دور روسيا في تشكلات العالم الجديد

تقرأ هذه الورقة الانتصار العسكري الروسي في جورجيا الذي شكل نقطة تحوُّل لإنشاء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب يعوض النِّظام الأحادي التابع لأمريكا
21 December 2008








الدكتور برهان كور أوغلو


نهاية مرحلة النفوذ الأمريكي
الاتحاد الأوروبي المنقسم
الدَّعم الشَّرقي لروسيا ومنظمة تعاون شنغهاي
روسيا وعلاقاتها مع محيطها القريب

أنابيب الطّاقة والسّيطرة على المنطقة القريبة


بدأ تأثير الانتصار العسكري الروسي في جورجيا يظهر على جميع منطقة أوراسيا، ولا توجد هناك أي إشارة إلى زوال هذا التأثير في المستقبل القريب، بالإضافة إلى أهمية كسب المعركة بالنِّسبة لروسيا.


إن هذا الانتصار يعتبر نقطة تحوُّل مهمة، وخطوة أخرى من أجل إنشاء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب عوضًا عن النِّظام الأحادي القطب الذي يدور في الفلك الأمريكي؛ إلا أننا مع ذلك لا نستطيع القول بأن روسيا وحدها تمتلك الإمكانية الكافية للوصول إلى هذا الهدف، وفي المقابل فإن التحرك الأمريكي والأوروبي ضد روسيا أثناء اجتياحها لجورجيا لم يكن كافيًا بالمستوى المطلوب.


وربما كان سبب تأييد الصين -العضو في منظمة تعاون شنغهاي- لموسكو هو الرغبة الصينية في رؤية نظامٍ غير أُحادي القطب، وبتعبير آخر موقف الصين من المركزية الغربية للنظام العالمي، والذي يتأرجح حاليًا على أقل تقدير، وإن لم يصل الأمر إلى إنهاء وزوال هذا النظام.



نهاية مرحلة النفوذ الأمريكي الأحادي في جورجيا





"
لا بُدّ لرئيسٍ قادمٍ من الحزب الديمقراطي أن ينظر إلى كلٍّ من روسيا وجورجيا من زاويةٍ أخرى كما أن المعارضة الجورجية ستعمل على الإطاحة بساكاشفيلي في الانتخابات المبكرة

"

لم تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية، وهي المنافس الرئيس لروسيا، من فعل أي شيء يذكر لجورجيا سوى القيام بالدَّعم المالي والإنساني؛ فأثناء الأزمة الجورجية استخدمت السفن الحربية الأمريكية طريق البحر الأسود من أجل توصيل المعونات الإنسانية لجورجيا، إلا أنّ ذلك لم يؤثر سلبا على دور روسيا المتمثل في السيطرة على عملية إدارة الأزمة.


إن الحكومة الأمريكية ومن خلال الدعم المادي والإنساني عملت على إنقاذ الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي، والذي تصفه روسيا بالجثة الأمريكية الهامدة، إذ أن نائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني قام بزيارةٍ لكلٍ من باكو وتبليسي وكييف بداية شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، وذلك من أجل تقديم الدّعم والمساندة، وإزالة مخاوف رؤساء الدول الموالين للغرب من أجل ضمان استمرارهم، وتثبيت وجودهم، إلا أن ما حدث في جورجيا يعتبر خير دليلٍ على أن الوُعُود والتَّعهدات الأمريكية ستبقى غير كافية وغير مؤثرة في المستقبل.


من الناحية الأدبية المعنوية فإن الحكومة الأمريكية تسعى لحماية ساكاشفيلي، إلا أنه مع ذلك سوف يعاد النّظر من جديد حول مسألة مصيره السياسي، سيما بعد فوز أوباما في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، إذ لا بُدّ لرئيسٍ قادمٍ من الحزب الديمقراطي أن ينظر إلى كلٍّ من روسيا وجورجيا من زاويةٍ أخرى مختلفة، عما كانت عليه من قبل، بالإضافة إلى أن المعارضة الجورجية سوف تعمل على الإطاحة بساكاشفيلي في الانتخابات المبكرة، وذلك نتيجةً لدخول البلاد في وضعٍ حرج، وزجّها في أتون حرب خاسرة في مواجهة روسيا.


ونتيجةً لذلك شاعت أقوالٌ بأن أمريكا تهيئ نينو بريانازدا -رئيس البرلمان الجورجي السابق- ليحلّ مكان ساكاشفيلي في منصب الرِّئاسة، فقد بات الآن في حكم المؤكد أنّه مهما حظي أي رئيس جورجي قادم بدعم وتأييد أمريكيين فإنه سوف يأخذ بعين الاعتبار الخُطُوط الحمر التي رُسمت إقليميًّا من قِبَل روسيا وليس الولايات المتحدة.


وفيما يتعلق بموضوع القيادة السياسية الأذربيجانية فإن زعامة الرئيس الأذربيجاني إلهام عالييف التي نشأت من خلال الاتفاقيات الثُّنائية التي عقدتها أذربيجان مع موسكو وواشنطن، جعلت كلّ من روسيا وأمريكا غير قلقتين تجاه باكو، حيث تعتبر هذه السِّياسة مهمةً وحيوية من أجل إنشاء توازنٍ حسَّاس، وليس في رغبة الرئيس عالييف إلحاق ضرر بهذا التَّوازن كما هو مشاهد، ولعل هذا هو السَّبب في عدم قبول الرّئيس الأذربيجاني تلبية رغبة ديك تشيني بقطع خُطُوط إمداد الغاز الطبيعي والنفط الموجودة بين روسيا وأذربيجان من أجل عزل ومحاصرة موسكو.


وفي أوكرانيا انهارت الحكومة الائتلافية نتيجةً لعدم التفاهم حول موضوع روسيا، حيث أن رئيس الوزراء يولي تيماشنكو تخلى عن حليفه الرئيس فيكتور يوشانكو خلال الثّورة الملونة، واتخذ موقفًًا مؤيٍّدًا لفيكتور يانيوكوفيغ الموالي لروسيا، وذلك من خلال منع صُدُور قرارٍ في البرلمان الأوكراني يندِّد بشدةٍ بالموقف الروسي.


كما أن روسيا لم تشعر بمستوى الضّغط الجاد والكافي في مواقف السِّياسة الأمريكية، ولم تُعِر أيّ انتباه للتّهديدات التي تسعى إلى استبعاد روسيا من الدُّول الصّناعية الثّمانية، فضلا عن عدم قبولها عضوا في منظمة التّجارة العالمية. فروسيا لم تعط أيّ أهمية تذكر لأي من الإجراءات السابقة، ولم تتأثر بأيّ شكلٍ من الأشكال بالمسائل المتعلقة بتوقيع الاتفاقات الخاصة بمشروع الصّواريخ الدفاعية بين أمريكا وبولونيا والتشيك، ولم تولِ الانتباه إلى احتمالية قبول عضوية جورجيا وأوكرانيا في منظمة حلف النّاتو بشكلٍ ملح؛ بل على العكس من ذلك تمامًا فإن روسيا كانت تستعد لإجراء مناوراتٍ بحريّة -وإن كان ذلك رمزيًّا- مع فنزويلا في البحر الكاريبي الذي يُعتبر الحديقة الخلفية لواشنطن.


الاتحاد الأوروبي المنقسم





"
لم يتخذ مجلس الأمن موقفا حازما وموحدا ضد روسيا لاعتباراتٍ أمنية وسياسية واقتصادية فأميركا صاحبة القوة العالميّة لم تتمكن من فعل أيّ شيءٍ يذكر وسياسة الإتحاد الأوروبي الخارجية والدفاعية مختلفة حول الموضوع

"

ندَّد مجلس الإتحاد الأوروبي في اجتماعه المنعقد في الأوَّل من سبتمبر/ أيلول الماضي باعتراف روسيا بأبخازيا وأوسيتا الجنوبية كدولٍ مستقلة، كما أكَّد المجلس في جلسته على أن السَّلام الدَّائم لا يتحقّق عن طريق النزاع المسلّح وإنما من خلال احترام وحدة الأراضي واحترام السِّيادة، وذلك بالاعتماد على المبادئ الأساسيّة للقانون الدولي. 


والتَّدبير الوحيد الملموس الذي استطاع المجلس اتخاذه ضدّ روسيا في اتجاه فرض عقوبات عليها كان تأجيل المحادثات المتعلّقة باتفاقية الشراكة الأوروبية الروسية. أما القرارات الأخرى فقد كانت عبارةً عن تأكيداتٍ على أهمية وصحة العلاقات الروسية الأوروبية، بالإضافة إلى استعداد الاتحاد الأوروبي أن يرسل مراقبين وبعثة لتقصي الحقائق، حيث أنيط هذا الدَّور ببروكسل.


ولعلّ ما تمخض عن هذه القمة حقيقةً هو عدم استطاعة المجتمعين اتخاذ موقف حازم وموحّد ضد روسيا وذلك لاعتباراتٍ أمنية وسياسية فضلاً عن المصالح الاقتصادية المتفاوتة؛ فالولايات المتحدة الأمريكية صاحبة القوة العالميّة المنفردة بالتأثير على الدبلوماسية العالمية لم تتمكن من فعل أيّ شيءٍ يذكر في هذا السياق، ومن الطبيعي أن لا نستهجن أو نستغرب عدم تحرك أعضاء الاتحاد الأوروبي، لاسيما مع وجود اختلافات في السياسة الخارجية والدفاعية بين أعضاء الإتحاد نفسه.


وفي سبيل إرضاء بعض أعضاء الاتحاد الرافضين للقرارات الصَّادرة عن المجلس، قام الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي مع موظفين من المستوى الرَّفيع في الثَّامن من سبتمبر/أيلول بزيارة لموسكو، وتمت محادثات مع الرئيس الروسي ميدفيديف، وحاول ساركوزي إقناع الجانب الروسي بالالتزام بتطبيق البنود الأخرى المنصوص عليها في اتفاقية وقف إطلاق النار الموقعة في الثاني عشر من شهر أغسطس/ آب الماضي، وقد اتفق الطرفان على انسحاب القوات العسكرية الروسية من المناطق المتواجدة بين أبخازيا وأوسيتا الجنوبية من جهة، وبين جورجيا من جهة أخرى، والرجوع إلى حالة ما قبل الحرب.


ومع انتهاء عملية الانسحاب في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تمّ إرسال قوة مراقبة دولية قوامها مائتي شخص للمتابعة من الاتحاد الأوروبي، وفي الخامس عشر من نفس الشهر بدأت في جنيف محادثات دولية بين الأطراف المعنية، وذلك من أجل إنهاء معاناة المهجَّرين واللاجئين وذلك من خلال عمليات بسط الأمن والاستقرار في المنطقة، إضافة إلى العمل على إنجاز أيّ اتفاق يُقبل من جميع الأطراف المتنازعة.


وفي هذا السياق قد يرى الكثير من المتابعين أن هذه الوثيقة تعتبر نجاحًا للدبلوماسية الأوروبية، إلا أنه في حقيقة الأمر يمكن القول بأن وجود مثل هذه الوثيقة لا يعتبر منعًا لأي نشاطٍ لبعثة المراقبة من بروكسل في أبخازيا وأوسيتا الجنوبية، وهذا يعني أيضًا الاعتراف من قِبَل الإتحاد الأوروبي على أرض الواقع باستقلال أبخازيا وأوسيتا الجنوبية بعد أن كانت ترفض ذلك في بداية الأمر.


فالمحادثات الدولية المنعقدة في جنيف سوف تتضمن المواضيع التي نشأت نتيجة لهذا النزاع، وليس الحالة القانونية لمستقبل المنطقتين: أبخازيا وأوسيتا الجنوبية، فروسيا أقامت علاقات دبلوماسية مع المنطقتين، وقامت بكلَّ ما يلزم من أجلِ بناء قواعد عسكريّة لها. وإذا كان بالإمكان إقناع موسكو بوجهة نظر بروكسل وتبليسي حول أهمية المنطقتين بالنسبة لمفهوم وحدة الأراضي الجورجيّة، وهو أمر قد لا يكون صعبا، إلا أن احتمال حدوثه لا يزال بعيد المنال. ومع اقتراب موعد اجتماعات جنيف فقد لاحت في الأُفُق ملامح نتائجه مسبقًا، والتي لم تتجاوز حدّ تقديم الاتحاد الأوروبي الدّعم اللوجستي والمالي للاجئين والمهاجرين الذين تركوا بيوتهم، وكذلك لنشاط بعثة مراقبة بروكسل خارج أبخازيا وأوسيتا الجنوبية.


وفي النهاية لم يُتَّخذ أيّ نوعٍ من أنواع العُقُوبات الاقتصادية أو السياسية بشكلٍ واضحٍ وجليٍ، وكما هو مُلاحظ فإن موسكو مرتاحةٌ من عدم تمكُّن وضع عقوبات نتيجةً للاختلاف داخل بنية الاتحاد الأوروبي، ونتيجة لذلك فقد قامت روسيا بتوظيف هذا الاختلاف الأوروبي لخدمة مصالحها في المناطق المجاورة، وقامت بالتحرك في المنطقة دون أي تردّد يذكر.


الدَّعم الشَّرقي لروسيا ومنظمة تعاون شنغهاي


لقد حصل الرُّوس على دعم أعضاء منظمة شنغهاي كالصين وأوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان وقيرغيستان بخلاف الموقف الغربي، ففي حقيقة الأمر لم تسلك أي دولة عضو في منظمة شنغهاي للتعاون نهج روسيا في الاعتراف باستقلال أبخازيا وأوسيتا الجنوبية، لا من خلال قمة دوشنبة التي عقدت في التاسع والعشرين من أغسطس/ آب الماضي ولا بعدها، كما أن روسيا بدورها لم تقم بالضّغط على الدول الأخرى حول موضوع الاعتراف بهاتين المنطقتين.


ومع ذلك فإن جميع الأعضاء في المنظمة أيّدوا التّحرك الروسي في المنطقة؛ فالحرب في بلاد القوقاز هي بين روسيا وجورجيا من وجهة نظر أوروبية وأمريكية، بينما هي بالنسبة لمنظمة شنغهاي للتعاون مسألة تتمحور حول وأوسيتا الجنوبية، وفي هذه الحالة فإن الصراع له علاقة مباشرة بالحفاظ على وحدة الأراضي الجورجيّة من وجهة نظر غربية، بينما هي مسألة لها علاقة وبشكل مباشر بجنوبي أوسيتا، الأمر الذي قوّى وأيَّد الموقف والطَّرح الروسي لهذه المسالة برمّتها.


ولعلّ الأهم من ذلك كله هو أن رؤية الدول الأعضاء في المنظمة تنطلق من الاعتقاد بأن الدّور والتَّحرك الروسي من شأنه أن يحفظ الأمن والسلام في المنطقة، لا سيما أن رؤية منظمة شنغهاي تنسجم مع التَّوجه الرُّوسي. ولأول مرةٍ منذ انتهاء الحرب الباردة يقع اهتزاز معادلة القوة العالميّة التي تدور في الفلك الأمريكي، فبالإضافة إلى أن منظمة شنغهاي للتّعاون ترى بأن ذهنيّة القطب الواحد الأمريكية أصبحت مصدرًا رئيسًا للصراعات في العالم بدل أن تسعى لإيجاد حُلُول لفضِّ مثل هذه الصراعات؛ فإن المنظمة شدَّدت على أهمية وجود عالم متعدد الأقطاب، وذلك من أجل مصلحة الأمن الدولي، وتأييد حماية توازن القوى الإستراتيجي.


وقد أعلنت المنظمة كذلك بأن نشر الولايات المتحدة لنظام الدرع الصاروخي المضاد في بولونيا والتشيك، سيكون عديم الفائدة، ولن يساعد على حماية ميزان القوى الإستراتيجي، ولن يمنع من انتشار كافة أنواع الأسلحة بما فيها السلاح النووي، ولهذه الأسباب فإن منظمة شنغهاي للتَّعاون أيدت التحرك الروسي بشكلٍ متوازٍ مع مطالبتها بتأسيس نظامٍ دوليّ جديد متعدد الأقطاب.


روسيا علاقات بالمحيط وتأثير المنظمات الإقليمية





"
إمكانية احتمال نجاح روسيا في إعادة إنشاء المنطقة المجاورة القريبة ترتبط بالأهمية المتزايدة لخطوط أنابيب الطاقة في المنطقة المحاذية

"

يتمثّل الهدف الروسي الرئيس باسترجاع هيبتها ومكانتها القديمة من جديد، فإذا لم يكن بالإمكان تغيير النّظام العالمي الأحادي القطبية، فعليها أن تعيد المكتسبات والمكانة الإستراتيجية التي فقدتها لمصلحة منافسيْها اي الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لا سيّما في الجمهوريات المستقلة القريبة منها.


فالرئيس الروسي ديميتري ميديفيديف، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف فيما يتعلق بالمنطقة المجاورة، يصرّح دائمًا ويشدِّد على أهميّة حماية المصالح والعلاقات مع الدُّول القريبة من روسيا.


والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هي إمكانية احتمال نجاح روسيا في إعادة إنشاء المنطقة المجاورة القريبة؟


إن الأهمية المتزايدة لخطوط أنابيب الطاقة في المنطقة المحاذية، ومنظمة معاهدة الأمن المشترك ذات المحور الرّوسي بعد الحرب الجورجية ستعطي بعض الأجوبة.


لقد حصلت روسيا على تأييدٍ سياسيٍّ في موضوع جورجيا من بعض الدّول الموجودة داخل حدود المنطقة القريبة؛ فكازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان أيّدت روسيا ضمن إطار منظمة شنغهاي للتّعاون في موضوع جورجيا، والدعم الأكبر لروسيا جاء من منظمة الأمن المشترك، والتي أسست بقيادة روسيا في عام 1993، وتحولت لاحقًا إلى منظمة معاهدة الأمن المشترك في عام 2002، حيث كان الهدف من تأسيس هده المنظمة هو تطوير العلاقات الأمنية بين روسيا وأرمينيا وبيلاروسيا وقيرغيزستان وكازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان.


وقد اجتمع رؤساء منظمة معاهدة الأمن المشترك في الخامس من سبتمبر/أيلول الماضي على غرار اجتماع منظمة شنغهاي للتعاون، حيث أيدوا الدور الروسي في منطقة الصراع، ونددوا بالتحرك الجورجي تجاه وأوسيتا الجنوبية، كما نددوا بازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع هذه القضية. وبهذا أظهرت روسيا أنها لم ولن تُعزل عن الساحة الدولية.


وأثناء اجتماع القمة لمنظمة معاهدة الأمن المشترك، قارنت روسيا بين الحالة في وأوسيتا الجنوبية وبين إقليم كوسوفو، والازدواجية الغربية في تعاملها مع هذه القضايا، كما عكست ذلك على الختام البياني للقمة. اعترفت روسيا دبلوماسيًّا بكلٍ من: أبخازيا وأوسيتا الجنوبية، إلا أن الأعضاء في المنظمة آثروا إعطاء القرار في موضوع الاعتراف الدبلوماسي بالتوازي مع المصالح القومية لكلِّ بلدٍ عضوٍ، فرئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو أعطى إشارة مفادها أن برلمان بيلاروسيا سيعترف بهاتين المنطقتية خلال وقتٍ قصيرٍ.


وفي ضوء هذه المتغيرات العسكرية والسياسية الإقليمية أعلنت أرمينيا على لسان رئيسها رغبتها بالاعتراف الدبلوماسي بأوسيتا الجنوبية وأبخازيا وأقليم كراباخ الأذربيجاني أيضًا، فاعتراف روسيا بأوسيتا الجنوبية وأبخازيا شجع رئيس الدولة الأرمينية سركيسيان على التّصريح العلني بضرورة اتخاذ موقفٍ مشترك في المسائل العسكرية والسياسة الخارجية لمنظمة معاهدة الأمن المشترك. ومن الواضح بأن رغبة سركيسسان في اتّخاذ موقفٍ مشترك للمنظمة حول احتمال الاعتراف الدبلوماسي، إنما هو طرح موضوع الاعتراف بإقليم جبل كراباخ المتنازع عليه، فما زالت كلّ من أرمينيا وأعضاء منظمة معاهدة الأمن المشترك لم تعترف بأوسيتا الجنوبية وأبخازيا.


وعندما يقدّم زعيم الأبخاز سيرغي باغابش طلب الانضمام إلى مجموعة الدول المستقلة وإلى منظمة معاهدة الأمن المشترك، فإن ذلك بدون أدنى شك سيضع هذه الدول على المحك مما يبعث على التّساؤل عن كيفية تعامل هذه الدُّول مع هذا القرار بطلب الانضمام.


خطوط أنابيب الطّاقة والسّيطرة على المنطقة القريبة





"
نلاحظ وجود لاعبين كُثر في لعبة الأمن والطاقة، فقواعد اللعبة الآن تُحتِّم على مختلف اللاعبين بأن يلعبوا تحت مظلّة موازين القوى الجديدة، والتي نشأت نتيجة للصراع في جورجيا

"

إن تحدي روسيا للغرب، وذلك بإحكام السيطرة على المنطقة القريبة، يرتبط إلى حدٍ بعيدٍ بالأراضي التي ستمر منها خطوط أنابيب الغاز الطبيعيي ونفط بحر قزوين. فهل ستمرُّ هذه الأنابيب عبر الأراضي الروسيّة؟ أم خارج دائرة وتأثير روسيا؟


فخطوط أنابيب الطاقة تتمتع بأهمية كُبرى لكلٍّ من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكيّة والذين بدورهم يفضِّلون تقليل اعتمادهم على مصادر الطّاقة الموجودة في رُوسيا والشّرق الأوسط، وفي المقابل تعمل موسكو جاهدةً من أجل حماية مصادر دخل الطّاقة التي تشكل ثلثي صادرات البلد، من خلال بيع الغاز الطبيعي والنفط، والأهم من ذلك كلِّه تخصيص روسيا من 30 إلى 40% من الميزانية العامة في مجالات الدّفاع والأمن.


وانطلاقًا من هذا الأمر فقد توصّل بوتين مع رئيس الدولة الأوزبكية إسلام كريموف إلى اتّفاقٍ شفهي في الثاني من سبتمبر/ أيلول الماضي بخصوص إنشاء خط أنابيب جديد للغاز الطبيعي يتصل بتركمانستان، بالإضافة إلى القدرةِ على استيعاب مرور 30 مليار متر مكعب من الغاز الطّبيعي سنويًّا عبر الأراضي الروسية. فروسيا مصدرٌ مهم للغاز الطّبيعي، ولديها نظامٌ شبكة خطوط لنقل الغاز، ومن أجل توصيل الغاز عبر هذه الشبكة، فقد وقَّعت روسيا وتركمانستان في شهر مايو/ أيار 2007 اتفاقًا لنقل 80 مليار متر مكعّب سنويًا من تركمانستان عبر الأراضي الروسية ولمدة 25 عامًا.


ومن جهةٍ ثانيةٍ فإنّ واشنطن وبروكسل وأنقرة بدأت تكثف جهودها من أجل إنشاء خط الأنابيب الواصل إلى جنوب القوقاز وتركيا من تركمانستان مرورًا ببحر قزوين مع ربطه بمصادر أخرى محتملة في المستقبل من كازاخستان وأوزباكستان، فخط أنابيب بحر قزوين لا يزال بين شدٍّ وجذب منذ أواسط عام 1990. إن خط الأنابيب يعتبر حاليًّا من أهم المشاريع التي من الممكن أن تنقل مصادر الغاز الطبيعي المحتملة من العراق وبحر قزوين عبر تركيا وصولاً إلى أواسط أوروبا.


وفي الصّراع على خطوط الأنابيب في المنطقة المحاذية أو القريبة، نجد أن استبعاد الصين خارج الدائرة ليس منطقيًّا، فالصين بدورها حصلت على حصتها من مشاريع الطّاقة الموجودة في منطقة بحر قزوين، ومثال على ذلك الاتفاقية الموقعة بين الصين وتركمانستان في العام 2006، والمتوقع الانتهاء منها عام 2009، وذلك من أجل إنشاء خطّ أنابيب الصين–تركمانستان، والذي سوف ينقل سنويًّا 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي ولمدة 30 عامًا.


وبالتحليل الأخير نلاحظ وجود لاعبين كُثر في لعبة الأمن والطاقة، فقواعد اللعبة الآن تُحتِّم على مختلف اللاعبين بأن يلعبوا تحت مظلّة موازين القوى الجديدة، والتي نشأت نتيجة للصراع في جورجيا.


وبالرغم من وجود تطمينات أمنية شفوية وعدت بها الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي الرؤساء الأضعف في المنطقة المحيطة بالصراع، إلا أنها لم تُجد نفعًا في تحييد وثني الجيش الروسي عن تحركاته في المنطقة. ومن وجهة نظر المستثمرين الدوليين والسياسة الدولية فإن زعماء الدول الضعيفة أصبحوا مترددين في إعطاء القرارات بما يخص اتجاه خطوط الأنابيب التي ستنقل مصادر الطاقة، وما الذي يرسمونه في العلاقات السياسية والأمنية مع العالم الخارجي.


وكنتيجةٍ طبيعية لهذا الموقف أصبح الزعماء السياسيون في المنطقة القريبة أو المحاذية يفكرون باتّباع كل ما لا يُشكّل خطرًا على سلطاتهم، حتى أولئك الذين لهم نفس المواقف معارضة للتّحرك الروسي، حتى وإن كانت هذه المعارضة بسيطة، فإنهم سوف يتجهون بعيونهم صوب الصين والشرق وليس إلى الغرب.
_______________
مركز الجزيرة للدراسات