الحوار وسيلة لترسيخ التعايش بين أمم المشرق

إذا ما أريد للقوميات التي تسكن المنطقة لا سيما التركية والإيرانية والعربية والكردية عيشا مشتركا فمن الأفضل التركيز على القواسم المشتركة بينهم.
27 November 2008






منظر عام لمدينة الموصل (رويترز-أرشيف)


 


 

لابد للباحث والمهتم بقضايا الدول الداخلية والخارجية والوقوف على عوامل الاستقرار، من التركيز على تلك الوسائل التي تساعد في تضييق هوة الخلاف بين مكونات الدول والشعوب، والعمل بجد على إبراز دور تلك العوامل التي تساعد على استقرار وازدهار هذه الشعوب فكريا ومادياً.

 

فلا يخفى على أحد أن التركيز فقط على الجانب الفكري لا يأتي بنتائج إيجابية، بل لابد أن تقترن بهذه التوعية الفكرية لشعوب المنطقة حركة من أصحاب النفوذ وصناع القرار تقلل من الفوارق المعيشية بين أبناء شعوب المنطقة.

 

ولو نظرنا بإيجاز إلى أهم العوامل المؤثرة في التقريب بين الطوائف المختلفة واستقرارها، لوجدنا أنها تتركز في:

 

وسائل الإعلام:
لا شك أن الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام من حيث نشر المادة الإعلامية والتركيز على القضايا المشتركة، له أهمية بالغة في التقريب بين أبناء شعوب المنطقة.

 

ومن ثم فامتناع هذه الوسائل عن نشر ما يحرض على التفرقة والاستعلاء والعنف، يعد من عوامل الاستقرار المهمة ليس على صعيد المنطقة بل حتى على صعيد الدولة نفسها.

 

منظمات المجتمع المدني:
أصبح واضحا الدور الإيجابي الذي تقوم به منظمات المجتمع المدني من حيث نشر مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية والأسس المدنية التي تقوم عليها المجتمعات والدول المتحضرة، فتركيز هذه المنظمات عل نشر المبادئ الإنسانية السامية والتي هي محل اتفاق الجميع يحقق الشعور بالمساواة عند الجميع وأمام الجميع، ويعطي هذا المفهوم العزة والثقة بالنفس لدى كافة القوميات ذات الأكثرية وكذا الأقلية منها.


فالقضاء على الفكرة القائلة إن الآريين دخلاء على المنطقة وإن الساميين من الدرجة الثانية، وإن هذه الأجناس لا تتفق أبدا، يجب أن تجعله هذه المنظمات من أوليات أعمالها وبرامجها لأنها بذلك تكون قد قطعت أشواطا كبيرة في التقريب بينها.

 

تقديم الخدمات:
إن تقديم الخدمات بكافة أنواعها على المناطق ذات الأقلية القومية أو الدينية ومساواتها بالمناطق ذات الأكثرية العددية، قومية كانت أو دينية، تعطي دلالات واضحة لكافة الطوائف على أنه لا تفاضل ولا تمايز على أساس الجنس أو القومية أو الدين، ويُعد تقديم الخدمات بصورة عادلة إشارة إلى حسن النية من السلطات ذات النفوذ القومي والواسع للطوائف ذات النفوذ والأقلية العددية.

 

التوعية التسامحية:
لا شك أن الدور الإيجابي للتوعية التسامحية يتحقق عن طريق الندوات والمؤتمرات من خلال التأكيد على ضرورة التسامح الديني والقومي وأهميته في استقرار الدول والشعوب، وأن هذه التوعية تحقق نتائج ايجابية في التقريب بين الأجناس والطوائف المختلفة، ولكن لابد أن يكون هذا انطلاقا من قاعدة القناعة التامة والكاملة على أساس أن التسامح هو الأصل وأن العداء والحقد هو الاستثناء، ولابد من اللجوء إلى الوسائل الإقناعية التي تؤصل هذه الفكرة لدى الجميع.

 

وأما القول إن التسامح ضروري ولكن استناداً إلى المصلحة، فهذا يُعد صورة من التخدير لهذه الطوائف، وإن أية فرصة واضطراب في هذه الدول قد تخلق كارثة كما حدث في التاريخ القريب، لذا لابد من التأكيد على ضرورة التسامح وأنه هو الأصل استناداً إلى النصوص الشرعية على اختلاف الديانات والقوميات.

 

وانطلاقا من قناعتنا بضرورة وحدة هذه الشعوب والعمل معا من أجل رفاهيتها، لا نجد أنفسنا في موقع الحديث عن كل تلك المآسي التي لحقت بالشعب الكردي على مدار التاريخ، إلا أن الذي يفيدنا هو ضرورة التركيز على إيجاد حوار مشترك بين شعوب المنطقة على اختلاف قومياتها (العرب، الكرد، الفرس، الترك).

 

ولا بد من معرفة ما حصل للأكراد على مدار التاريخ للوقوف على أسباب ذلك لمنع تكرار حدوثها مرة أخرى. ولا يجوز على الإطلاق أن يحس الأكراد بأنهم غرباء في المنطقة، بل لابد أن يقروا بأنهم كغيرهم أصحاب لغة وأرض ودين. وللأسف الشديد فإن السياسات التي اتخذت ضد الأكراد كلها انصبت على أن الأكراد غرباء أو هم تبع، وهذا التصور بحد ذاته قد خلق حاجزا كبيرا بين الأكراد وبين غيرهم من شعوب المنطقة. فالحضارة التي قامت في هذه المنطقة والتي كانت تسود العالم في السابق كان للأكراد نصيب فيها، وهذا ليس بخاف على أحد من علماء وسياسيين وقادة ومدافع مخلص عن أمته ووطنه الذي كان هو جزءاً منها.

 

لذا وبعد أن تغير العالم وتطورت المفاهيم، فإن الحوار بين شعوب المنطقة أصبح أمرا حتميا وضرورة لابد منها.

 

ولإنجاح هذا الحوار لابد من التركيز على القواسم والعوامل والمصالح والثوابت المشتركة بين شعوب هذه المنطقة.

 

فالقوميات الأربع (الأكراد، العرب، الفرس، الأتراك) يشتركون في العديد من القواسم من بينها الدين والاقتصاد والاجتماع والثقافة.

 

فغالبية هذه الشعوب هم مسلمون، وهذا يعني أن التركيز على أهم ثوابت الإسلام وأن الإسلام لا يفرق بين هذه الشعوب، بل اختلاف هذه الشعوب نعمة من الله، ويجب أن يكون وسيلة قوة لا ضعف، يقول الله تعالى {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا.......}.

 

أما الاقتصاد فهو العامل الذي لا يقل عن غيره من العوامل، حيث بات واضحا أن الرفاهية الاقتصادية للمنطقة تجعلها في وضع أفضل وبالتالي لا تجد نفسها مضطرة إلى اللجوء إلى النزاعات والحروب التي لم تأت على المنطقة إلا بشرّ.

 

نعم لابد من وجود عقلية اقتصادية قادرة على الوصول بهذه الدول والشعوب لبر الأمان.

 

ولابد أن تفتح هذه الدول الأبواب الاقتصادية مع بعضها عن طريق المشاريع والاستثمارات المشجعة لأصحاب الأعمال على كافة تنوعهم، ولا ننسى أن نركز على قضية حقوق الإنسان في حواراتنا.

 

نعم علينا أن نجعل المواطن وراحته وشعوره بالاحترام والإنسانية من أهم أولوياتنا، فلا شك أن هذا سيزيل أهم الفوارق والتحديات التي تكمن في عدم قبول الآخر، نعم إن الاهتمام بحقوق الإنسان يجعلنا في وضع نحترم الآخر ونشعر بوجوده ووجود ثقافته ورغباته ولغته، والتي قد تخدم في المحصلة النهائية مشروع النهضة لشعوب المنطقة ودولها.

 

نحن بحاجة ماسة إلى عقليات سياسية واقتصادية ومدنية ذات قناعة وإيمان ثابت بثوابت الأمة، ولها الاستعداد التام للتضحية من أجل إسعاد أوطانهم وشعوبهم دون النظر إلى المصالح الشخصية والطائفية والقومية الضيقة.

_________________