السودان : نتيجة الاستفتاء محفوفة بالألغام بين الشمال والجنوب

الانفصال في السودان بين الشمال والجنوب لن يكون بالضرورة طريقا نحو السلم والتنمية في الإقليمين، بل إن هناك ألغاما كثيرة قابلة لأن تنفجر فيهما، وتمزقهما مجددا في حرب تغذيها أحقاد الماضي وأطماع المستقبل.
1_1032773_1_34.jpg







 

محمود قلندر


تاريخ السودان الحديث على وشك أن يصل نهايته. ولا مناص من استعارة فوكوياما في هذا المقام، فالبلد ذو المساحة الواسعة، والألسنة والأعراق الكثيرة، يطوي آخر صفحات وحدته، ليصبح  بعد يوليو2011 سودانا آخرا بتاريخ آخر، وفعل سياسي جديد.


ولو استعرنا تعبير جون قرنق الشهير" سودان جديد"، فإن سودانين جديدين، وليس واحداً، على وشك الميلاد، رغم أن أحدهما قد لا يحمل ذات الاسم. ومع هذا الميلاد الجديد، فإنه يجوز لنا أن نسأل ما هي ملامح التاريخ الجديد الذي يوشك أن تكتب صفحاته الأولى على دفتري دولتي الشمال والجنوب الجديدتين؟ وما هي تبعات الانفصال على مسار الدولة الشمالية الجديدة؟


بعد ستة أشهر من الاستفتاء الذي تكاد نتائجه أن تستبين حتى قبل أن يكون، ستتجاور دولتان جديدتان، أحدهما مثقلة بجراح الانشطار، والأخرى ثملة بنشوة الاستقلال. وسيكون الجوار الجديد، مفعما بمشاعر متباينة، فأحد طرفيها تمتلئ جوانبه بمرارات الخذلان وخيبة الأمل، بينما يحس الطرف الآخر بانتشاء الانعتاق من هوان التهميش وذل التجاهل، ولا يمكن تجاهل أثر مثل هذه الحالة النفسية الذهنية على واقع الممارسة والحكم في الوليدين الجديدين، وعلى المواطنين والحكام فيهما، فلا تقوم سياسة ولا حكم، إلا بمشاعر وأحاسيس يتبادلها الحاكم والمحكوم.


ورغم كل قول عن أن السودان لن تغيره أحداث انفصال الجنوب، فإن كل الدلائل تشير بغير ذلك.


الصعيد الوطني العام:خيبة سياسية
على صعيد الحكم: نهاية الشراكة
الصعيد الاقتصادي: شدّ الحزام
دولة السودان الجنوبية الجديدة: أجراس وطبول


الصعيد الوطني العام: خيبة سياسية 





السودان ذو المساحة الواسعة، والألسنة والأعراق الكثيرة، يطوي آخر صفحات وحدته، ليصبح بعد يوليو2011 سودانا آخرا بتاريخ آخر، وفعل سياسي جديد.
واقع نفسي تسوِّدُه غيوم خيبة الأمل، ومرارة الانكسار ستظل بظلالها كافة قطاعات أهل السودان الشمالي الجديد. فالسياسيون وأصحاب التاريخ والمكانة، أولئك الذين عرفوا السودان كياناً واحداً، ومارسوا العمل السياسي في رحابه، لا يستطيعون استيعاب التفريط في الكيان الوطني مهما كانت المسميات والمسببات التي بها وتحتها يجري بتر الوطن وانتزاع جزء منه، وهم في ذلك يعدون هذه اللحظة لحظة توقف للزمان، ونهاية للتاريخ الوطني، ويحمِّلون الحكمَ وزرها، رغم أنهم لا يحكمون على الأمور إلا من نهاياتها، فلا يرون ممارسات الماضي، التي صنعوها أو شاركوا فيها، زيتاً ظل يصب في نيران التوقد للقضية منذ نصف قرن، ولكنهم والحاكمون، الذين يوشك أن يتشكل السودان الجديد على يديهم، تشكل لحظة الانفصال لهم – أقروا بذلك أو لم يقروا- انتكاسة في تاريخ فعلهم السياسي. فمهما كانت المبررات، فإن الكيان الموحد انزلق كيانين من بين أيديهم، ولا مجال لإنكار لحظة التاريخ التي جرى فيها تفتيت الكيان.

ثم إن المسوغات والمبررات القدرية التي تسوقها قوى الحكم، وتبريرها للانفصال بمعطيات الزمان وتقلبات المكان المحيطة بالسودان، وتواتر مقولات تمكين الدين الواحد والثقافة الواحدة، والحديث عن فضائل الكيان الصغير على الكبير، وتسفيه الخوف من تداعيات تناقص الدخول بتراجع النصيب من النفط، وتوسيع الخيال حول عائدات منتظرة من ذهب ومعادن، إنما هي كلها أشكال متنوعة من إحباط نفسي، ورغبة في طمأنة الذات، وسعي لإسقاط الوزر على ظروف الزمان والمكان.


أما المحكومون، فإن العامة منهم – شماليين وجنوبيين- تعايش واقعاً يصفه علماء النفس والاتصال بواقع "اللايقين"، وهو حالة من انعدام بوصلة الاتجاه بما يجعل السعي نحو اليقين لا إرادياً، فيصبح الناس عرضة للتشتت والذهول والتخبط، ويسود التفسير الذاتي- والخاطئ في كثير الأحوال- للوقائع والأحداث، ويتبعه التصرف بما يوحيه ذلك التفسير. وتكمن خطورة هذا الأمر في أنه في مثل تلك الحالات، فإن السلوك البشري يركن إلى  التصرف بما تمليه الغريزة بدلا من العقل. ومتى كانت الغريزة هي المتحكمة ، فإن نوازع الخوف والريبة والشك، تحيل العلائق الإنسانية إلى جحيم يصعب معه التعايش والتواؤم. هكذا يمكن تفسير النزوح والنزوح المعاكس مابين الشمال والجنوب، وحالة الصراع النفسي التي عايشها ويعيشها اليوم الشماليون في الجنوب، والجنوبيون في الشمال.


على صعيد الحكم: نهاية الشراكة 


لن يصبح الحكم قائما على مبدأ الشراكة في الحكم، كما هو حاله الآن مع وجود الحركة الشعبية، إذ سينفرد المؤتمر الوطني بإدارة دفة الحكم، وبذلك يقترب شكل الحكم أكثر من أشكال التنظيمات السياسية الأحادية التي تبنتها النظم العسكرية التي تستولي على السلطة ثم تسعي لتجميل الواجهة عبر بوابات التنظيم الأوحد -الإتحاد الاشتراكي وشبيهاته – كما كان الحال في العالم العربي منذ عقود خلت. ولو عقد المؤتمر الوطني عزمه على أن يظل الأمر كما هو، وسعى لكي  ينفرد بالحكم، فإنه بذلك يباعد أكثر بينه وبين كافة القوى السياسية المعارضة له، ويصعّد من احتمالات المواجهات والصراعات السياسية الداخلية في ظل الواقع النفسي الذي سردناه. ولما كانت الأحزاب السياسية الحالية لا تملك أدوات مغالبة كثيرة، فإنها ستعود لاستغلال كل شكل من أشكال الضيق الجماهيري، من شاكلة ارتفاع الأسعار، أوشح المواد أو تضييق الحريات الشخصية، وهي كلها قضايا ينبئ وعيد الحكومة، كما ينبئ واقع الحال، أنها لن تكون قليلة.


أما لو سعى المؤتمر الوطني للاقتراب من القوى السياسية المعارضة، فإن هذا الأمر سيتطلب فعلا سياسياً بحجم الاتفاقيات التي عقدها الحكم مع القوى التي قاتلت بالسلاح. وكان مثل هذا الأمر هو الذي نادت به – منذ زمان- المعارضة بكافة تشكيلاتها، من التجمع في بداية حكم الإنقاذ، إلى جبهة المعارضة اليوم، وما بين ذلك من مناشدات من علية القوم، كالصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني وغيرهم من ألوان الطيف السياسي. وفي حالة الوصول إلى اتفاق مقبول من الأطراف المعارضة اليوم، فإن الواقع السياسي السوداني سيتعرض لحالة من التغير تسمح بالقول بأن حقبة تاريخية جديدة تنشأ في السودان.


وبالرغم من استبعادنا لإمكان قبول الحزب الحاكم اليوم بالتنازل عن سلطةٍ ومكانةٍ يعتقد بعض أعضائه أنهم بنوها بالعرق والدموع  والدماء، فإن مثل هذا السيناريو جائز افتراضياً، لأن الظروف والمستجدات الدولية من حول السودان القريب والبعيد، توشك أن تفرز على السودان واقعاً قد يصبح معه لازماً على النظام الحاكم أن يقوم بانحناءات عدة أمام رياح عاتية كثيرة، توشك أن تهب، وأعتاها رياح ثلاثة: ريح المحكمة الدولية، وريح دارفور، وريح الأقلية الإثنية تحت نظام الدولة الجديدة.





الظروف والمستجدات الدولية من حول السودان القريب والبعيد، توشك أن تفرز على السودان واقعاً قد يصبح معه لازماً على النظام الحاكم أن يقوم بانحناءات عدة أمام رياح عاتية كثيرة، توشك أن تهب، وأعتاها رياح ثلاثة: ريح المحكمة الدولية، وريح دارفور، وريح الأقلية الإثنية تحت نظام الدولة الجديدة.
أما ريح المحكمة الدولية، فإن المشهد الدولي يدل بلا مواربة أن المهادنات التي جرت من قبل مجلس الأمن الدولي حول تصعيد القضية، والتي كان وسيطها الأساسي سكوت غريشن، إنما هي رهن بوقوع انفصال الجنوب، فالجزرة التي مدتها الولايات المتحدة هي جزرة مرهونة بميقات حده نتائج استفتاء التاسع من يناير/كانون الثاني. أما ما بعد ذلك، فهناك شواهد اتجاه جديد، فيه تستبدل الجزرة بغيرها.


وأما ريح دارفور، فقد كانت لها بعض الشواهد، منها مثلاً: جر المفاوضين من أنصار خليل أقدامهم في مفاوضات الدوحة بما يوحي أنهم في انتظار مآلات سودان ما بعد الاستفتاء، حتى تتضح مواطئ الأقدام في الجديد. ومنها: الخروج شبه الدموي لأركو مناوي من ساحات التوافق السياسي مع الخرطوم، والتحالفات الجديدة التي توشك أن تطل برأسها بينه وبين الجماعات المتشظية منه ومن غيره، مضافاً إليها نوايا وأغراض المغازلات بين جماعات دارفور المختلفة وبين استخبارات الحركة الشعبية في الجنوب.


أما الريح الثالثة، والتي أخذت نذرها تتجمع في الأفق، فهي تلك القوى غير الجنوبية التي انضوت تحت لواء الحركة الشعبية، واعتبرت نفسها جزءا من منظومة المواجهة المسلحة التي خاضت بها الحركة الشعبية نضالها ضد حكومة المركز وحققت الانتصار. ومن أبرزها مجموعات جبال النوبة والإنقسنا. هذه القوى التي يبدو أن همومها لم تعد من أولويات الحركة الشعبية السياسية، كما لم تعد الدولة المركزية  تبدي اهتماما حتى بآخر رمزيات فعاليتها السياسية وهي مبدأ "المشورة الشعبية". لذلك بدأت هذه القوى في رفع الصوت المتحد مؤخراً في أعقاب الحديث المتواتر عن سودانٍ جديد بلا إثنيات، وبدين واحد، وثقافة واحدة ولغة واحدة. وقد عقدت القوى المنضوية تحت لواء الحركة الشعبية مؤتمرا صحفياً خلال الأسبوع الثالث من ديسمبر/كانون الأول، عدّه المراقبون تذكيرا وتحذيراً بأن تلك القوى لا ترى نفسها جزءا من إثنية واحدة، كما أنها عبرت عن موقف جديد، أعلنت فيه إن أي تغيير للدستور لابد أن يتم برضا وموافقة الإثنيتين: الإنقسنا وجبال النوبة. ولما كانت هذه القوى تشكل رصيدا محتملا في تصعيد رياح التوتر في سودان ما بعد الاستفتاء، فإن حسابها ريحاً من الرياح العاتية التي توشك أن تهب على السودان أمر جائز.


الصعيد الاقتصادي: شدّ الحزام 


أما على صعيد الاقتصاد فإن دولة السودان الجديدة – في شماله- ستحوط بها عواصف ورعود.


فبالرغم من تفاؤل المتفائلين حول مكامن البترول في أرض الشمال، فلا زالت تلك المكامن رهن البحث والتنقيب وتوقيع الاتفاقات، إلا القليل الذي ربما يؤتي أكله بعد حين، ويسمن ريعه إلى حين، فماذا سيكون الحال من بعد أن أغفل السودان ومخططوه عن الزراعة،  حتى صار حال مشروع الجزيرة الزراعي- أكبر مشروعات زراعة الري المستديم في القارة حتى منتصف الثمانينيات- صورة من صور تدمير الذات الاقتصادية بضعف الاهتمام الرسمي به وإسقاطه في هوة سياسة التحرير الاقتصادي - دون اعتبار لمكان المشروع لحقب من الزمان في موقع القلب من اقتصاد البلاد- وتركيز النظر على البترول مصدرا وحيداً للمال بما يعادل الـ90% حتى العام الماضي. ومع ظروف الانفصال الذي سيغيب معه - بقول الاقتصاديين الرسميين- ما يقارب الـ70% من ذلك الدخل، فإن السؤال الذي يبقى: كيف ستدبّر دولة السودان الجديد في شماله حال البيت من بعد ذلك؟


قال اقتصاديون: بعض العودة للقديم،  ضرائب مباشرة وغير مباشرة،  ودعوة للتقشف الرسمي في المظهر والمركب والتسفار، إضافة إلىتنظيم العلائق مع الجار الجديد باستثمارٍ أقصى لبعض مدخلات تصدير البترول من مصافٍ وخطوط نقل. وغني عن القول أن كل هذا لن يكون كافيا- على المدى القريب والمتوسط- لرفع العبء عن كاهل المواطن الذي أنهكه تراجع العملة حتى قبل أن يقع الانفصال، وأطلت بوادر التضخم الاقتصادي، وأخذت بديات الندرة المصطنعة – في كثير الأحوال- تفت من عضده وتأخذ من مخزون صبره.


إن التحديات الاقتصادية في ظل الواقع الجديد كثير ومتعددة، الذي  يسارع منها إلى البال هو محاصرة تحديات التضخم، ومؤشرات التعثر المصرفي الهائل، والتعدي على المال العام، وتوقف المشروعات الصناعية والزراعية الكبرى، والتحكم في سعر الصرف، والتضخم في الإنفاق العام والحكومي.


دولة السودان الجنوبية الجديدة: أجراس وطبول 


في خضم بيئة الضغائن والأحقاد السائدة بين شريكي الحكم، لا يبشر واقع الحال اليوم بسيادة علائق من حسن الجوار بين البلدين الجديدين، فلو استبعدنا الواقع الحالي من انعدام الثقة المفرط بين شريكي الحكم، وحالة الشك والتربص في علاقة الحزبين، فإن استقراء الغد المنتظر من معطيات الواقع الحالي لا يبشر هو الآخر لا بحسن جوار ولا بأمان على الحدود الدولية الجديدة، إذ هناك ألغام على الأرض كثيرة.


من تلك الألغام: الحدود ومواقع التماس بين الدولتين الجديدتين والتي لم يتم رسمها لاستطالة الخلاف بينهما، وهذه ستظل مصدر خلاف أكبر بعد الانفصال، بل لعلها تتحول إلى بؤرة صراع كما هو حال مواقع شبيهة، كحال حلايب مثلا.


ومنها، أمن رعايا الدولة الشمالية الجديدة في الجنوب، وأمن رعايا الدولة الجنوبية الجديدة في الشمال، وذاك لغم  سيظل إشعال فتيله رهن مشاعر فالتة من فرد أو جماعة، أو رهن قرار غير مسئول، ولا يهم في أي الموقعين يكون ذلك، فالنار الفالتة ستمتد إلى ما وراء الحدود الجديدة.


ومنها، نذر الاتهام المتبادل بتورط  الطرفين في تغذية عوامل اللااستقرار في البلدين الجديدين، فالجنوب يتهم الشمال بدفع ودعم الجنرال أتور، والشمال يتهم الجنوب بتجميع رافضي دارفور وغاضبيها، وفتح معسكرات استخبارات الحركة الشعبية، وخزائن مخابرات أجنبية – إسرائيلية على وجه التحديد- على المصارع لهم.


ومنها بالطبع، أُمُ الخلاف بين الشمال والجنوب: أبيي وموقعها من الوطنين الجديدين. ومسألة أبيي أنها تتجاوز الحزبين الحاكمين لتصيب قلب العلائق الاجتماعية القبلية في مقتل. فالطرفان المختلفان: قبيلتا الدينكا والمسيرية، ظلا يجسدان جغرافيا واجتماعيا وتاريخيا نقطة التلاقي والتسامح الشمالي الجنوبي. لكنهما أصبحا التجسيد الأوضح لصراع الجانبين. وبعد أن كانت صور التواصل الاجتماعي والتآلف العرقي والتسامح الديني بين القبيلتين هي الصورة المثلى لما يتطلع إليه السودان الساعي إلى الوحدة، تحولت الصلة بينهما تجسيداً لحال الفعل السياسي السوداني الكسيح. والخلاف على أبيي  ينتظر معجزة ما حتى لا يتطور إلى صراع دموي، فالقبيلتان بدتا منذ بعض الوقت وهما تشحذان السيوف والرماح. وإن لم تحدث معجزة ما في القضية، فإن أبيي هي البؤرة الأكثر ترشيحاً  لتكون الكوة التي تنفتح منها نيران الحرب بين الدولتين الجديدتين.





لو استبعدنا الواقع الحالي من انعدام الثقة المفرط بين شريكي الحكم، وحالة الشك والتربص في علاقة الحزبين، فإن استقراء الغد المنتظر من معطيات الواقع الحالي لا يبشر هو الآخر لا بحسن جوار ولا بأمان على الحدود الدولية الجديدة، إذ هناك ألغام على الأرض كثيرة.
باستقراء ظواهر الحاضر مع وقائع التاريخ، يمكن القول أن الدولة الجديدة في الجنوب لن يكون ميلادها  مصحوبا بقرع الأجراس فحسب، فقرع الطبول أيضاً وارد. فالدولة الوليدة  بها من بؤر الصراع العرقي الكثير. وهو صراع ظلت تحجبه غيوم الخلافات مع الشمال، دون أن تفلح في تسويته علاقات النضال في الغابة سابقاً، ثم زمالة السياسة في جوبا لاحقاً. فالصراعات العرقية الإثنية في الفضاء الجنوبي  فيها من الحدة ما يمكن أن يهدد استقرار الدولة الوليدة، بل وربما كيانها.  فالشواهد كثيرة: مواقع بعض القياديين في الحركة محكومة بقبائلهم وإثنياتهم، وصراعات الجهة كثيرة ومتواترة. وعدد من القياديين سالت دماؤهم على مدارج الخلاف الإثني، وبعضهم غيبته السجون، أو حيدته الضغائن والإحن.

ولا يزال مثال الجنرال أتور وجنده، والمسيطر على بعض مناطق الجنوب هو التجسيد الحي لما يمكن أن يكون عليه مآل الاستقرار في كنف الدولة الجديدة، فالجنرال الذي كان رفيق درب الراحل جون قرنق، إذ خرج معه  في الخروج الأول في عهد النميري، وظل حليفا وفيا حتى رحيل القائد، يجد في سلفا كير خصماً، فهو لا يقع منه إثنياً ذات الموقع، رغم انتمائهما للأصل القبلي الواحد-الدينكا-، ويأخذ عليه أنه سعى لحرمانه  من الفوز بأعلى سلطة في ولاية جونقلي وأسقطه في الانتخابات الأخيرة، فانفتحت بذلك طاقات خلاف تنذر بأن تفضي إلى ساحات الحرب.


وليس الجنرال أتور وحده الذي يمكن أن يخبئ في ثنايا بزته الكاكية تداعيات سلبية على دولة السودان الجنوبي الجديدة، فهناك جنرالات آخرون من عناصر قبائل الأقلية، والمعروفة محلياً بعبارة "الفراتيت"، ونذكر واقعة فشل الفريق الفريد لادو المنتمي لقبيلة الباريا، في انتخابات ولاية بحر الجبل، وما تداعى من بعد ذلك من اختفاء للفريق ثم عودة غاضبة بتصريحات معبرة عن مآلات تهدد الاستقرار في البلد الوليد. وهناك أيضاً صراع الجنرالات في بحر الغزال بين الجنرال مونق والجنرال داو جوك، مضافاً إلى ذلك صراعات نائب رئيس الحركة ريك مشار مع رئيسه سلفا كير، التي طفح بعضها على موجات الإذاعات المحلية والصحف.


ولو اتفقنا بأن الذي سيسود بين الأركان الإثنية لدولة السودان الجنوبية الجديدة هو الصراع، فإن السؤال الذي يتداعى من بعد ذلك هو: أين دولة الشمال السودانية من ذلك؟ لا يشك أحد أن رياح الصراعات الجنوبية ستهب على الدولة الشمالية حتى وإن أغلقت حدودها (المجهولة) وباعدت ما أمكنت بينها وبين أحداث الجارة الوليدة. فهناك روح انعدام الثقة بين الحاكمين هنا وهناك، وما يستدعيه ذلك من إسقاط الصراع على مؤامرات الخصوم. فالمؤتمر الوطني موسوم - حتى قبل الانفصال المنتظر- بأنه المدبر لخروج الجنرال أتور ليكون كعب أخيل الدولة الجنوبية الجديدة الذي تصوب دولة الشمال سهامها نحوه. ولو كان هذا هو الحال قبل وقوع الانفصال، فما ذا سيكون الوسم للمؤتمر، إذا ما غادرت الدولة الجديدة وبقى الجنرال أتور شوكة في خاصرتها؟


كثيرة هي علامات الاستفهام التي ستحيط بالسودانين الجديدين.
_______________
خبير بالشؤون السودانية