الدور الأوروبي في الخليج من منظور إستراتيجي

يخلق دور أوروبا الأمني نوعًا من السيولة السياسية بالنسبة للخليج ويزيد من هامش الخيارات المتاح أمام دول هذه المنطقة، بيد أن هذا الدور لا يُمثل حالة موازية أو منافسة للولايات المتحدة؛ إنه دور لتعزيز خيارات وسياسات قائمة في الأصل...
23 September 2010
1_1015157_1_34.jpg









عبد الجليل زيد المرهون



تتطلع أوروبا إلى الطاقة الرخيصة من منابعها التقليدية في الخليج العربي، وهذه هي الخلفية الأكثر عمقاً لارتباطها الإستراتيجي بهذه المنطقة. كذلك، تصبو ثانية إلى سوق خليجية: مدنية وعسكرية، يمكنها من خلالها إعادة تدوير البترودولار.



وتسعى أوروبا، من جهة ثالثة، إلى تسييل تفاعلاتها المختلفة مع هذه المنطقة في صورة دور إقليمي، يعزز مكانتها في صراع النفوذ الجيوسياسي الدولي، وتتطلع لبلوغ ذلك عبر اتفاقات ومعاهدات أمنية ودفاعية متقدمة المضمون، ما أمكنها إلى ذلك سبيلا.



ويتطلع الخليج في المقابل، إلى أوروبا باعتبارها سوقًا تقليدية للطاقة، ومصدراًً للتكنولوجيا، وموردًا للسلاح والعتاد العسكري. ويرى فيها -في الوقت ذاته- قوة جيوسياسية يُمكنها النهوض بدورٍ ما في معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي، ليس على المستوى الخليجي وحسب، بل والشرق الأوسط عامة.


المكونات الرئيسية للعلاقات الأوروبية الخليجية
مؤشرات التبادل التجاري والاقتصادي
أوروبا ومشاريع الطاقة النووية في الخليج
صفقات السلاح الأوروبية لدول الخليج
التعاون الأمني والدفاعي بين أوروبا ودول الخليج
الدور الأوروبي في الخليج من بوابة الناتو


 


المكونات الرئيسية للعلاقات الأوروبية الخليجية





ثمة نجاح أوروبي لا لبس فيه في سوق السلاح الخليجي؛ إذ استطاعت دول أوروبا، وخاصة بريطانيا وفرنسا، إبرام صفقات كبرى مع الأقطار الخليجية. وهذه الصفقات لا تعبر عن مضمون تجاري مجرد، بل أيضًا سياسي وأمني متقدم. وذلك بالنظر إلى تأثيرها على البنية الدفاعية لدول المنطقة، وزيادة عدد مستشاري الدفاع الأوروبيين فيها

هناك ثلاثة مكونات رئيسية في العلاقات الأوروبية الخليجية الراهنة، وهي: الطاقة (واستتباعًا التبادل التجاري)، وصفقات السلاح، والاتفاقيات الأمنية والدفاعية المؤسسة لدور جيوسياسي، أو الدافعة باتجاهه.



وترتبط جميع هذه المكونات، على نحو مباشر، بموقع أوروبا في معادلة أمن الخليج، أو لنقُل: تحدد دورها في هذا الأمن.



فعلى صعيد عنصر الطاقة الهيدروكربونية، يمكن ملاحظة تحدياتٍ متوسطة وبعيدة المدى، تعترض مكانة هذا المكون، الإستراتيجي البنيوي، في العلاقات الأوروبية الخليجية. وتتصل هذه التحديات:




- أولاً بسياسة أوروبا الخاصة بتنويع الإمدادات النفطية.


- وثانياً، بالاتجاه المتزايد نحو الغاز الطبيعي على حساب النفط، في ظل واقع خليجي لا يبدو مستعدًا لمواكبة هذا التحوّل، بالنسبة لمعظم دوله.



ومن جهة أخرى، لم تنجح محاولات أوروبا -حتى الآن- لولوج سوق الطاقة النووية في الخليج، أو لنقل: لم تسجل حضورًا في الاتفاقيات والصفقات الممهدة لهذا السوق.



في المقابل، ثمة نجاح أوروبي لا لبس فيه في سوق السلاح الخليجي؛ إذ استطاعت دول أوروبا، وخاصة بريطانيا وفرنسا، إبرام صفقات كبرى مع الأقطار الخليجية. وهذه الصفقات لا تعبر عن مضمون تجاري مجرد، بل أيضًا سياسي وأمني متقدم. وذلك بالنظر إلى تأثيرها على البنية الدفاعية لدول المنطقة، وزيادة عدد مستشاري الدفاع الأوروبيين فيها.



على صعيد ثالث، أسست الاتفاقيات الأمنية والدفاعية، الموقَّعة في عقد التسعينيات على وجه خاص، لدور أوروبي جديد في معادلة أمن الخليج. وينطوي هذا الدور على بُعد جيوسياسي ذي دلالة. وثمة محاولة أوروبية لرفده من بوابة غير مباشرة، هي بوابة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتحديدًا من خلال مبادرة إسطنبول للتعاون.



إن الدور الأوروبي الراهن في معادلة الأمن الإقليمي الخليجي يبقى دورًا أوليًا، ذلك أن الاتفاقيات الأمنية والدفاعية المؤسسة له -إن مباشرة أو عبر الناتو- هي في الأصل ذات التزامات منخفضة نسبيًا، لا تتيح للأوروبيين متسعًا من الحركة، على نحو يمكن ترجمته إلى نفوذ إقليمي، أو يمكن لأوروبا من خلاله التحوّل إلى لاعب رئيسي في أمن الخليج.



وبالنظر إلى وضع الطاقة الهيدروكربونية الوجل أو المحاط بالتحديات، والغياب الأوروبي عن سوق الطاقة النووية الخليجية، إضافة إلى الإنجاز الواضح للعيان في سوق السلاح الخليجي مع النجاح الجزئي في الاتفاقيات الدفاعية والأمنية -المباشرة وتلك القائمة عبر الناتو- يمكن القول: إن موقع أوروبا يبدو وسطيًا على نحو مجمل، في معادلة أمن الخليج.



وهذا الموقع يتناسب طرديًا مع دور الولايات المتحدة الأميركية، بمعنى أن الدور الأوروبي يُعد رافدًا ومعززًا للسياسة الأميركية في المنطقة؛ فعلى الرغم من أن واشنطن لا تحتاج إلى أوروبا في الخليج، بالمعنى اللوجستي والعملاني، فإن حضورها الأمني فيه يُعد حاجة سياسية ذات مغزى، إنْ على صعيد العلاقات الأميركية-الخليجية أو الأميركية-الأوروبية.



وليس ثمة مجال للمقارنة بين مستوى الحضورين: الأوروبي والأميركي في المنطقة، كما ليس صحيحًا بحال من الأحوال، القول بوجود طابع تنافسي بين أوروبا والولايات المتحدة على مستوى الساحة الخليجية؛ فالقوة العسكرية الأميركية هي التي يتشكل منها "الموازن الخارجي" الذي تستند إليه معادلة أمن الخليج الراهنة، وهذا أمر مفهوم على أية حال.



مؤشرات التبادل التجاري والاقتصادي






تحتفظ أقطار مجلس مجلس التعاون لدول الخليج العربية بنحو 45 بالمائة مِن احتياطيات العالم النفطية المثبتةَ، و25 بالمائة من صادرات النفط الخام (العربية السعودية مصدِّرُ النفط العالمي الأول)، وتَمتلك 17 بالمائة على الأقل من الغاز الطبيعي العالميِ المثبتِ (قطر أَصْبَحتْ المصدِّر الأول عالميًا للغاز الطبيعي المسال
إن التجارة الأوروبية الخليجية، لا تحتل سوى موقعًا هامشيًا في تجارة أوروبا العالمية، على الرغم من أهمية ما تشير إليه أرقامها المطلقة.


وتتعرض صادرات أوروبا للخليج على نحو متزايد لتآكل قدرتها التنافسية أمام السلع الآسيوية، وإذا جرى في يومٍ ما التخلي عن صفقات الطيران المدني لمصلحة منتجين آخرين، فإن التجارة الخليجية الأوروبية، غير العسكرية، ستكون أشبه بصادرات خام من جانب واحد.



وعلاوة على كل ذلك، فإن الإخفاق في إقرار اتفاقية تجارة حرة بين الجانبين الخليجي والأوروبي، في ظل استمرار إبرام الخليجيين لاتفاقيات مماثلة مع الكتل الإقليمية المختلفة، يجعل من إمكانية المنافسة الأوروبية في الخليج أمرًا بالغ الصعوبة.



من جهة ثالثة، بات قطاع الطاقة، الذي يحتل موقع القلب في العلاقات الراهنة بين أوروبا والخليج، أمام تحد من نوع جديد، يرتبط بجغرافية الواردات الأوروبية، كما بمستقبل صناعة الطاقة الخليجية.



فأوروبا تتجه على نحو متزايد لتنويع مصادر إمداداتها من الطاقة النفطية، إن من أفريقيا أو من آسيا الوسطى، الأمر الذي قد يقلص مكانة الخليج في مقاربة أمن الطاقة الأوروبي، وبالتبعية الأمن القومي الأوروبي عامة.



كذلك، فإن اعتماد أوروبا -الآخذ في الاتساع- على الغاز الطبيعي المسال، يضع صناعة الطاقة الخليجية أمام تحدٍ؛ حيث يجب عليها مواكبة طلب الأوروبيين للمحافظة على سوقهم الواعدة. بيد أنه لا توجد في الخليج اليوم سوى دولة واحدة تعد مصدِّرًا رئيسيًا للغاز الطبيعي المسال، هي قطر.



إن السياق الراهن لوضع الطاقة الأوروبي سوف يعكس نفسه بالضرورة على منظور أوروبا لقضية الأمن في الخليج ودورها فيه، لأننا بصدد قضية اقتصادية الإطار، إستراتيجية المضمون، تحمل قدرًا كبيرًا من الأبعاد السياسية والأمنية بعيدة المدى.



وعلى نحو تقليدي، يُعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لأقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية. فقد صدَّر الاتحاد الأوروبي في العام 2009 إلى أقطار مجلس التعاون الخليجي سلعاً بقيمة 57.8 مليار يورو. واستورد منها سلعًا بقيمة 21.8 مليار يورو، 73.4% من هذه الواردات عبارة عن وقود خام ومشتقاته. أي أن حجم التبادل التجاري بين الطرفين بلغ 79.6 مليار يورو. وأن الميزان التجاري مال لمصلحة الاتحاد الأوروبي بما مقداره 36 مليار يورو(1).



وقد دخل الجانبان الأوروبي والخليجي، منذ أكثر من عقدين من الزمن، في مفاوضات تستهدف إبرام اتفاقية تجارة حرة، يُراد لها تعزيز الشراكة القائمة ومنحها بُعدًا هيكليًا جديدًا.



بيد أن القمة الخليجية التاسعة والعشرين، التي عقدت في العاصمة العمانية مسقط، يومي 29- 30 ديسمبر/ كانون الأول 2008، قررت تعليق مفاوضات التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي. وكان كل طرف قد حمَّل في ذلك العام الطرف الآخر المسؤولية عن تعثر المفاوضات(2).



في المقابل، قرر اتحاد الغرف التجارية الخليجية إقامة منتدى سنوي بعنوان "منتدى الشراكة الخليجية الأوروبية"، يُعقَد كل عام في أحد أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وستكون البداية في الدوحة عام 2011. ويُرجى من هذا المنتدى إثارة حوار أكثر شمولاً حول القضايا العالقة، وجوانب التعاون الاقتصادي عامة.



ويمكن النظر إلى قطاع الطاقة باعتباره البعد الأكثر مركزية في التفاعلات الاقتصادية الخليجية الأوروبية؛ حيث يستورد الاتحاد الأوروبي ثلاثة أرباع استهلاكه النفطي ونصف استهلاكه من الغاز الطبيعي. وبحلول العام 2030، سوف يستورد 90 % من احتياجاته من النفط(3).



وتحتفظ أقطار مجلس مجلس التعاون لدول الخليج العربية بنحو 45 بالمائة مِن احتياطيات العالم النفطية المثبتةَ، و25 بالمائة من صادرات النفط الخام (العربية السعودية مصدِّرُ النفط العالمي الأول)، وتَمتلك 17 بالمائة على الأقل من الغاز الطبيعي العالميِ المثبتِ (قطر أَصْبَحتْ المصدِّر الأول عالميًا للغاز الطبيعي المسال)(4).



وبالمعايير الاقتصادية والإستراتيجية، على حد سواء، سيبقى النفط والغاز، في المدى المنظور، مركز التفاعل الرئيسي بين أوروبا والخليج، وعامل الارتباط الأوروبي الأول بأمن هذه المنطقة.



إن دول الخليج معنية بالمحافظة على مكانتها في سوق الطاقة الأوروبي، عبر الاعتناء بوجه خاص بصناعة الغاز الطبيعي المسال؛ إذ تشير كافة التقديرات إلى أن أوروبا ستكون -مع الولايات المتحدة- المركز القادم لهذه السلعة، وذلك بعد اليابان وكوريا الجنوبية. وحيث لا يوجد بديل كاف حتى الآن لسد الاحتياجات المتوقعة للسوق الأوروبي، خاصة وأن روسيا -مصدِّر الغاز الطبيعي الأول للقارة القديمة- أمامها عقود لتطوير صناعة الغاز المسال لديها.


أوروبا ومشاريع الطاقة النووية في الخليج





الولايات المتحدة، وليس أوروبا، هي من سيتولى على الأرجح، عملية تزويد أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالوقود النووي للمحطات الكهروذرية المزمع إقامتها في المنطقة. كما أن مهمة تشييد هذه المحطات ذاتها قد لا تكون من نصيب أوروبا، تمامًا كما حدث مع أول مناقصة جرت على هذا الصعيد في المنطقة

سعى الأوروبيون ومنهم الفرنسيون على وجه خاص، إضافة إلى بعض الشركات البريطانية، لإيجاد موطئ قدم لهم في قطاع الطاقة النووية الخليجي الموعود، إلا أن محاولاتهم لم تسفر عن نتيجة تذكر حتى الآن.


فكما هو معروف، قررت أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في ديسمبر/كانون الأول 2006 ، إطلاق برامج وطنية للطاقة النووية المدنية، على قاعدة مفادها أن النفط والغاز سينفدان يومًا ما، كما أن دول المنطقة بحاجة إلى تصدير هذا الخام لتعزيز عوائدها المالية(5). وهناك في الوقت ذاته خلفية غير منطوق بها للقرار الخليجي، تتمثل في كون الطاقة النووية جزءًا مهمًا من معادلة القوة الجيوسياسية، بل والنفوذ الإقليمي.


وأيًا يكن الأمر، فقد سعى الأوروبيون وخاصة فرنسا، لدخول هذا الميدان الخليجي الجديد(6)؛ فقد تم في 14 يناير/كانون الثاني 2008، التوقيع على "بروتوكول اتفاق" بين الحكومة القطرية ومؤسسة كهرباء فرنسا (إي دي إف)، ينص على "بدء محادثات حول التعاون في مجالات إنتاج الطاقة النووية. ووقعت فرنسا -في الشهر ذاته- اتفاق تعاون مع الإمارات في مجال الطاقة النووية السلمية. كما عرضت باريس اقتراحًا على الرياض، للتعاون في تطوير الطاقة النووية، ولكن دون الإعلان عن اتفاق محدد(7).



في الخطوات العملية، وقعت دولة الإمارات، في 21 أبريل/نيسان 2008، اتفاقية تعاون في القطاع النووي المدني مع الولايات المتحدة، ووافق الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في 20 مايو/أيار 2009، على هذه الاتفاقية التي تعد الأولى من نوعها بين الولايات المتحدة ودولة شرق أوسطية، والتي ستحصل بموجبها أبوظبي على الوقود النووي لمحطاتها الكهروذرية(8).


كذلك، خسر الفرنسيون أمام تحالف كوري جنوبي، فاز بعقد قيمته 40 مليار دولار لبناء محطات للطاقة النووية في الإمارات. وقد ضم التحالف الكوري الجنوبي الفائز مؤسسة الطاقة الكهربائية الكورية الجنوبية وهيونداي للهندسة والإنشاءات وسامسونغ سياندتي كوربوريشن(9).


وفي الخامس والعشرين من مارس/آذار 2008 جرى توقيع اتفاق تعاون بين البحرين والولايات المتحدة في المجال النووي(10).


وفي مايو/أيار من العام نفسه، وقعت السعودية مع الولايات المتحدة مذكرة تفاهم خاصة بالتعاون النووي السلمي، وجرى الاتفاق على أن يعمل البلدان على وضع إطار شامل للتعاون في هذا القطاع، عن طريق سلسلة من الاتفاقيات المتممة. وستقوم واشنطن بمساعدة الرياض في إيجاد طاقة نووية مدنية لاستخدامها في الطب والصناعة، وتوليد الطاقة الكهربائية. وستساعد كذلك في تطوير الموارد البشرية والبنية الأساسية، طبقًا لمعايير وكالة الدولية للطاقة الذرية(11).



وما يمكن قوله خلاصة في هذا الشأن، هو: إن الولايات المتحدة، وليس أوروبا، هي من سيتولى على الأرجح، عملية تزويد أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالوقود النووي للمحطات الكهروذرية المزمع إقامتها في المنطقة. كما أن مهمة تشييد هذه المحطات ذاتها قد لا تكون من نصيب أوروبا، تمامًا كما حدث مع أول مناقصة جرت على هذا الصعيد في المنطقة. ونقصد بذلك العقد الذي فاز به الائتلاف الكوري الجنوبي في الإمارات.


إن مغزى التعاون في مجال الطاقة النووية يتمثل في ربط الأطراف المتعاقدة باتفاقيات طويلة الأمد، تمتد لعقود في المجمل. وهي ضمانة لإدامة تشابك المصالح، والنأي بها عن الظروف السياسية المتغيّرة. والأهم من ذلك، تكريس الطابع الإستراتيجي للعلاقة بين الدول المعنية، وذلك بالنظر للأهمية الاقتصادية والجيوسياسية الخاصة، التي تمثلها الصناعة النووية.


ولو قُدِّر لأوروبا الفوز بقطاع الطاقة النووية في الخليج، لتمكنت من تعزيز المضمون الإستراتيجي لدورها في هذه المنطقة، والانتقال به إلى مرحلة أكثر تقدمًا ووضوحًا.بما في ذلك تعزيز موقعها في معادلة الأمن الإقليمي، التي لا يُمكن مقاربتها بعيدًا عن هذا القطاع.


وفي نهاية المطاف، فإن قرار دولةٍ ما التعاقد بشأن صناعتها النووية هو قرار سياسي وإستراتيجي بالدرجة الأولى. وهذه مسألة لها مغزاها الصريح في مقاربة العلاقات الخليجية الأوروبية.


صفقات السلاح الأوروبية لدول الخليج


خلافًا لسوق الطاقة النووية، بدت سوق السلاح الخليجي مشرعة الأبواب أمام أوروبا؛ فقد سجلت صادرات أوروبا من الأسلحة التقليدية والمعدات العسكرية، لأقطار الخليج العربي حضورًا متنوعًا في السنوات العشرين الماضية. بيد أن الجانب الأهم في هذه الصادرات هو ذلك الذي لا زال قيد التنفيذ أو طور التداول.



لقد تواصل الاتجاه التقليدي لجغرافية الواردات العسكرية الخليجية خلال الفترة الممتدة بين 1999 – 2009. وتناوبت الولايات المتحدة وأوروبا على صدارة الموردين الدوليين للأسلحة والعتاد العسكري، لأقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية.



وعلى الرغم من أن هذه الأقطار قد استوردت سلاحها خلال هذه الفترة، من حوالي عشرين دولة، إلا أن الجزء الأعظم منه جاء من ثلاث دول، هي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا.



وقد بلغت القيمة الإجمالية لواردات أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية من الأسلحة والمعدات العسكرية، في الفترة بين 1999 – 2009، ما نسبته 7% من قيمة الواردات العالمية على هذا الصعيد(12).


واستحوذت أقطار المجلس الست، خلال الفترة ذاتها، على 10.6% من إجمالي الصادرات العسكرية الأميركية، و35.4% من الصادرات الفرنسية، و7.3% من الصادرات البريطانية، و0.69% من الصادرات الألمانية(13).



وكانت الولايات المتحدة مسؤولة خلال هذه الفترة عن 32.4% من إجمالي صادرات الأسلحة العالمية، وألمانيا 8.58% منها، وفرنسا 7.7% وبريطانيا 4.8%(14).



وسوف نستعرض فيما يلي المؤشرات الخاصة باثنين من أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لتقريب الصورة العامة لجغرافية الواردات العسكرية لأقطار المجلس إجمالاً، خلال الفترة 1999 – 2009، وموقع أوروبا منها. والدولتان هما السعودية والكويت.



استوردت السعودية خلال الفترة 1999 – 2009 أسلحة ومعدات عسكرية من 12 دولة، هي: بلجيكا، وكندا، والصين، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وباكستان، وجنوب أفريقيا، وسويسرا، وتركيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة.



وقد شكّلت الأسلحة والمعدات العسكرية الأميركية ما نسبته 49.31% من هذه الواردات، في حين شكلت الفرنسية 29.51%، والبريطانية 11.83%.



وحققت الولايات المتحدة أعلى حضور نسبي في الواردات العسكرية السعودية في العام 2005، بواقع 96.62%. وحققت أعلى حضور بالأرقام المطلقة في الأعوام 1999، 2004 و 2009، على التوالي.



وبدورها، سجلت فرنسا أعلى حضور نسبي في الواردات العسكرية السعودية في العام 2002، بحصة قدرها 68.82% من إجمالي هذه الواردات. وسجل في العام ذاته أيضًا أعلى حضور فرنسي بالأرقام المطلقة. أما بريطانيا، فقد حققت أعلى حضور نسبي، كما بالأرقام المطلقة، في هذه الواردات في العام 2009، بواقع 72.36%(15).



من جهتها، استوردت الكويت أسلحة ومعدات عسكرية، خلال الفترة 1999 - 2009، من ثماني دول، هي: أستراليا والصين وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وسويسرا وبريطانيا والولايات المتحدة.



وشكلت الأسلحة والمعدات الفرنسية ما نسبته 39.4% من القيمة الإجمالية لهذه الواردات، في حين استحوذت الواردات الأميركية على 34.07% منها، والصينية 10.98%،والبريطانية 4.88%.



وقد سُجِّلت أعلى نسبة للحضور الأميركي في الواردات العسكرية الكويتية في العام 2007؛ حيث وصلت إلى 100% من هذه الواردات. وكانت هذه النسبة صفرًا في عامي 2008 و2009.



ومن ناحيتها، حققت فرنسا أعلى نسبة حضور لها في هذه الواردات عام 1999، بواقع 81.48%. كما شهد العام نفسه أعلى حضور فرنسي، خلال هذه الفترة، بالأرقام المطلقة(16).



على صعيد أبرز الصفقات العسكرية الأوروبية، الراهنة والمتوقعة في الخليج، تسلمت السعودية في يونيو/حزيران 2009 أول طائرتين من مقاتلات (Eurofighter Typhoon) البريطانية، من أصل 72 مقاتلة جرى التعاقد عليها، بمبلغ إجمالي قدره 32.9 مليار دولار، شاملاً تسليح المقاتلات وخدمات الصيانة الخاصة بها(17).


وتعد السعودية أول دولة غير أوروبية تحصل على هذه المقاتلة متعددة المهام، التي تنتجها مجموعة شركات أوروبية بزعامة بريطانية.


وفي السياق ذاته، قال المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني السابق غوردون براون، في الثاني من أبريل/نيسان 2010: إن سلطنة عمان أشارت إلى عزمها شراء 24 مقاتلة من مقاتلات (Eurofighter Typhoon). وقال المتحدث: إن الصفقة المحتملة تأتي بعد ثلاث سنوات من المحادثات بين لندن ومسقط(18).



وكانت تقارير إعلامية قد أفادت، في أواخر العام 2008، بأن عمان تجري محادثات مع بريطانيا بشأن هذه الصفقة، التي تصل قيمتها الإجمالية إلى نحو مليار ونصف المليار يورو(19).


على الصعيد الألماني، ذكرت مجلة "دير شبيغل"، في الثامن عشر من مايو/أيار 2009، أن برلين قررت السماح، لأول مرة، بتصدير دبابة القتال الرئيسية من طراز (Leopard 2)، التي تنتجها شركة (KMW GmbH)، إلى دول الخليج العربي. وأن مجلس الأمن القومي الألماني صادق على البدء ببيع 36 دبابة من هذا الطراز إلى قطر، كمقدمة لعقد صفقات مماثلة مع دول المنطقة(20).



وكانت ألمانيا قد رفضت في السنوات الماضية بيع دول الخليج هذا النوع من الدبابات، تحت ذريعة تهديد أمن إسرائيل.



وضمن الصفقات الأوروبية الأخيرة، حصلت مؤسسة (Diehl BGT Defence) ، في سبتمبر/أيلول 2009، على عقد توريد صواريخ (IRIS-T)، جو – جو الموجهة، للقوات السعودية؛ حيث سيجري استخدامها في كل من طائرات (Eurofighter Typhoon) و (Tornado)، التي تمتلكها هذه القوات. وصواريخ (IRIS-T) عبارة عن إنتاج مشترك من قِبل ست دول أوروبية، تحت إشراف ألماني(21).




ويبقى النقاش الأكثر حضورًا على هذا الصعيد، هو ذلك المتعلق ببيع 60 طائرة من مقاتلات "رافال" الفرنسية إلى دولة الإمارات؛ فقد أعلنت باريس في 19 يونيو/حزيران 2009 أنها تقترب من التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن(22).


وتُقدّر قيمة صفقة "رافال" المرتقبة بين ستة وثمانية مليارات يورو(8.4-11.2 مليار دولار)، وسوف يعتمد السعر الأخير على الشكل النهائي للتحسينات المطلوبة. وقالت أبوظبي من ناحيتها: إنها سلمت الجهات الفرنسية المواصفات الفنية والعملانية التي ترغب في وجودها بمقاتلات "رافال"(23).




وفي المجمل، يمكن القول: إنه فيما يتعلق بالحضور الأوروبي في سوق السلاح الخليجي، فإن هذا الحضور قد تمكن من المحافظة على مواقعه التقليدية، التي بدا عليها منذ الطفرة النفطية الثانية في نهاية العقد السابع من القرن العشرين؛ حيث شهد عقد الثمانينيات أكبر صفقات السلاح الأوروبية في تاريخ هذه المنطقة.


التعاون الأمني والدفاعي بين أوروبا ودول الخليج





وكان الفرنسيون قد تقدموا، في ديسمبر/كانون الأول 2005، باقتراح يدعو إلى تعزيز الحوار الأمني والدفاعي، غير الرسمي، بين دول الخليج العربي وثماني دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، هي: فرنسا وألمانيا وبريطانيا واليونان وإيطاليا وهولندا والبرتغال وأسبانيا

لقد سعت أوروبا لتسييل علاقاتها المتطوّرة بدول الخليج في صورة نفوذ إقليمي، لا يقف عند بوابة صفقات السلاح، بل يتعداها إلى اتفاقيات دفاعية وأمنية، تؤسس لبعد جيوسياسي للدور الأوروبي في هذه المنطقة.



فقبل حرب الخليج الثانية، نصَّت الاتفاقية الإطارية للتعاون بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والاتحاد الأوروبي، الموقَّعة عام 1988، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1989،على تشكيل مجلس مشترك يضم وزراء خارجية الطرفين، ويعقد اجتماعات دورية سنويًا في إحدى عواصم الدول الأعضاء. وقد عقد المجلس المشترك أول اجتماع له في العاصمة العمانية مسقط في 17 مارس/آذار 1990. وعُقد آخر اجتماع للمجلس في الرابع عشر من يونيو/حزيران 2010، في لكسمبورغ.



وإضافة إلى ذلك، يعقد الجانبان اجتماعًا سـنويًا في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.



واعتبارًا من العام 1991، نجحت الدول الأوروبية في استثمار مشاركتها في حرب الخليج الثانية، لتدفع باتجاه توقيع عدد من الاتفاقيات الدفاعية والأمنية ذات المغزى مع دول المنطقة. وانطبق هذا الأمر تحديدًا على بريطانيا وفرنسا.



وربما يكون الأمر الأكثر دلالة على صعيد الاتفاقيات الدفاعية الجديدة هو ذلك المرتبط بفرنسا؛ إذ إن التعاون البريطاني الخليجي ظل مستمرًا على الصعيد العسكري بأشكال مختلفة، وبتفاهمات واتفاقيات متفاوتة المستوى.



اليوم، ترتبط فرنسا باتفاقيات دفاعية، متكاملة نسبيًا، مع ثلاث دول خليجية، هي: الكويت وقطر والإمارات. وقد جرى تطوير هذه الاتفاقيات على مدى الأعوام العشرين الماضية، كما تم استبدال بعضها باتفاقيات جديدة أكثر تبلورًا؛ فعلى الصعيد الفرنسي الكويتي، جرى في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2009، التوقيع على اتفاقية دفاعية، طوّرت اتفاقية العام 1992(24).



وكانت الكويت قد أبرمت اتفاقية دفاعية مع باريس في 18 أغسطس/آب من ذلك العام، نظَّمت أُطُر وإجراءات التعاون بين البلدين، وخاصة عند تعرض الكويت لاعتداء خارجي، كما تضمنت القيام بتمارين ومناورات مشتركة، وتبادل الخبرات وتأهيل الكوادر العسكرية.


كذلك، وقَّعت الدولتان في نوفمبر/تشرين الثاني 2006 على اتفاقيتين عسكريتين تتعلق الأولى منها بالتعاون في مجال شراء وتوريد معدات التسليح، فيما تختص الثانية بترتيبات تبادل المعلومات الاستخبارية العسكرية.



وعلى الصعيد الفرنسي القطري، أُضيف لاتفاقية التعاون الدفاعي التي وُقِّعت بعد حرب الخليج الثانية، عددٌ من الاتفاقات الأمنية اللاحقة. كذلك، وقَّعت قطر، في الثاني عشر من مايو/أيار 2010، اتفاقية تعاون دفاعي مع دولة أروبية جديدة هي إيطاليا(25).



وعلى الصعيد الفرنسي الإماراتي، جرى في 16 يناير/كانون الثاني 2008 توقيع اتفاقية ثنائية، مُنحت بموجبها فرنسا حق إنشاء أول قاعدة عسكرية دائمة في الخليج العربي. وقد افتُتِحت القاعدة رسميًا في السادس والعشرين من مايو/أيار 2009، تحت اسم "معسكر السلام البحري"(26).



واندرج إقامة هذه القاعدة ضمن اتفاقية دفاع مشترك وُقِّعت في العام 1995، وظل يخدم في إطارها ما مجموعه 80 عسكريًا فرنسيًا، يعملون في صفوف القوات المسلحة الإماراتية. وكان هناك اتفاق تعاون مماثل أقل مستوى، وُقِّع في العام 1991. وسبقه اتفاق آخر وقع عام 1977، وتركز بصفة أساسية على صفقات التسلّح(27).




على المستوى السعودي الفرنسي، وقع اتفاق للتعاون الدفاعي، في 21 يوليو/تموز 2006. كما جرى التوقيع في فبراير/شباط 2008 على اتفاق آخر في مجال مكافحة الإرهاب وعمليات التهريب والاتجار غير المشروع(28). وقد تطوّر التعاون الأمني الفرنسي السعودي منذ توقيع الرياض عام 1982 أول عقد مع باريس لشراء معدات عسكرية.



وكان الفرنسيون قد تقدموا، في ديسمبر/كانون الأول 2005، باقتراح يدعو إلى تعزيز الحوار الأمني والدفاعي، غير الرسمي، بين دول الخليج العربي وثماني دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، هي: فرنسا وألمانيا وبريطانيا واليونان وإيطاليا وهولندا والبرتغال وأسبانيا.



وهذا الحوار متحقق اليوم عمليًا، وإن على نحو جزئي. وتسهم فيه معاهد ومؤسسات بحثية محلية.


الدور الأوروبي في الخليج من بوابة الناتو


وعلى صعيد المقاربة الأوسع لدور أوروبا في معادلة أمن الخليج، يُمكن الإشارة إلى أن الدول الأوروبية قد سعت لإيجاد موقع لها في هذه المعادلة عبر بوابة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتحديدًا من خلال مبادرة إسطنبول للتعاون( ICI ).



ففي قمته التي عُقِدت في إسطنبول، في يونيو/حزيران 2004، اتخذ حلف الناتو -ضمن أمور أخرى- قرارين رئيسيّين: تمثَّل الأول في رفع الحوار المتوسطي إلى شراكة فعلية، وتجلَّى الآخر في إطلاق مبادرة إسطنبول للتعاون، التي قصدت أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية(29).



وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2006 أطلقت قمة الناتو، التي عقدت في العاصمة اللاتفية ريغا، برنامجًا خاصًا للتعاون في مجال التدريب العسكري والمدني مع الدول غير الأعضاء، وجاء البرنامج في أحد أبعاده رافدًا لمبادرة إسطنبول. وقد انضمت لهذه المبادرة على التوالي كل من الكويت والبحرين وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة.


ولم تنظم إليها حتى الآن دولتان من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، هما السعودية وعُمان.



وتعمل مبادرة إسطنبول وفق مبدأ ( 28 +1)، وليس ( 28 +6)، أي أنها تنهض على مبدأ بناء تفاهمات بين الناتو من جهة وكل دولة خليجية على حدة، من جهة أخرى.


ويبدو أن هذا هو السبب الذي يقف خلف تحفظ السعودية على الانتساب إلى هذه المبادرة. أو على الأقل هو أحد الأسباب الرئيسية؛ إذ إن هناك أيضًا مطالبة بتغيير اسم المبادرة لتكون تحت مسمى "الحوار الخليجي"، أو عنوانًا قريبًا من ذلك.


وتتجلى بعض الخيارات والأفكار المطروحة في إطار مبادرة إسطنبول في التعاون الخاص بمكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، وحماية أمن الطاقة وممراتها الحيوية، والإصلاحات العسكرية، وإدارة الأزمات، والطوارئ المدنية، وإجراء التمارين والتدريبات المشتركة.


والسؤال الجوهري الذي فرض نفسه هو: هل أتت مبادرة إسطنبول -التي توجهت لأقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية-، بهدف إيجاد موقع للناتو في أمن الخليج أم بغرض تأسيس وجود أوروبي في هذا الأمن؟



إن مبرر هذا السؤال هو أن الولايات المتحدة، العمود الفقري للناتو، تُعَد صاحبة الثقل الدولي الأول في المنطقة، وهي تاليًا ليست في حاجة إلى مبادرة إسطنبول بمفرداتها وبنودها المعلنة. والحقيقة هي أن المبادرة هي قناة أوروبية عبر الناتو.


مقارنة أولية بين الدورين الأوروبي والأميركي


كما سبقت الإشارة، فإن الدور الأمني الأوروبي في الخليج يُعد دورًا مكملاً للدور الأميركي، وهو يُمثل -في أحد مضامينه- حاجة سياسية أميركية. وعلى الصعيد اللوجستي والعملاني، ليس ثمة مجال للمقارنة بين الحضورين الأوروبي والأميركي في هذه المنطقة.



فالاتفاقيات الدفاعية بين الولايات المتحدة والدول العربية في الخليج تعود إلى العام 1945، وقد تطوّرت هذه الاتفاقيات اعتبارًا من عام 1980، مع إعلان مبدأ كارتر، ثم دخلت طورًا جديداً بعد حرب الخليج الثانية عام 1991. وهناك اليوم قواعد ومنشآت أميركية في غالبية أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية.



أما الوجود العسكري الأوروبي، فيقتصر حاليًا على "معسكر السلام البحري" الفرنسي في دولة الإمارات العربية المتحدة. كما توجد "تسهيلات" خاصة للقوات البريطانية في سلطنة عمان.



ولا ترتبط أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية باتفاقيات أمنية أو دفاعية جماعية مع أي من القوى الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية. والحال ذاته بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي. وجميع الاتفاقيات القائمة على هذا الصعيد هي اتفاقيات ثنائية حصرًا.



وعلى الرغم من ذلك، هناك حوار أمني خليجي أميركي مشترك؛ ففي مايو/أيار من العام 2006، أطلقت الولايات المتحدة مبادرة "حوار أمن الخليج" (Gulf Security Dialogue (GSD)). وقد أصبح هذا الحوار اليوم آلية التنسيق الأمني الرئيسية بين الولايات المتحدة وأقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وهو يهدف إلى توفير إطار عمل للعلاقات الأميركية الخليجية في ستة مجالات، هي: تحسين القدرات الدفاعية لدول الخليج، وقضايا الأمن الإقليمي (كالنزاع العربي – الإسرائيلي، ووضع العراق، وبرنامج إيران النووي)، ومكافحة انتشار الأسلحة النووية، والتصدي للإرهاب العابر للدول، وتعزيز الأمن الوطني، وحماية البنية التحتية الحيوية. وتتم في إطار هذا الحوار لقاءات ثنائية سنوية، تُعقَد بالتناوب في كل من واشنطن والعواصم الخليجية(30).



في المقابل، لا تتوفر مثل هذه الآلية على مستوى العلاقات الخليجية الأوروبية. كما لا ترتقي مبادرة إسطنبول، بحال من الأحوال، إلى مستوى الحوار الأمني الخليجي الأميركي.


على صعيد ثالث، تُجري الولايات المتحدة مناورات عسكرية منتظمة مع أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وخاصة في حوض الخليج وبحر العرب، وتتولى القيادة المركزية الأميركية (السنتكوم) الإشراف على الأنشطة العسكرية والتدريبية التي تجريها الولايات المتحدة في المنطقة.


هذا في حين لا توجد تدريبات عسكرية منتظمة بين أوروبا وأقطار الخليج العربي.


هذه الفروق الثلاثة بين الحضورين الأميركي والأوروبي في منطقة الخليج العربي، تجعل التفاوت النسبي بينهما نوعيًا وكبيرًا، إلا أن الموقع الأوروبي في معادلة أمن الخليج يبقى، على الرغم من ذلك، موقعاً وسطيًا، في الحسابات الكلية.



إن أوروبا، الحاضرة أمنيًا في الخليج، تدافع عن مصالحها بعيدة المدى، على مستوى إمدادات الطاقة، وسلامة الممرات الإستراتيجية، ودعم الخيارات السياسية المحافظة، وتعزيز ثقلها الجيوسياسي في الساحة الدولية.


وهي تمارس في الخليج نوعًا من تقاسم الأعباء، الضمني أو الصريح، مع الحليف الأميركي، الذي لا تريد أن ينعتها بالسلبية، والوقوف موقف المتفرج على الأحداث، في منطقة مصالح مشتركة.



إن دور أوروبا الأمني في هذه المنطقة يُظهر توافق المنظومة الغربية، ولكن دون أن يؤكد انسجامها التام، إنْ على مستوى المصالح أو قراءة الأحداث وتشخيصها. ويُعد هذا الدور حاجة سياسية لتأكيد وحدة الغرب، على الرغم من سده -الفعلي أو الافتراضي- لبعض الثغرات أو الضرورات.



وبالنسبة لدول الخليج، فإن دور أوروبا الأمني يخلق نوعًا من السيولة السياسية، ويزيد من هامش الخيارات المتاح أمامها. بيد أن هذا الدور لا يُمثل حالة موازية أو منافسة للولايات المتحدة. إنه دور لتعزيز خيارات وسياسات قائمة في الأصل.


_______________
باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجيي


الإحالات:



1- EU – Gulf Cooperation Council (GCC) relations, European Commission,at: http:// ec .europa.eu/trade/creating-opportunities/bilateral-relations/regions/gulf-region



2- Human rights part of GCC-EU accor d: Ferrero-Waldner. EUbusiness.com - business, legal and economic news and information from the European Union,at: 16 April 2008 http: // w w    w .eubusiness.com/news-eu/1208375223.1/


3- GCC-EU Oil Accord May Lead To Energy Integration; OPEC Supply Gesture Is Key 1st Move. Goliath Business News. APS Diplomat News Service. 11- APR-2005, at: http : // goliath . ecnext .com /coms2/gi_0199-3943100/GCC-EU-Oil-Accord-May.html


4-Ugo Fasano and Zubair Iqbal .GCC Countries: From Oil Dependence to Diversification. 2003 International Monetary Fund,at: http: / / ww w .imf.org/external/pubs/ft/med/2003/eng/fasano/index.htm. ,See also: Barnett, Steven, and Rolando Ossowski, 2002, "Operational Aspects of Fiscal Policy in Oil-Producing Countries," IMF Working Paper 02/177 (Washington: International Monetary Fund), Fasano, Ugo, 2001a, "With Limited Oil Resources, Oman Faces Challenges of Economic Diversification, Structural Reforms," IMF Survey (July 30), pp. 254–57,Goyal, Rishi, 2003, "Non-Oil Growth, Competitiveness, and the Labor Market," in United Arab Emirates: Selected Issues and Statistical Appendix, IMF Country Report No. 03/67 (Washington: International Monetary Fund), pp. 41–58


5- UAE leads Gulf nuclear-power plans, IISS Strategic Comments, Volume 16, Comment 7 , February 2010 , The International Institute For Strategic Studies ,at:http:// w w w .iiss.org/publications/strategic-comments/
past-issues/volume-16-2010/february/uae-leads-gulf-nuclear-power-plans
.


6- French deals threaten GCC nuclear plans, MEED, 18 January 2008, at: http:// w w w .meed.com/sectors/power/french-deals-threaten-gcc-nuclear-plans/491199.article


7 – New French Nuclear Deals in the Middle East Generate Proliferation Concerns, WMD Insights: Issues and Viewpoints in the International Media, April 2008 Issue,at: http:// w w w.
wmdinsights.com/I24/I24_ME1_NewFrenchNuclear.htm


8 –Obama approves nuclear energy deal with UAE, Reuters, WASHINGTON, May 20, 2009, at:


http:// w w w.reuters.com/article/idUSN2053210320090520


9 – Na Jeong-ju, Korea Wins $40 Bil. UAE Nuclear Deal, Korea Times, December 27, 2009 at:


http:// w w w.koreatimes.co.kr/www/news/nation/2010/05/117_58017.html


10 – David I. McKeeby, Bahrain, United States to Cooperate on Nuclear Energy.Gulf state agrees to purchase fuel, support global counterproliferation, America.gov, March 25, 2008,at: http:/ / w w w .america.gov/st/peacesec-english/2008/March/20080325155024idybeekcm0.5472223.html


11 – U.S.-Saudi Arabia Memorandum of Understanding on Nuclear Energy Cooperation, The Carnegie Endowment, MAY 16, 2008, AT: HTTP: // CARNEGIEENDOWMENT .ORG
/PUBLICATIONS/INDEX.CFM?FA=VIEW&ID=20136


12- TIV of arms imports to all, 1999-2009, SIPRI Arms Transfers Database, Stockholm International Peace Research Institute, Stockholm ,2010, at: http:// armstrade .sipri.org/armstrade/html/export_values.php


13- TIV of arms exports from (France , Germany, UK, USA) 1999-2009, SIPRI Arms Transfers Database, Stockholm International Peace Research Institute, Stockholm,2010,at: http: / / armstrade.sipri.org/armstrade/html/export_values.php


14- Ibid.


15- TIV of arms imports to Saudi Arabia, 1999-2009, SIPRI Arms Transfers Database, Stockholm International Peace Research Institute, Stockholm ,2010, at: http:// armstrade .sipri.org/armstrade/html/export_values.php


16- TIV of arms imports to Kuwait, 1999-2009, SIPRI Arms Transfers Database, Stockholm International Peace Research Institute, Stockholm ,2010, at: http: / / armstrade.sipri.org/armstrade/html/export_values.php


17- Saudi Arabia received two Eurofighter Typhoon combat aircraft, Defense World, Jun 15, 2009, at: http:// defenseworld .net/go/defensenews.jsp?n=Saudi Arabia received two Eurofighter Typhoon combat aircraft&id=3185


18- Sources: Oman to buy 24 Eurofighters, UPI, April 5, 2010, at:



http:// w w w.upi.com/Business_News/Security-Industry/2010/04/05/Sources-Oman-to-buy-24-Eurofighters/UPI-28171270484630

/

19- British Eurofighters to Oman?, Defense Industry Daily, Nov 18, 2008 at: http://
w w w.defenseindustrydaily.com
/British-Eurofighters-to-Oman-05163
/


20- Germany to sell Leopard 2 combat tanks to Qatar: report , Global Security, May 16,2009,at:
http:// w w w .globalsecurity.org
/military/library/news/2009/05/mil-090516-irna01.htm


21- Andrew Chuter, Saudi Arabia Buys MBDA Missiles: Sources, Defense News, Feb 19, 2010, at:



http:// w w w .defensenews.com/story.php?i=4506705&c=MID&s=AIR


22-France, UAE finalizing Rafale talks, UPI, June 18, 2010,at: http:// w w w .upi.com/Business_News/Security-Industry/2010/06/18/France-UAE-finalizing-Rafale-talks/UPI-97841276880795/

23-ANDREW CHUTER and PIERRE TRAN, UAE May Fund Next-Gen Rafale. Wants More Powerful Engine, AESA Radar, Defense News, May 3, 2010 at:



http:// w w w.defensenews.com/story.php?i=4607739


24-France signs defense agreement with Kuwait, AFP, October 23, 2009,at:


http:// w w w .defencetalk.com/france-signs-defence-agreement-with-kuwait-22737

/

25- Qatar, Italy Sign Defence Cooperation Agreement, Qatar Morning Post, May 12, 2010, at:



http: // w w w .qatarmorningpost.com
/news/newsfull.php?newid=368719


26-Edward Cody, First French Military Base Opens in the Persian Gulf, Washington Post, May 27, 2009,at: http: // w w w .washingtonpost.com
/wp-dyn/content/article/2009/05/26/AR2009052602994.html

27- Pierre Tran, France Cultivates Stronger Ties in Gulf. Naval Base in UAE Signals Policy Shift, Defense News, November 16, 2009, at:



http:// w w w .defensenews.com/story.php?i=4376846


28- Saudi Arabia and France sign security agreement, Saudi Embassy, Paris, February 25, 2008,at:


http:// w w w .saudiembassy.net/latest_news/news02250801.aspx


29- Istanbul Cooperation Initiative (ICI). Reaching out to the broader Middle East, The North Atlantic Treaty Organization, (NATO) October 15, 2008, at: http:// w w w .nato.int/issues/ici/index.html

30- Christopher M. Blanchard and Richard F. Grimmett, The Gulf Security Dialogue and Related Arms Sale Proposals, CRS Report for Congress, Congressional Research Service, October 8, 2008,at:



http:// w w w .fas.org/sgp/crs/weapons/RL34322.pdf