الشهرة السياسية رأسمالًا انتخابيًّا: بنكيران ورهان عودة حزب العدالة والتنمية المغربي

تحلِّل الورقة أثر شخصنة السياسة في السلوك الانتخابي المغربي، متخذةً عبد الإله بنكيران نموذجًا للسياسي المشهور الذي يحول الكاريزما والعفوية والحضور الإعلامي إلى رأسمال انتخابي. وترجح أن شعبيته قد تعيد حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة، مع بقاء تصدره النتائج مرهونًا بشفافية الانتخابات وتنافسيتها في الاستحقاقات.
لوحة دعائية تدعو إلى المشاركة في الانتخابات التشريعية المغربية (الجزيرة)

تُعدُّ شخصنة السياسة من أبرز التحولات التي عرفتها الأنظمة الديمقراطية المعاصرة؛ إذ لم تعد اختيارات الناخبين قاصرةً على تقييم البرامج والأيديولوجيات الحزبية، بل صارت مرتبطةً، بشكل متزايد، بصور القادة وحضورهم العام.

وفي ظل تنامي كثافة التغطية الإعلامية وصعود منصات التواصل الاجتماعي، برزت ظاهرة "السياسي المشهور" بوصفه فاعلًا يوظف أدوات التواصل الترفيهي والتسويقي لبناء علاقة عاطفية مباشرة مع الجمهور، بما يجعل من شهرته رأسمالًا انتخابيًّا قائمًا بذاته.

في المغرب، تبرز حالة عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، بوصفها نموذجًا لافتًا لهذه الظاهرة؛ فقد راكم بنكيران رصيدًا من الشهرة والحضور الإعلامي والتواصل الجماهيري، مدعومًا بشخصية كاريزمية وأسلوب تواصلي عفوي. وتكتسب هذه الحالة أهمية أكبر في سياق التراجع الانتخابي الحاد للحزب في انتخابات 2021، وما يثيره ذلك من تساؤل حول قدرة القيادة الشخصية على إعادة تعبئة قاعدته الانتخابية.

وتنطلق الورقة من فرضية مفادها أن بنكيران يمثل "علامة سياسية" كاريزمية وشعبية أصيلة، تجمع بين البعد العقلاني والتواصل العاطفي العفوي؛ مما يجعله ناهضًا بالثقل الانتخابي لحزبه، ومتجاوزًا صورة الحزب نفسه. وتطرح الورقة إشكالية رئيسية: إلى أي حدٍّ يمكن للشهرة السياسية والكاريزما الشخصية لبنكيران أن تقودا "ريمونتادا" انتخابية لحزب العدالة والتنمية، وتؤثرا في تشكيل اختيارات الناخبين وتعبئتهم وتغيير ترتيب النتائج في الاستحقاقات التشريعية المقبلة؟ وللإجابة عن هذا التساؤل، تعتمد الورقة مقاربة تحليلية تزاوج بين أطر علم النفس السياسي ونظريات التسويق والتمثيل السياسي.

تأثير القادة في تشكيل الاختيارات الانتخابية

في الديمقراطية التمثيلية، يخضع السلوك الانتخابي لعدة محددات، أبرزها السياق المؤسسي والسياسي الذي تجري فيه الانتخابات، وكذا البيئة الانتخابية، إلى جانب الثقافة السياسية للناخبين. وتشكِّل الأحزاب ومرشحوها جوهر اختيارات الناخبين، التي غالبًا ما تُصوَّر على أنها تفضيلات لبرامج سياسية؛ لكنهم، في الحقيقة، يختارون صانعي السياسات لا السياسات، لأن تغييرها بالانتخابات ليس سوى تغيير لصانعيها؛ إذ يتوقع الناخبون أن يتبعَ تغييرَ القيادة تغييرٌ في السياسات. وهكذا يبرز التناقض الظاهري للانتخابات بين منح تفويض التمثيل والحكم للمؤسسات والأحزاب، من جهة، والزيادة المفترضة في أهمية الأفراد وقادة الأحزاب في التصويت، من جهة أخرى.

وقد أسهمت كثافة التغطيات الإعلامية في إضفاء الطابع الشخصي على السياسة، وأصبحت السياسات متمحورة حول القادة؛ وبالتالي "صار السياسيون الركيزة الأساسية للتفسير والتقييم في الساحة السياسية"(1). وهكذا ازداد تأثير تقييم القادة في اختيارات الناخبين؛ إذ أخذت نتائج الانتخابات تُحسم بناءً على جدارة الصفات القيادية المتصورة للأفراد، أكثر مما تحسمها جدارة البرامج السياسية التي يُفترض أن الأحزاب تمثلها بصورة أفضل من الأفراد.

تشير فرضية "رئاسة القيادة" (أو تحوُّل النظام الحزبي إلى نمط شبيه بالنظام الرئاسي) إلى أن قادة الأحزاب في الديمقراطيات البرلمانية باتوا يتمتعون بأهمية أكبر مما كانوا عليه في السابق. ونظرًا إلى أن الناخبين أصبحوا أكثر تعرضًا لصورة القادة وأقل تقيدًا بالروابط الحزبية، تبرز أهمية خاصة لفهم السمات التي يمتلكها القادة، والتي من شأنها تشكيل تقييمات الناخبين لهم والتأثير في خياراتهم الانتخابية(2).

وتُعدُّ القيادة الحزبية عاملًا تفسيريًّا قصير المدى لاختيارات الناخبين؛ وذلك لأنها مرتبطة بالتواصل خلال الانتخابات. ويُقصد بتأثير القائد، بوجه عام، "القيمة المضافة، من الناحية الانتخابية، التي يستطيع مرشح وطني معين جلبها لحزبه أو ائتلافه من خلال فاعلية صورته العامة"(3)، وذلك من خلال التصورات المعرفية التي يتشاركها معظم المواطنين عنه؛ إذ يختار الناخب ذلك الزعيم، أو الحزب، أو الائتلاف، بسبب ذلك الزعيم تحديدًا، الذي يتميز بتلك الصورة العامة السائدة.

وتشكِّل الكاريزما أساس الجاذبية الانتخابية للقائد، وهي لا تتحدد بصفاته الشخصية وحدها، وإنما كذلك بتصورات الناس عنه؛ إذ إن هذه العلاقة الكاريزمية هي، بالتحديد، ما يؤثر في نوايا التصويت لدى الناخبين. وفي هذا الإطار، تشير "أدبيات علم النفس السياسي إلى أن الأهمية النسبية لمختلف محددات التصويت تعتمد جزئيًّا على الناخبين أنفسهم، وتحديدًا على الطريقة التي يفهمون بها المشكلات العامة. لذا، من المرجح أن يكون تأثير الكاريزما المتصورة للمرشحين في تفضيلات التصويت كبيرًا بشكل خاص لدى الناخبين الذين يولون القادة أهميةً وتأثيرًا كبيرين، ويميلون إلى فهم المشكلات العامة من منظور أفعال القادة ونتائج قيادتهم"(4).

ولا يمكن فصل تأثير القادة عن تأثير الأحزاب التي يقودونها؛ لأن هذا التأثير ينجم عن وحدة متصوَّرة بين الحزب وقائده؛ فالناخبون يأخذون القادة في الاعتبار حينما ينظرون إليهم على أنهم تجسيد مناسب لأحزابهم. وهكذا، "في حالة التقييم السلبي للقادة، تتلاشى الآثار الإيجابية لتقييم الحزب، والعكس صحيح. كما يُتوقع أن يُعزِّز القادة الذين يُنظر إليهم على أنهم تجسيد لحزبهم جاذبية رسالة الحزب، بينما لا يُعزِّز القائد الذي لا يُعتبر مناسبًا هذا التأثير، بل قد يُقلِّل من الدعم للحزب"(5). ويبقى للتقييمات الإيجابية تأثير أكبر في قرار التصويت مقارنة بالتقييمات السلبية؛ إذ يوجد انحياز للإيجابية في عملية اتخاذ قرار التصويت(6).

السياسيون المشاهير وصناعة التأثير الانتخابي

تزايد تأثير القادة مع ظاهرة إضفاء الطابع المشاهيري على السياسة؛ إذ "لم يعد مفهوم المشاهير يقتصر على نجوم الرياضة فحسب، بل يشمل أيضًا كبار القادة السياسيين في الدول"(7). ويُطلق مصطلح "السياسيون المشاهير" على السياسيين البارزين الذين نجحوا في حشد التأييد في عصر الإعلام؛ ويعود ذلك إلى استغلالهم للهوس المعاصر بالترفيه(8).

وقد وسَّع جون ستريت (John Street) تعريف مصطلح "السياسي المشهور" ليشمل وصفًا أَعَمَّ للمسؤولين المنتخبين الذين يحتفظون بشخصياتهم الترفيهية(9). وفي هذا الإطار، يشير مصطلح "سياسة المشاهير"، عمومًا، إلى لجوء السياسيين إلى أساليب التواصل المرتبطة عادةً بالثقافة الشعبية، كالتسويق والترفيه، للتواصل مع الشباب(10).

فمن جهة أولى، يستخدم مشاهير السياسة أسلوب الترفيه، بوصفه فرعًا من فروع التواصل السياسي، لإثبات قدرتهم على التواصل مع عامة الناس. وبذلك، فالسياسي المشهور هو، أولًا، سياسي تمثيلي ينخرط في أداء أقرب إلى عالم الفن؛ لأنه يجسد مشاعر الجمهور إلى جانب تجسيده مشاعر الحزب أو الدولة؛ حيث تصبح السياسة سلسلة من العروض، ويصبح المواطنون متفرجين. وهو، ثانيًا، سياسي ترفيهي؛ لأن أداءه مُسلٍّ ينجذب الجمهور إلى مشاهدته.

ومن جهة ثانية، لا تستخدم السياسة ممارسات التسويق وأساليبه فحسب، بل إن السياسة هي التسويق بحدِّ ذاته. ومع رسوخ منطق التسويق، فإنه يشكِّل، بالضرورة، مفهوم "التمثيل": يسوِّق الممثلون أنفسهم لجمهورهم؛ فالأحزاب الناجحة تشبه رواد الأعمال الناجحين. وإذا كانت سياسة المشاهير شكلًا من أشكال التسويق، فإن السياسي المشهور يستخدم، ببساطة، أساليب التسويق؛ فإما أن يسوِّق لنفسه، وإما أن يروِّج لمنتج ما، سياسةً كان أو سياسيًّا(11). ووفقًا لـ"نظرية نقل المعنى" (أو نقل التأثير)، عندما يروِّج أحد المشاهير لمنتج ما، تنتقل سماته إلى ذلك المنتج. ويحدث التأثير بقدر ما يُعجب الناس بالمشهور وبما يمثله، ثم يُعجبون بالمنتج الذي يروِّج له؛ فالأشخاص الذين يُعجبون به، أي الذين يتعاطفون معه ويتقبلون توجيهاته، ينقلون صفاته إلى الحزب السياسي الذي يؤيده(12).

يكتسب السياسيون المشاهير شهرتهم من خلال مكانتهم السياسية، ولكن هذه الشهرة، بوصفها تقديرًا عامًّا، تظل مرتبطة باعتراف الآخرين وبكثافة الظهور الإعلامي؛ إذ إن ما يولِّد جاذبية السياسي المشهور هو الاستعراض والضجة الإعلامية. وفي هذا الإطار، تُعدُّ أشكال التواصل الرقمي الحديثة سمة بارزة في سياسة المشاهير؛ لأنها تنتج أسلوبًا سياسيًّا أكثر فردية وتخصيصًا. كما أن الاعتماد المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي يميل إلى تغيير المعايير التي يُحكم بها على السياسيين؛ لأنها تركز الانتباه على الأفراد وصفاتهم الإنسانية، فيصير التعاطف، بدلًا من المهارات القيادية، هو موضع التقدير. ولهذا، "فكما يوضح دريسينز (Olivier Driessens)، فإن الشهرة عملية لا تقتصر على الشخص الذي تحظى صفاته ومهاراته وجاذبيته باهتمام واسع النطاق فحسب، وإنما تمتد إلى التنافس مع منافسين آخرين للحصول على تغطية إعلامية متكررة وجمهور متفاعل"(13).

لقد بات المحتوى المرئي عنصرًا أساسيًّا في ترسانة التواصل السياسي الرقمي والتعبئة والإقناع لدى الفاعلين السياسيين. ومن هنا، صار الدعم الانتخابي يتأثر، بشكل متزايد، بمشاعر الجمهور تجاه قادة الأحزاب؛ وهو، في جوهره، دعم عاطفي يستند إلى تقييم الناخبين لمشاعرهم تجاه السياسيين، بناءً على ما يفعله هؤلاء وكيف يتصرفون. وتوفر منصات التواصل الاجتماعي للمواطنين الشباب فرصًا فعَّالة لإجراء تقييمات شخصية للسياسيين، كما يعتمدون عليها للحصول على المعلومات السياسية. وبدرجة لا تقل أهمية، توفر هذه المنصات الإلكترونية للسياسيين ظروفًا جديدة لتعديل تواصلهم السياسي بطرق تُظهر تقاربًا أكبر مع تجارب الشباب المعاصر.

إن للسياسيين المشاهير قيمة انتخابية كبيرة؛ إذ يمتلكون قوة إيجابية قادرة على تعزيز اهتمام الناخبين وشعورهم بالقدرة على التأثير في العملية السياسية. كما يمكنهم تنشيط الحملات الانتخابية واستقطاب الذكاء العاطفي لدى الناخبين الساخطين، فضلًا عن أن الناس يستخدمون المعلومات المتعلقة بتأييد مشاهير السياسة في تقييمهم للأحزاب السياسية.

وفي ظل نفاذية الحدود بين المجال السياسي، حيث تُنتج السياسة؛ والمجال العام، حيث تُستهلك السياسة؛ والمجال الخاص، الممهور بصعود السياسة الشخصية؛ يبدو أن المواطنين الذين يواجهون قرار اختيار ممثليهم صاروا يفعلون ذلك بناءً على عوامل أخرى غير تماسك السياسات، أو البراعة السياسية، أو الاتساق الأيديولوجي. وقد تكون الأولوية لشخصيات السياسيين الأفراد وأدائهم، ولاسيما قادة الأحزاب في الحملات الانتخابية؛ فيتحول التصويت إلى فعل تعبيري "يُفهَم على أنه يُمكِّن الناخب من التماهي مع السياسيين والبحث عما يجده، أي الناخب، جذابًا سياسيًّا"(14).

بنكيران: كاريزما الزعيم وصناعة الشهرة السياسية

يوجد جمع من السياسيين المغاربة المشهورين، لكن بنكيران، السياسي الذي يُعرف بسهولة باسمه الأول، هو الأشهر من بينهم؛ ففي مقابل الطبيعة المختلقة والمصطنعة لشهرتهم، تبقى شهرته أكثر أصالة؛ إذ يميِّزه حضوره العام، بشكل واضح، عن غيره من السياسيين. فكيف استطاع، على نحو متناقض، أن يحقق شهرة واسعة، رغم أن خلفيته تتوافق، إلى حدٍّ كبير، مع خلفيات معظم السياسيين النخبويين؟ الجواب، ببساطة، هو أنه لا يقيم النوع نفسه من العلاقة السياسية مع المواطنين الذي يقيمه باقي السياسيين المشهورين؛ وأحد أبرز العوامل في ذلك هو نوع التواصل السياسي الذي يقدمه.

إنه شخصية فريدة من نوعها، ونقيض للصورة النمطية للسياسي المثالي المنمَّق؛ فشهرته حاضرة في جميع جوانب أسلوبه في التواصل السياسي، الذي يعتمد على أدوات مختلفة تجمع بين البعد العقلاني، ولاسيما خطابه السياسي، والبعد غير العقلاني الذي يُقرُّ بالعاطفة.

ويكمن سِرُّ شعبيته الحاشدة في كونه، في نظر أتباعه، صريحًا للغاية. فهو، أولًا، صريح في أغلب مواقفه، وحتى عندما يعوزه السياق في بعض الأحيان، فإنه يترك لمتابعيه تلميحات مثيرة للاهتمام حول بعض مواقفه الغامضة. وفضلًا عن ذلك، تنبع شهرة بنكيران من قدرته على التفاعل مع المواقف العفوية؛ إذ يبدو أكثر ارتياحًا عند الظهور العلني الذي يبدو عفويًّا. وقد تتشكل صورته العفوية من خلال زلَّاته الخطابية؛ لأنها، بقدر ما تثير الجدل حوله، تُعدُّ أساسية لمصداقيته الظاهرة؛ ذلك أنه، حتى وإن كان يدلي بتصريحات غريبة أو غير موفقة في بعض الأحيان، فإن الجمهور يشيد بها لصدقها، لا لجرأتها، ما دام الوضع الهيكلي لخرجات بنكيران يبقيها في حدود "المساحة المرخصة للتجاوز"، التي لا يمكن أن تمتد إلى ما وراء الخطوط المرسومة.

ولإظهار الجوانب العاطفية لحياته السياسية، يوظف بنكيران، في تجمعاته الخطابية، نداءات ضعفه العاطفي من خلال الظهور بمظهر أكثر إنسانية، مثل إجهاشه بالبكاء أكثر من مرة. وفي الإطار نفسه، دأب، في خرجاته المتواترة على مواقع التواصل الاجتماعي، على استخدام مشاهد منزلية صريحة، حتى يبدو أكثر قربًا من الناس. ولذلك، ينشط في التواصل المباشر مع الجماهير بطرق شخصية للغاية؛ إذ "تُعدُّ بساطة الصور السياسية عاملًا أساسيًّا؛ فهي تجعلها أكثر قابلية للفهم العاطفي والفكري لدى جمهورها المستهدف"(15).

إن ما يجعل الخطاب السياسي لبنكيران مؤثرًا هو كيفية بنائه علاقة وثيقة مع الجمهور، تكاد تكون شخصية وعاطفية، بدلًا من الظهور بمظهر استثنائي، كخطيب يلهج بخطاب سياسي تقليدي. ولذلك، غالبًا ما يركز خطابه على تجربته الشخصية والعاطفية بوصفه سياسيًّا. ويتمثل نهجه الرئيس في تعزيز شهرته من خلال الظهور العلني غير التقليدي، والعفوي، وغير المنظم؛ ولهذا أثبت أنه شخصية سياسية جديرة بالتغطية الإعلامية. غير أنه، من خلال تعريض نفسه، بشكل أكبر، لوسائل الإعلام، أصبح، على الأرجح، أكثر عرضة للانتقاد.

يُعرف بنكيران بصعوبة فهمه، ويصعب التنبؤ بتصرفاته؛ بل عُرف بعدم ثباته السياسي؛ إذ غيَّر موقفه في بعض القضايا، مثل تراجعه عن مواجهة الفساد حينما كان رئيسًا للحكومة، وعن تقديم استقالته إذا فشل في الإصلاح؛ ولذلك وُصِم بعار التناقض والتخلي عن وعوده. ومع ذلك، فهو معروف لدى الجميع ومحبوب لدى قطاعات واسعة من الجمهور، ومهما أثار من جدل، فإن ذلك لا ينال من سمعته؛ فعلى الرغم من إساءته إلى المرأة في بعض خرجاته، تستمر النساء في نصرته في المهرجانات الخطابية، ويحصد حزبه أصواتهن بكثافة.

وبوصفه إسلاميًّا، أنقذت روح الدعابة بنكيران من الظهور بمظهر ديني متشدد؛ فهو سياسي مرح، ومن خلال حسِّه الفكاهي، وبدلًا من أن يبدو قاسيًا ومتغطرسًا، أو جادًّا ومنعزلًا عن الجمهور، كباقي قادة الأحزاب السياسية، يعرف كيف يكسب ود الناس. ولذلك، يُنسب إليه الفضل في إدخال حزبه إلى عصر السياسة الجماهيرية. حتى إنه يستخدم أسلوب السخرية من الذات وسيلةً لإقامة تواصل عاطفي مع الجمهور. ولذلك، فهو يتجنب دور السياسي التقليدي، ويحافظ، بدلًا من ذلك، على شخصيته الفنية من خلال نموذج السياسي المسلي؛ إذ يمارس التمثيل السياسي بوصفه فعلًا ثقافيًّا يسعى إلى تحقيق شكل من أشكال الجاذبية السياسية من خلال إيماءات الثقافة الشعبية وصورها. إنه فنان تواصل؛ ولهذا، فهو ليس أذكى رجال السياسة المغاربة، وإنما أكثرهم دهاءً.

وحتى مع تقدمه في العمر، يظل بنكيران شخصية طموحة للغاية؛ فلم يستسلم قط لرغبة خصومه في تدمير مسيرته السياسية. ولهذا، فيما يتعلق بالتواصل الانتخابي لحزبه، لديه رغبة جامحة في القيام بكل شيء بمفرده؛ إذ يروِّج لنفسه بجنون، في إطار نوع من الغرور المدبَّر، في محاولة لاستقطاب الناخبين من خلال تقديم نفسه بوصفه زعيمًا ملهمًا يكسر القوالب النمطية، بل يخرج عن المألوف، ويوفر بديلًا أصيلًا لقيادة الحكومة المقبلة، تمامًا مثلما أنقذ البلاد في أوقات الاضطرابات السياسية بعد الربيع العربي. فإلى أي حدٍّ يمكن أن يكون كما يبدو أنه يعتقد؟

بنكيران ورهان استعادة المكانة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية

في ظل طبيعة النظام السياسي المغربي القائم على الشخصنة، لا يمكن فصل التصويت الممنوح لحزب عن الدعم الممنوح لزعيمه؛ إذ إن "من أبرز الحجج التي تدعم فرضية تزايد شخصنة السياسة في عملية التصويت التغيرات التي طرأت على الحملات الانتخابية، نتيجةً لدور وسائل الإعلام الجماهيرية التي باتت تركز على الأشخاص أكثر من أي وقت مضى. وتتعلق حجة أخرى بدور الشخصيات السياسية بوصفها مؤشرات أو اختصارات في عملية تكوين الرأي لدى الناخبين، في عالم سياسي يزداد تعقيدًا؛ حيث بات من الصعب، أكثر فأكثر، ملاحظة الاختلافات بين الأحزاب وبرامجها الانتخابية دون الرجوع إلى الشخصيات السياسية"(16).

وبينما يخوض مرشحو حزب العدالة والتنمية الحملة الانتخابية، كلٌّ في دائرة ترشيحه المحلية، فإن بنكيران، قائد الحزب، يخوضها على المستوى الوطني، في المهرجانات الخطابية التي يؤطِّرها متنقلًا بين ربوع البلاد؛ إذ إنه ليس مجرد أداة التواصل السياسي الشامل للحزب، وإنما النجم الذي يمكن أن يقود فريق الحزب التنافسي إلى الفوز في المباراة الانتخابية، من خلال استجابة الناخبين لتأثير خطابه الانتخابي.

ويرتكز هذا التأثير على كون بنكيران يخوض حملة انتخابية عاطفية؛ لأنه يعي أن الناخبين المغاربة، في مجملهم، غير عقلانيين في اختياراتهم. وأمام ضعف الروابط بينهم وبين الأحزاب، يعمد بنكيران إلى تعزيز ظهوره الإعلامي خلال الحملة الانتخابية، بما يهيئ هؤلاء الناخبين لتوجيه أنظارهم نحوه؛ مما قد يدفعهم إلى تقييمه إيجابيًّا ومنح أصواتهم لحزبه. ذلك أنهم، باتخاذهم مثل هذا القرار، يعتمدون على التشابه الاجتماعي بينهم وبينه، بوصفه قائدًا يشبههم، ومثيرًا وممتعًا، وبوصفه كذلك "معيارًا للملاذ الأخير".

تُعدُّ الحملات العاطفية فعَّالة تجاه الناخبين من غير ذوي الوعي السياسي أو الانتماء الحزبي؛ لأن هؤلاء هدف مثالي للإقناع، الذي يكون له، مثلًا، تأثير تعويضي لدى غير المنتمين إلى أي حزب، في نطاق التقييمات الإيجابية، مقارنةً بمن ينتمون إليه. وفي هذا الإطار، يحشد بنكيران "حافز الحماس لتعزيز الميول المسبقة للناخبين الداعمين، فيما يخصص سلاح التخويف لإقناع الناخبين المترددين بفصلهم عن ميولهم المسبقة"(17).

ويتزايد احتمال تأثير بنكيران في السلوك التصويتي الفعلي للناخبين المغاربة في اقتراع 23 سبتمبر/أيلول، في ظل المقارنة بين الأحزاب التي تخوض الانتخابات وقادتها؛ إذ إنه، في ظل تشابه البرامج الانتخابية للأحزاب، سينتقل الناخبون من تقييم الأحزاب إلى تقييم قادتها؛ حيث سيبدو لهم بنكيران، ومن خلاله حزبه، خيارًا حقيقيًّا، في مقابل تجاهل البدائل الأخرى. ذلك أنه "في الانتخابات التي تشير فيها بيانات البرامج الحزبية إلى منافسة حزبية أقل، تميل عادةً إلى إظهار تأثير أقوى نوعًا ما لقادة الأحزاب في الأصوات الانتخابية. وبناءً على ذلك، يمكن صياغة استنتاجنا بإيجاز شديد: حينما تتراجع أهمية الأحزاب، تزداد أهمية القادة"(18). فإذا كانت الاختلافات بين القادة كبيرة، فمن المتوقع أن تكون التأثيرات قوية؛ وإذا كانت صغيرة، فمن المتوقع أن تكون التأثيرات محدودة. وتعني الاختلافات الكبيرة أن أحد القادة أو الأحزاب أفضل بكثير من الآخر، أو أن الآخر أسوأ بكثير منه(19).

قد يعتبر البعض أن تحقيق حزب بنكيران تقدمًا في الانتخابات الجارية لا يمكن أن يتحقق في ظل مخاوف العزوف الانتخابي؛ ولكن الجواب المضاد يجد أساسه فيما ذهب إليه إيان ماكاليستر (Ian McAllister)، من أن تأثير شعبية القادة "لا يقتصر على اختيار الناخبين فحسب، بل يشمل أيضًا نسبة المشاركة؛ فقد أصبح القادة الآن مهمين، ليس فقط لكسب أصوات الناخبين، بل للتعبئة أيضًا، وهي الوظيفة الرئيسية للأحزاب السياسية تقليديًّا"(20). ومن ثم، يمكن أن يكون تأثير بنكيران المحتمل قناة لإعادة إشراك شرائح أوسع من السكان في العملية الانتخابية.

وقد يعتبر البعض الآخر أن تأثير تقييم الناخبين لبنكيران غير مؤكد في سياق الانتخابات الحالية؛ وذلك لأن حزب بنكيران خيَّب آمالهم في الولاية الحكومية 2016-2021، ولذلك عاقبوه في الانتخابات الأخيرة. وبالتالي، لا يمكن أن يجعلوه الفائز في الانتخابات الجديدة. لكن ينبغي استحضار أن ذلك حدث حينما كان سعد الدين العثماني قائد الحزب، في مقابل فوز الحزب مرتين في انتخابات سنتي 2011 و2016، حين كان بنكيران خلالهما زعيمًا للحزب. ومعنى ذلك أن بنكيران لا يتفوق على الأحزاب الأخرى وقادتها فحسب، بل يتفوق حتى على حزبه؛ إذ حينما يكون على رأس حزبه، يتغير تقييم هذا الحزب لصالح تقييم زعيمه، خاصة أن بنكيران أثبت أنه القائد المناسب لحزبه لقيادة الحكومة، ويُنسب إلى حكومته السابقة سجلٌّ أنجح من سجل الحكومة الحالية. وبذلك، أثبت أنه "مصدر المصداقية المجسدة، التي تكثف إدراك الجمهور لكفاءته ونزاهته وجدارته بالثقة واهتمامه بمصالح المواطنين وهمومهم"(21).

إن الناخبين سيربطون بين الأوضاع السياسية القائمة والائتلاف الحكومي الحالي، وستلفت انتباههم التطورات السلبية، من مشكلات وفضائح وكوارث شهدتها فترة هذه الحكومة، وستدفعهم، بالتالي، إلى إعادة النظر في تقييماتهم لأحزابها. ووفقًا لفرضية "التوجه نحو التكلفة"، سيكون دافعهم إلى تجنب الخسائر أقوى من دافعهم إلى تحقيق المكاسب. كما أن تقييم الناخبين لبنكيران، في علاقته بحزبه، سيكون مستقبليًّا، بالنظر إلى ما يمكن أن يتوقعوه منه، لا استرجاعيًّا لتجربة حكومة حزب العدالة والتنمية الأخيرة. "وهذا يتوافق مع قواعد داونز (Downs) الكلاسيكية لنهج المنفعة المتوقعة"(22).

لا يكتفي بنكيران، في الحملة الانتخابية، بالترويج السياسي لحزبه من خلال تقديم خطط إصلاحية قابلة للتنفيذ، بل يشمل خطابه الانتخابي تشتيت انتباه الناخبين عن الأحزاب المنافسة، وتصفية الحسابات، والهجوم، خصوصًا، على حزب التجمع الوطني للأحرار وزعيمه، رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، ثم حزب الأصالة والمعاصرة. وفي الوقت نفسه، دخل هذان الحزبان، المزاحمان لحزب بنكيران على صدارة نتائج الانتخابات، في حالة من التراشق وتبادل الاتهامات، بدلًا من الالتفات إلى موازنة التأييد المتصاعد لبنكيران، بالنظر إلى ارتفاع منسوب متابعة مهرجاناته الخطابية.

خاتمة

في نهاية المطاف، يجدر التأكيد أن صورة بنكيران، بوصفه زعيمًا سياسيًّا مشهورًا، لا يمكن إلا أن تكون مؤثرة في اختيارات الناخبين، وفق الأطر النظرية ذات الصلة؛ وهو ما سيترتب عليه، حتمًا، تقدم حزبه في ترتيب نتائج الانتخابات. أما إمكانية ارتقائه إلى المرتبة الأولى في إطار ذلك، فتظل احتمالًا عرضيًّا؛ لأنها تظل رهينة ببيئة الانتخابات، من حيث انفتاحها وتنافسيتها، وهو ما سيكشف عنه مستوى شفافية عملية التصويت.

ABOUT THE AUTHOR

References

(1) Balmas, M., & Sheafer, T. (2016, January 4). Personalization of politics, In: Gianpietro Mazzoleni and others (eds), The international encyclopedia of political communication, Vol.3, (U.K: Wiley Blackwell, 2016), p. 944.

(2) Richard Nadeau and Neil Nevitte, Leader Effects and the Impact of Leader Characteristics in Nine Countries, in: Kees Aarts, André Blais and Hermann Schmitt (eds), Political Leaders and Democratic Elections Edited, (Oxford: Oxford University Press, 2011), p. 128.

(3) Mauro Barisione, So, What Difference Do Leaders Make? Candidates’ Images and the “Conditionality” of Leader Effects on Voting, Journal of Elections, Public Opinion and Parties, Vol. 19, No. 4, November 2009, p. 474.

(4) Boas Shamir, Ideological Position, Leaders' Charisma, and Voting Preferences: Personal vs. Partisan Elections, Political Behavior, Vol. 16, No. 2, 1994, p. 268.

(5) Aiko Wagner and Bernhard Weßels, Parties and their Leaders. Does it matter how they match? The German General Elections 2009 in comparison, Electoral Studies, Vol. 31, No. 1, March 2012, p. 74.

(6) Kees Aarts and André Blais, Pull or Push? The Relative Impact of Positive and Negative Leader Evaluations on Vote Choice, In: Kees Aarts, André Blais and Hermann Schmitt (eds), Op Cit, p. 179.

(7) Jae-woong Yoo, Hyun-seon Lee, and Young-ju Jin, Effects of Celebrity Credibility on Country’s Reputation: A Comparison of an Olympic Star and a Political Leader, Corporate Reputation Review, Vol.21, 2018, p. 128.

(8) Matthew Wood, Jack Corbett, and Matthew Flinders, Just like us: Everyday celebrity politicians and the pursuit of popularity in an age of anti-politics, The British Journal of Politics and International Relations, Vol. 18, No. 3, 2016, p. 582.

(9) Stacey Frank Kanihan and Hyejoon Rim, Media use and political learning: Comparing Trump supporters to celebrity candidate voters, Atlantic Journal of Communication, Vol. 26, No. 4, 2018, p. 252.

(10) Brian D Loader, Ariadne Vromen, and Michael A Xenos, Performing for the young networked citizen? Celebrity politics, social networking and the political engagement of young people, Media Culture and Society, Vol. 38, No.3, April 2016, p. 5.

(11) John Street, Celebrity Politicians: Popular Culture and Political Representation, The British Journal of Politics and International Relations, Vol. 6, No. 4, 2004, p. 441.

(12) Anthony J. Nownes, An Experimental Investigation of the Effects of Celebrity Support for Political Parties in the United States, American Politics Research, Vol. 40, No.3, 2012, 479.

(13) Jane Arthurs and Sylvia Shaw, Celebrity capital in the political field: Russell Brand’s migration from stand-up comedy to Newsnight, Media Culture Society, Vol. 38, No.8, p. 1138.

(14) John Street, p. 443.

(15) W. Lance Bennett, News: The Politics of Illusions, (New York: Pearson, 2016), p. 109.

(16) Aiko Wagner and Bernhard Weßels, p. 72.

(17) Alessandro Nai & Jürgen Maier, The Wrath of Candidates. Drivers of Fear and Enthusiasm Appeals in Election Campaigns across the Globe, Journal of Political Marketing, Vol.23, No. 1, 2024, pp. 77-78.

(18) Sören Holmberg and Henrik Oscarsson Party Leader Effects on the Vote, Kees Aarts, André Blais and Hermann Schmitt (eds), Op Cit, p. 49.

(19) Aiko Wagner and Bernhard Weßels, p. 79.

(20) Ibid, p. 73.

(21) Sabine van Zuydama and Tamara Metzeb, Making political leaders king: Enacted credibility in times of elections, Vol. 7, No. 1+2-2016: Methods for Studies in Politics, Culture & Socialization, Vol. 7, No, 1+2, pp. 4-7.

(22) Mauro Barisione, p. 490.