضة أمام أعضائها قبل أن تكون غامضة أمام خصومها.

وهذه تحديدًا، هي المهمة الأصعب أمام السعودية وتركيا وباكستان. فليس المطلوب أن تتبنى الدول الثلاث خريطة تهديد واحدة، وهو أمر غير واقعي، وإنما أن تحدد مساحة مشتركة واضحة بما يكفي لأن يدرك كل طرف متى يصبح أمن الآخر جزءًا من أمنه. وقد تكون حماية الأراضي، والممرات البحرية، والبنية التحتية الحيوية، والتصدي للهجمات الصاروخية والمسيَّرة، أكثر المجالات ملاءمة لبناء هذه المساحة. أما توسيع الاتفاق سريعًا ليشمل كل نزاع يمكن أن ينخرط فيه أي طرف، فقد يحوِّله من أداة ردع إلى مصدر خلاف.

وعند هذه النقطة، يصبح السؤال عن "الناتو الإسلامي" أقل أهمية بكثير من السؤال الذي يطرحه الاتفاق فعليًّا. فهل تستطيع القوى الإقليمية بناء ضمانة أمنية بينها دون أن تحتاج إلى قيادة خارجية تديرها؟ فتركيا تملك خبرة التحالفات والعمليات، وباكستان تملك عمقًا عسكريًّا وردعيًّا، والسعودية تملك الموارد والموقع والقدرة على جمع شبكة واسعة من المصالح. لكن تحويل هذه المزايا إلى مؤسسة قابلة للعمل يتطلب توافقًا سياسيًّا لا تستطيع الجيوش والصناعات الدفاعية إنتاجه وحدها.

بناء على ذلك، لا ينبغي قياس اتفاق مكة بما وُعِد به يوم توقيعه، وإنما بما سيحققه في السنوات التالية، وبصورة خاصة، بما سيحدث في أول أزمة تقع عند حدود نصِّه. فإذا تعرض أحد الأطراف لهجوم واضح ومباشر ووجد الآخران طريقة عملية وسريعة لإسناده، ستتراكم حول الاتفاق مصداقية ترفع قيمته الردعية في كل أزمة لاحقة. وإذا جاءت الاستجابة مترددة أو مشروطة أو اختلفت الأطراف في تعريف العدوان، فستظهر حدود الصياغة التي اختارتها لنص الاتفاق. ومع ذلك، تبقى دلالة الاتفاق قائمة قبل أي اختبار ميداني. فهو يجسِّد نضج الانتقال من منطق البحث عن حامٍ واحد أقوى إلى منطق توزيع المخاطر وصناعة الاعتماد المتبادل.

من هذه الزاوية، لا يمثل اتفاق مكة نهاية المظلة الأميركية، ولا ولادة ناتو جديد، ولا إعلان محور إسلامي مغلق. إنه محاولة لتشكيل منطقة وسطى بين هذه النماذج، تحقق ردعًا إقليميًّا موازيًا يحتفظ بعلاقات الأطراف القديمة، ويضيف إليها التزامات جديدة، ويستفيد من المعرفة الأطلسية التركية والعمق الباكستاني والقدرة السعودية على جمع الموارد والمصالح. وتكمن قوته اليوم في أنه يجعل حساب الحرب أكثر تعقيدًا، لا في قدرته على إنشاء جيش موحد.

هنا تحديدًا ستظهر القيمة التاريخية للاتفاق وستتضح حدوده. فإذا نجح، قد لا يكون النموذج الذي ينتجه شبيهًا بالناتو أصلًا، بل نموذجًا أكثر مرونة يناسب نظامًا إقليميًّا لا يريد أعضاؤه الاصطفاف الكامل ولا يستطيعون تحمل الانكشاف المنفرد. وإذا تعثر، لن يكون السبب بالضرورة ضعف الجيوش أو نقص الموارد، وإنما لأن الاتفاق جمع ثلاث قوى قبل أن يجمع ثلاث رؤى متطابقة للأمن. وبين هذين الاحتمالين تقع المسافة التي ستحدد ما إذا كانت مكة المكرمة قد شهدت توقيع وثيقة دفاعية مهمة، أم بداية تحول أعمق في الطريقة التي تصنع بها دول المنطقة أمنها.

ABOUT THE AUTHOR

References

 

(1) Reuters: Saudi Arabia, Pakistan and Turkey Pledge Mutual Defence as Middle East Turmoil Escalates, 7 August 2026.

(2) Ibid.

 

(3) Saudi Press Agency: HRH the Crown Prince, Pakistan Prime Minister Hold Official Talks, Sign Strategic Mutual Defense Agreement, 17 September 2025.
https://www.spa.gov.sa/ru/N2399714 (Accessed: 08 August 2026). See also, Reuters: Saudi Arabia, Nuclear-Armed Pakistan Sign Mutual Defence Pact, 17 September 2025.

 

(4) NATO: Istanbul Cooperation Initiative, 03 October 2024.
https://www.nato.int/en/what-we-do/partnerships-and-cooperation/istanbul-cooperation-initiative (Accessed: 08 August 2026). See also, NATO: Looking Back and Moving Forward: Marking 20 Years of NATO’s Istanbul Cooperation Initiative Partnership, 25 September 2024.

(Accessed: 08 August 2026)

(5) عبد الله راشد المرسل، حلف شمال الأطلسي "الناتو" من وجهة نظر دول الجنوب، دار نبراس 2025.

 

(6) Aron Lund, The Turkish Intervention in Libya, The Swedish Defence Research Agency (FOI), 2022.
(Accessed: 08 August 2026)

(7) المرسل، حلف شمال الأطلسي.

 

(8) International Campaign to Abolish Nuclear Weapons (ICAN): Pakistan–Saudi Arabia: A Mutual Defence Pact with Nuclear Shadows, 23 February 2026.

 

(9) International Institute for Strategic Studies: The Pakistan–Saudi Arabia Defence Relationship, February 2026.
https://www.iiss.org/publications/strategic-comments/2026/the-pakistansaudi-arabia-defence-relationship/ (Accessed: 08 August 2026). See also, Institute of Strategic Studies Islamabad: Pakistan-Saudi Arabia Strategic Mutual Defence Agreement: Symbolism and Implications, 15 October 2025.

 

(10) The Diplomat: Three Years After Declaring Neutrality in Yemen Conflict, Pakistan to Send Troops to Saudi Arabia, 21 February 2018.

(11) International Institute for Strategic Studies: The Pakistan–Saudi Arabia Defence Relationship, Ibid.

(12) Jared Malsin, Saudi Arabia, Turkey and Pakistan Sign Defense Pact, The Wall Street Journal, 7 August 2026.

https://www.wsj.com/world/middle-east/saudi-arabia-turkey-and-pakistan-sign-defense-pact-ba80d84d?msockid=0b0d1253b28861d512ab043db30e606d (Accessed: 08 August 2026)