خريطة الاقتصاد الحربي في غرب إفريقيا والساحل: الذهب والتهريب والسلاح

يكشف النص تشكُّل اقتصاد حرب متكامل في الساحل وغرب إفريقيا يربط تعدين الذهب الحرفي بالتهريب والسلاح وتمويل الإرهاب. وتستغل الجماعات المسلحة ضعف الدولة للسيطرة على الموارد والممرات، بما يفاقم النزوح والفقر وتآكل السيادة، ويستدعي تنظيم التعدين ومراقبة سلاسل الذهب وتوفير بدائل اقتصادية للسكان.
تحوَّل الذهب الحرفي في منطقة الساحل إلى ركيزة أساسية لاقتصاد الحرب (وكالة الأنباء الفرنسية)

أبرزت "المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود" (GI-TOC) في العام الماضي (2025) أن أكثر من 150 مركزًا لتهريب الذهب في الساحل الأوسط، تحول 37 منها إلى "عواصم اقتصادية مسلحة" شبه دائمة(1). وفي الفترة ما بين مايو ويونيو 2026، رصد تقرير استقصائي ميداني شبكةً لوجستية لتجارة الذهب المستخرج في مناطق النزاع عبر الصحراء الكبرى والمستخدم في تمويل انعدام الأمن والإرهاب، وكشف أنه في مناطق نائية، مثل منطقة دجادو للتعدين في شمال النيجر، يزدهر اقتصاد مقايضة الذهب بالأسلحة(2). ويدعم ذلك تحذير صادر، في يونيو/حزيران 2026، عن "المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية"، أشار إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار الذهب العالمية يعزز الحوافز الإجرامية، وأن ذهب النزاعات من غرب إفريقيا ومنطقة الساحل يتسلل إلى مراكز تجارة السبائك الدولية الشرعية عبر تبادل كميات المعادن بين مواقع مختلفة وتصنيفه زورًا على أنه "ذهب مُعاد تدويره"(3).

الذهب واقتصاد الإرهاب: من المناجم إلى شبكات التمويل العابرة للحدود

يُظهر تطور الآليات المالية للحركات الإرهابية والعصابات الإجرامية في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، أن الإرهابيين لم يعودوا مجرد متعصبين أيديولوجيين يختبؤون في صحارٍ شاسعة ونائية؛ إذ الأزمات الأمنية صارت مدفوعة بإستراتيجية مُستدامة ومُطوَّلة بفعل منظومة اقتصادية متجددة ذاتيًّا؛ حيث يُستخدم الذهب لشراء الأسلحة، وتُستخدم الأسلحة لتأمين طرق التهريب، وتُستخدم طرق التهريب لنقل الذهب. وقد أكدت التقارير، منذ عام 2016، انتشار تعدين الذهب الحرفي والصغير النطاق محركًا ماليًّا رئيسيًّا يُغذِّي الإرهاب والتطرف العنيف وعدم الاستقرار الإقليمي في أماكن متعددة(4). ومنذ عام 2025، أصبحت الممرات شديدة التقلب في الساحل الأوسط توفر شبكات الذهب غير الرسمية للفصائل المسلحة مصدرَ دخلٍ بملايين نشط خارج النظام المصرفي المنظم. وقد أتاحت فجوات الحكم في الأرياف للجماعات المسلحة ضمًّا ممنهجًا لرواسب معدنية شاسعة وغير خاضعة للرقابة(5).

ويتجلَّى ما سبق في أن الإنتاج الحرفي يشكِّل ما يقارب نصف إجمالي إنتاج الذهب الإقليمي؛ حيث يتراوح بين 20 و50 طنًّا سنويًّا في مالي، وبين 10 و30 طنًّا في بوركينا فاسو، وبين 10 و15 طنًّا في النيجر، بقيمة إجمالية سنوية تتراوح بين 1.9 و4.5 مليارات دولار أميركي. وفي هذه الدول الثلاث يمثل الذهب اليوم ما بين 60 و70% من الصادرات، وما يصل إلى 15-20% من إيرادات الحكومة(6).

*الشكل رقم (1): خريطة حديثة (يونيو/حزيران 2026) توضح العلاقة بين انعدام الأمن والتعدين في منطقة كومابانغو الواقعة في تيلابيري، جنوب غرب النيجر.

2
المصدر: Abdullah Tijani، "INVESTIGATION: The transit hubs of the Sahel where blood-stained gold is cleaned"، The Cable، 2026، https://tinyurl.com/28x98jdf​​​​​

وبينما تركز الحكومات المركزية عملياتها على الحملات العسكرية مع وجودها الرئيسي في المدن والمناطق القريبة منها، تتوسع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، وفصائل منافسة مثل "داعش في الساحل" و"داعش في غرب إفريقيا"، في منطقة ليبتاكو-غورما الحدودية الثلاثية وشمال غرب نيجيريا؛ حيث ترسخ فيها نفسها "حكَّامًا بديلين" في المناطق النائية، مستغلةً شعور السكان بالمظالم للتغلغل في مجتمعات التعدين المعزولة. ومن خلال سَدِّ الفراغ الأمني، يستولي المسلحون والإرهابيون على الحقول النائية للتعدين الحرفي والصغير النطاق، محوِّلين مئات مخيمات التعدين غير الرسمية في بوركينا فاسو ومالي ونيجيريا وغيرها إلى قواعد عمليات محصَّنة ومراكز لوجستية مربحة بعيدة عن متناول الحكومة وجيوشها(7).

وبدلًا من انخراط الجماعات الإرهابية في الاستخراج المادي الشاق للمعادن بأنفسها، تستخدم نموذجًا استغلاليًّا لجني الإيرادات يتمحور حول الابتزاز والسيطرة الاحتكارية؛ حيث تُعظِّم أرباحَها من خلال فرض أطر رسوم على عمال المناجم المستقلين، ومشغِّلي الآلات الثقيلة، والتجار المحليين العاملين ضمن نطاق سيطرتها؛ ما يعني أنها تفرض إتاوات باهظة في كل مرحلة من مراحل الإنتاج المحلي(8).

وعليه، يُغذِّي الذهب المستخرج تحت إشراف الجماعات الإرهابية سلسلةَ إمداد عابرة للحدود، تعمل على تبييض الثروات غير المشروعة في الأسواق العالمية. ويُهرَّب الذهب الخام من أدغال نيجيريا وغانا وغيرها في الساحل بشكل روتيني عبر الحدود الرخوة إلى مراكز تجارية إقليمية مثل توغو ومالي وليبيا وشمال غرب نيجيريا (وخاصة ولاية زامفارا، عبر أغاديز ودجادو في جمهورية النيجر)، حيث يُخلط بمعادن مستخرجة بطرق قانونية لإخفاء مصدره. ومن هذه المراكز الإقليمية يُنقل الذهب جوًّا إلى مراكز تكرير دولية، مثل لندن ودبي، حيث يخضع لمعالجة كيميائية ويحصل على شهادة تجارية رسمية. ومن خلال تحويل السلع المتأثرة بالنزاعات إلى أصول عالمية مكرَّرة يصعب تتبعها، تُمكِّن سلسلة الإمداد متعددة المستويات الإرهابيين في المنطقة من الوصول سرًّا إلى العملات الصعبة، والحصول على معدات عسكرية متطورة، والحفاظ على استقلالها المالي على المدى الطويل(9).

ممرات التهريب واقتصاد الحرب العابر للحدود

حوَّل التوظيفُ الإستراتيجي لممرات التجارة التقليدية والتاريخية العابرة للصحراء الكبرى التجارةَ إلى العمود الفقري اللوجستي لعمليات الإرهابيين وانعدام الأمن في غرب إفريقيا. ويتجلى ذلك فيما أظهرته التقييمات الاستخباراتية الحديثة من أن الإرهابيين والعصابات المجرمة تعيد تأهيل مسارات القوافل القديمة التي استُخدمت لقرون لنقل الملح والمنسوجات والماشية. فمقاتلو "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" و"داعش في الساحل" وخلاياهما في شمال نيجيريا ووسطها وغيرها يسخِّرون امتلاكهم لمركبات حديثة خاصة بالطرق الوعرة، وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، والاتصالات الفضائية، في تحويل هذه المسارات الصحراوية المفتوحة إلى خطوط إمداد صامدة، فينقلون المقاتلين والمعدات اللوجستية والأسلحة الثقيلة عبر الحدود الرخوة، متجاوزين نقاط التفتيش الحدودية الضعيفة، ومقوضين بذلك السيادة الوطنية(10).

يعتمد انتعاش هذه الشبكات الإجرامية والجماعات الإرهابية مؤخرًا على شبكة متنوعة من السلع غير المشروعة ذات الطلب المرتفع عبر هذه الممرات، بما في ذلك الوقود والسجائر والمخدرات (وخاصة الكوكايين والترامادول)(11). ويكشف التباين في بيانات التجارة عن الحجم الهائل للتهريب؛ إذ على سبيل المثال أظهرت دراسة للأمم المتحدة أن مالي صدَّرت نحو 22 ألف كيلوغرام من الذهب المصنَّع يدويًّا إلى الإمارات العربية المتحدة، عام 2021، بينما استوردت الإمارات نحو 174.300 كيلوغرام من مالي. وهذا يشير إلى أن 87% من ذهب مالي، الذي تُقدَّر قيمته بنحو 6.3 مليارات دولار، يُهرَّب خارج البلاد(12).

كما تُستغل هذه المسارات والممرات لتهريب البشر، وتستنزف موارد هائلة من تدفقات الهجرة المتجهة إلى شمال إفريقيا وأوروبا. وفي تحول لوجستي لافت، لُوحظ منذ أواخر عام 2025 استخدام "نصرة الإسلام والمسلمين" ممرات تهريب الوقود لفرض حصار اقتصادي على المراكز الحضرية الرئيسية مثل باماكو ومدن جنوب غرب مالي؛ حيث تعترض القوافل التجارية لشلِّ حركة التجارة الحكومية ونهب احتياطيات الوقود من قبل الإرهابيين لتشغيل أساطيلهم من الدراجات النارية(13).

*الشكل رقم 2: خريطة من عام 2019/2020 توضح المحاور الرئيسية للتهريب والاتجار بالبشر في المنطقة الفرعية الثلاثية الحدود (مالي وبوركينا فاسو والنيجر).

1
*المصدر: Sollazzo, Roberto. "TRI-BORDER TRANSIT: Trafficking and Smuggling in the Burkina Faso–Côte d’Ivoire–Mali Region." (2020), https://tinyurl.com/4nk8z2ak.

وباستقراء طبيعة العمليات التهريبية، يمكن القول: إن الممرات أو الخط المتشابك متعدد السلع يقوم على تحالفات براغماتية تكافلية؛ حيث تتغلب المصالح المالية الذاتية على الانقسامات الأيديولوجية أو الإثنية(14). إذ في ظل اقتصاد الحرب المتقلب في المنطقة، تُهمَّش العقائد الدينية -غالبًا- للحفاظ على اتفاقيات لوجستية مربحة بين عصابات المخدرات العابرة للحدود، والميليشيات الإثنية المحلية، والفصائل الإرهابية. وتُقِيم هذه الجهات شراكات تكتيكية مؤقتة: فالعصابات الإجرامية تقدم خدمات غسيل أموال متخصصة، وأسلحة متطورة، ومعلومات استخباراتية دقيقة حول تحركات الجيوش الوطنية، بينما تعمل الجماعات الإرهابية كمزودي خدمات أمنية مسلحة، توفر ممرات آمنة، وترافق على طول الطرق وتوفر معسكرات عبور شديدة التحصين. وهذا التقارب بين الجريمة المنظمة والإرهاب يطمس اليوم الحدود الفاصلة بين العمليات الإرهابية ذات الدوافع الأيديولوجية البحتة والنزعة الاقتصادية، ويؤدي إلى إنشاء شبكات هجينة قادرة على استيعاب الصدمات العسكرية التقليدية وتمويل عمليات مستدامة عابرة للمسارح، تُهدِّد الآن دول غرب إفريقيا المستقرة الواقعة على سواحل خليج غينيا(15).

وعليه، يعتمد تدفق الاقتصاد الحربي بشكل رئيسي على السيطرة على نقاط الاختناق الجغرافية الحيوية التي تتقاطع فيها هذه الطرق التاريخية والممرات الحديثة. وتُعد مناطق مثل غاو وكيدال في شمال مالي بمنزلة نقاط وصل تكتيكية حيوية لتهريب الأسلحة والوقود القادم من شمال إفريقيا، بينما تبقى أغاديز في النيجر المركز القاري الأبرز لتهريب المهاجرين والمخدرات العابرة للحدود المتجهة نحو البحر الأبيض المتوسط. بل وبرزت منطقة التقاء الحدود التي تضم شمال بنين وولاية سوكوتو في نيجيريا وشرق بوركينا فاسو كساحات لوجستية جديدة؛ حيث تستغل الجماعات الإرهابية وخلاياها والعصابات الإجرامية الغطاء الحرجي لمجمع منتزه دبليو-أرلي-بيندجاري لإنشاء قواعد خلفية سرية وتأمين قنوات إمداد جديدة تربط المناطق الداخلية لمنطقة الساحل مباشرةً بأسواق سواحل المحيط الأطلسي(16).

يضاف إلى ما سبق أن عمليات الخطف مقابل الفدية تدخل أيضًا في إطار الاقتصاد الحربي؛ إذ تتيح للجماعات المسلحة سيولة نقدية سريعة؛ حيث تتراوح المدفوعات في المتوسط بين 5.000 و20.000 دولار أميركي للضحية الواحدة في وسط مالي، وأكثر من 200.000 دولار أميركي في نيجيريا للمهندسين أو المسؤولين الأجانب. كما أصبحت سرقة الماشية قطاعًا مُربحًا؛ إذ تُغسل الماشية المسروقة عبر أسواق غير رسمية عابرة للحدود بين مالي والنيجر ونيجيريا بل ويتمتع معظم مقاتلي الجماعات الإرهابية اليوم بسلطة أكثر قابلية للتنبؤ من الحكومات المركزية(17).

اقتصاد السلاح: من شبكات التهريب إلى تعزيز القدرات الإرهابية

يُؤدي الانتشار المزدهر للأسلحة الصغيرة والخفيفة دورًا كبيرًا في زعزعة الاستقرار في المنطقة؛ حيث يحوِّل النزاعات المحلية المعزولة إلى حملة إرهابية منسقة ومتعددة الجبهات. وقد أظهرت التقارير الاستخباراتية وعمليات المسح الأمني الإقليمية التي أُجريت في أواخر عام 2025 ومنتصف عام 2026، مثل عملية "كافو 6" التي نفَّذها "مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة"، أن الكَمَّ الهائل من الأسلحة غير المشروعة قد تجاوز قدرات إنفاذ القانون الحكومية؛ مما يرفع بشكل حاد معدلاتِ الخسائر البشرية، ويسهم في "دمقرطة العنف"، ويمكِّن تحالفات الإرهابيين والميليشيات الإثنية وعصابات قطاع الطرق الانتهازية من تحدي السلطة السيادية للحكومات المركزية، بل من خلال إغراق المجتمعات الريفية والحدودية بأدوات العدوان المادية (الأسلحة وغيرها)، يُقوِّض تصاعد تجارة الأسلحة وانتشارها مبادرات نزع السلاح الإقليمية ويُرسِّخ حالة صراع دائمة تُهدد النسيج المدني والاجتماعي للدول المجاورة المستقرة(18).

وفي حين تتدفق هذه الأسلحة بسلاسة عبر شبكات حدودية هشَّة (مثل ممرات نيجيريا-الكاميرون، والساحل-سواحل خليج غينيا)؛ فقد انتقلت لوجستيات هذا السوق غير المشروع، من الاعتماد التقليدي على مخزونات قديمة إلى خطوط إمداد ديناميكية ومتنوعة. وبينما لا تزال المخزونات الموروثة من انهيار ليبيا، عام 2011، ومخلَّفات الحقبة السوفيتية متداولةً في أدغال منطقة الساحل، تزداد في المشهد الأمني الحالي هيمنة معدات عسكرية حديثة وعالية الجودة نُهِبَت من قوات الأمن الوطنية. كما تستغل الجماعات الإرهابية الفساد داخل مؤسسات الدولة لشراء المعدات من أفراد عسكريين متواطئين، أو الهجوم على كمائن مُستهدِفة الاستيلاء على أسلحة متطورة ومعدات تكتيكية وذخيرة مباشرة في ساحة المعركة(19).

وتتعزز سلسلة الإمداد الصناعية هذه بشبكة محلية مزدهرة من الحدادين الحرفيين وورش العمل السرية في جميع أنحاء غرب إفريقيا؛ حيث يصنع هؤلاء الفاعلون المحليون أسلحة نارية عالية الكفاءة ومنخفضة التكلفة ومكونات متفجرة مرتجلة تسد الثغرات اللوجستية لجماعات الدفاع المجتمعية المدنية، بينما يُحتَفظ بالبنادق الهجومية المصنعة لشبكات الإرهابيين وخلاياها. ويتجلى هذا في أن 60% من الأسلحة التي صودرت من المدنيين في بوركينا فاسو بين عامي 2016 و2017 صُنعت محليًّا، كما تفيد التقارير بازدهار الأسواق في المدن الحدودية الثلاثية مثل "مالام فاتوري" (نيجيريا)، و"تين زواتين" (الجزائر)، و"تيرا" (النيجر)، و"مرزق" (ليبيا)، و"غايا" (النيجر)(20). وأشار فريق الأمم المتحدة للدعم التحليلي ورصد العقوبات إلى أن "نصرة الإسلام والمسلمين" بلغت أعلى مستويات قدرتها العملياتية منذ عام 2018، مع تعزيز قدراتها على شن هجمات منسقة باستخدام الطائرات المسيرة والعبوات الناسفة، وتنفيذ هجمات متعددة الجبهات على مواقع محصنة(21).

ويُغذِّي التدفق المستمر للأسلحة حلقة مفرغة مالية استغلالية تربط مباشرة بين الثروات المعدنية غير المشروعة والقدرات العسكرية المتقدمة. ففي ظل هذا النموذج الاقتصادي ذاتي الاستدامة، يُعاد استثمار السيولة النقدية -المتأتية من الإتاوات والابتزاز على مواقع تعدين الذهب الحرفي والصغير النطاق- في اقتناء قوة نارية متفوقة تمنح الإرهابيين والعصابات المجرمة التفوق التكتيكي اللازم للتغلب على الجيوش الحكومية الضعيفة، وتكثيف التوغل في أراضي الدول الحدودية والمجاورة، ودفع الاستيلاء الزائد على رواسب الذهب الغنية ونقاط الاختناق التجارية الحيوية(22).

اقتصاد الحرب وتآكل الدولة: التداعيات الأمنية والإنسانية والسيادية

أدَّى تبلور اقتصاد الحرب في المنطقة -وخاصة استخراج الذهب الحرفي غير المشروع، وانتشار الأسلحة، وتهريب سلع متعددة ومقاتلين- إلى تكاليف وخسائر على الصعد، الأمنية والبشرية والسيادية. وتتجلَّى التكلفة الأمنية المباشرة في تدهور حاد للحدود الوطنية، بينما تتزايد الخسائر البشرية من خلال النزوح والعمل القسري وتفاقم الحرمان الاقتصادي. وتهدد هذه الشبكات غير المشروعة العابرة للحدود الوطنية القدرة الأساسية للدول المتضررة على التطور والازدهار؛ إذ يُنذر بتحويل ممرات جغرافية شاسعة إلى مناطق خارجة عن سيطرة الحكومات بشكل دائم، حيث تُملي جهات مسلحة غير حكومية شروط التجارة والحكم(23).

فمن جانب، تتعرض قدرة الدولة السيادية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وحتى في نيجيريا للتآكل؛ إذ عندما تستولي الجماعات الإرهابية على مواقع تعدين الذهب الحرفي والصغير ذات الإنتاجية العالية، وتحتكر ممرات التجارة عبر الحدود، فإنها تحوِّل ملايين الدولارات من الثروات التي يفترض أن تخضع للضرائب بعيدًا عن خزائن الدولة؛ مما يشل ميزانيات الحكومة ويجعلها عاجزة ماليًّا عن تمويل الخدمات العامة الحيوية، والبنية التحتية للرعاية الصحية، ومبادرات التعليم الابتدائي(24). ونتيجةً لذلك، يُصبح عجز الدولة عن تنفيذ مشاريع التنمية الأساسية عاملًا مُحفزًا للانهيار المؤسسي؛ ما يعرِّض المناطق النائية لخطر أنظمة حكم بديلة يقودها الإرهابيون، والتي تُحاكي الهياكل الضريبية للدولة لجمع الجزية مع توسيع نفوذهم الإقليمي.

من جانب آخر، ظهر "فخ محلي" خطير لسكان الريف، الذين يجدون أنفسهم مُجبرين على الاعتماد المُطلق على اقتصاد الحرب غير الرسمي من أجل البقاء المادي والاقتصادي؛ حيث إن عقودًا من القتال المتواصل وظواهر التغيرات المناخية، أدَّت إلى تدمير سبل العيش الزراعية المشروعة، وطرق التجارة الرعوية، والأنشطة التجارية الريفية الرسمية، تاركةً المجتمعات معزولة بلا أي بديل عملي لكسب الرزق؛ فيضطر المدنيون المحليون إلى العمل في مناجم الذهب التي تتحكم فيها الجماعات الإرهابية، أو العصابات المجرمة المشاركة في شبكات الإمداد غير المشروعة؛ مما يُرسِّخ الهيمنة الاقتصادية للشبكات الإرهابية التي تُرهبهم(25).

وتتجلَّى التكاليف سابقة الذكر في مختلف الإحصاءات والبيانات؛ فبحسب تقرير للأمم المتحدة صدر عام 2023، شكَّلت عمليات تعدين الذهب الحرفية والصغيرة، والتي غالبًا ما تكون غير قانونية، نحو 50% من إنتاج الذهب في المنطقة؛ مما يُكبِّد الدول خسائر بمليارات الدولارات من الإيرادات، ويُسهِّل عمل الجماعات المسلحة التي تُسيطر على مجتمعات التعدين وطرق التهريب، بينما يعتمد أكثر من 1.8 مليون شخص في منطقة الساحل على التعدين لكسب عيشهم(26). كما يتركز نحو 8 ملايين قطعة سلاح في غرب إفريقيا وحدها من بين ما يُقدَّر بنحو 100 مليون قطعة سلاح صغيرة غير مشروعة متداولة في جميع أنحاء القارة الإفريقية(27).

وتُعاني دول غرب إفريقيا من مفارقة مالية خطيرة؛ إذ، على سبيل المثال، ارتفعت مخصصات الدفاع في نيجيريا بأكثر من 220% (من 878 مليار نايرا في عام 2018 إلى أكثر من 3.1 تريليونات نايرا)(28). ورغم الارتفاع الهائل لهذه الميزانيات الدفاعية، تتفاقم التهديدات للأمن البشري والإقليمي بسبب التسريبات؛ حيث تُهيمن على أموال الأمن شبكات الفساد التي تستفيد من استمرار انعدام الأمن. هذا، ومثَّلت منطقة الساحل أكثر من 50% من الوفيات العالمية المرتبطة بالإرهاب، بحسب مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026. وتحتل بوركينا فاسو المرتبة الثانية عالميًّا، والنيجر المرتبة الثالثة عالميًّا، ونيجيريا المرتبة الرابعة عالميًّا، ومالي المرتبة الخامسة عالميًّا(29).

وفي تقديرات عام 2025، بلغ عدد النازحين داخليًّا في منطقة الساحل الأوسط -مالي وبوركينا فاسو والنيجر- أكثر من 3 ملايين شخص؛ حيث تستضيف بوركينا فاسو وحدها أكثر من مليوني نازح. وبحلول نهاية عام 2026، يُتَوقع أن تستضيف منطقة "الساحل بلس" (بما في ذلك موريتانيا ودول سواحل خليج غينيا) 5.6 ملايين نازح قسرًا وعديم الجنسية، ارتفاعًا من 4 ملايين، في سبتمبر/أيلول 2025.، وسيرتفع عدد النازحين داخليًّا بنسبة 16%، ثلاثة أرباعهم في بوركينا فاسو، بينما سيزداد عدد اللاجئين وطالبي اللجوء بنسبة 17%. وقد تضاعف عدد اللاجئين في مالي تقريبًا منذ عام 2024، مدفوعًا بالوافدين من بوركينا فاسو(30). 

يضاف إلى ما سبق أن انعدام الأمن الغذائي يؤثر على ما يُقدَّر بنحو 45 مليون شخص في منطقة الساحل بشكل عام نتيجة للصراعات وتغير المناخ وتعطُّل الإنتاج الزراعي. كما تجاوز عدد المدارس المغلقة بسبب انعدام الأمن 14.800 مدرسة في جميع أنحاء المنطقة. ولا تزال مخاطر الحماية جسيمة، مع وقوع هجمات على المدنيين وانتشار الاختطاف والعنف ضد الفتيان والفتيات(31).

خاتمة

إن التداخل المعقد بين تعدين الذهب الحرفي غير المنظم، وممرات التهريب عبر الحدود، وانتشار الأسلحة، يرسخ اقتصاد حرب متينًا لا يمكن تفكيكه من خلال العمليات العسكرية البحتة. وقد فشلت عقود من الاستجابات العسكرية التقليدية في غرب إفريقيا والساحل في تحقيق استقرار دائم، لأنها تستهدف المقاتلين الأفراد بينما تُبقي على مصادر تمويلهم الأساسية سليمة. وطالما احتفظت الجماعات الإرهابية والعصابات المجرمة بالقدرة على استغلال فراغ الحكم الحكومي، واستخراج ملايين الدولارات من الثروات المعدنية غير الخاضعة للمراقبة والضرائب، وإعادة استثمار تلك العائدات السائلة في اقتناء أسلحة متطورة، فإنها ستحافظ على الميزة اللازمة لتجديد صفوفها والصمود أمام الحملات العسكرية الحكومية والإقليمية.

وللتعامل مع الأزمات الأمنية والعمليات الإرهابية بوصفها سوقًا غير مشروعة؛ يحتاج صانعو السياسات الإقليميون والدوليون إلى منع الشبكات الإرهابية من مصادر تمويلها الرئيسية، وذلك بإعطاء الأولوية للتقنين الشامل لقطاع تعدين الذهب الحرفي والصغير النطاق وتنظيمه، بما في ذلك دمج عمال المناجم غير الرسميين في الإطار القانوني من خلال تبسيط إجراءات الترخيص، وتوفير التمويل الأصغر العادل، وإنشاء مراكز شراء مدعومة من الدولة. كما أن التقنين المحلي سيكون غير كافٍ دون وجود أطر شفافة ودقيقة لسلاسل التوريد، تُطبَّق في مراكز التكرير والتصدير الدولية؛ حيث تحتاج مراكز الذهب العالمية الكبرى إلى اشتراط تقديم إثباتات صارمة وقابلة للتحقق من المنشأ، وفرض عقوبات رادعة على غسل ذهب النزاعات؛ ما يساعد في إغلاق المنافذ المالية التي تسمح بتحويل السلع غير المشروعة من منطقة الساحل إلى رؤوس أموال دولية يصعب تتبعها.

وأخيرًا، تتطلب أية إستراتيجية مستدامة لمكافحة الإرهاب في غرب إفريقيا معالجة مواطن الضعف الاجتماعية والاقتصادية التي تُغذِّي "الفخ المحلي"، وذلك بتوفير بدائل اقتصادية قانونية قابلة للتطبيق للسكان العالقين في منظومة التهريب، لأن النسبة الكبيرة من الشباب في المناطق الحدودية النائية يلجؤون إلى التعاون مع شبكات الدعم اللوجستي للإرهابيين والعصابات المجرمة بدافع الضرورة الاقتصادية القصوى، لا بدافع التوافق الأيديولوجي.

ABOUT THE AUTHOR

References

1. “The Economy of Instability: How Trafficking Networks Fuel Conflict in the Sahel.” African Security Analysis, 22 October 2025, https://tinyurl.com/2z6bneyu (تاريخ الدخول: 26 يونيو/حزيران 2026).

2. Tijani, Abdullah. “The Blood Gold Enterprise Sustaining Terrorism Across Sahelian Borders.” The Liberalist, 31 May 2026, https://tinyurl.com/396632ax (تاريخ الدخول: 26 يونيو/حزيران 2026).

3. Marcena Hunter, & Sophia Pickles. “Commodity, currency, crime: How illicit gold markets are outpacing global responses.” Global Initiative Against Transnational Organized Crime, https://tinyurl.com/mryp9rz6 (تاريخ الدخول: 26 يونيو/حزيران 2026).

4. “Sahel gold boom boosting jihadist coffers: ICG.” Pulse Kenya, 19 August 2024, https://tinyurl.com/3tuwar93 (تاريخ الدخول: 26 يونيو/حزيران 2026).

5. مصدر سابق:

Tijani, Abdullah. “The Blood Gold Enterprise Sustaining Terrorism Across Sahelian Borders.”

6. مصدر سابق:

“Sahel gold boom boosting jihadist coffers: ICG.” Pulse Kenya

7. Ziso, Edson, and Antonetta Lovejoy Hamandishe. 2024. “Coups and Terror in the Sahel: Terrorist Groups’ Exploitation of State Fragility and Ungoverned Spaces in Burkina Faso and Niger”. Journal of Central and Eastern European African Studies 4 (2):27-49.

8. Boukhars, A. “Adapting Benin's battle with violent militant groups.” Africa Center for Strategic Studies - Africa Security Brief, 2026, (46), 1–8.

9. Ristov, Ivan, Kire Babanoski, Elena Dimovska, and Zoran Ivanov. "The Nexus Between Illicit Economies and Terrorist Financing." In Illicit Economies and Security Dynamics, pp. 94-107. 1 Oliver's Yard, 55 City Road, London, EC1Y 1SP: SAGE Publications, 2026.

10. Claude Toze. “Strengthening Local and Regional Collaboration in Counterterrorism: An Interview with Mr. Idriss Mounir Lallali, Acting Director of the African Union Counter Terrorism Centre.” Africa Center for Strategic Studies, 13 February 2026, https://tinyurl.com/3vbhamj9 (تاريخ الدخول: 26 يونيو/حزيران 2026).

11. United Nations Office on Drugs and Crime [UNODC]. “Transnational organized crime threat assessment – Sahel (TOCTA Sahel). UNODC Data and Analysis Branch, 2024, https://tinyurl.com/28r9vm6r (تاريخ الدخول: 26 يونيو/حزيران 2026).

12. “Terrorists Target the Sahel’s Gold Mines as a Source of Financing.” ADF, 17 October 2023, https://tinyurl.com/3je43u4k (تاريخ الدخول: 26 يونيو/حزيران 2026).

13. “Discussion on African Strategies for Combating Transnational Organized Crime in Africa.” Amani Africa, 5 May 2026, https://tinyurl.com/y2tjy7nb (تاريخ الدخول: 26 يونيو/حزيران 2026).

14. مصدر سابق:

“The Economy of Instability: How Trafficking Networks Fuel Conflict in the Sahel.” African Security Analysis

15. Cherkaoui Roudani. “Africa: Next Frontline in the Global Drug Trade?.” 6 February 2026, https://tinyurl.com/4bc3728v (تاريخ الدخول: 26 يونيو/حزيران 2026).

16. Salem A. Salem. “Southward Creep: The Sahel Insurgency Reaches Coastal West Africa.” The Henry L. Stimson Center, 7 May 2026, https://tinyurl.com/2shfbpvp (تاريخ الدخول: 26 يونيو/حزيران 2026).

17. مصدر سابق:

“The Economy of Instability: How Trafficking Networks Fuel Conflict in the Sahel.” African Security Analysis

18. United Nations Office on Drugs and Crime [UNODC]. “Operation Kafo VI leads to seizures of thousands of illicit weapons and drugs across the Sahel.” UNODC Border Management and Firearms Trafficking Section, 2026, https://tinyurl.com/3b6zjhrw (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2026).

19. Burgueño Mallo, D. “Del terrorismo ideológico al actor híbrido: la convergencia crimen-terror en el Sahel y la expansión yihadista hacia el golfo de Guinea (From ideological terrorism to a hybrid actor: Crime–terror convergence in the Sahel and jihadist expansion towards the Gulf of Guinea).” Spanish Institute for Strategic Studies (IEEE), 2026, https://tinyurl.com/39v8apd6 (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2026).

20. “Illicit activities fuel extremism in the Sahel's conflict zones.” ISS PSC Report, 2025, https://tinyurl.com/9w72xx5v; Ndubuisi Christian Ani. “Unravelling the illicit economies that sustain terrorism in the Sahel.” ISS, 12 August 2025, https://tinyurl.com/2e2ux9cs (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2026)

21. “West Africa and the Sahel: UN Security Council Forecast for November 2025.” African Security Analysis, 7 November 2025, https://tinyurl.com/yperwmpr (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2026).

22. Raineri, Luca. "Gold mining in the Sahara-Sahel: The political geography of state-making and unmaking." The International Spectator 55, no. 4 (2020): 100-117.

23. مصدر سابق:

“The Economy of Instability: How Trafficking Networks Fuel Conflict in the Sahel.” African Security Analysis.

24. Gilles Yabi. “The Sahel's intertwined challenges.” International Monetary Fund (IMF), 2024, https://tinyurl.com/zj443e88 (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2026).

25. مصدر سابق:

“The Economy of Instability: How Trafficking Networks Fuel Conflict in the Sahel.” African Security Analysis.

26. Ndubuisi Christian Ani. “Unravelling the illicit economies that sustain terrorism in the Sahel.” ISS, 12 August 2025, https://tinyurl.com/2e2ux9cs (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2026).

27. Daniel Banini. “West Africa has a small weapons crisis – why some countries are better at dealing with it than others.” The Conversation, 11 May 2023, https://tinyurl.com/am3nm29v (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2026).

28. Will Harvey-Powell. “Nigeria’s 2026 defense budget: stretched between instability and inflation.” International Institute for Strategic Studies (IISS), 26 May 2026, https://tinyurl.com/mry7p34h (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2026).

29. “Global Terrorism Index 2026.” Institute for Economics & Peace, 2026, https://tinyurl.com/yc8624cz (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2026).

30. “Sahel emergency.” UNHCR, https://tinyurl.com/7eh4p99x (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2026).

31. المصدر السابق.