السودان: أجراس التغيير

أثارت الاجراءات الاقتصادية التقشفية التي اعتمدتها الحكومة السودانية موجة من الاحتجاجات المتواصلة، وتراوح خطاب الرئيس السوداني عمر البشير في وصفها بين التهوين والتشويه، لكن من الناحية العملية يبدو هامش تحركه ضيقا، تنقصه الموارد المالية والدعم السياسي الداخلي والخارجي.
20127294644123734_2.jpg
الرئيس السوداني عمر البشير متحدثا(أرشيف الجزيرة)

بعد فترة من التقديرات الخاطئة، طفقت الحكومة السودانية تحاول اصلاح اقتصادها المنهار، فلجأت إلى إجراءات اقتصادية قاسية شملت زيادة الضرائب والجمارك ورفع قيمة الدولار الجمركي (سعر صرف الدولار الذي تفرضه دولة ما في المناطق الجمركية) من 2.7 جنيهات مقابل الدولار إلى 4.4 جنيهات، ورفعت الدعم عن السلع وخاصة المحروقات، لكنها استَبَقَت هذه الإجراءات بحملة حكومية تؤكد على أنها إجراءات ضرورية بدلاً من الانهيار الاقتصادي الكلي، مع اعتراف ضمني بأن الحكومة أخطأت.

سياسة شد الحزام

تتلخص التقديرات الحكومية الخاطئة في ثلاثة أبعاد رئيسية:

  • أولاً: تقدير الخرطوم الخاطئ حين روجت بأن انفصال الجنوب سيكون ضعيف الأثر على الاقتصاد؛ فلقد هوَّنت المراجع الاقتصادية والسياسية الحكومية من الأثر السلبي لانفصال الجنوب عن الشمال، بل ادَّعى بعضهم أن تلك الخطوة ستعزز عافية الاقتصاد.
  • وثانيًا: إهدارها موارد دخلت خزينة الدولة من إيراد النفط على مدى أكثر من عشر سنوات، تقدِّر مصادر اقتصادية أنها تجاوزت الخمسين مليار دولار.
  • وثالثًا: لم تهتم كثيرًا بأثر البُعد الاقتصادي في معادلة الاستقرار السياسي.

وصحب حملة الإقناع بالإجراءات الجديدة، تبادُل مرجعيات حكومية رفيعة تقف على قمة السلطة أنماطًا من الخطاب الذي يشير إلى أن اكتشاف الحكومة حجم المأزق الاقتصادي كاد يفقدها توازنها. فلم يعتد الناس اعترافًا صريحًا من النائب الأول لرئيس الجمهورية، علي عثمان طه، بأن أموال النفط ذهبت في التبذير السياسي، أو أن يصرِّح وزير المالية علي محمود بأن هذه الإجراءات إجراءات دولة (مفلسة)، أو أن يقول وزير المالية الأسبق الزبير محمد الحسن: إن ما كان يخشاه قد وقع وهو المرض (الهولندي)  باعتماد الدولة على مورد واحد وهو النفط، فتنشغل الدولة بالتدفقات النقدية التي وفرها هذا المورد، فتغرق البلاد في اتجاه من الإنفاق البذخي غير المنتج، وتنصرف بعيدًا عن محاولات النهوض بمواردها الطبيعية الإنتاجية الهائلة في الزراعة بشقيها النباتي والحيواني، أو الصناعة وخاصة التحويلية التي تتوافر كل مقومات نجاحها.

الإجراءات وصفتها الحكومة بأنها السبيل الوحيد إلى إعادة الحياة لدورة الاقتصاد، وأنها ستصب في شرايينه طاقة إنتاج تعدل الموازين المختلة في كل مجالاته في غضون عام واحد. وصحبت الإجراءات قرارات استهدفت تخفيف الإنفاق الحكومي حتى تبرهن على جدِّيتها، فخفضت مخصصات وعدد شاغلي المناصب الدستورية على المستوي الاتحادي والولائي بنحو 380 وظيفة.

ولكن الإجراءات الاقتصادية لاقت نقدًا حادًّا من كثير من الخبراء الذين لم يروا فيها غير إجراءات انكماشية، لا تحفز على الإنتاج، وستؤدي إلى خلق ندرة في الأسواق، وتضعف الطاقة الشرائية للمستهلكين، وترفع الأسعار بمعدلات صاروخية، وترفع من معدلات التضخم الذي بلغ 30% في شهر مايو/أيار 2012.

المعارضون يتهمون الحكومة بأنها ليست مؤهلة لقيادة الإصلاح الاقتصادي فنيًّا وأخلاقيًّا؛ فمن الناحية الفنية البحتة، فإن الطاقم الاقتصادي الذي قاد البلاد إلى هذا الدرك من الإفلاس لا يستطيع أن يقدم حلولاً افتقدها طوال السنوات الماضيات، خاصة السنوات العشر الأخيرة، التي حصدت فيها البلاد عشرات المليارات من الدولارات بفضل تدفق النفط، لكن الحكومة ترد بأن هذه المليارات ذهبت في تأسيس البنية التحتية، فترد المعارضة بأن مشاريع البنية التحتية قامت على القروض الخارجية التي رفعت الدين الخارجي إلى نحو الأربعين مليار دولار. أما عدم التأهيل الأخلاقي فيشير إلى قضايا الفساد  ومؤشراته التي طالما اعترفت بها الحكومة نفسها دون الجرأة على فعل شيء تجاهها.

الحكومة تستهدف من الإجراءات جمع مليار ونصف المليار دولار في خزينتها بنهاية العام الجاري، علمًا بأن العجز يساوي 8.6 مليار جنيه سوداني أي ما يعادل 1.9مليار دولار، وتستهدف نموًّا كليًّا في الاقتصاد بنسبة 2% وتضخمًا بنسبة 25%.

علاوة على هذا الخلاف الاقتصادي، فإن السياسيين يرون أن أهم عناصر ضعف الوصفة الحكومية للخروج من مأزق تردي الأوضاع الاقتصادية هو غياب السياق السياسي الملائم الذي تتم فيه هذه المعالجات، فالأسباب التي قادت إلى تردي الأوضاع الاقتصادية ليست فقط الفشل في إدارة العملية الاقتصادية، ولكنه الفشل في إدارة عملية اقتصادية محاطة بتعقيدات سياسية قادت إلى انسداد الأفق السوداني الاقتصادي والسياسي والأمني للأسباب الآتية:
أولاً: ضبابية الرؤية الحكومية تجاه الجنوب، وعدم إدراك المؤثرات القوية التي أدت إلى قرار تقرير المصير وبالتالي إلى انفصال دلت عليه مؤشرات كثيرة جعلت عددًا من الأطراف يرجِّح حدوثه ما عدا الحكومة وحزبها الحاكم، ولهذا ارتبكت الحكومة في تقدير الأثر الاقتصادي لانفصال الجنوب، وبَنَتْ على هذا التقدير الخاطئ الموازنة السابقة التي انهارت قبل  انتصاف العام 2012.

ثانيًا: ضعف التقدير السياسي لنتائج الاستفتاء، قاد إلى التهوين من استحقاقات ما بعد الاستفتاء التي يُطلَق عليها (القضايا العالقة) بين دولتي السودان، والتي جعلت السودان يعاني من الاضطراب الأمني بسبب اشتعال الحرب بين الجنوب والشمال في هجليج، وقبلها أبيي، واشتعال الحرب بين الجيش السوداني والحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال في مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق، وكل هذه الصراعات رفعت من حجم المصروفات على العمليات العسكرية، ففقدت الميزانية المعتمدة توازنها وانهارت قبل أوانها.

ثالثًا: الموقف الدولي من حكومة الإنقاذ، سواء توجسه من الهوية الإسلامية التي طبعتها، أو تنديده بحرب الجنوب سابقًا، وحرب دارفور ابتداءً من 2003، فكانت أصعب آثاره مقاطعة اقتصادية طويلة، وعزلة إقليمية ودولية تنفرج أحيانًا وتشتد أخرى، وكانت النتائج النهائية لكل ذلك عدم القدرة على تطبيع علاقات السودان الدولية.

فرصة المعارضة

الاحتجاج –الانتفاضة– الثورة: بغضِّ النظر عن التباين في توصيف ما حدث في الشارع السوداني في 21 من يونيو/حزيران 2012، تميز بخروج قطاعات منه تعلن رفض الإجراءات والسياسات الاقتصادية وتطالب بإسقاط النظام. هذه الاحتجاجات حقَّقت عددًا من المكاسب في الصف المعارض لنظام الإنقاذ منها:

  1. استطاعت المعارضة كسر حاجز الخوف والتردد في الخروج إلى الشارع متظاهرة وواجهت القمع الذي كانت تخشاه، ودفعت ثمنًا لموقفها السياسي بالاعتقال والمواجهة العنيفة خلال إطلاق الغاز المسيل للدموع أو التعرض لهراوات الشرطة.
  2. سوَّقت المعارضة أجندتها ووضعتها في قلب الاهتمام الدولي، وأشعرت الحكومة بجدية التحدي الذي تواجهه، وباستحالة الاستمرار في نهج إدارة البلاد الذي جرَّبته على مرِّ السنوات، وبهذا وضعت التغيير في صدر الأولويات الوطنية.
  3. قدمت المعارضة الإسفيرية- وهي المعارضة باستعمال الشبكة العنكبوتية أي الأنترنت- عرضًا تجريبيًّا لقدرتها على التعبئة والتوجيه عبر المواقع الاجتماعية السودانية، مما يدرجها في سياق وسائل وإمكانات الربيع العربي.
  4. أضعفت هذه الإجراءات الاقتصادية منطق الحكومة في تسويق سياساتها، ليس فقط لدى المعارضين وإنما لدي كثير من المؤيدين الذين أضعف تدهور الأوضاع المعيشية الثقة في سلامة صحة التدبير الاقتصادي الحكومي.

الحركة الاحتجاجية: نقاط القوة والضعف

  • إجمالاً عنصر القوة الأهم للمعارضة يتمثل في سوء الوضع الاقتصادي؛ إذ لم يعد الناس يحتملون وطأة الأسعار وكلفة المعيشة، ربما لم تلتحق الأغلبية الشعبية بعدُ بالاحتجاجات، لكنها لم تعد تثق في السياسات الحكومية.
  • فشلت المعارضة الحزبية على مدى سنوات في صناعة حركة سياسية موحدة الأهداف والوسائل، رغم أنها رفعت شعارات الوحدة في مرات كثيرة سابقة، ولكن الأفعال التي تصدر عن كل هذه العناوين، خاصة أبرزها الآن، وهو(قوى الإجماع الوطني)، هذه الأفعال لم تقنع الناس بقدرة المعارضة على الإطاحة بالنظام من خلال فترة انتقالية تقود البلاد إلى تحول ديمقراطي يُفضي إلى استقرار. وآخر أشكال هذا الإخفاق عجزها عن التوقيع على الإعلان الدستوري والبرنامج الذي يعقب إسقاط حكومة الإنقاذ الوطني.

    ومع أنه يمكن وصف العلاقة بالجيدة بين أقصى اليسار الذي يمثله الحزب الشيوعي ووسط اليسار الذي تمثله القوى العروبية الناصرية والبعثية، وأقصى اليمين الذي يمثله المؤتمر الشعبي برئاسة دكتور حسن الترابي، والمتفقة على هدف إسقاط النظام، إلا أن المعارضة افتقدت جزئيًّا أهم مكوِّنين كانا يضيفان لها وزنًا جماهيريًّا ورمزيًّا بما يمثلانه تاريخيًّا في مسار السياسة السودانية، وهما حزبا الأمة القومي الذي يترأسه السيد الصادق المهدي والحزب الاتحادي الديمقراطي برئاسة السيد محمد عثمان الميرغني.

  • حققت الحكومة اختراقين مهمين باستقطاب كلي للحزب الاتحادي الديمقراطي برئاسة الميرغني الذي يشارك فيها بعدد من الوزراء والمستشارين، وأعلن أنه جزء من الإجراءات السياسية والاقتصادية الحكومية الأخيرة، وبالرغم من رفض بعض قيادات الحزب وجُلّ جماهيره هذه المشاركة إلا أنها واقع سياسي لا يمكن تجاهله في معادلة السلطة والمعارضة. كما حققت الحكومة اختراقًا جزئيًّا لحزب الأمة  القومي الذي يترأسه السيد الصادق المهدي بتعيين نجله عبد الرحمن الصادق المهدي في منصب مساعد لرئيس الجمهورية؛ وبالرغم مما أثاره هذا التعيين من تساؤلات سبَّبت حرجًا كبيرًا لزعيم الحزب وجماهيره، فإن الحزب تولَّى العبء الأكبر في تفجير وقيادة التظاهرات التي انطلقت من مسجد السيد عبد الرحمن المهدي بود نوباوي بأم درمان بالرغم من أن الخيار الذي يتبناه زعيم الحزب الصادق المهدي ليس إسقاط النظام بل التوصل معه إلى صيغة تخرج البلاد من مأزقها بأقل الخسائر. 

على أن الضعف الذي تعانيه المعارضة تقاسي منه الحكومة أيضًا، ويتمثل في المظاهر التالية:

  1. سياسيًّا، تتكون الحكومة من حوالي 14 حزبًا، أهمها المؤتمر الوطني، وبقيَّتها ليست أكثر من مجرد عناوين، لبعضها تمثيل محدود في البرلمان حصَّله بالتنسيق مع المؤتمر الوطني الذي أفسح لهم في بعض الدوائر مكاسب محدودة من أجل استمرار التحالف.
  2. أوضاعًا اقتصادية مزرية جعلت أعباء الناس المعيشية لا تحتمل؛ ففقدت الحكومة إمكانية استرداد ثقة الناس الذين لم يعودوا يعوِّلون عليها في أرزاقهم.
  3. جبهة الحرب الواسعة في مواجهة الحكومة ابتداء من الحدود الإثيوبية وعلى امتداد الحدود السودانية مع دولة جنوب السودان لأكثر من ألفي كيلو متر، مرورًا بدارفور حتى الحدود مع ليبيا، وهذه صراعات استنزفت موارد الدولة الاقتصادية، كل ذلك مع تناقص الموارد بعد توقف ضخ النفط الجنوبي عبر الأنبوب المار شمالاً، وهو ما كان يمكن أن يوفر أكثر من ملياري دولار سنويًّا، علاوة على فقدان ما يعادل هذا المبلغ من تدفقات عائدات التبادل التجاري بين دولتي السودان بعد إغلاق السودان حدوده مع الجنوب بسبب احتلال الجيش الشعبي لمنطقة هجليج.
  4. ضعف شبكة الأمان السياسية إقليميًّا ودوليًّا؛ إذ يتبين بوضوح التناقض بين أوضاع الحريات السياسية والصحفية وتداول السلطة وحقوق الإنسان كما هي اليوم في السودان والمعايير الدولية التي تتيح المواءمة السياسية مع العالم، كما أن الإقليم العربي الذي يشتد تبادل التأثر بينه وبين السودان يعرف تحولات كبيرة نحو الديمقراطية، وخاصة الجارتين مصر وليبيا اللتين تعيشان مناخات الربيع العربي  الذي بدَّل كليًّا شكل العلاقات السياسية بين المكونات الوطنية، وفتحها على أفق تحرري واسع، وهو أمر يتعارض مع بنية الحكم بالسودان، علاوة على أن هذا الوضع يضع النظام في حرج ويُمِدُّ المعارضين بمنطق الاستمرار، ويفتح لهم باب المناصرة  الإقليمية والدولية، كما أنه يفتح بابًا واسعًا لما أسماه النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه التبذير السياسي من خلال الصرف على جهود المكافحة الأمنية والاستقطاب السياسي.
  5. جبهة الحكومة تعاني في داخلها قدرًا من الارتباك والحرج مما آلت إليه حال البلاد الاقتصادية بما يُضعف ثقة أنصارها، بمن فيهم أعضاء من حزب المؤتمر الوطني، في التدابير التي اتُّخِذت، وبالتالي يُضعف تماسكهم في الدفاع عن حصاد 23 عامًا من عمر الإنقاذ في السلطة. وهذا أكبر الأخطار لأنه يضعف عزيمة النظام الذاتية.

السخط: احتمالات التطور

السودان الآن في مأزق حقيقي. فما هي سيناريوهات تطوره؟

هناك عده سيناريوهات تستند إلى عناصر من القوة والضعف مختلفة، وهي:

  1. السيناريو الذي تعوِّل عليه الحكومة، وتسعى لبلوغه بتطبيق هذه السياسات: وهو أن يتحقق تحسن اقتصادي في غضون عام، يخفف من وطأة التأزم الاقتصادي. ويقوم هذا السيناريو على عدة إمكانات، وهي:
    1. أن تؤدي الإجراءات إلى تحسن في الإيرادات الحكومية من جهة، ومن جهة ثانية تحسن في الإنتاج والإنتاجية في موارد السودان الأساسية الزراعية والحيوانية والصناعية مما تزداد معه فرص الاستجابة  لحاجتها الداخلية، وتحسن الصادرات بما يمد خزينة الدولة بموارد نقد أجنبي يدعم الميزان التجاري للبلاد. 
    2. تراهن الحكومة على جهودها في استخراج وتسويق النفط، وتتوقع في الستة أشهر القادمة زيادة إنتاجها من النفط البالغ الآن حوالي 115 ألف برميل في اليوم بحيث يبلغ 180 ألف برميل بنهاية العام، مما يُحدِث انفراجًا في العجز الذي تعانيه في النقد الأجنبي.
    3. أن تنتهي المفاوضات بينها وبين دولة الجنوب إلى تسوية حول مختلف الملفات العالقة وخاصة الاقتصادية والأمنية مما يُعيد دفق النفط الجنوبي في شرايين أنابيب الشمال ويُعيد سَرَيان الحياة التجارية بين البلدين؛ مما يُحدث انفراجًا في مستوى التدفقات النقدية في شرايين الاقتصاد اليابسة، ومما يفتح أفقًا للعلاقات مع العالم تتحسن بها العلاقات السياسية والاقتصادية فيوفر بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية.

      ولكن ما ينقص السيناريوهات الحكومية للخروج من المأزق هو أنها لا يمكن أن تتم إلا في سياق سياسي يُرضي أطرافًا كثيرة مؤثرة في الوصول إلى هذه النهايات. وحيث إن الحكومة ترفض توفير السياق السياسي الذي يتعلق بعضه بانفراج في العلاقات الإقليمية والدولية ويقف موضوع محكمة الجنايات الدولية ودارفور في صلبه، وبعضه ذو صلة وثيقة بالانفراج داخل المنظومة السياسية الوطنية من خلال تبديل أساليب ومعايير الممارسة السياسية، فإن فرص الخروج من المأزق وفق هذا السيناريو ضعيفة.

  2. السيناريو الثاني: هو ما تطرحه المعارضة وخاصة السيد الصادق المهدي الذي يدعو إلى مخرج وطني يقوم على حكومة انتقالية، تشارك فيها كل القوى السياسية بما فيها المؤتمر الوطني، وببرنامج وطني مستقل عن برنامج المؤتمر الوطني، يجد حلاًّ لمشكلات السودان المختلفة، ويدير فترة انتقالية تتحول بعدها البلاد إلى حكم ديمقراطي يرتضيه الجميع، وفق اتفاق على قواعد اللعبة السياسية.
  3. السيناريو الثالث: هو أن تحتدم المواجهة بدافع الغبن السياسي من طرف المعارضة، وبسبب الأوضاع الاقتصادية والأمنية التي تدفع البلاد إلى مزيد من التأزم؛ مما يجعل طريق المواجهة حتميًّا عبر الانتفاضة أو الثورة الشعبية التي تطيح بالنظام سواء على الطريقة المصرية-التونسية أو الليبية أو اليمنية، وتشق المعارضة الإسلامية التي يتزعمها الشيخ الترابي واليسارية الشيوعية والعروبية طريقًا للتغيير. وبالرغم من الحالة الاقتصادية التي فجَّرت الأوضاع مؤخرًا في مظاهرات الرفض إلا أن الانتفاضة التي يمكن أن تتمكن من الإطاحة بالنظام لا تبدو داهمة وإن ظلَّت عناصرها تتقوى باستمرار. فإذا ظلت الأوضاع على ما هي عليه ربما تسارعت عوامل السخط الذي ربما يُفضي إلى انهيار النظام.
  4. سيناريو رابع، مؤشراته ضعيفة لكنه محتمل: هو أن تستشعر القوات المسلحة الخطر الذي تندفع إليه البلاد وتتمكن من التغيير العنيف أو الناعم وتقود فترة انتقالية تُفضي إلى نظام مدني.

امتحان القيادة

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في حالة السقوط عبر الثورة، هو: ما البديل؟

بالطبع هذا السؤال مرفوض من قِبل المعارضين والمتظاهرين الذين يصفونه بالإرجائي والاستفزازي، باعتبار أن السودان قادر على أن يدفع من رحمه الولود من يقوده إلى أفق الأمل، ولكنه في السياسة سؤال منطقي تمليه ظروف المعارضة الضعيفة. بالطبع يحاجج المعارضون بأن البديل سيبزغ من بين تفاعلات الأوضاع كما حدث في التجربة النضالية السودانية التي أطاحت بنظامين عسكريين في أكتوبر/تشرين الأول من العام 1964 وإبريل/نيسان من العام 1985.

وبالرغم من فاعلية الذاكرة النضالية للشعوب في مثل هذه الظروف إلا أن الفارق النوعي أقوى من أن يتجاهله النظر الموضوعي. في تلك الأيام من القرن الماضي إبَّان ثورتي أكتوبر/تشرين الأول وإبريل/نيسان، كانت القوى السياسية بمختلف مشاربها شابة تدرج في مدارج الحياة بقوة دفع الاستقلال، وتملأ شراعها رياح الأمل في بلد لا يزال يثب تحت وقع التحرر الوطني، وكانت الحياة النقابية المترعة بالحيوية ملء السمع والبصر، وكان لها الدور المشهود في الثورتين والمساهمة الكبيرة في قيادة الفترات الانتقالية. ولكن الآن أصاب الهرم كل ذلك. على أن من المعروف بالضرورة في تجارب الأمم والشعوب أن المنعرجات المفصلية في حركتها التاريخية تنتج القيادة الجديدة، وقد كانت القيادات التي تقف على قمة الهرم السياسي اليوم (الصادق المهدي وحسن الترابي) من نتاجات ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964.

أما اليوم، وباستعراض القوى المناهضة للنظام والتي يُفترض فيها جاهزيتها لخلافته على السلطة، فإننا نجد أن أكثرها جاهزية هو قوى المقاومة المسلحة (الجبهة الثورية) التي تتكون من مسلحي دارفور والجيش الشعبي قطاع الشمال بجبال النوبة والنيل الأزرق. لكن هذه القوى المسلحة تختلف مع المعارضة المدنية في الأهداف من إسقاط النظام؛ فالتجارب الثورية عبر العالم تفيد بأن موازين الحوار بين مدنيين ومسلحين غالبًا ما تختل لمصلحة المسلحين. وبالطبع لا تحب المعارضة مدنية ومسلحة تذكيرها بمثل هذا الاحتمال, وتعتبره فزَّاعة يستخدمها النظام لتخويف الناس من المشاركة في الاحتجاجات التي تستهدف اقتلاعه.

ولكن هذا الاحتمال يدخل ضمن الممكنات السياسية؛ فحين يسقط النظام لابد أن ينتج عن غيابه فراغ سياسي تملؤه القوة القادرة، وهي وقتئذ الجبهة الثورية المسلحة. فهل ستكون قوى المعارضة أمام امتحان السلطة على قلب رجل واحد، أم أنها في مثل ذلك اليوم تتنازعها أطماع الاستئثار بالحكم؟ 
_______________

المسلمي الكباشي - مدير مكتب الجزيرة في السودان

ABOUT THE AUTHOR