مقدمة
منذ فجر السبت، 28 فبراير/شباط 2026، حين شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية واسعة النطاق على طهران في عملية أطلقت عليها واشنطن اسم "الغضب الملحمي" وتل أبيب اسم "زئير الأسد"، دخلت إيران في مرحلة غير مسبوقة من تداخل الضغط العسكري والاقتصادي. ورغم الضربات الموجعة التي تلقتها طهران، لم تحسم الحرب عسكريًّا بشكل كامل حتى بعد ستة أشهر من اندلاعها، وسط هدنات متقطعة وجولات تصعيد متجددة(1).
هذا التصعيد العسكري المتقطع بهدنات هشة (هدنة أسبوعين أُعلنت في أبريل/نيسان(2)، ثم مذكرة تفاهم لم تصمد كثيرًا، تلتها ضربات عسكرية)، وحملة عقوبات أميركية وصفها وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأنها "الهجوم المالي الأضخم من نوعه على الإطلاق" ضد أي دولة(3)، يضع الاقتصاد الإيراني أمام اختبار غير مسبوق. فالسؤال الذي نطرحه هنا ليس فقط: هل يصمد الريال الإيراني؟ بل الأعمق: هل يمكن الحديث أصلًا عن سياسة نقدية بالمعنى التقليدي في بلد يدير اقتصاده الآن وفق منطق اقتصاد الحرب؛ حيث تتقدم اعتبارات البقاء الأمني على الحسابات النقدية التقليدية؟
استخدم الرئيس دونالد ترامب، في أغسطس/آب 2026، تعبير "Economic D-Day" لوصف الحملة الاقتصادية الجديدة ضد إيران، في إشارة إلى عملية الإنزال في نورماندي خلال الحرب العالمية الثانية، بينما أطلقت وزارة الخزانة الأميركية رسميًّا على حملتها اسم "Operation Economic Outcast" (عملية المنبوذ الاقتصادي)(4). ولم تكن هذه مجرد حزمة عقوبات إضافية بل حملة منسقة استهدفت مباشرة الأدوات التي طورتها طهران على مدى سنوات للالتفاف على العزلة المالية: من التجارة مع الصين، إلى الذهب، إلى العملات المشفرة. وردَّت طهران على المصطلح الأميركي بوصفه إرهابًا اقتصاديًّا(5)، فيما وصف وزير الاقتصاد والمالية، علي مدني زاده، الحملة بأنها هجوم إرهابي اقتصادي، مؤكدًا أن طهران تمتلك أدواتها وتعرف كيفية استخدامها في تلويح بالانتقال من الدفاع الاقتصادي إلى الهجوم(6). وتتناول الأسطر التالية استجابة الريال في السوق الموازية، ثم آليات الحكومة لضبط سوق الصرف ورأس المال، قبل تحليل أدوات الالتفاف على العقوبات، وصولًا إلى سيناريوهات الاستقرار النقدي المحتملة.
الريال في مهب الحرب
لم يكن تهاوي الريال الإيراني ظاهرة مستجدة مع اندلاع الحرب، لكن وتيرته تسارعت بشكل لافت مع كل موجة تصعيد عسكري متجددة. فبعد الهدنة التي أُعلنت، في أبريل/نيسان 2026، لمدة أسبوعين، وما تلاها من تجدد للتوتر العسكري، دخلت العملة الوطنية في سلسلة من الانخفاضات القياسية في السوق الموازية، كما يوضح الجدول التالي:
جدول (1): مسار تهاوي الريال الإيراني في السوق الموازية (أغسطس/آب-سبتمبر/أيلول 2026)
| التاريخ | سعر الدولار ( ريال) |
ملاحظة |
| 23 أغسطس/آب 2026 | 2.000.000 |
تجاوز حاجز المليوني ريال للمرة الأولى تاريخيًّا |
| 27 أغسطس/آب 2026 | 2.050.000 |
وفق تقرير رسمي للبنك المركزي الإيراني |
| 2 سبتمبر/أيلول 2026 | 2.200.000 |
انخفاض قيمة الريال بنحو 10% خلال أسبوع واحد |
| 6 سبتمبر/أيلول 2026 | 2.229.000 |
أحدث مستوى مسجل سابقًا |
| 12 سبتمبر/أيلول 2026 | 2.359.750 |
أحدث سعر متداول، وفق منصة tgju.org الإيرانية المتخصصة |
المصدر: بيانات مجمعة من تقارير رويترز والبنك المركزي الإيراني ومنصة tgju.org (7)
وبالتوازي مع تشديد العقوبات والضغوط على صادرات النفط، واصل الريال الإيراني تسجيل مستويات قياسية من التراجع في السوق الموازية، في وقت أصبح فيه شُحُّ العملة الصعبة وارتفاع توقعات التضخم من أبرز مصادر الضغط على سوق الصرف. وقد تجاوز سعر الدولار حاجز مليوني ريال، في أغسطس/آب 2026، قبل أن يواصل الصعود خلال الأيام التالية، في مؤشر على اتساع فجوة الثقة بين السياسة الرسمية وسلوك السوق.
هذا التسارع في وتيرة التراجع ليس مصادفة توقيت بل انعكاسًا مباشرًا لعاملين متشابكين يحركان السوق الموازية أكثر من أي مؤشر اقتصادي تقليدي: أولهما عامل نفسي بحت يتعلق بحالة الترقب والذعر التي يولدها كل تصعيد عسكري جديد أو تهديد بعقوبات إضافية، وهو ما اعترف به محافظ البنك المركزي، عبد الناصر همتي، صراحة حين عزا التراجع إلى عوامل نفسية وأجواء سائدة أكثر من العوامل الاقتصادية البحتة(8). وثانيهما الأثر التراكمي لتوسع العقوبات الثانوية التي باتت تلاحق تحديدًا الأدوات التي كانت طهران تعتمد عليها للحصول على العملة الصعبة خارج القنوات المصرفية المعاقبة، وهو ما سنتناوله لاحقًا بالتفصيل.
بناء على هذا المسار، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة لحركة الريال في الأشهر المقبلة: السيناريو الأول هو استمرار التصعيد العسكري المتقطع بلا حسم، وهو الأقرب للنمط الفعلي الذي شهدناه منذ فبراير/شباط (هدنة، ثم تصعيد، ثم هدنة جزئية). وفي هذا السيناريو، يُرَجَّح استمرار الانهيار التدريجي للريال مع موجات ذعر متكررة عند كل تصعيد جديد، دون انهيار كامل يهدد بفقدان العملة لوظيفتها وسيطًا للتبادل. السيناريو الثاني هو عودة حقيقية للتفاوض وتخفيف تدريجي للعقوبات، وهو الأقل ترجيحًا في المدى القصير نظرًا لتشدد الموقف الأميركي المعلن (الإنزال الاقتصادي)، لكنه قد يفتح الباب أمام استقرار نسبي وربما تصحيح جزئي في قيمة الريال إذا اقترن بضمانات سياسية واضحة من الجانبين. السيناريو الثالث، وهو الأخطر، تصعيد عسكري شامل ومستمر يقترن بحصار اقتصادي كامل على القنوات المتبقية (الصين، والعملات المشفرة)؛ وفي هذه الحالة، يصبح الحديث عن استقرار نقدي بالمعنى التقليدي غير ذي معنى، وقد ينتقل الاقتصاد الإيراني فعليًّا إلى منطقة الدولرة غير الرسمية الكاملة في المعاملات اليومية، على غرار تجارب دول أخرى خضعت لعقوبات وحروب ممتدة.
محاولات ضبط رأس المال
يعتمد البنك المركزي الإيراني في تواصله الرسمي على إبراز الإجراءات التي اتخذها لاحتواء تقلبات سوق الصرف، مستبعدًا دخول الاقتصاد فيما يصفه بـالتضخم الجامح، ومستندًا إلى إجراءات ملموسة: أعلن همتي عن استعداد المؤسسة لضخ ما يصل إلى ملياري دولار في سوق الصرف لتهدئة التقلبات، مؤكدًا تأمين نحو 18 مليار دولار من العملات الأجنبية منذ بداية العام لاستيراد السلع الأساسية والأدوية والمواد الخام، وإضافة نحو 4.5 مليارات دولار للاحتياطي الأجنبي منذ بداية الحرب(9). وتشمل الأدوات التشغيلية المعتمدة تعدد أسعار الصرف الرسمية (سعر تفضيلي للسلع الأساسية مقابل سعر شبه حر لبقية المعاملات)، وقيودًا صارمة على سحب العملة الصعبة من المصارف، ومنصات صرافة رسمية موازية للسوق الحرة.
تهاوي الريال يدفع التضخم إلى الارتفاع، وتعتمد الجهتان الرسميتان المعنيتان بقياس التضخم منهجيتين مختلفتين لحساب المؤشر نفسه. ففي شهر أغسطس/آب 2026، أعلنت المؤسستان الحكوميتان رقمين مختلفين لمعدل التضخم السنوي:
جدول (2): مؤشرا التضخم الرسميان في إيران- أغسطس/آب 2026
| الجهة الرسمية | التضخم على أساس نقطة إلى نقطة |
نطاق التغطية الإحصائية |
| البنك المركزي الإيراني (CBI) | 84.4% |
حضري فقط |
| المركز الإحصائي الإيراني (SCI) | 89% |
حضري وريفي |
المصدر: تقارير CBI وSCI الرسمية، أغسطس/آب 2026(10)
ويُفسَّر اختلاف الرقمين أساسًا باختلاف المنهجية ونطاق التغطية الجغرافية بين المؤسستين؛ فالبنك المركزي ينشر مؤشرًا يركز على المناطق الحضرية، بينما يغطي مؤشر المركز الإحصائي الإيراني المناطق الحضرية والريفية. ولا يعكس الفرق بين الرقمين تعارضًا في الحقيقة، بقدر ما يعكس اختلاف نطاق القياس بين مقاربتين منهجيتين مشروعتين. ومع ذلك، فإن وصول التضخم على أساس نقطة إلى نقطة إلى مستويات مرتفعة جدًّا يعكس اتساع الضغوط على الأسعار والقدرة الشرائية، ويزيد من صعوبة مهمة البنك المركزي في تثبيت توقعات التضخم واستعادة الثقة بالعملة المحلية. وفي مؤشر إضافي على عمق الأزمة المعيشية، تحدثت تصريحات لمسؤولين إيرانيين في الفترة نفسها عن وصول تضخم الغذاء إلى مستويات تجاوزت 120%، فيما اعترفت الحكومة نفسها بتردي الأوضاع المعيشية وأعلنت خطة سنتين لكبح جماح التضخم(11).
من جانبها، تحرص غرفة التجارة والصناعة والمناجم والزراعة الإيرانية (ICCIMA) على تبني خطاب مواز للتطمين الرسمي، إذ أكد رئيس لجنة الجمارك فيها محمد رضا فاروقي أن العقوبات والحصار لا يمكن أن يوقفا تجارة البلاد الخارجية بالكامل، مستندًا إلى موقع إيران الجغرافي وعضويتها في تكتلات كالاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومنظمة شنغهاي للتعاون كعوامل يمكن أن تساعد في الحفاظ على قنوات التبادل التجاري، وإن كانت لا تلغي الضغوط الناتجة عن العقوبات وصعوبة الوصول إلى العملة الصعبة(12).
غير أن هذا التطمين المؤسسي لا يخفي بالضرورة حجم الأثر الفعلي على الأرض؛ ففي تصريح منفصل، كشف محمد لاهوتي، رئيس لجنة تنمية الصادرات بغرفة التجارة الإيرانية، أن الحصار البحري المفروض عبر الموانئ الجنوبية أوقف عمليًّا مسار جزء كبير من التجارة الإيرانية عبر تلك المنطقة، مقدِّرًا أن الصادرات غير النفطية الإيرانية تراجعت بنحو 6 مليارات دولار خلال السنة الإيرانية الماضية (1404) نتيجة تضافر أثر العقوبات والحرب والحصار البحري مجتمعة(13). وتعكس هذه الأرقام حجمًا ملموسًا من التكلفة الاقتصادية للحرب، يتجاوز أحيانًا ما يعكسه الخطاب الرسمي المتفائل.
الصين والذهب والعملات المشفرة لفَكِّ الخناق
منذ اندلاع الحرب، طوَّرت طهران منظومة متكاملة من الأدوات البديلة للالتفاف على الحصار، أبرزها الاعتماد المتصاعد على الصين بوصفها شريانًا تجاريًّا رئيسيًّا، وتوظيف الذهب ملاذًا من هيمنة الدولار، واللجوء إلى العملات المشفرة قناةً موازيةً للتحويلات المالية. غير أن فاعلية هذه الأدوات باتت محل تساؤل متزايد مع تصاعد العقوبات الثانوية التي تستهدفها مباشرة.
استحوذت الصين وحدها على أكثر من 80% من صادرات إيران النفطية المنقولة بحرًا خلال عام 2025، بمعدل استيراد بلغ نحو 1.4 مليون برميل يوميًّا(14). غير أن هذا الاعتماد المفرط على سوق واحدة جعل الاقتصاد الإيراني رهينة لتقلبات الطلب الصيني ولضغوط العقوبات الثانوية في آن معًا: فقد تراجعت واردات الصين من النفط الإيراني إلى 785 ألف برميل يوميًّا، في يونيو/حزيران 2026، ثم إلى نحو 534 ألف برميل فقط في أغسطس/آب، نتيجة تجدد الحصار وتشديد الرقابة الأميركية على المصافي الصينية المستقلة(15). ولم تعد التجارة بين البلدين تمر بالضرورة عبر تحويلات نقدية تقليدية؛ إذ تشير دراسة لمشروع "إيران 2040" بجامعة ستانفورد إلى أن نظام المقايضة (نفط مقابل سلع وخدمات صينية) مثَّل 32% من صادرات النفط الإيرانية في موازنة 2025-2026، مع توقعات بارتفاعه إلى 41% خلال العام المالي التالي، وهو نظام يقلِّل الحاجة إلى التسويات النقدية المباشرة، لكنه لا يوفر لطهران بالضرورة سيولة أجنبية قابلة للاستخدام المحلي؛ ما يحدُّ من قدرته على معالجة اختلالات سوق الصرف بصورة مباشرة(16).
وتصف جهات رقابية غربية، منها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي (أوفاك)، جزءًا من شبكات نقل النفط الإيراني بحرًا بـ"أسطول الظل"، في إشارة إلى ناقلات تعمل خارج الأطر الرقابية البحرية المعتادة. وقد وثَّقت تقارير غربية متعددة محاولات لإخفاء منشأ بعض الشحنات النفطية، دون أن يعني ذلك بالضرورة توقف القنوات التجارية التقليدية بين إيران وشركائها(17). وفي المقابل، واصلت بعض المصافي الصينية المستقلة شراء النفط الإيراني رغم تصاعد الضغوط والعقوبات الأميركية؛ ما يعكس استمرار وجود قنوات تجارية محدودة بين البلدين، وإن كانت معرضة لمخاطر متزايدة.
ولا تقتصر شبكات الالتفاف على النفط والعملات المشفرة بل تمتد إلى ما يُعرف بـ"الشبكات المصرفية الموازية" (shadow banking) التي تتيح لطهران الوصول غير المباشر إلى البنية التحتية للدولار الأميركي رغم العزلة المصرفية الرسمية. وكشف تحقيق لصحيفة وول ستريت جورنال، استند إلى بيانات شبكة إنفاذ الجرائم المالية الأميركية (FinCEN)، أن نحو 9 مليارات دولار من الأموال المرتبطة بإيران مرَّت عبر حسابات مراسلة في بنوك أميركية خلال عام 2024 وحده، منها نحو 5 مليارات دولار مرتبطة بشركات واجهة أجنبية، ونحو 4 مليارات دولار مرتبطة بعشرات شركات النفط الأجنبية التي قدَّرت FinCEN أنها شركات واجهة إيرانية. وتكمن المفارقة، بحسب التحقيق، في أن واشنطن قادرة على فرض حصار شامل على إيران، لكنها لا تستطيع بسهولة منع كل دولار إيراني من المرور عبر الشبكة المصرفية العالمية، لأن الدولار نفسه يظل العملة الوسيطة في جزء كبير من التجارة الدولية(18).
وفي خطوة لاحقة تستهدف هذه الثغرة تحديدًا، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، في أغسطس/آب 2026، أن فرع "بنك مصر" في الإمارات عالج نحو 1.8 مليار دولار بين يناير/كانون الثاني 2024 ويونيو/حزيران 2026 لصالح 103 شركات يُحتمل ارتباطها بشبكات الظل الإيرانية، واقترحت شبكة FinCEN قاعدة تُلغي صلاحية الفرع بفتح حسابات مراسلة لدى مؤسسات مصرفية أميركية، بعدما تبين أن من بين عملائه شركات واجهة تُنسب إلى وزارة الدفاع الإيرانية والحرس الثوري. كما فرضت الخزانة عقوبات موازية على مدير فرع "بنك ملي" في دبي، وعلى شركة مقرها هونغ كونغ اتُّهمت بغسل أموال لصالح بيت صرافة إيراني معاقَب. ولم تصدر طهران حتى الآن ردًّا رسميًّا مباشرًا على هذا الإجراء تحديدًا(19).
في السياق نفسه، ازدادت أهمية الذهب بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني بوصفه أصلًا يمكن استخدامه للتحوط من تقلبات العملة والقيود المفروضة على الوصول إلى النظام المالي الدولي. وأظهرت بيانات الجمارك الإيرانية أن البلاد استوردت أكثر من 100 طن من الذهب بقيمة تجاوزت 8 مليارات دولار خلال السنة الإيرانية 1403، المنتهية في 20 مارس/آذار 2025، وهو ما مثَّل نحو 11% من إجمالي واردات إيران خلال السنة نفسها(20). كما استوردت إيران نحو 43 طنًّا من سبائك الذهب بقيمة 2.5 مليار دولار خلال الفترة من 21 مارس/آذار إلى 20 سبتمبر/أيلول 2024، بزيادة ستة أضعاف مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق(21). وتشير هذه الأرقام إلى تزايد أهمية الذهب بوصفه أداة محتملة للتحوط وإدارة مخاطر العملة والعقوبات، لكنها لا تعني بالضرورة أن كامل هذه الكميات دخلت ضمن احتياطيات البنك المركزي.
وأكد محافظ البنك المركزي الأسبق، محمد رضا فرزين، في تصريح أواخر عام 2024 قبل استقالته من منصبه في ديسمبر/كانون الأول 2025 وخلافة عبد الناصر همتي له، أن بلاده كانت من بين أكبر خمسة بنوك مركزية عالمية شراءً للذهب خلال عامي 2023 و2024(22).
وينعكس هذا التوجه محليًّا في ارتفاع أسعار الذهب داخل السوق الإيرانية نفسها بالتوازي مع تهاوي الريال؛ إذ سجل غرام الذهب عيار 18 مستوى 241.8 مليون ريال، فيما تجاوزت سبيكة الذهب المصفاة للمرة الأولى حاجز 105 ملايين تومان (1.05 مليار ريال)، محققةً رقمًا قياسيًّا جديدًا، وبلغت قيمة سكة الذهب الكاملة (الإمامي) نحو 2.41 مليار ريال(23).
تحولت العملات المشفرة تدريجيًّا إلى إحدى أسرع الأدوات نموًّا في منظومة الالتفاف الإيرانية على العقوبات. وفي هذا السياق، أشار تحقيق صحفي استند إلى تحليل بيانات سلسلة الكتل إلى شبكة تحويلات مالية عبر منصات عملات مشفرة ومواقع مقامرة ناطقة بالفارسية، قُدِّر إجمالي ما مَرَّ عبرها بما لا يقل عن 4 مليارات دولار، من بينها ما لا يقل عن 676 مليون دولار من عناوين مرتبطة بمنصة "شيلبيت" إلى مَحَافِظ منصة "بينانس". وتضمن التحقيق إشارة إلى مبالغ إضافية نُسبت لجهات مختلفة، وهي إشارات نفتها الجهات الإيرانية المعنية رسميًّا ولم تصدر بشأنها أي أحكام قضائية مستقلة حتى الآن، وينبغي التعامل معها بوصفها ادعاءات غير مؤكدة لا وقائع ثابتة(24). وقد استجابت واشنطن بحملة عقوبات أميركية متصاعدة استهدفت هذه المنصات مباشرة، بالتوازي مع توسيع مخاطر العقوبات الثانوية على الجهات الأجنبية التي تتعامل مع الشبكات الإيرانية المعنية: ففي يونيو/حزيران 2026، فرضت عقوبات على منصة "نوبيتكس" -أكبر منصة عملات مشفرة إيرانية- ومنصتي "واليكس" و"بيتبين"(25)، ثم توسعت، في أغسطس/آب، لتشمل "شيلبيت" ذاتها ومؤسِّسها(26)، وعلَّق وزير الخزانة، بيسنت، بأن اعتماد إيران المتزايد على الأصول الرقمية يمثل "دليلًا إضافيًّا على نجاح سياسة الضغط الاقتصادي" الأميركية(27). واللافت أن العملات المشفرة لم تكن أداة للالتفاف على العقوبات فحسب بل تحولت أيضًا إلى وسيلة للتحوط بالنسبة إلى بعض المواطنين الإيرانيين في مواجهة التضخم وتراجع قيمة العملة؛ ما يضع العقوبات الأميركية أمام معضلة مزدوجة: فهي تستهدف قنوات قد تستغلها جهات معاقبة، لكنها في الوقت ذاته تضيق إحدى الوسائل النادرة التي يعتمد عليها المواطنون العاديون لحماية مدخراتهم(28).
رغم تنوع هذه الأدوات، فإنها تبدو أقرب إلى آليات تخفيف الأثر منها إلى حلول بنيوية حقيقية: فالمقايضة مع الصين تحرم الحكومة المركزية من السيولة الفعلية اللازمة لضبط سعر الصرف محليًّا؛ والذهب أصل غير سائل نسبيًّا ومحدود الحجم مقارنة بفجوة العملة الصعبة؛ والعملات المشفرة والشبكات المصرفية الموازية باتت هي نفسها ساحة المعركة الأحدث للعقوبات الثانوية؛ ما يقلِّص فاعليتها تدريجيًّا كلما توسعت واشنطن في ملاحقة المنصات والوسطاء والبنوك المراسلة. النتيجة أن إيران تدير أزمتها النقدية بأدوات تسكينية متجددة، أكثر مما تملك حلًّا هيكليًّا لفجوة العملة الصعبة التي يعكسها التهاوي المتواصل للريال.
خاتمة
يكشف هذا المشهد المتشابك -ريال منهار، وخطاب رسمي متماسك يصطدم بمؤشرات اقتصادية متعددة القراءات، وأدوات التفافية تلاحقها عقوبات ثانوية متجددة- أن الحديث عن استقرار نقدي بالمعنى التقليدي لم يعد مناسبًا لوصف الحالة الإيرانية الراهنة. الأقرب إلى الواقع هو الحديث عن إدارة أزمة ممتدة تتأرجح بين ثلاثة مسارات: استمرار التصعيد المتقطع مع تآكل تدريجي مستمر للريال والقدرة الشرائية دون انهيار كامل؛ أو انفراج تفاوضي يعيد بعض الثقة تدريجيًّا إذا اقترن بتسوية سياسية شاملة بين الطرفين؛ أو تصعيد شامل يدفع الاقتصاد نحو دولرة غير رسمية كاملة. وفي جميع المسارات الثلاثة، تبقى الأدوات البديلة التي طوَّرتها طهران -من الصين إلى الذهب إلى العملات المشفرة والشبكات المصرفية الموازية- عوامل تخفيف مؤقتة لا حلولًا بنيوية؛ ما يجعل مصير الريال الإيراني مرهونًا في النهاية بمسار الحرب ذاته أكثر من ارتهانه بأي سياسة نقدية داخلية.
1. Reuters, "US and Israel Launch ‘Pre-emptive’ Attack Against Iran," Reuters, February 28, 2026, accessed September 11, 2026, https://www.reuters.com/world/middle-east/israel-says-it-launched-pre-emptive-attack-against-iran-2026-02-28/
2. Reuters, "Trump Says He Has Agreed to Suspend Bombing of Iran for Two Weeks," Reuters, April 8, 2026, accessed September 11, 2026, https://www.reuters.com/world/middle-east/trump-says-he-has-agreed-suspend-bombing-attack-iran-two-weeks-2026-04-07/
3. Scott Bessent, "Remarks from Secretary of the Treasury Scott Bessent on Operation Economic Outcast Against Iran," U.S. Department of the Treasury, August 24, 2026, accessed September 8, 2026, https://home.treasury.gov/news/press-releases/sb0614
4. Donald J. Trump, remarks on "Economic D-Day" and economic pressure against Iran, August 2026, as reported by CBS News, accessed September 9, 2026, https://www.cbsnews.com/live-updates/iran-war-donald-trump-us-economic-threat-defeat/
5. عباس عراقجي، منشور على منصة إكس X، 20 أغسطس/آب 2026 (تاريخ الدخول: 12 سبتمبر/أيلول 2026)، https://x.com/i/status/2090316936206790973
6. سيد علي مدنيزاده، «مدنيزاده: تحريمهای آمریکا اثر دارد، اما ایران برای ضربه جدید آماده است/ ۸۰ هزار میلیارد تومان برای حفظ اشتغال» [“مدنيزاده: العقوبات الأميركية لها تأثير، لكن إيران مستعدة لضربة جديدة/ 80 ألف مليار تومان للحفاظ على التوظيف”]، اقتصاد آنلاين، 2 شهريور 1405 (24 أغسطس/آب 2026)، (تاريخ الدخول: 12 سبتمبر/أيلول 2026)، https://www.eghtesadonline.com/fa/news/2159133/
7. بيانات سعر صرف الدولار مقابل الريال الإيراني في السوق الموازية، بالاعتماد على تقارير رويترز المنشورة عبر جريدة حابي، وبيانات البنك المركزي الإيراني، ومنصة tgju.org، أغسطس/آب-سبتمبر/أيلول 2026 (تاريخ الدخول: 12 سبتمبر/أيلول 2026).
8. عبد الناصر همتي، «همتی: کمبود ارز نداریم/ ادعای فروپاشی کذب است» [همتي: لا نعاني من نقص في العملة الأجنبية/ ادعاء الانهيار كاذب]، تصريحات خلال المؤتمر السادس والثلاثين للمصرفية الإسلامية، وكالة تسنيم للأنباء، 10 شهريور 1405 (1 سبتمبر/أيلول 2026)، طهران (تاريخ الدخول: 11 سبتمبر/أيلول 2026)، https://www.tasnimnews.ir/fa/news/1405/06/10/3685557/
9. Tehran Times, "CBI Governor to Trump: Iran Has Foreign Currency, and Enough of It," reporting on remarks by Abdolnasser Hemmati, Governor of the Central Bank of Iran, at the 36th Islamic Banking Conference, Tehran Times, September 1, 2026, accessed September 9, 2026, https://www.tehrantimes.com/news/529592/CBI-governor-to-Trump-Iran-has-foreign-currency-and-enough
10. البنك المركزي لجمهورية إيران الإسلامية (CBI)، بيانات التضخم لشهر مرداد 1405 (أغسطس/آب 2026)؛ ومركز إيران للإحصاء (SCI)، بيانات مؤشر أسعار المستهلك والتضخم لشهر مرداد 1405 (أغسطس/آب 2026)، (تاريخ الدخول: 9 سبتمبر/أيلول 2026).
11. مركز إيران للإحصاء (Statistical Center of Iran)، «شاخص قیمت مصرفکننده – تیرماه ۱۴۰۵» [مؤشر أسعار المستهلك – يوليو/تموز 2026]، بيانات التضخم لشهر تير 1405 (يوليو/تموز 2026)، طهران (تاريخ الدخول: 13 سبتمبر/أيلول 2026)؛ نقلًا عن وكالة تسنيم للأنباء، https://www.tasnimnews.ir/fa/news/1405/05/09/3660726/
12. محمد رضا فاروقي، رئيس لجنة الجمارك في غرفة تجارة وصناعة ومناجم وزراعة إيران (ICCIMA)، «محاصره اقتصادی، تجارت ایران را متوقف نمیکند» [ “الحصار الاقتصادي لا يوقف تجارة إيران”]، مقابلة، وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية (إرنا)، 11 شهريور 1405 (2 سبتمبر/أيلول 2026)، طهران (تاريخ الدخول: 12 سبتمبر/أيلول 2026)، https://www.irna.ir/news/86250783/
13. مرضية احقاقي، «تجارت ایران در ۵ مقطع» [“تجارة إيران في 5 محطات”]، دنياي اقتصاد، العدد 6604، 21 تير 1405 (12 يوليو/تموز 2026)، رقم الخبر 4281555 (تاريخ الدخول: 11 سبتمبر/أيلول 2026)،
14. John Irish, Parisa Hafezi and Joe Cash, "Exclusive: How a Billion-Dollar Sanctions Dodge Kept Chinese Goods Flowing to Iran," Reuters, September 10, 2026, accessed September 13, 2026, https://www.reuters.com/world/asia-pacific/how-billion-dollar-sanctions-dodge-kept-chinese-goods-flowing-iran-2026-09-10/
15. Siyi Liu and Chen Aizhu, "Iranian Oil Offers to Chinese Buyers Fall as US Blockade Bites, Sources Say," Reuters, August 21, 2026, Singapore, accessed September 11, 2026, https://www.reuters.com/business/energy/iranian-oil-offers-chinese-buyers-fall-us-blockade-bites-sources-say-2026-08-21/
16. Matin Mirramezani and Sam Samani, "Iran’s Exports Under Sanctions: The Myth of Maximum Pressure," Stanford Iran 2040 Project, Stanford University, April 2026, accessed September 9, 2026, https://iranian-studies.stanford.edu/publications/irans-exports-under-sanctions-myth-maximum-pressure
17. U.S. Department of the Treasury, Office of Foreign Assets Control (OFAC), "Economic Fury Targets Global Network Fueling Iran’s Oil Revenue," April 24, 2026, accessed September 12, 2026, https://home.treasury.gov/news/press-releases/sb0472
18. Ian Talley, "How Billions in Iranian Money Passes Through U.S. Banks," The Wall Street Journal, 2026, accessed September 13, 2026, https://www.wsj.com/finance/regulation/how-billions-in-iranian-money-passes-through-u-s-banks-69106989
19. U.S. Department of the Treasury, "Proposal of Special Measure Regarding Banque Misr (UAE)," August 2026, accessed September 13, 2026, https://home.treasury.gov/news/press-releases/sb0617
20. بهبود سعيديكيا، «۱۰۰ هزار کیلوگرم طلا وارد ایران شد» [“دخول 100 ألف كيلوغرام من الذهب إلى إيران”]، وكالة فارس للأنباء، 20 فروردين 1404 (9 أبريل/نيسان 2025) (تاريخ الدخول: 13 سبتمبر/أيلول 2026)، https://farsnews.ir/behbood/1744182148506209149/
21. Ministry of Economic Affairs and Finance of Iran (MEFA), "Iran Imports 42.8 Tons of Gold Bars in Six Months," News ID 716511, September 24, 2024, accessed September 12, 2026, https://en.mefa.ir/news/716511/Iran-Imports-42-8-Tons-of-Gold-Bars-in-Six-Months
22. وكالة أنباء الطلاب الإيرانيين (إيسنا)، «ایران جزو ۵ کشور اول دنیا در خرید طلا شد/ تبدیل ۲۰ درصد ذخایر ارزی به طلا» [“إيران ضمن أكبر 5 دول في العالم شراءً للذهب/ تحويل 20% من الاحتياطيات النقدية إلى ذهب”]، نقلًا عن البنك المركزي الإيراني، 14 إسفند 1403 (4 مارس/آذار 2025)، رقم الخبر 1403121409598 (تاريخ الدخول: 11 سبتمبر/أيلول 2026)، https://www.isna.ir/news/1403121409598/
23. شبكة اطلاع رساني الذهب والعملة (TGJU)، «قیمت طلا، سکه و دلار» [أسعار الذهب والعملات والدولار]، tgju.org، (تاريخ الدخول: 12 سبتمبر/أيلول 2026)، https://www.tgju.org/
24. Gavin Finch, Feras Dalatey, Denise Ajiri, Tom Wilson and Farah Master, "Illicit Iranian Gambling Network Helped Pull Off a $4 Billion Sanctions Dodge," Reuters, July 31, 2026, accessed September 13, 2026, https://www.reuters.com/investigations/illicit-iranian-gambling-network-helped-pull-off-4-billion-sanctions-dodge-2026-07-31/
25. U.S. Department of the Treasury, "Economic Fury Targets Iran’s Largest Digital Asset Exchange," June 2, 2026, accessed September 12, 2026, https://home.treasury.gov/news/press-releases/sb0519
26. U.S. Department of the Treasury, "Treasury Sanctions Crypto Exchanges Funding Iran’s IRGC and Enabling Illicit Finance," August 7, 2026, accessed September 11, 2026, https://home.treasury.gov/news/press-releases/sb0598
27. Richard Escobedo and Kathryn Watson, "Bessent Announces Campaign to Create ‘Economic Onslaught’ Against Iran and Its Partners," CBS News, August 24, 2026, accessed September 9, 2026, https://www.cbsnews.com/news/bessent-press-conference-iran-sanctions-economic-d-day/
28. Lucie Lequier, "Cryptocurrencies Aiding Iran During War," France 24, March 27, 2026, accessed September 8, 2026, https://www.france24.com/en/live-news/20260327-cryptocurrencies-aiding-iran-during-war