مقدمة
تكتسب التحولات الكبرى في المجتمعات دلالتها الحقيقية عندما يتغير إدراك الأفراد للمستقبل؛ لأن التوقعات الاجتماعية توجه القرارات الفردية والجماعية، وتحدد موقع الثقة في المؤسسات والحراك الاجتماعي والفرص المتاحة. وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة في المجتمعات التي تعرف دينامية تنموية متواصلة؛ حيث يصبح تقييم السياسات العمومية مرتبطًا بقدرتها على توسيع آفاق المستقبل وترسيخ الشعور بإمكان تحقيق الارتقاء داخل المجال الوطني.
وتتجلى هذه المفارقة بوضوح في الحالة المغربية؛ إذ عرفت المملكة، خلال العقدين الأخيرين، توسعًا في مشاريع البنية التحتية، وتطورًا في مناخ الاستثمار، وتسارعًا في مسار الرقمنة، إلى جانب إصلاحات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية متلاحقة. وفي الوقت نفسه، حافظت الهجرة على حضورها في المخيال الاجتماعي لشريحة واسعة من الشباب، كونها أحد مسارات تحقيق الاستقرار والارتقاء الاجتماعي. وتضع هذه المفارقة التوقعات الاجتماعية في صلب النقاش حول العلاقة بين التنمية والثقة في المستقبل واختيارات الأفراد.
وانطلاقًا من ذلك، جاءت أحداث سبتة الأخيرة، يوليو/تموز 2026، لتزيد هذه المفارقة بُعدًا أكثر وضوحًا، بعد أن تحول قرار العبور إلى سلوك جماعي خلال فترة زمنية قصيرة. وأعاد هذا التطور توجيه النقاش نحو متغيرات تتصل بإدراك الفرص والحراك الاجتماعي والاعتراف والتمثلات المرتبطة بالنجاح وتأثير البيئة الرقمية في تشكيل وعي الشباب، أكثر من ارتباطه بالمعطيات الاقتصادية المباشرة. وتقود هذه المسألة إلى تساؤلات محورية تتجاوز الهجرة في معناها التقليدي: لماذا يحتفظ الرحيل بهذه الجاذبية في وعي شريحة واسعة من الشباب؟ وماذا تقول هذه الظاهرة عن طبيعة العلاقة بين المجتمع والمستقبل؟ وهل يتعلق الأمر بأزمة هجرة أم بأزمة في الثقة بالمستقبل؟
وفي ضوء هذه التساؤلات، تفترض الدراسة أن أحداث سبتة كشفت عن تحول في العلاقة بين الشباب والدولة، انتقل معه مركز تفسير الهجرة من المؤشرات الاقتصادية إلى منظومة التوقعات الاجتماعية والثقة في المستقبل. وتعتمد هذه القراءة على مفهوم الخروج عند ألبرت هيرشمان (Albert O. Hirschman)، ونظرية التسارع الاجتماعي عند هارتموت روزا (Hartmut Rosa)، ثم نظرية الاعتراف عند أكسل هونيث (Axel Honneth)، ومفهوم "مجتمع الشبكات" عند مانويل كاستلز (Manuel Castells)، بهدف تفسير الكيفية التي أعادت بها التوقعات الاجتماعية تشكيل أنماط السلوك الجماعي وعلاقة الشباب بالدولة في المجتمع المغربي.
أولًا: المستقبل المتخيَّل وتسارع الزمن: جاذبية الرحيل
ظل تفسير الهجرة، في جانب كبير من النقاش العمومي، مرتبطًا بالبحث عن شروط اقتصادية أفضل؛ حيث تحضر البطالة وضعف الدخل والفوارق الاجتماعية بوصفها عوامل مؤثرة في قرار الرحيل. ويستمد هذا التفسير جزءًا من مشروعيته من التحولات الاجتماعية التي تعرفها المجتمعات، غير أن أحداث سبتة كشفت أن قرار الهجرة يتشكل داخل منظومة أوسع، ترتبط بطريقة إدراك المستقبل، وبقدرة الفرد على تصور مسار شخصي واجتماعي يشعر بإمكان تحقيقه.
فقد بدت الهجرة، في سياق ما شهدته مدينة سبتة، تعبيرًا عن تصور معين للمستقبل أكثر من كونها استجابة مباشرة لوضع اقتصادي قائم. فالشاب الذي يفكر في الرحيل يقارن بين مسارين مختلفين: مسار يراه ممكنًا داخل محيطه الاجتماعي، ومسار آخر يتخيله خارج الحدود. وتدخل في هذه المقارنة عناصر متعددة، من بينها صورة النجاح الاجتماعي، وتجارب المحيط القريب، وتطلعات الأسرة، والرغبة في بناء مسار يحمل معنى أكبر للذات والمكانة الاجتماعية(1).
وتزداد أهمية هذا البعد عند قراءة الظاهرة داخل المجتمع المغربي؛ إذ ارتبطت الهجرة، عبر عقود، بتجارب اجتماعية جعلت منها، لدى بعض الفئات، مسارًا للارتقاء وتحسين الوضع العائلي. فقد تحوَّلت قصص النجاح المرتبطة بالهجرة إلى جزء من الذاكرة الاجتماعية في عدد من المناطق، وأصبحت نموذجًا تُقاس عليه إمكانات التحول الشخصي(2). كما أسهم الفضاء الرقمي في توسيع حضور هذه الصور؛ إذ أتاحت منصات التواصل الاجتماعي التعرف المستمر إلى أنماط حياة وتجارب مختلفة، وجعلت المقارنة بين الواقع المحلي والفضاءات الخارجية أكثر حضورًا في وعي الشباب.
وتكشف أحداث سبتة كذلك عن حضور قوي لصورة المستقبل في تشكيل قرار الرحيل؛ إذ بدا الخارج، لدى جزء من الشباب، فضاءً يحمل إمكانات متخيلة للانتقال الاجتماعي وتحقيق تطلعات يصعب بلوغها ضمن المسار الحالي. ومن ثم، يرتبط فهم الهجرة بطريقة إدراك الشباب للزمن الذي يعيشونه، وللمسافة الفاصلة بين واقعهم الراهن والصورة التي يطمحون إليها.
وفي هذا السياق، يعيش الشباب المعاصر في عالم سريع التحول؛ إذ تتغير التكنولوجيا وأنماط التواصل والعمل بوتيرة متسارعة، بينما يحتاج بناء الحياة الشخصية إلى مسارات زمنية طويلة ترتبط بالدراسة والاستقرار وتكوين مشروع فردي. وينشأ عن هذا التفاوت إحساس لدى بعضهم بأن العالم يتحرك بسرعة تفوق قدرتهم على مواكبته، وأن الوصول إلى الصورة التي يتطلعون إليها يحتاج إلى سنوات طويلة(3). ومن هذه الزاوية، يقدم هارتموت روزا مفهوم "التسارع الاجتماعي" لفهم العلاقة بين الفرد والزمن في المجتمعات الحديثة؛ فالتسارع يرتبط بسرعة التحولات، كما يرتبط بطريقة إدراك الإنسان لموقعه داخل عالم يتحرك باستمرار. وعندما يشعر الفرد بأن مساره الشخصي يسير بوتيرة أبطأ من الإيقاع العام، ينشأ توتر بين الزمن الذي يعيشه والزمن الذي يتطلع إليه.(4)
وتتجسد هذه الفكرة في تجربة بعض الشباب المغربي؛ إذ أصبحت مراحل الانتقال إلى الحياة المستقلة وبناء مشروع شخصي مستقر مرتبطة بفترات انتظار طويلة. وفي هذه الحالة، قد تبدو الهجرة طريقًا لاختصار المسافة الزمنية بين الواقع الراهن والصورة المنشودة للحياة. فالمكان الجديد يحمل، في المخيال الشبابي، وعدًا بإيقاع مختلف للحياة، يشعر معه الفرد بأن مساره الشخصي يستعيد حركته واتجاهه نحو المستقبل.
وهكذا تكتسب أحداث سبتة دلالتها؛ فقد حمل العبور الجماعي معنى يتجاوز الانتقال الجغرافي، ليغدو محاولة لتجاوز الإحساس ببطء الزمن الاجتماعي؛ إذ تحولت الحدود إلى نقطة فاصلة بين تجربتين زمنيتين: زمن الانتظار الذي يعيشه الفرد، وزمن متخيَّل يعتقد أن بلوغه ممكن خارجها. وهكذا تكشف الهجرة أن الرحيل يرتبط بصورة المستقبل، كما يرتبط بالطريقة التي يعيش بها الشباب علاقتهم بالزمن وبإمكان بلوغ الحياة التي يتطلعون إليها.
ثانيًا: من الصوت إلى الخروج: الدلالة الاجتماعية للهجرة
تُعد أحداث سبتة حالة دالَّة على تحول الهجرة من فعل فردي مرتبط بالانتقال الجغرافي إلى فعل جماعي يحمل رسالة اجتماعية؛ فقد اتخذ العبور الجماعي نحو الحدود شكل موقف عملي عبَّر من خلاله آلاف الشباب عن علاقتهم بالواقع الذي يعيشونه. وأصبح الرحيل نفسه وسيلة لإيصال رسالة تتصل بالتوقعات والموقع الاجتماعي والرؤية الخاصة للمستقبل. وتكمن أهمية هذه الأحداث في أنها أظهرت انتقال التعبير عن عدم الرضا من فضاءات المطالبة التقليدية إلى مجال آخر يتمثل في اختيار المغادرة.
وفي هذا السياق، تساعد نظرية ألبرت هيرشمان في "الخروج والصوت والولاء" على تفسير هذا النوع من السلوك؛ إذ يميز هيرشمان بين أنماط مختلفة من استجابة الأفراد عندما تتراجع درجة رضاهم عن مؤسسة أو وضع معين؛ فيمكن أن يتجهوا نحو التعبير والمطالبة، أي "الصوت" (Voice)، أو نحو الانسحاب والمغادرة، أي "الخروج" (Exit)، أو الاستمرار في العلاقة القائمة، أي "الولاء" (Loyalty). ومن هذا المنظور، يصبح الرحيل شكلًا من أشكال الخروج، ويتحول الانتقال الجغرافي إلى رسالة اجتماعية تعبِّر عن تقييم الفرد للواقع الذي ينتمي إليه(5).
وانطلاقًا من هذا التصور، تكتسب أحداث سبتة دلالة تتجاوز العبور نحو مجال جغرافي مختلف؛ إذ غدا هذا العبور فعلًا يعبِّر عن موقف من المسارات المتاحة أمام الشباب. ولم يعد الخروج مقتصرًا على البحث عن مكان جديد، بل ارتبط كذلك بإعلان موقف من واقع يراه الفرد أقل قدرة على الاستجابة لتطلعاته بالسرعة التي يتوقعها. ومن ثم، يصبح الرحيل وسيلة للتعبير عن علاقة متوترة بين التوقعات الفردية والقدرة المؤسسية على الاستجابة.
ويتضح هذا المعنى أكثر عند مقارنته بأشكال التعبير الشبابي الأخرى؛ فقد عرف المغرب، خلال السنوات الأخيرة، تنامي أنماط جديدة من المشاركة والتعبير داخل الفضاءين الرقمي والعمومي؛ إذ برزت مبادرات شبابية واحتجاجات ارتبطت بقضايا التشغيل والتعليم والعدالة الاجتماعية. وتكشف هذه الظواهر عن تعدد السبل التي يلجأ إليها الشباب لإيصال مطالبهم وتأكيد حضورهم في المجال العام؛ فتتراوح أشكال التعبير عن الإحساس بوجود فجوة بين التطلعات والواقع، بين الاحتجاج داخل المجال الوطني والعبور نحو الخارج(6).
ومن هذه الزاوية، تكشف أحداث سبتة أن الحدود قد تتحول إلى مجال ذي دلالة رمزية؛ إذ يغدو الفعل نفسه رسالة سياسية واجتماعية، ويعبِّر اختيار الرحيل عن موقف عملي من الواقع وعن تصور معين للعلاقة بالمؤسسات والفرص والمسارات المستقبلية. ولهذا يمكن فهم الهجرة الجماعية على أنها نوع من "التصويت بالأقدام"(7)، يعبِّر الفرد من خلاله عن موقفه باختيار الوجهة التي يقصدها.
ثالثًا: تعثر مسارات الشباب وحدود الثقة في المؤسسات
تدل أحداث سبتة على أن قرار الهجرة لا يتشكل عند الوصول إلى الحدود بل تسبقه تجارب ممتدة تؤثر في علاقة الشباب بمستقبلهم وبالمؤسسات التي يُفترض أن تسهم في بنائه. ويمر الشاب عادة بمراحل مترابطة تبدأ بالدراسة، ثم الانتقال إلى سوق الشغل، ثم السعي إلى تحقيق الاستقلال الشخصي. وعندما تطول هذه المراحل من غير أن يقترن اجتيازها بإحساس بالتقدم، تتحول الهجرة إلى احتمال تتزايد مكانته في المخيال الفردي والجماعي.
وتتصل هذه الإشكالية بالعلاقة بين التعليم والاندماج الاقتصادي؛ إذ لم تعد الشهادة سوى مرحلة أولى في مسار يظل اكتماله رهينًا بالانتقال إلى الاستقرار المهني. فعدد كبير من الشباب يستثمر سنوات في التعليم والتكوين، ثم يواجه صعوبات في تحويل هذا الرصيد إلى فرصة عمل مستقرة. وتشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن معدل البطالة بلغ 13.3% سنة 2024، وبلغ 36.7% لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، و19.6% لدى حاملي الشهادات. وتُبيِّن هذه المؤشرات صعوبة الانتقال من التكوين إلى الاندماج في الحياة المهنية(8).
غير أن تعثر هذه المسارات لا يقتصر على الجانب المهني، بل يمتد أثره إلى علاقة الشباب بالمؤسسات. فالمدرسة والجامعة والإدارة وسوق الشغل حلقات مترابطة في تجربة الفرد، ويتوقف عليها جانب من تصوره لإمكانات مستقبله. وعندما يطول المسار الفاصل بين التكوين والاستقرار، أو تضيق فرص التأثير والمشاركة، تضعف ثقة الشاب في قدرة المؤسسات على تهيئة شروط بناء مستقبله(9).
وتؤدي المؤسسات الوسيطة دورًا في ربط المجتمع بالدولة، ونقل المطالب، وتأطير النقاش العمومي. غير أن مؤشرات الثقة تدل على وجود مسافة بين المواطنين وبعض هذه المؤسسات. فقد أظهر مؤشر الثقة في المؤسسات لسنة 2020 أن نسبة الثقة في الأحزاب السياسية بلغت 22.6%، مقابل 23.4% في الحكومة و32.7% في البرلمان(10). وتدعو هذه الأرقام إلى بحث مدى قدرة قنوات الوساطة التقليدية على استيعاب تطلعات الشباب وتحويلها إلى صور مؤطرة من المشاركة والتعبير عن المطالب.
ومن هنا، ينتقل سؤال المستقبل من وجود الفرص فقط إلى معنى هذه الفرص داخل حياة الشاب الذي قد يجد عملًا، غير أن ذلك يظل غير كاف عندما يغيب الإحساس بأن هذا المسار يمنحه مكانة اجتماعية أو يفتح أمامه أفقًا واضحًا للتطور، فالعمل يحمل قيمة اقتصادية، كما يحمل قيمة رمزية مرتبطة بالاستقلال، والتقدير، والشعور بأن الجهد المبذول يجد اعترافًا داخل المجتمع.
ويساعد مفهوم "الاعتراف" لأكسل هونيث على فهم هذا الجانب من علاقة الفرد بمحيطه؛ فالإنسان يحتاج إلى الشعور بأن وجوده وتجربته وجهده موضع تقدير في العلاقات الاجتماعية ومجال العمل والمؤسسات والفضاء العام. وعندما يشعر بأن مساره غير مرئي، أو أن طموحاته لا تجد صدى كافيًا، تنشأ مسافة نفسية واجتماعية بينه وبين البيئة التي يعيش فيها(11).
ويُمكِّن هذا المنظور من تفسير جانب من الهجرة الشبابية في المغرب؛ إذ يرتبط الرحيل أحيانًا بالرغبة في تغيير الموقع الاجتماعي وإعادة بناء صورة الذات. فالمهاجر المحتمل يبحث عن تجربة تمنحه شعورًا بالقدرة على الإنجاز وإثبات المكانة. وبذلك يُتصور الخارج فضاءً يمكن أن يتيح الاعتراف لا مجالًا لتحسين الوضع المادي فحسب.
وتتضح دلالة أحداث سبتة ضمن هذا الإطار؛ فقد توجه آلاف الأشخاص نحو الحدود خلال فترة وجيزة، في واقعة تثير أسئلة تتجاوز الانتقال الجغرافي إلى طبيعة العلاقة بين الشباب والمؤسسات والمسارات المتاحة أمامهم. وقد وجد بعضهم في التوجه نحو الحدود وسيلة للتعبير عن طول الانتظار، وعن الرغبة في الوصول إلى فضاء يُنظر إليه على أنه أكثر قدرة على إتاحة الفرص واكتساب المكانة.
وعلى هذا الأساس، ترتبط أزمة المستقبل بقدرة المجتمع على إيجاد مسارات موثوقة، وبقدرته على منح الأفراد شعورًا بقيمتهم ضمن هذه المسارات. فالشباب يحتاجون إلى فرص تتيح لهم التقدم، وإلى مؤسسات يشعرون فيها بأن أصواتهم مسموعة وأن لجهودهم أثرًا. وعندما تتسع المسافة بين التطلعات والقنوات القادرة على الاستجابة لها، يتعزز تصور عبور الحدود طريقًا إلى احتمال آخر.
رابعًا: الواقع والصورة المتخيَّلة: أثر المقارنة الاجتماعية في جاذبية الرحيل
ارتبطت الهجرة، لفترة طويلة، بالبحث عن ظروف مادية أفضل، غير أن التحولات الاجتماعية والرقمية أضافت بُعدًا يتعلق بطريقة إدراك الفرد لموقعه مقارنة بالآخرين. فالشاب يعيش اليوم في فضاء مفتوح تتجاور فيه تجارب متعددة للحياة والعمل والنجاح، ويقيس واقعه استنادًا إلى صور وتجارب تتجاوز محيطه الجغرافي المباشر.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في الحالة المغربية؛ إذ ظلت الهجرة حاضرة في التجربة الاجتماعية لعدد من الأسر والمناطق، وجعل وجود أفراد من العائلة أو المحيط الاجتماعي في أوروبا الخارجَ قريبًا من الحياة اليومية. كما تحولت تجارب المهاجرين إلى نماذج حاضرة عند الحديث عن العمل والاستقرار وتحسين الوضع الاجتماعي. ومع انتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل، اتسعت دائرة المعرفة بالخارج لتشمل تجارب أشخاص يعيشون في بيئات مختلفة.
وفي هذا السياق، يساعد مفهوم "مجتمع الشبكات" عند مانويل كاستلز على تفسير هذا التحول؛ فقد أعادت الشبكات الرقمية تنظيم تدفق المعلومات والصور والعلاقات، وقلَّصت أثر المسافة الجغرافية في معرفة الأفراد بتجارب المجتمعات الأخرى(12). فالشاب يتابع تجارب أشخاص يعيشون في أوروبا، ويطَّلع على تفاصيل العمل والسكن والدراسة والحياة اليومية، فيغدو الخارج حاضرًا في تشكيل تصوراته قبل حدوث أي انتقال فعلي.
ويؤثر هذا التحول في طريقة تقييم الواقع والمسار الشخصي؛ إذ يقارن الشاب بين ظروفه وما يراه من تجارب أخرى، سواء تعلق الأمر بفرص العمل أم بالاستقلال وأنماط العيش وإمكان بناء مشروع فردي. وعندما تبدو بعض المسارات الخارجية أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والارتقاء، تتشكل صورة عن الخارج تجمع بين التجربة الاجتماعية المباشرة والمحتوى الرقمي، فتغدو الهجرة خيارًا يرتبط بتحسين المسار الشخصي والاجتماعي(13).
وتتضح هذه الدينامية في أحداث سبتة؛ فقد وقع العبور في أوساط جيل أصبح الخارج حاضرًا في وعيه قبل الوصول إلى الحدود. واقترن القرب الجغرافي من أوروبا بقرب رقمي جعل صور الحياة خارج المغرب متاحة باستمرار، فتحولت سبتة، لدى بعض الشباب، إلى نقطة للانتقال من تصور حياة أخرى إلى محاولة الاقتراب منها فعليًّا.
خامسًا: أحداث سبتة: الفئات العمرية وأنماط السلوك والخطاب الرقمي
تستمد أحداث سبتة دلالتها من الكيفية التي تشكَّلت بها حركة العبور ومن تنوع الفئات التي انخرطت فيها؛ فقد اتسعت المشاركة خلال فترة زمنية قصيرة، مع حضور واضح للشباب والمراهقين، إلى جانب نساء وفئات عمرية أكبر، وتزامن التفاعل في المجال الحدودي مع التفاعل في الفضاء الرقمي. ويجعل هذا التداخل من سبتة حالة دالَّة على تحول أنماط السلوك المرتبط بالهجرة؛ إذ أصبحت سرعة انتشار المعلومة وقدرة الأفراد على التفاعل معها جزءًا من دينامية الحركة نفسها.
وفي هذا الإطار، يكتسب التكوين العمري للمشاركين أهمية خاصة في تحليل هذه الحالة. وتشير التقارير المرتبطة بأحداث سبتة إلى حضور بارز للشباب والقاصرين ضمن محاولات العبور؛ فقد تجاوز عدد القاصرين الذين ظلوا تحت رعاية سلطات المدينة 860 قاصرًا في الأيام الأولى التي أعقبت التحركات، قبل أن يرتفع لاحقًا إلى نحو 1900 قاصر، معظمهم من المغاربة. كما أظهرت التقارير المتعلقة بعمليات العبور الأخيرة حضورًا واسعًا للشباب(14).
ويمثل هذا الحضور مؤشرًا على الطابع الجيلي للحركة، خصوصًا مع مشاركة أفراد يمرون بمراحل انتقالية بين الدراسة وبداية الحياة المهنية والاستقلال الأسري. كما يسمح هذا التركيب العمري ببحث أثر المرحلة العمرية في تقدير المخاطر واتخاذ قرار المغادرة والتعامل مع الحدود بوصفها مجالًا لاختبار خيارات شخصية واجتماعية.
وتدل سرعة تشكل الحركة، من جهة أخرى، على تغير في طبيعة السلوك الجماعي؛ فقد انتقلت المشاركة من المستوى الفردي إلى حركة واسعة خلال فترة قصيرة، ثم تأثرت وتيرتها بتطورات الوضع الحدودي. ويشير ذلك إلى أن الهجرة المعاصرة أصبحت أكثر قابلية للتشكل الجماعي في ظل بيئة اتصالية سريعة، يمكن فيها للأفراد الالتقاء حول معلومة أو تصور مشترك من دون الحاجة إلى تنظيم تقليدي يستغرق وقتًا طويلًا.
ويزيد الخطاب المتداول بشأن سبتة بُعدًا آخر إلى هذه القراءة؛ إذ تحوَّلت الصور والمقاطع والتعليقات إلى مجال لتفسير الحركة وإضفاء معانٍ مختلفة عليها. فقد ظهرت مضامين تقدم الوصول إلى سبتة في صورة انتصار، كما عكست صورة فتاتين ترفعان علامة النصر تأويلًا رمزيًّا لفعل العبور لدى جزء من المتابعين. وفي المقابل، ظهرت خطابات تحذيرية تدعو الشباب إلى عدم جعل البحر "مشروع حياة"، وتؤكد أن إسبانيا وأوروبا ليستا "جنة على الأرض". وتدل هذه النماذج على تعدد الخطابات المحيطة بالحركة بين الاحتفاء بالوصول، والتحذير من مخاطره، والنظر إلى الهجرة على أنها وسيلة لتحسين الحياة. وبذلك، يشكِّل الخطاب الرقمي مادة ميدانية تساعد على فهم المعاني التي اكتسبها العبور لدى المشاركين والمتابعين.
وعليه، تسمح المعطيات العمرية والسلوكية والخطابية بتحليل أحداث سبتة على أنها حالة مركبة؛ فالمعطيات العمرية تحدد طبيعة الفئات المنخرطة، وسرعة تشكُّل الحركة تُبرز خصائص السلوك الجماعي، والخطاب الرقمي يوفر مادة لفهم التمثلات المصاحبة لها. وتقود هذه القراءة إلى دلالة أوسع، تتمثل في قابلية الهجرة الشبابية للتحول من قرار شخصي إلى فعل جماعي ذي حضور اجتماعي واسع. ويغيِّر هذا التحول طريقة فهم العلاقة بين الفرد والهجرة؛ إذ تصبح الحركة نفسها تعبيرًا عن موقع الفرد داخل محيطه، وتتحول الحدود إلى مجال تظهر فيه نتائج مسار تشكَّلَ قبل الوصول إليها.
هكذا، تكتسب سبتة أهميتها مؤشرًا على تحول معنى الهجرة في وعي الشباب؛ فالمسألة تتصل بمكان الوصول وبصورة الحياة التي يتوقع الفرد أن يجدها فيه، وبقدرته على تصور مسار يشعر بإمكان تحقيقه. وعندما تتسع الفجوة بين الصورة المنشودة والمسار الذي يراه الفرد متاحًا أمامه تصبح الحدود مجالًا لاختبار ذلك التصور عمليًّا.
خاتمة
لم تقتصر دلالة أحداث سبتة على لحظة العبور أو المجال الذي وقعت فيه؛ فقد كشفت عن علاقة معقدة بين الشباب والمستقبل، وعن الكيفية التي يمكن أن تتحول بها التطلعات الفردية إلى سلوك جماعي ذي دلالات اجتماعية وسياسية. ولا يعني ذلك انتفاء أثر العوامل الاقتصادية بل إن أثر البطالة وضعف الدخل وصعوبة الاندماج المهني يتصل بإدراك الشباب للفرص المتاحة، وتقديرهم لإمكان التقدم وتحقيق الاستقلال والارتقاء داخل المجال الوطني.
وتبين الدراسة أن قرار الرحيل لا يتشكل عند الحدود، بل تسبقه مقارنة ممتدة بين المسار المتاح والصورة المنشودة للحياة. وقد زاد الفضاء الرقمي حضور هذه المقارنة، بعد أن أتاح للشباب متابعة أنماط مختلفة من العمل والاستقرار والنجاح. وعندما تقترن هذه الصور بطول الانتقال من التعليم إلى العمل، وضعف الشعور بالتقدم والاعتراف، يصبح الخارج أكثر حضورًا في تصور المستقبل.
وعليه، تتصل أزمة الهجرة بأزمة الثقة في المستقبل من دون أن تُختزل فيها. فالحد من جاذبية الرحيل لا يتحقق بإدارة الحدود وحدها، بل يقتضي إيجاد مسارات موثوقة للاندماج والاستقلال والحراك الاجتماعي، وتعزيز قدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعات الشباب. ومن ثم، لا ينحصر السؤال الذي تطرحه أحداث سبتة في أسباب الرغبة في المغادرة بل يمتد إلى الشروط التي تجعل بناء المستقبل داخل الوطن خيارًا ممكنًا وجديرًا بالثقة.
1. Jørgen Carling and Francis Collins, “Aspiration, Desire and Drivers of Migration,” Journal of Ethnic and Migration Studies 44, no. 6 (2018): 909–26.
2. Anne-Mieke Buiter, “A Whole New World: The Influence of Social Media on Migration Aspirations in Morocco” (master’s thesis, Radboud University, 2021), [https://theses.ubn.ru.nl](https://theses.ubn.ru.nl). Accessed August 18, 2026.
3. Dorte Thorsen, “Is Europe Really the Dream? Contingent Paths among Sub-Saharan Migrants in Morocco,” Africa 87, no. 2 (2017): 274–93.
4. Hartmut Rosa, Social Acceleration: A New Theory of Modernity, trans. Jonathan Trejo-Mathys (New York: Columbia University Press, 2013).
5. Albert O. Hirschman, Exit, Voice, and Loyalty: Responses to Decline in Firms, Organizations, and States* (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1970).
6. زكرياء حلوي، "التحول الرقمي والاحتجاج الشبابي بالمغرب"، العربي الجديد، 16 أكتوبر/تشرين الأول 2025، (تاريخ الدخول: 18 أغسطس/آب 2026)، [https://www.alaraby.co.uk](https://www.alaraby.co.uk)
7. ارتبط مفهوم "التصويت بالأقدام" في الأدبيات بفكرة تشارلز تيبو (Charles Tiebout) عن اختيار الأفراد مجال الإقامة وفق تفضيلاتهم؛ إذ يعكس الانتقال بين المجالات المختلفة تفضيلًا لمكان يُنظر إليه على أنه أكثر ملاءمة لتطلعات الفرد وتوقعاته. للاستزادة، راجع:Charles M. Tiebout, “A Pure Theory of Local Expenditures,” Journal of Political Economy 64, no. 5 (1956): 416–24.
8. المندوبية السامية للتخطيط، النشاط والتشغيل والبطالة: النتائج السنوية لسنة 2024 (الرباط: المندوبية السامية للتخطيط، 2025)، (تاريخ الدخول: 18 أغسطس/آب 2026)، [https://www.hcp.ma](https://www.hcp.ma)..
9. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مبادرة وطنية جديدة مندمجة لفائدة الشباب المغربي (الرباط: المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، 2018)، (تاريخ الدخول: 18 أغسطس/آب 2026)، [https://www.cese.ma](https://www.cese.ma).
10. المعهد المغربي لتحليل السياسات، مؤشر الثقة في المؤسسات 2020: البرلمان وما وراءه في المغرب: تجديد الثقة من خلال بحث جذور نقصها (الرباط: المعهد المغربي لتحليل السياسات، 2020)، (تاريخ الدخول: 18 أغسطس/آب 2026)، [https://www.mipa.institute](https://www.mipa.institute).
11. Axel Honneth, The Struggle for Recognition: The Moral Grammar of Social Conflicts, trans. Joel Anderson (Cambridge: Polity Press, 1995).
12. Manuel Castells, *The Rise of the Network Society, 2nd ed. (Chichester: Wiley-Blackwell, 2010).
13. محمد جويلي، "الهجرة غير النظامية في تونس: الخلاص الفردي في مواجهة الرهانات الدولية"، مركز الجزيرة للدراسات، 27 أغسطس/آب 2023، (تاريخ الدخول: 18 أغسطس/آب 2026)، [https://studies.aljazeera.net](https://studies.aljazeera.net).
14. “Ceuta cifra en 862 los menores migrantes acogidos en la ciudad,” El País, August 3, 2026, [https://elpais.com](https://elpais.com). Accessed August 18, 2026.