أزمة تايلاند: أسبابها ومستقبلها

بلغت الأزمة في تايلاند مرحلة صعبة، فإذا لم يتفق طرفاها: الحكومة والمعارضة على تجاوز الانقسام وإنشاء مؤسسات سياسية قادرة على معالجة الأسباب الكامنة وراء هذا الاحتقان، فإن الاضطرابات ستطول والمواجهات ستسوء بالقدر الذي قد يهدد وحدة تايلاند ويفتحها على المجهول.
201422381113439734_20.jpg
متظاهرون مناهضون للحكومة يحتجون أمام مقر رئيسة حكومة تصريف الأعمال ينغلوك شيناواترا في بانكوك (الأوروبية)
ملخص
دخلت تايلاند مرحلة من عدم الاستقرار السياسي منذ الإطاحة برئيس الوزراء الأسبق "تاكسين شيناوترا" بانقلاب عسكري سنة 2006. وتشكّل الأزمة الحالية فصلاً جديدًا من فصول النزاع حول من يحكم تايلاند؛ بين نخبة محافظة تتركز في العاصمة بانكوك والمناطق الجنوبية غير المسلمة ممثلة في أصحاب القمصان الصفراء، وأصحاب القمصان الحمراء الذين يمثلون مصالح طبقة المزارعين المنحدرين من المناطق الشمالية والشمالية الشرقية الموالية لـ"تاكسين شيناوترا". وقد لجأت "ينغلوك شيناواترا" رئيسة حكومة تصريف الأعمال حاليًا إلى حل البرلمان وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها، لكن الأزمة السياسية ما زالت تراوح مكانها في وقت تسيطر على تايلاند مخاوف من انفصال مسلمي الجنوب ومخاوف تتعلق بمسألة خلافة الملك الحالي (بومي بون أدون يادين) الذي لعب خلال فترة ملكه دورًا سياسيًا كبيرًا. ونظرًا لانعدام الثقة بين الطرفين وعدم قدرتهما على تحقيق توافق وطني بخصوص خلافاتهما فإن حل الأزمة الحالية يبقى بعيد المنال.

شهدت تايلاند تغيرات اجتماعية وسياسية عميقة في أواخر تسعينيات القرن الماضي كنتيجة للأزمة المالية الآسيوية، وكنتيجة أيضًا للإصلاحات السياسية التي جاء بها دستور 1997 والتي قلصت من الطابع السلطوي للدولة وعززت حماية الحقوق والحريات وسيادة القانون ووسعت قاعدة المشاركة السياسية وربطت المسؤولية بالمحاسبة.

وجاء الانتصار الساحق لحزب "راك تاي راك" بزعامة تاكسين شيناوترا، في انتخابات سنة 2001، ليحدث تغييرًا كبيرًا في المشهد السياسي للبلد. قبل هذه الانتخابات، كانت دواليب الحكم بيد نخبة مقربة من دوائر القصر الملكي وتتكون أساسًا من البيروقراطيين والجيش ونخبة رجال الأعمال والأحزاب المحافظة خصوصًا الحزب الديمقراطي أكبر حزب معارض حاليًا؛ فالقصر يتمتع بنفوذ سياسي كبير وقد لعب الملك دورًا مهمًا في استقرار البلاد، كما أنه يحظى باحترام كبير من غالبية الشعب. من جهة أخرى، يشكّل الجيش قوة مستقلة وقائمة بذاتها، يعرف كيف يعزف على تناقضات السياسيين ويدين بالولاء الشديد للملك، ويعمل كل طرف على حماية الطرف الآخر ويحتفظان بمسافة كافية من الاحترام لتجنب الاصطدام بينهما.

وقد استطاعت هذه النخبة المتركزة في بانكوك نسج علاقات رسمية وغير رسمية فيما بينها مكّنتها من التحكم في المشهد السياسي عبر تنصيب حكومات وإسقاط أخرى، وتوجيه البلد وفق مصالحها الخاصة. وكان من شأن فوز حزب شيناوترا في انتخابات سنة 2001 وفوزه بعد ذلك في انتخابات 2005 و2006 أن هدد مصالح النخبة التقليدية المتركزة في العاصمة وكسَر هيمنتها على التحكم في الشأن السياسي. كما أن نجاح البرامج  الاقتصادية والاجتماعية لتاكسين التي استهدفت الفئات الفقيرة والمناطق المنسية، ساعد الملايين على الخروج من الفقر وتحسين وضعهم الاقتصادي، وساعد أيضًا على تنمية المناطق البعيدة عن بانكوك خصوصًا المناطق الشمالية والشمالية الشرقية بعد أن كانت سياسات سابقيه تستهدف العاصمة والمدن الكبرى وتركز على مصالح الطبقتين: الغنية والمتوسطة. وبفعل هذه السياسات برزت قوى أخرى غير تقليدية إلى الواجهة السياسية لها كلمتها هي الأخرى، وأصبح المجتمع مقسمًا بين طبقة أخذت تشعر بأن البساط بدأ يُسحب من تحتها وطبقة أخرى عانت الإقصاء والتهميش لمدة ليست بالقصيرة، لكن لديها وزن انتخابي كبير وتدين لشيناوترا بالكثير من الولاء وما زالت وفية للأحزاب التي شكّلها حلفاء ومقربون من تاكسين شيناوترا بعد إجباره على مغادرة الحكم؛ ما مكّن الموالين له من الفوز في انتخابات 2007 و2011.

في أسباب الأزمة الحالية

بدأت الأزمة الحالية في نوفمبر/تشرين الثاني سنة 2013، عندما تقدمت حكومة "ينغلوك" بمشروع قانون العفو الذي رأت فيه المعارضة أنه يمهد لعودة شقيقها "تاكسين" الذي يعيش في منفى اختياري ومحكوم عليه غيابيًا بتهم تتعلق بالفساد. وبالرغم من تراجع الحكومة عن مشروع القانون فإن المعارضة التي أثارها تحولت إلى احتجاجات واسعة ضد الحكومة.

تتزعم اللجنة الشعبية للإصلاح الديمقراطي (التحالف الديمقراطي الشعبي سابقًا) الاحتجاجات الحالية، بقيادة "سوتيب تاوجسوبان" الذي شغل منصب نائب رئيس الحكومة، كما كان أمينًا عامًا سابقًا للحزب الديمقراطي المحافظ (من مارس/آذار 2005 إلى يوليو/تموز 2011)، ويطالب المحتجون المعارضون لحكومة "ينغلوك" (القمصان الصفراء) باستقالة الحكومة الحالية وتعويضها بمجلس شعبي غير منتخب يشرف على إدخال إصلاحات سياسية وتطهير الإدارات الحكومية وعموم الحياة السياسية من أنصار "تاكسين" قبل إجراء أي انتخابات.

لم تستجب رئيسة الحكومة "ينغلوك" لمطالب المعارضة بالتنحي متعللة بأن حكومتها جاءت عبر صناديق الاقتراع ولا يمكن أن تذهب إلا عبرها. وبعد تزايد حدة الاحتجاجات وسيطرة المعارضين على عدة مكاتب حكومية ، تمَّ حلُّ البرلمان ونُظمت انتخابات سابقة لأوانها وسط مقاطعة المعارضين ومحاصرتهم لمكاتب التصويت مما اضطرت معه حكومة تصريف الأعمال إلى الإعلان عن تنظيم انتخابات تكميلية، في المناطق التي لم يتم فيها الاقتراع، في وقت لاحق من هذا الشهر.

غير أن الأزمة الحالية ليست إلا فصلاً من فصول مسلسل سياسي بدأ قبل حوالي ثماني سنوات، وما زالت تايلاند تواجه تداعياته المتواصلة:

  • في أواخر سنة 2005، بدأ "التحالف الشعبي من أجل الديموقراطية" (اللجنة الشعبية للإصلاح الديمقراطي حاليًا) مظاهرات كبيرة ضد "تاكسين" متهمين إياه بالفساد والعمل على تقويض عمل المؤسسة التشريعية والمؤسسة القضائية وتركيز السلطات في يد رئيس الوزراء، وانتهت الاحتجاجات بتدخل عسكري (19 سبتمبر/أيلول 2006).
  • سنة 2007، نُظمت انتخابات فاز بها حزب "سلطة الشعب" الموالي لـ"تاكسين".
  • ديسمبر/كانون الثاني 2008، نزل أصحاب القمصان الصفراء إلى الشارع من جديد لتنتهي الاحتجاجات ضد الحكومة بعزل رئيس الوزراء "سومشاي وونجساوات" وحلّ حزب "قوة الشعب" بعد أن حكمت المحكمة الدستورية بمخالفة الحزب للقوانين الانتخابية. وبعد ذلك شكَّل "أبهيسيت فيجاجيفا" ائتلافًا حكوميًا بقيادة الحزب الديمقراطي. 
  • مارس/آذار سنة 2010، بدأت "الجبهة الديمقراطية الموحدة ضد الديكتاتورية" أو "أصحاب القمصان الحمراء" والتي تضم الموالين لـ"شيناوترا" من أبناء المنطقة الشرقية والشمالية الشرقية الفقيرة، بدأت في تنظيم احتجاجات موسعة  تطالب "أبهيسيت فيجاجيفا" بالرحيل وتنظيم انتخابات جديدة.
  • مايو/أيار 2010، انتهت احتجاجات أصحاب القمصان الحمراء، بعدما تدخلت قوات الأمن لفض اعتصام "لومبيني بارك".
  • سنة 2011، نُظمت انتخابات فاز بها حزب "بويا تاي" الموالي لـ"تاكسين" وأصبحت أخته "ينغلوك" رئيسة للوزراء.
  • في 9 ديسمبر/كانون الأول 2013 حلّت "ينغلوك" البرلمان ودعت إلى انتخابات سابقة لأوانها، لمواجهة الاحتجاجات المتزايدة من أصحاب القمصان الصفراء.
  • 2 فبراير/شباط 2014، تنظيم انتخابات وسط مقاطعة الحزب الديمقراطي المعارض، وإعاقة الاقتراع في بعض المناطق من طرف أصحاب القمصان الصفراء.

سيناريوهات

تشير التوقعات إلى أن حزب "بويا تاي" سيفوز بأغلبية ساحقة، غير أن الفوز لن يغير شيئًا من واقع الأزمة الحالية، وقد تأخذ الأمور أحد السيناريوهات الآتية:

1- إقالة الحكومة بمقرر قضائي، وهو إعادة محضة لسيناريو 2008
بعد نجاح "يِنغلوك" أقرت برنامجًا لمساعدة الفلاحين عبر شراء أرزهم بسعر يفوق سعر السوق الحقيقي ثم بيعه بعد ذلك في الأسواق العالمية، لكن البرنامج تسبب في خسائر كبيرة واضطرت الحكومة لتخفيض سعر الشراء، ولم تستطع دفع مستحقات الفلاحين (4 مليارات) لتزداد مشاكلها بعدما اضطر الفلاحون لتنظيم احتجاجات، وبالتالي تعميق الأزمة السياسية التي تعاني منها البلاد. واعتبرت المعارضة أن البرنامج يزيد من حدة الانقسام الاجتماعي والسياسي الذي يعرفه البلد لأنه يستهدف الطبقة الفقيرة المقيمة في مناطق الشمال والشمال الشرقي الموالية لينغلوك.

وتخضع هذه الأخيرة للتحقيق في اتهامات بالفساد تشوب برنامج مساعدة الفلاحين، من طرف اللجنة الوطنية لمحاربة الرشوة، ولم يصدر أي قرار في حقها أو حق حكومتها يثبت أو ينفي هذه الاتهامات. وإذا أصدرت اللجنة قرارًا يثبت التهم الموجهة إلى "يِنغلوك" في القضية، فإنها قد تُمنع من ممارسة العمل السياسي. بالموازاة مع ذلك تقدمت قوى المعارضة ببلاغين للمحكمة الدستورية لإلغاء الانتخابات وحل حزب "بويا تاي".

ويعني سيناريو إقالة الحكومة الحالية حدوث فراغ في السلطة سيملؤه المقربون من محور القصر-الجيش.

2- تدخل الجيش، وهو نسخة مطابقة لسيناريو 2006
بالرغم من أن الجيش نأى بنفسه عن الأزمة الحالية وكرّر مرارًا أنه يقف موقفًا محايدًا، وعرضت القنوات التلفزيونية صورًا لقادة الجيش وهم يدلون بأصواتهم في الانتخابات الأخيرة ما طمأن أنصار "ينغلوك".

ويرى بعض المراقبين أن إحجام الجيش عن التدخل هذه المرة يعود لأسباب متعددة؛ أولها: أن الجيش يعي جيدًا أن تدخله سيزيد الطين بلّة؛ لأن أنصار "ينغلوك" سيرون في ذلك انتصارًا للطرف الآخر، خصوصًا وأن الحزب الديمقراطي وحلفاءه لا يملكون أجندات سياسية واضحة، ويعرفون أن احتمال نجاحهم في الانتخابات منخفض جدًا؛ لذا يحاولون دفع الجيش إلى واجهة الحدث السياسي. وثانيها: أن الجيش استوعب الدرس جيدًا من انقلاب 2006؛ فالانقلاب أزاح "تاكسين"، لكن صناديق الاقتراع أعادت حلفاءه إلى الحكم في انتخابات 2007 و2011. وثالثها: أن الجيش أدرك أن القيام بانقلاب أمر سهل، أما إدراة البلد وتسيير شؤونها فهو أمر صعب، وسيُحمَّل المسؤولية إذا انفجر الوضع، كما أن المناخ الدولي لم يعد يتسامح مع الانقلابات العسكرية. أما آخر الأسباب وأهمها فهو إدراك المؤسسة العسكرية أن المشاكل التي تواجه تايلاند أعمق من أن تُسوَّى بانقلاب عسكري.

لذا عرض الجيش وساطته على الطرفين، وقد يتخذ قرارًا بالتدخل في حال استمرار الاحتقان الحالي وانجرار البلاد إلى مزيد من الفوضى بشكل قد يهدد وحدتها.

3- تشكيل حكومة مستقلة تضم جميع الأطياف
وهو حل مشابه لما يطالب به أصحاب القمصان الصفراء، وتبقى إمكانية تحقق هذا السيناريو ضعيفة جدًا.

التحديات السياسية التي تواجه تايلاند

تتمثل التحديات التي تواجه البلاد في غياب الدور الملكي وعدم قدرة طرفي النزاع على التوافق وإمكانية عودة الجيش:

  1. من بين التطورات التي عرفتها الحياة السياسية بعد تولي "أدولياديج بوميبول" العرش في تايلاند اضطلاع المؤسسة الملكية بدور سياسي حيوي؛ حيث كان تدخُّل الملك حاسمًا في حل الخلافات بين مختلف القوى الاجتماعية والسياسية وإنهاء الأزمات السياسية التي عصفت بتايلاند سابقًا؛ ففي سنة 1992، تدخل الملك باسم المصلحة العليا للبلد مستغلاً الاحترام الكبير الذي يحظى به، ليحسم الأزمة السياسية التي نشبت بين الحكومة التي كان يقودها حينها "سوشيندا كرابرايون" وزعيم المعارضة حينها "شاملونج سريموانج". وانتهت الأزمة باستقالة رئيس الحكومة  وانتهاء حركة الاحتجاج في الشارع.

    وفي أوائل سنة 2006، لجأ رئيس الوزراء "تاكسين شيناوترا" إلى حل البرلمان وإجراء انتخابات تشريعية في محاولة منه لمواجهة احتجاجات أصحاب القمصان الصفراء. وقد قاطع الحزب الديمقراطي المعارض هذه الانتخابات ليفوز بها حزب "تاي راك تاي"، الحزب الحاكم حينها. ومع استمرار الأزمة السياسية، تدخل الملك مرة أخرى ليطلب من القضاء التكفل بحل هذه الأزمة، لكن الجيش تدخل واستولى على الحكم عبر انقلاب عسكري.

    غير أن الأمر مختلف هذه المرة؛ فغياب الملك بسبب المرض يجعل من المؤسسة الملكية غير قادرة على أداء دورها في حل الأزمة السياسة الحالية، ويثير الكثير من المخاوف حول مستقبل الحياة السياسية. هذا بالإضافة إلى أن حالة الاستقطاب الحالية حادة جدًا، وأن جزءًا من أصحاب القمصان الحمراء يتهمون الملك بعدم الاحتفاظ بمسافة واحدة من جميع الفرقاء السياسيين، خصوصًا بعد مشاركة الملكة "سيريكيت" في جنازة أحد أصحاب القمصان الصفراء سنة 2008، وبعد عدم تدخل الملك عندما كان أنصار "شيناوترا" يحتجون في الشارع سنة 2010.

  2. تميز المناخ السياسي لتايلاند منذ الانقلاب العسكري لسنة 2006 بحالة من الاستقطاب الحاد بين القوى المحافظة ممثلة في أصحاب القمصان الصفراء والقوى الصاعدة حديثًا لواجهة المشهد السياسي ممثلة بأصحاب القمصان الحمراء، وأصبح جليًا أن البلاد تحتاج إلى إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة لإحداث نظام يستوعب كل الفرقاء السياسيين وكل الطبقات الاجتماعية وإنشاء مؤسسات سياسية كفيلة بإيجاد حلول سياسية للأزمات وتحول دون اللجوء إلى الشارع لحل الخلافات السياسية. وفي ظل غياب الدور التقليدي للملك، فإن الوضع يفرض التوصل إلى إجماع وطني للتخلص من حالة الشلل السياسي أولاً، ثم إدخال هذه الإصلاحات، ولن يتحقق هذا إلا عبر حوار يساعد على إيجاد أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها والبناء عليها.

    غير أن ما يحدث على الأرض لا يُنْبئ بأن الطرفين مستعدان لتقديم تنازلات من أجل التوصل إلى تسوية سياسية، فخصوم "ينغلوك" في الحزب الديمقراطي يريدون إقصاءها ولو بوسائل غير ديموقراطية، في حين ترفض رئيسة الوزراء الرضوخ لمطالب المعارضين وتقديم تنازلات مهما كانت صغيرة. هذا الجمود السياسي، قد يمهد الطريق للجيش ليعود إلى واجهة الأحداث السياسية من جديد.

  3. شكَّلت الانقلابات أحد أهم المميزات الأساسية للسياسة الداخلية لتايلاند؛ فمنذ ثورة 1932، والجيش يتدخل في السياسة بشكل مستمر، إما عبر دعم حكومات أو الانقلاب على أخرى؛ حيث قاد منذ ذلك الحين 18 انقلابًا، آخرها حدث في 2006. بعد الانقلاب تحرك قادته بسرعة، وتم تنظيم انتخابات فاز بها أنصار تاكسين، ليتبين بعد ذلك أن الانقلابات لم تعد مقبولة من طرف التايلانديين.

وقد يمنح الاحتقانُ الحالي الجيشَ فرصة أخرى لتكرار تجاربه الانقلابية التي تمرس عليها خلال العقود الثمانية الأخيرة، وإسقاط حكومة جاءت عبر صناديق الاقتراع، وبالتالي ستواجه عملية التحول الديمقراطي الهش الذي تشهده تايلاند، منذ إقرار دستور 1997، انتكاسة أخرى بعد انتكاسة انقلاب 2006. علمًا بأن دور الجيش لا يقتصر على السياسة الداخلية بل لديه دور تاريخي كبير في تشكيل السياسة الخارجية للبلد خصوصًا مع البلدان المجاورة.

وتتزامن هذه الاضطرابات السياسية مع تدهور الأوضاع في الأقاليم الجنوبية ذات الأغلبية المسلمة التي تطالب بالانفصال بسبب معاناتها كثيرًا من سياسات التمييز التي مورست ضدها. بالإضافة إلى هذا، تتنازع تايلاند منطقة حدودية محيطة بمعبد "برياه فيهيار" مساحتها حوالي 5 كيلومترات مربعة مع جارتها كمبوديا. وجاء حكم محكمة العدل الدولية لصالح كمبوديا ليصب مزيدًا من الزيت على نيران الانقسام الداخلي، خصوصًا وأن عائلة "تاكسين" ترتبط بصلات وثيقة مع أهل الحكم في كمبوديا. كما أن مرض الملك الحالي ومسألة خلافته أرخت بظلالها على المجتمع التايلاندي بكامله حيث يسيطر شعور عام بالخوف في تايلاند.

أزمة تايلاند والتنافس الجيوسياسي بين بكين وواشنطن

تأتي الأزمة السياسية لتايلاند في سياق يتعاظم فيه النفوذ الصيني وتحتدُّ فيه المنافسة بين الولايات المتحدة الأميركية والصين في منطقة جنوب شرق آسيا بشكل عام وفي تايلاند بشكل خاص.

بعد انقلاب 2006، عارضت الولايات المتحدة الانقلاب وحثت على ضرورة عودة الحكم إلى المدنيين وعلقت 29 مليون دولار من المساعدات العسكرية لتايلاند. وتبين بعد ذلك أن الولايات المتحدة تتعاطف مع الانقلاب بالرغم من انتقادها له. ويرجع هذا التعاطف إلى التاريخ الطويل للعلاقات التي تربط جيش تايلاند بالولايات المتحدة؛ فقد لعب جيش بانكوك دورًا كبيرًا في مواجهة المد الشيوعي في جواره الإقليمي عبر تحالفه مع الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة وشارك في الحرب الكورية وحرب فيتنام وشارك بقوات غير قتالية في حرب الخليج الأولى والحرب على أفغانستان، كما يوفر قاعدة "يو تاباو" العسكرية لواشنطن، بالإضافة إلى العلاقات العسكرية القوية التي تربطه بها حاليًا.

وأعرب الرئيس أوباما في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، عن دعمه لحكومة "ينغلوك" خلال زيارته لتايلاند. ويأتي تغيُّر الموقف الأميركي خوفًا من أن تدير بانكوك وجهها شطر بكين إن استقر الحكم في يد أنصار "تاكسين" بعد أن أدركت مدى الدعم الشعبي الذي يحظى به. وقد أغضبت واشنطن طرفي الأزمة معًا بفعل تدخلها تارة لصالح "تاكسين" وتارة أخرى لصالح معارضيه.

في حين اتبعت الصين كعادتها مقاربة براغماتية حيث ركزت على الجانب الاقتصادي وتعاملت مع الأزمة السياسية انطلاقًا من مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، واستطاعت أن تحافظ بذلك على علاقة جيدة مع طرفي الأزمة وتكسب بعض النفوذ على حساب واشنطن.

وتتفق بكين مع واشنطن على ضرورة إيجاد مخرج سلمي للأزمة الراهنة، باعتبار أن انفجار الأوضاع سيضر بالمصالح الاستراتيجية للبلدين معًا؛ حيث يرى الساسة في واشنطن أن استقرار حليفهم في تايلاند ضروري لكونه يحتل مكانة مهمة في استراتيجية التحول الأميركي نحو آسيا الهادفة لاحتواء الصعود الصيني. من جهة أخرى، تريد بكين مخرجًا سلميًا للأزمة لأنها لا تريد بؤرة توتر أخرى على حدودها.

 تداعيات الأزمة

أثّرت الأزمة السياسية المتواصلة في تايلاند على دورها الإقليمي الذي تلعبه باعتبارها أحد أهم أعضاء منظمة آسيان التي تعتبر ثاني أكبر اقتصاد فيها، وبالتالي فقدت آسيان الكثير من الدينامية والقدرة على التأثير كمنظمة إقليمية.

أما على الصعيد الاقتصادي، فتؤكد الأرقام الحكومية أن النمو الاقتصادي سجّل نسبة ضعيفة جدًا بلغت 0.6% خلال الربع الأخير من 2013 لتنحدر نسبة النمو خلال العام إلى 2.9% مقارنة مع نسبة 6.5% المسجلة سنة 2012. (1) كما أن تكرر الاحتجاجات السياسية قد أثّر على سمعة تايلاند كوجهة مفضلة للاستثمارات، في وقت تتمتع فيه دول في الآسيان مثل إندونيسيا والفلبين بمناخ سياسي أكثر استقرارًا.

على الصعيد السياحي، فقد تأثرت السياحة التي تشكّل 8% من الناتج المحلي الإجمالي للبلد بعد إصدار العديد من البلدان تحذيرات بعدم السفر إلى تايلاند، ولم تحقق سوى ارتفاع طفيف بلغ 0.06% فقط خلال يناير/كانون الثاني(2) مقارنة مع نفس الشهر من العام الماضي.

خلاصة

أظهرت الأزمة الحالية أن الانقسام في تايلاند ليس سياسيًا فحسب، بل انقسامًا جغرافيًا بين العاصمة بانكوك وبعض مناطق الجنوب من جهة والمناطق الشرقية والشمالية الشرقية من جهة أخرى؛ وانقسامًا اجتماعيًا أيضًا بين الطبقة الفقيرة من جهة والطبقتين: المتوسطة والغنية من جهة أخرى.

وفي ظل تشبث كل طرف بمواقفه، يصعب التنبؤ بما سيحدث في تايلاند، فمرور الوقت يقلل من احتمال التوصل إلى تسوية سياسية مرضية للطرفين. ولحد الآن، لا يلوح في الأفق مخرج واضح للأزمة السياسية والاجتماعية التي تعاني منها تايلاند، وعليه ستستمر سياسة الاحتجاج في تشكيل مستقبل هذا البلد الآسيوي. وإذا لم يتم التوافق بين القوى التقليدية الممثلة بأصحاب القمصان الصفراء والقوى الصاعدة الممثلة بأصحاب القمصان الحمراء، من أجل تجاوز الانقسام الحالي وإنشاء مؤسسات سياسية قادرة على معالجة الأسباب الاجتماعية الكامنة وراء هذا الاحتقان السياسي وقادرة أيضًا على استيعاب المتغيرات الاجتماعية السريعة المترتبة عن عقود من النمو الاقتصادي السريع، فإن الأمور ستنحدر نحو الأسفل وستطول الاضطرابات وستسوء حدة المواجهات بالقدر الذي قد يهدد وحدة تايلاند ويفتحها على المجهول.
________________________________
عبد الرحمن المنصوري - باحث في الشؤون الآسيوية

المصادر
1- Tan Hui Yee, Thai economy falls victim to political turmoil, The Straits Times, Publication Date : 18-02-2014, Asia news network. http://www.asianewsnet.net/Thai-economy-falls-victim-to-political-turmoil-57213.html 
2- Hui Yee, Thai economy falls victim to political turmoil

ABOUT THE AUTHOR