الفلسطينيون في إسرائيل: كلما ازدادت قوتهم زاد خطاب الكراهية تجاههم

تزعم هذه الورقة أن النظام الإسرائيلي غيَّر أدواته الاستعمارية في التعامل مع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، من التغييب والاحتواء، إلى الاستحضار والإقصاء. لا يعني الاحتواء الدمج أو الاندماج أو المشاركة، بل تعميق السيطرة والتحكم بالتطور السياسي للفلسطينيين دون جعلهم عاملًا حاضرًا "وصاخبًا" في المشهد السياسي، ويتمثل الاحتواء في هيمنة إدارة الأجهزة الأمنية لشؤونهم، بما يشكِّلون قضية أمنية.
(الجزيرة)

تتعمق المقاربة الأكاديمية في العلوم السياسية والاجتماعية في توصيف إسرائيل نظامًا استعماريًّا استيطانيًّا. لم تنحصر السياسات الاستعمارية على الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال منذ العام 1967 فحسب بل على المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل أيضًا. ينطلق النظام الاستعماري الاستيطاني، حسب باتريك وولف، من محو السكان الأصليين، واستبدال المستعمرين الوافدين بهم، وقد يكون المحو سياسيًّا، أو ثقافيًّا أو جسديًّا. يغيِّر النظام الاستعماري من أدواته من أجل تحقيق أهدافه الاستعمارية من تقليص الحيز الجغرافي للسكان الأصليين، ومحو ثقافتهم وهويتهم الفردية والجماعية، ومنعهم من النضال ضد السياسات الاستعمارية. تزعم هذه الورقة أن النظام الإسرائيلي غيَّر أدواته الاستعمارية في التعامل مع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، من التغييب والاحتواء، إلى الاستحضار والإقصاء. لا يعني الاحتواء الدمج أو الاندماج أو المشاركة، بل تعميق السيطرة والتحكم بالتطور السياسي للفلسطينيين دون جعلهم عاملًا حاضرًا "وصاخبًا" في المشهد السياسي، ويتمثل الاحتواء في هيمنة إدارة الأجهزة الأمنية لشؤونهم، بما يشكِّلون قضية أمنية.

أما سياسات الإقصاء فإنها تتعامل معهم على أنهم خطر سياسي وعامل مؤثر لا يمكن تجاهله أو احتواؤه بل يجب استحضاره بقوة في المشهد والتحريض عليهم والتعامل معهم بوصفهم مجموعة واحدة عدائية.

تغييب الفلسطيني في إسرائيل وخطاب الاحتواء اليهودي

اعتمدت إسرائيل سياسات استعمارية في التعامل مع الفلسطينيين في إسرائيل منذ تأسيسها، وكانت سياسات الرقابة والضبط والسيطرة هي الأدوات الناظمة للسياسات والقرارات الحكومية تجاههم، كما أشار إلى ذلك أيان لوستك في كتابه "العرب في الدولة اليهودية"(1). مارست إسرائيل أشد أنواع الضبط والسيطرة على الفلسطينيين، بفرض الحكم العسكري عليهم (1948-1968)، وذلك على الرغم من منحهم الجنسية الإسرائيلية، ومكانتهم القانونية كمواطنين في دولة إسرائيل(2)، مرورًا باتباع سياسات الإقصاء ومصادرة الأراضي، والملاحقة السياسية، والتمييز في جميع مناحي الحياة، وبناء منظومة استعمارية من التمييز المبني على القانون، وعلى السياسات الحكومية، والممارسات البيروقراطية.

نفَّذت إسرائيل سياساتها الاستعمارية ضد الفلسطينيين في إسرائيل (مواطنيها) من خلال تغييبهم، فحتى يوم الأرض في 30 مارس/آذار 1976، كان الفلسطينيين عاملًا مُغيَّبًا وسلبيًّا، يتلقى السياسات الاستعمارية والتمييز بهدوء نسبيًّا، وكانت الأقلية القومية العربية في إسرائيل، كما وصفها موشيه ديان، واحدة من أكثر المجموعات هدوءًا في العالم، بالمقارنة مع أقليات أو مجموعات قومية أخرى عايشت نفس الظروف والسياقات التاريخية وربما أقل(3).

كان يوم الأرض في 30 مارس/آذار 1976 التحدي الجماعي الأبرز للسياسات الاستعمارية، وليس صدفة أن يأتي على خلفية المصادقة على خطة حكومية لمصادرة أراض في منطقة الجليل، عبَّر يوم الأرض عن تبلور وعي جماعي ومجتمع واع بقوته وواثق بحقوقه. صادرت إسرائيل منذ العام 1948 وحتى نهاية الستينات ملايين الدونمات سواء كانت للاجئين الفلسطينيين أو حتى للفلسطينيين الذي بقوا في وطنهم مواطنين في دولة إسرائيل. ومع ذلك فمصادرة ملايين الدونمات في العقود الثلاثة إلا نيِّفًا الأولى، لم تدفع تحرك الفلسطينيين جماعيًّا، في حين مصادرة بضعة آلاف من الدونمات في العام 1975-1976 حرَّكت الفلسطينيين بفعل احتجاجي جماعي شامل في جميع مناطق وجودهم داخل إسرائيل-الجليل، والمثلث والنقب والمدن الساحلية.

لم يكسر يوم الأرض حالة الصمت والاستكانة الفلسطينية على السياسات الاستعمارية، ومحاولة تغييبهم والسيطرة عليهم فحسب، بل زاد شعور الثقة الجماعية بالقدرة على التنظيم السياسي الجماعي، والقدرة على مواجهة سياسات السلطة وتغييرها. تبنَّت إسرائيل في هذه المرحلة خطابًا احتوائيًّا للفلسطينيين، رافقه خطاب ودود تجاههم دون تجريمهم جماعيًّا. هذه الفجوة بين الخطاب "الودود" تجاه الفلسطينيين وسياسات الاستعمار ضدهم، أنتجت خطابًا سياسيًّا في مركز المشهد السياسي اليهودي، يتمثل في المركبات التالية:

أولًا: الاعتراف بوجود التمييز ضدهم في جميع مناحي الحياة، ولكن هذا التمييز المتراكم لعقود ناتج عن سياسات تمييزية، وليس بنيوية، ويحتاج إلى معالجة طويلة من أجل الوصول لحالة من المساواة بين اليهود والفلسطينيين في إسرائيل. كان هذا التبرير محاولة للهروب من تحقيق المساواة بحسب منطق الخطاب الإسرائيلي الصهيوني المهيمن. لم يُنكر الخطاب السياسي اليهودي وجود تمييز ضد العرب، بل على العكس، كان الاعتراف بوجود التمييز يمثل حالة من الانتماء للمنظومة الليبرالية التي بدأت تتشكل في سنوات الثمانينات، وظهرت في القضاء، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني، وحركات سياسية ليبرالية.

فرَّق الخطاب الإسرائيلي بين التمييز بصفته ممارسات حكومية أو بيروقراطية والتمييز النابع من تعريف إسرائيل دولةً يهودية؛ حيث اعترف بالنوع الأول من التمييز وأنكر الثاني، معتبرًا ألا تناقض بين تعريف إسرائيل دولةً يهودية وديمقراطية وبين المساواة لجميع المواطنين، وأن التمييز هو نتاج سياسات وليس بنية قانونية أو أيديولوجية نابعة من طبيعة تعريف الدولة. لذلك يمكن تفسير الاعتراف بوجود التمييز، وحتى بوجود عنصرية، وإن كان الأول أكثر حضورًا في الخطاب الإسرائيلي، بمحاولة تأطيره على أنه حالة طبيعية تحدث تجاه أقليات كما هو في الدولة التي فيها أقليات، وليس نابعًا من بنية استعمارية استوطنت بنية الدولة وهويتها وسياساتها.

ثانيًا: يوجد فرق بين القيادة العربية وبين المجتمع العربي، فالمجتمع العربي معتدل، منفتح، يرغب في الاندماج، بينما قيادته العربية راديكالية، وتهتم بالشؤون الوطنية أكثر من الشؤون المدنية الخاصة بالمجتمع العربي، ولذلك لا يصوِّت أغلب العرب للقوائم العربية. لم ينزع الخطاب السياسي الشرعية عن القيادة العربية بشكل كامل، منذ العام 1948 وحتى العام 1999. كان هناك طلبان بشطب قوائم عربية من التنافس في الكنيست، صادقت المحكمة على واحد منهما، عندما تم شطب القائمة العربية الاشتراكية، وهي امتداد لحركة الأرض، وحدث ذلك في فترة الحكم العسكري، ومُنعت القائمة من التنافس في انتخابات الكنيست، عام 1965، والمحاولة الثانية كانت في العام 1984، عندما شطبت لجنة الانتخابات المركزية القائمة التقدمية برئاسة المحامي محمد ميعاري، ولكن المحكمة ألغت الشطب. على المستوى العمل السياسي الداخلي لم يتم إخراج أي حزب سياسي عربي عن القانون أو حظره بسبب نشاطه السياسي، ولكن ذلك لم يغيِّب سياسة التحريض، ووصف بعض الأحزاب القوائم العربية بأنها راديكالية "وقومجية" وغيرها من المسميات.

ثالثًا: التعامل مع الفلسطينيين بوصفهم مجموعات متفرقة طائفيًّا (مسلم-مسيحي-درزي)، وحسب نمط الحياة (بدو مقابل فلاحين)، أو التعامل معهم كقطاع (Sector) في أحسن الأحوال. لم تعترف إسرائيل بالعرب بوصفهم مجموعة قومية، ولا بوصفهم جزءًا من الشعب الفلسطيني، وبقي الخطاب السياسي الإسرائيلي يتعامل مع كلمة "عربي" كوصف وليس هُوية أو ثقافة، وانحصرت الأخيرة في الفلكلور الذي يُكرِّس صورة العربي فلكلوريًّا دون ربطه (أي الفلكلور) مع الثقافة العربية والإسلامية الأوسع، فتحول بدوره إلى التعبير الوحيد للثقافة، مثل لباس الفلاح أو البدوي الفلسطيني، والطعام العربي، والرقصات العربية (الدبكة)، وأدوات البيت الفلسطيني وغيرها. تجلى إنكار الفلسطيني في إسرائيل حتى في المصطلحات التي كانت تستعملها دائرة الإحصاء المركزية، فحتى سنوات الثمانينات كانت المعطيات عن الفلسطينيين تُعرض تحت عنوان "غير اليهود"، وفي مرات تحت اسم "أبناء الأقليات"، ومنذ نهاية سنوات التسعينات بدأت الدائرة تتطرق للفلسطينيين ليس من خلال النفي والإخفاء بل من خلال حضورهم الاصطلاحي تحت أسماء "عرب" أو "السكان العرب".

استحضار الفلسطيني في إسرائيل وخطاب الإقصاء اليهودي

حتى منتصف التسعينات لم يكن هناك تأثير للفلسطينيين على المشهد الانتخابي الإسرائيلي، فكان قسم كبير منهم يصوِّت للأحزاب الصهيونية، فكان الصوت اليهودي هو المُحدد والعامل الأساسي في بلورة المشهد الانتخابي. في هذا الصدد وجب التفريق بين تأثيرهم على المشهد الانتخابي، وبين تأثيرهم على السياسات الحكومية والتشريعات البرلمانية، والذي ظل محدودًا جدًّا، ولم يتأثر كثيرًا بتزايد تأثيرهم على المشهد الانتخابي.

شكَّل اتفاق أوسلو اللحظة التاريخية الفارقة التي استحضرت الفلسطينيين بقوة في المشهد السياسي الإسرائيلي، وبدَّلت سياسات التغييب والخطاب الاحتوائي نحو سياسات الاستحضار وصعود الخطاب الإقصائي، والذي وصل ذروته بخطاب الكراهية في السنوات الأخيرة.

ارتبط اسم بنيامين نتنياهو مع سياسات الاستحضار والتحريض تجاه الفلسطينيين منذ التسعينات، وذلك في سياق قيادته المعارضة البرلمانية والسياسية لاتفاق أوسلو في فترة حكومة رابين (1992-1995)، والتي اعتمدت على تأييد القوائم العربية في المصادقة على اتفاقيات أوسلو. وصل تمثيل الفلسطينيين في الكنيست الـ13 (1992) إلى خمسة مقاعد، ثلاثة منها للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة برئاسة توفيق زياد، واثنين للحزب الديمقراطي العربي برئاسة عبد الوهاب دراوشة. أعقب تأييد رابين للتفاهمات مع منظمة التحرير الفلسطينية والتوصل لاتفاق أوسلو، انسحاب حركة "شاس" الدينية من الحكومة وبقيت حكومة رابين أقلية في الكنيست، لذلك اعتمدت على دعم القوائم العربية في الكنيست خلال التصويت للمصادقة على اتفاقيات أوسلو بدون إشراكها في الحكومة. أُطلق على القوائم العربية اسم "الكتلة المانعة"، التي منعت اليمين بقادة نتنياهو من إسقاط حكومة رابين بسبب الاتفاق مع منظمة التحرير الفلسطينية، وبمساعدتها أكمل رابين المسار السياسي مع منظمة التحرير، وهي الفرصة التي انقض فيها اليمين الإسرائيلي، لاسيَّما بنيامين نتنياهو، على حكومة رابين بسبب اعتماده على القوائم العربية.

في إحدى المظاهرات المناوئة لاتفاق أوسلو، صرَّح نتنياهو بأن الاتفاق أُقِرَّ بدعم "أغلبية غير صهيونية تشمل خمسة ممثلين للأحزاب العربية المتضامنة مع منظمة التحرير الفلسطينية"(4). ونزْع شرعية حكومة رابين في هذا السياق تحديدًا (أي توقيع اتفاق أوسلو) اعتمد على عدم شرعية الأحزاب العربية عمومًا في التأثير على السياسات في الدولة اليهودية. وكانت هذه الفكرة هي أحد الأسس التي قامت عليها المسوِّغات الدينية والسياسية التي دفعت يچئال عمير إلى اتخاذ القرار باغتيال رابين.

لم يكن حضور الفلسطينيين نابعًا من ازدياد تأثيرهم على المشهد الانتخابي فحسب، بل من نمو هذه المجموعة اقتصاديًّا، وتعليميًّا، وتوسع الطبقة الوسطى، وتعزيز قوة المجتمع المدني الفلسطيني، والتعددية الحزبية الكبيرة التي تشكَّلت منذ سنوات الثمانينات، وتكرست في التسعينات، والتي عبَّرت عن تعددية فكرية في المجتمع، وبداية انخراط الفلسطينيين في مؤسسات الدولة واقتصادها بشكل واسع ونوعي؛ مما جعل الفلسطينيين مجتمعًا قويًّا، واعيًا بذاته وهُويته وحقوقه، ومتحديًا للسياسات الإسرائيلية، وطارحًا التناقض بين تعريف إسرائيل بوصفها دولة يهودية وبين كونها ديمقراطية(5). وصلت ذروة قوة الفلسطينيين في انتفاضة القدس والأقصى، في أكتوبر/تشرين الأول عام 2000؛ حيث خرج الفلسطينيون للتظاهر ضد اقتحام شارون للمسجد الأقصى وتضامنًا مع حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية. خلال المواجهات التي استمرت أسبوعين، قتلت الشرطة الإسرائيلية 12 مواطنًا فلسطينيًّا، وأحد سكان قطاع غزة. عبَّرت هذه الانتفاضة، التي جاءت متزامنة مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، عن ذروة تطور الفلسطينيين في إسرائيل سياسيًّا، ووطنيًّا وحتى مدنيًّا. أنهى هذا الحدث عقد التسعينات، "عقد اللبرلة" السياسية والمدنية في إسرائيل، وبدأت مرحلة جديدة في العلاقة بين الفلسطينيين وبين الدولة، والتي برز فيها تكامل القوة الشعبية والبرلمانية معًا في صفوفهم.

في أعقاب هذه الفترة، ظهرت مؤشرات الاستحضار المكثف للفلسطينيين، عاملًا مؤثرًا، والذي رافقه تحريض على المجتمع وليس القيادة فقط، وبدء الملاحقة السياسية للقيادات والحركات السياسية، والتضييق على العمل السياسي، وبدء انتشار الجريمة في المجتمع الفلسطيني بتواطؤ من مؤسسات الدولة. ويمكن رصد أهم مؤشرات هذه المرحلة، بالتالي:

أولًا: بدء حملة تشريعات حثيثة منذ الألفية الجديدة تستهدف مكانة الفلسطينيين في إسرائيل، سياسيًّا، والتضييق على حرية التعبير والمشاركة السياسية. كانت بداية التشريعات بتشريع قانون المواطنة والدخول لإسرائيل، عام 2003، الذي يمنع المواطنين الفلسطينيين من الزواج من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة والسكن داخل إسرائيل. وصلت هذه التشريعات ذروتها في تشريع قانون أساس: إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي (قانون القومية)، في يوليو/تموز 2018. منذ الألفية الجديدة تم تشريع قوانين على نحو قانون منع لم الشمل، وقانون النكبة، الذي يمنع إحياء ذكرى النكبة في مؤسسات تابعة لوزارات حكومية، مثل قاعات تابعة للسلطات المحلية العربية، وقانون المقاطعة، الذي يجرِّم كلَّ من يشجع على مقاطعة إسرائيل، وقانون مكافحة الإرهاب الذي ضيَّق حدود العمل السياسي.

خلال دورتي الكنيست، الحالية (2023-2026) والسابقة (2021-2022)، جرى تشريع مجموعة من القوانين تستهدف مكانة الفلسطينيين. من بين تلك قانون إقالة المعلِّمين العرب الذي يخوِّل وزير التربية والتعليم منع تمويل مدارس فيها نشاطات داعمة أو مؤيِّدة للإرهاب، فضلًا عن أن مدير عام وزارة التعليم يستطيع إقالة معلِّم بدون جلسة استماع إذا تماهى أو نشَرَ موادَّ تتضمن تأييدًا لمنظمة إرهابية أو لأعمال إرهابية. وقانون "التعديل رقم 40 على قانون أساسيات الميزانية" المعروف بـِ "قانون النكبة" الذي يَحْرم المؤسَّسات العامة من تلقِّي التمويل إذا نظَّمت نشاطات لها صلة بالذاكرة الفلسطينية والنكبة الفلسطينية(6). لم تقتصر ملاحقة الفلسطينيين على القوانين فقط بل تجاوزتها إلى الإجراءات وجزء منها غير قانوني.

وتستهدف التشريعات على نحوٍ خاص مكانةَ الفلسطينيين في إسرائيل. في مايو/أيار 2023، برَّر وزير القضاء، ياريـﭫ ليـﭬـين، أهمية التغييرات الدستورية بقوله: "العرب يشترون شققًا في البلدات اليهودية في الجليل، وهذا يؤدي إلى مغادرة اليهود لهذه المدن، لأنهم غير مستعدين للسكن مع العرب. يجب أن نحرص أن يكون في المحكمة العليا قضاة يدركون ذلك"(7).

لم تكن التشريعات القانونية الجديدة هي الأولى ضد الفلسطينيين؛ فالبنْية القانونية الإسرائيلية في جوهرها تمييزية وعنصرية وظالمة للفلسطينيين، وفي مركزها قانون الجنسية، وقانون العودة، وقانون أملاك الغائبين وغيرها(8)، ولكنَّ تشريع قانون أساس: إسرائيل دولة الشعب اليهودي (قانون القومية)، في يوليو/تموز 2018، يُعد لحظةً فارقةً في تحديد مكانة الفلسطينيين دستوريًّا. ومع تشريع القانون، واعتباره ديباجة لدستور مستقبليٍّ في إسرائيل، فإن مدى تطبيقه يتعلق بتوجُّهات وتأويلات القضاة في المحكمة العليا، وهو بالضبط ما رمى إليه ليـﭬـين في الاقتباس السابق الذي أوردناه آنفًا، فتكريس مكانة الفلسطينيين الدونية يحتاج إلى لاعبَيْن: القانون والقاضي.

ثانيًا: مطالبات مكررة بشطب التمثيل العربي في الكنيست: تحول مطلب شطب القوائم أو المرشحين العرب إلى حالة مرافقة لكل دورة انتخابات؛ حيث تقدم قوائم، في الأغلب يمينية، طلبات بشطب مرشحين أو قوائم عرب للجنة الانتخابات المركزية، التي تصادق عليها، والتي تلغيها المحكمة العليا بعد ذلك، وتسمح للمرشحين العرب وقوائمهم بالمشاركة في الانتخابات. في العقدين ونصف الماضيين تم تقديم طلب عدة مرات لشطب التجمع الوطني الديمقراطي، والقائمة العربية الموحدة، ولكن لجنة الانتخابات لم تطالب ولا مرة بشطب جميع القوائم العربية المتنافسة باستثناء الشطب عشية الانتخابات 2026.

في قراءة لأوامر الشطب منذ الألفية الجديدة وقرارات المحكمة العليا، تشير إلى تراجع تدريجي للمحكمة العليا عن التزامها بعدم شطب مرشحين عرب، وأصبحت قرارات المحكمة تلغي شطب المرشحين ليس بالإجماع وإنما بالأغلبية. ففي قرار المحكمة العليا بإلغاء شطب المرشحة، هبة يزبك، من التجمع الوطني الديمقراطي، عشية انتخابات أبريل/نيسان 2020، أُلغي الشطب بأغلبية 5 قضاة مقابل 4 قضاة أيدوا شطبها من القائمة(9). أما بالنسبة إلى عضو الكنيست، عوفر كسيف، من القائمة المشتركة عشية انتخابات 2026، فصوَّت مع الإلغاء 7 قضاة، ومع الشطب قاضيين.

عشية انتخابات 2026، حدث أمران لم يكونا في السابق في تاريخ محاولات شطب قوائم أو مرشحين عرب: الأول في مصادقة لجنة الانتخابات المركزية على شطب جميع القوائم العربية في الانتخابات، وانسحاب المرشح سامي أبو شحادة من الانتخابات بسبب إعلان المحكمة أنها تتجه نحو المصادقة على شطبه إذا لم ينسحب من تلقاء نفسه.

ثالثًا: تصاعد في الملاحقة السياسية للقيادات والأحزاب السياسية العربية: فبعد الألفية الجديدة تم حظر الحركة الإسلامية برئاسة الشيخ رائد صلاح عام 2015، وتم توجيه لوائح اتهام ضد قيادات عربية بعضها انتهى بفرض عقوبة السجن على قسم منهم. لم يكن حظر الحركة الإسلامية أول حظر لحزب لحركة سياسية، فكما أشرنا آنفًا، تم حظر حركة الأرض في السابق، ولكن لا يُمكن تجاهل الفرق المتعلق بسياق الحظر، فحظر حركة الأرض تم في سياق الحكم العسكري على الفلسطينيين؛ مما سهَّل حظرها بوصفها جزءًا من حالة الحفاظ على الأمن في ظل قوانين الطوارئ في إطار الحكم العسكري. أما حظر الحركة الإسلامية، عام 2015، فحدث بقرار من وزير الدفاع الإسرائيلي بحسب صلاحياته في قوانين الطوارئ في سياق تطورت فيه المنظومة القانونية، والتشريعات الدستورية الليبرالية في سنوات التسعينات؛ مما يجعل حظر الحركة الإسلامية عملًا أكثر راديكالية من حظر حركة الأرض. 

خاتمة

تحولت كراهية الفلسطيني إلى برامج انتخابية في إسرائيل، فلم تعد شعورًا داخليًّا فحسب، بل انتقلت لتكون برامج انتخابية لأحزاب سياسية، وخطابًا سياسيًّا لقوائم انتخابية وسياسات حكومية. تحول خطاب الكراهية للفلسطيني إلى عامل أساسي في المشهد الانتخابي داخل إسرائيل، لم يعد خطاب الكراهية يفرق بين القيادة الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني كما كان خطاب الاحتواء يفعل في السابق، فالتحريض والكراهية يستهدفان المجتمع قبل القيادة، وتحول هذا الخطاب أداة مهمة في الحراك السياسي في إسرائيل في السنوات الأخيرة.

يُشكِّل نجاح حزب "قوة يهودية"، برئاسة إيتمار بن غفير، أهم تجليات خطاب الكراهية للفلسطينيين في إسرائيل، والذي بات يقلده العديد من الأحزاب والقيادات السياسية الإسرائيلية.

وتشير دراسة عن صعود "قوة يهودية" إلى أن "نجاح بِنْ غـﭬـير الانتخابي والسياسي، في أعقاب هبَّة الكرامة، في مايو/أيار 2021، كان نابعًا من إعادة إحياء الشعور العنصري وتحويله إلى حالة شرعية في صفوف قطاعات يهودية، وترجمته إلى خطاب وممارسات سياسية واضحة. أغلب هذه القطاعات يأتي من اليهود الشرقيين من الطبقات الاقتصادية الاجتماعية المتدنية، الذين منحهم بِنْ غـﭬـير الشعور بأنهم أسياد بالمعنى الشخصي للسيد، أسياد على الفلسطينيين، وعزَّز في أوساطهم الشعور بأن اليهودي الفرد هو سيد على الفلسطيني الفرد الأقل شأنًا منه من الناحية العِرْقية-الدينية، وشعور المجموعة اليهوديّة بأنهم أسياد على الفلسطينيين. يعني ذلك إعادة إنتاج معادلة "صاحب البيت" والضيف، بمفهومها الأساسي الرجعي القَرْوَسَطي، لا بمفهومها السياسي والقومي فقط"(10).

ABOUT THE AUTHOR

References
  1. إيان لوستك، العرب في الدولة اليهودية: سيطرة إسرائيل على أقلية قومية، حيفا: منشورات مفراش، 1985 [بالعبرية].
  2. يائير بويمل، ظل أزرق أبيض: سياسة المؤسسة الإسرائيلية وممارساتها في صفوف المواطنين العرب- السنوات المؤسسة 1958-1968، حيفا: منشورات برديس، 2007 [بالعبرية].
  3. محمد أمارة، كلمات مؤلمة، هآرتس، 7 مايو/أيار 2007 (تاريخ الدخول: 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026)، מלים כואבות - דעות
  4. يتسحاق غال-نور ودانا بلاندر، النظام السياسي في إسرائيل، الجزء الثاني، القدس: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 2013، ص938 [بالعبرية].
  5. للمزيد، انظر: مهند مصطفى وأسعد غانم، الفلسطينيون في إسرائيل: سياسات الأقلية الأصلية في الدولة الإثنية، رام الله: مدار- المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2009.
  6. للتوسُّع بشأن هذه القوانين وللاستزادة، بالإمكان العودة إلى "قاعدة معلومات القوانين التمييزيّة"، في موقع عدالة- المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل.
  7. ليـﭬـين، ميخائيل شيمش، العرب يشترون شققًا في التجمعات اليهودية مما يؤدي إلى مغادرة اليهود. كان، 23 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026)، לוין: "ערבים קונים דירות ביישובים וזה גורם לעזיבה של יהודים"
  8. كريتشمر، داﭬـيد، (2002)، المكانة القانونية للعرب في إسرائيل، القدس: مركز دراسات المجتمع العربي في إسرائيل [بالعبرية].
  9. مركز عدالة، المحكمة العليا صادقت على ترشيح عضو الكنيست هبة يزبك للكنيست الـ23. مركز عدالة: المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، 10 فبراير/شباط 2010 (تاريخ الدخول: 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026)، בית המשפט העליון אישר את מועמדותה של חה״כ היבא יזבק - עדאלה
  10. مهند مصطفى، من عتبة البيت إلى "صاحب البيت": "قوة يهودية" وإيتمار بِنْ غـﭬـير وسياسات الكراهيَة والعنف، حيفا: مركز مدى الكرمل، 2026.