مركز الجزيرة للدراسات يصدر كتابًا جديدًا عن الثقافة الإستراتيجية الإسرائيلية وتحولات الجدار الحديدي

13 October 2026
(الجزيرة)

صدر عن مركز الجزيرة للدراسات كتاب جديد للباحثة الجازي راشد الحسن السليطي، يتناول الثقافة الإستراتيجية الإسرائيلية وجذورها الفكرية والتاريخية، وتحولات العقيدة الأمنية الإسرائيلية في علاقتها بالقوة والردع والسلام، مع التركيز على اتفاقيات أبراهام وما أحدثته من تغيرات في شبكة العلاقات الإقليمية لإسرائيل، وصولًا إلى أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب التي أعقبتها، وانعكاساتها على التصورات الأمنية الإسرائيلية ومستقبل العلاقات العربية-الإسرائيلية.

وينطلق الكتاب من مفارقة أساسية تتمثل في اتساع شبكة العلاقات والتحالفات الإسرائيلية، وتنامي اندماج إسرائيل اقتصاديًّا وأمنيًّا في محيطها الإقليمي، بالتوازي مع استمرار اعتمادها على التفوق العسكري والردع والقوة في إدارة علاقاتها مع خصومها. ويسعى إلى تفسير هذه المفارقة من خلال دراسة الثقافة الإستراتيجية الإسرائيلية، والكشف عن مدى تأثرها بالتحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة، وما إذا كانت اتفاقيات السلام والتطبيع قد أحدثت تغييرًا جوهريًّا في تصور إسرائيل للأمن، أم أنها وفرت أدوات جديدة لتعزيز موقعها الإقليمي من دون المساس بالمرتكزات الأساسية لعقيدتها الأمنية.

ويتتبع الكتاب الجذور الفكرية لهذه الثقافة منذ نشأة المشروع الصهيوني، وما ارتبط به من تصورات حول الاضطهاد والشتات والسيادة وضرورة امتلاك القوة، وصولًا إلى بلورة زئيف جابوتنسكي، عام 1923، مفهوم "الجدار الحديدي"، الذي يقوم على فرض واقع من القوة والتفوق يجعل الخصوم يدركون عدم قدرتهم على تغييره، تمهيدًا للتفاوض من موقع القوة. ويبحث في كيفية استمرار هذا المنطق في التفكير الأمني الإسرائيلي، رغم اختلاف التيارات السياسية وتغير الحكومات وتبدل طبيعة التهديدات.

كما يناقش الكتاب تطور "عقيدة المحيط" التي اعتمدتها إسرائيل لكسر عزلتها الإقليمية من خلال بناء علاقات مع قوى غير عربية على أطراف المنطقة، وكيف انتقلت هذه الإستراتيجية تدريجيًّا إلى البحث عن شراكات داخل المحيط العربي نفسه. ومن هذه الزاوية، يضع الكتاب اتفاقيات أبراهام في سياق تاريخي أوسع، بوصفها تطورًا في أدوات السياسة الإقليمية الإسرائيلية، أتاح الانتقال من العلاقات المحدودة أو غير المعلنة إلى تعاون رسمي ومؤسسي مع عدد من الدول العربية.

ويولي الكتاب اهتمامًا خاصًّا لاتفاقياتِ أبراهام التي بدأت بتوقيع اتفاقيتي تطبيع العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين، في سبتمبر/أيلول 2020، ثم انضم المغرب والسودان إلى مسار التطبيع. ويتناول الظروف الإقليمية والدولية التي ساعدت على إبرام هذه الاتفاقيات، وفي مقدمتها تقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية، والمخاوف المرتبطة بإيران، وفرص التعاون في مجالات التكنولوجيا والاستثمار والتجارة والطاقة، فضلًا عن دور الولايات المتحدة في دعم هذا المسار.

ويبحث في النتائج التي ترتبت على الاتفاقيات، ولاسيما توسيع المجال الدبلوماسي والاقتصادي والأمني لإسرائيل، وتعزيز حضورها في منطقة الخليج والبحر الأحمر وشمال إفريقيا، وإتاحة فرص جديدة للتنسيق وتبادل المعلومات والتعاون التكنولوجي. كما يتناول حدود هذا الاندماج، في ظل اختلاف أولويات الدول الموقِّعة وتباين تصوراتها للتهديدات الإقليمية، وعدم تشكُّل منظومة أمنية موحدة تجمعها بإسرائيل.

وفي هذا السياق، يقدم الكتاب مفهوم "السلام الوظيفي" لتفسير طبيعة العلاقات التي أفرزتها اتفاقيات أبراهام، بوصفه نمطًا من السلام يقوم على المصالح المتبادلة والتعاون الاقتصادي والدبلوماسي والأمني، من دون أن يستلزم بالضرورة مصالحة تاريخية أو تحولًا عميقًا في تصورات الأطراف بعضها تجاه بعض. ويرى أن هذا النمط مكَّن إسرائيل من توسيع علاقاتها الإقليمية، مع الاحتفاظ بالتفوق العسكري والتكنولوجي بوصفه أحد أهم ضمانات أمنها.

ويتوقف الكتاب عند موقع القضية الفلسطينية في هذا التحول، موضحًا أن اتفاقيات أبراهام أتاحت إقامة علاقات عربية-إسرائيلية واسعة من دون اشتراط تسوية الصراع الفلسطيني مسبقًا، وهو ما مثَّل تغيرًا مهمًّا في ترتيب أولويات العلاقات الإقليمية. لكنه يناقش في الوقت نفسه حدود إمكان الفصل بين الاندماج الإسرائيلي في المنطقة واستمرار الاحتلال والصراع الفلسطيني، ومدى قدرة العلاقات القائمة على المصالح الحكومية والمؤسسية على الصمود أمام الأزمات السياسية والعسكرية.

ويخصص الكتاب مساحة لتحليل التحولات التي طرأت على مفهوم الردع الإسرائيلي، مع انتقال المواجهة من الحروب التقليدية بين الجيوش النظامية إلى الصراعات مع الفواعل غير الدولتية، وما استتبعه ذلك من تغير في أدوات القتال والاستخبارات والإنذار والدفاع والتكنولوجيا العسكرية. ويتناول كيفية تكيُّف العقيدة الأمنية الإسرائيلية مع هذه التحولات، واستمرار حضور افتراضات التفوق والقوة وحرية العمل العسكري في إدارة التهديدات.

وفي ضوء ذلك، يدرس الكتاب أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب الإسرائيلية على غزة بوصفهما اختبارًا حاسمًا لافتراضات الردع والاحتواء، وما كشفته تلك الأحداث من إخفاقات في التقدير السياسي والاستخباري والاستعداد العسكري، وحدود الاعتماد على التفوق التكنولوجي والحواجز الأمنية في مواجهة التهديدات. كما يناقش الاستجابة الإسرائيلية للحرب، ومدى تعبيرها عن مراجعة للعقيدة الأمنية أو إعادة تأكيد مركزية القوة واستعادة الردع.

ويتناول الكتاب كذلك انعكاسات الحرب على اتفاقيات أبراهام ومستقبل التطبيع، في ضوء استمرار معظم العلاقات الرسمية بين إسرائيل والدول الموقِّعة، مقابل تراجع بعض مظاهر التقارب وصعوبة توسيع دائرة التطبيع، وعودة القضية الفلسطينية إلى موقع أكثر حضورًا في النقاشات الإقليمية. ويبحث في دلالة هذا التباين بين قدرة العلاقات المؤسسية على الاستمرار وحدود تحولها إلى سلام اجتماعي وسياسي أوسع.

وينتظم الكتاب في خمسة فصول مترابطة؛ يتناول أولها الجذور الفكرية للثقافة الإستراتيجية الصهيونية وعقيدة الجدار الحديدي وعقيدتي المحيط والأمن، فيما يتتبع الفصل الثاني اختبار هذه التصورات خلال الحروب العربية-الإسرائيلية وصولًا إلى اتفاقية السلام مع مصر. ويناقش الفصل الثالث تحولات الردع الإسرائيلي في مواجهة الفواعل غير الدولتية، بينما يركز الفصل الرابع على اتفاقيات أبراهام في سياق تطور عقيدة المحيط وموقع القضية الفلسطينية في العلاقات الإقليمية. أما الفصل الخامس، فيتناول أحداث السابع من أكتوبر والحرب التي أعقبتها، وتأثيرهما في افتراضات الأمن والردع والاحتواء.

ويعتمد الكتاب منهجًا يجمع بين التحليل التاريخي ودراسة الثقافة الإستراتيجية وتحليل الخطابات والوثائق والمصادر الإسرائيلية الأولية، بما فيها كتابات تيودور هرتزل وزئيف جابوتنسكي، وخطابات القادة السياسيين والعسكريين ومذكراتهم، ووثائق الجيش والكنيست، والدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث الأمنية الإسرائيلية. ويولي عناية خاصة للمصادر العبرية التي تولَّت المؤلِّفة ترجمتها مباشرة إلى العربية، بما يتيح المقارنة بين الخطاب الإسرائيلي الداخلي والخطاب الموجه إلى الجمهور الدولي، إلى جانب الاستفادة من الدراسات الأكاديمية العربية والأجنبية.

ويخلص الكتاب إلى أن اتفاقيات أبراهام أحدثت تحولًا حقيقيًّا في موقع إسرائيل داخل الإقليم، ووسَّعت قدرتها على بناء الشراكات وتعزيز المصالح الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية، لكنها لم تُحدث تحولًا مماثلًا في الثقافة الإستراتيجية التي تحكم تصورها للقوة والسلام. فقد تغيرت خريطة العلاقات والتحالفات، واتسعت أدوات التأثير الإسرائيلية، بينما بقي التفوق العسكري والردع عنصرين مركزيين في التفكير الأمني.

ويؤكد الكتاب أن مستقبل هذا النمط من السلام سيظل مرتبطًا بقدرته على تجاوز إدارة المصالح المشتركة إلى بناء علاقات إقليمية أكثر استقرارًا، وبمدى إمكان تحقيق هذا الاستقرار في ظل استمرار الصراع الفلسطيني من دون تسوية. ومن ثم، فإن اتفاقيات أبراهام، وفق الأطروحة التي يقدمها الكتاب، تمثل صيغة متطورة من "الجدار الحديدي" تستوعب الدبلوماسية والاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات، أكثر مما تمثل خروجًا من منطقه التاريخي.

يُذكر أن مؤلفة الكتاب، الجازي راشد الحسن السليطي، باحثة متخصصة في الدراسات الأمنية والشأن الإسرائيلي، حاصلة على درجة الماجستير في الدراسات الأمنية النقدية من معهد الدوحة للدراسات العليا في قطر. وتتركز اهتماماتها البحثية في الثقافة الإستراتيجية الإسرائيلية وسياسات الردع والعقائد الأمنية ودور السرديات في تشكيل إدراك التهديد والعلاقات الإقليمية.

يمكن قراءة الكتاب أو تحميله عبر (هذا الرابط).