الجزائر: تعقيدات ترتيب خلافة الرئيس بوتفليقة

ما محتوى التغيير، ومن أطرافه؟ محاور المرحلة الانتقالية بالجزائر؛ حيث تظهر خلافة بوتفليقة بصورتين متناقضتين، تُظهر إحداهما أن كل شيء حسمه أصحاب الحل والعقد، وتؤكد الأخرى أن اللعبة مفتوحة؛ حيث تتهيأ الأطراف الفاعلة بالمشهد لأي جديد، وتسعى المعارضة والسلطة كلاهما للتأثير على قرارات المسار الانتقالي.
2015712115832419621_20.jpg
تبحث كل القوى لنفسها عن مكان في الخارطة السياسية الجديدة، ويبقى الجيش في قلب اللعبة السياسية. (الأوروربية-أرشيف)

ملخص
دفعت العهدة الرابعة الجزائر إلى أزمة من نوع جديد، مع تراكم عدد من المشاكل، وغياب حلول سياسية واقتصادية في مستوى التحديات، وتحول مصدر القرار تدريجيًّا إلى مواقع غير رسمية؛ حتى أصبح سعيد بوتفليقة -الأخ الأصغر للرئيس- أهم قطب في السلطة، كما تصفه أحزاب المعارضة. وفي هذا الظرف انهارت أسعار النفط، وتراجعت مداخيل الجزائر من العملة الصعبة بنسبة 46% خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2015 مقارنة بالسنة الماضية.

في هذا السياق تبحث كل القوى لنفسها عن مكان في الخارطة السياسية الجديدة، ويبقى الجيش في قلب اللعبة السياسية. ومثلما حدث سنة 1979 عند اختيار الشاذلي بن جديد، ثم في 1992 مع محمد بوضياف، و1993 مع اليمين زروال، وأخيرًا في 1999 مع عبد العزيز بوتفليقة، سيكون الحسم بيد الجيش أو بالأحرى المنظومة العسكرية والأمنية، التي تعتبر صاحب القرار الحقيقي في المحطات الكبرى، وقد بدأ تعبيد الطريق خلال الأسابيع الماضية بإقصاء سعيد بوتفليقة من قائمة المرشحين؛ ذلك أن رئاسة الجمهورية تبقى أساسًا قضية الجيش لا قضية يتناولها أصدقاء الرئيس وعائلته، ومن المحتمل أن الرئيس المنتهي حكمه ليس له شأن حتى في اختيار من يخلفه؛ لأن تعيين الرئيس الجديد يخضع للتوازنات القادمة لا للتوازنات السابقة.

تستعد الجزائر لتنظيم خلافة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة؛ لكن لا أحد في الوقت الحالي يعرف متى سيكون هذا الموعد؛ وذلك بعد أن ضاعت الفرصة التي أتاحتها الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في إبريل/نيسان 2014. وكان من الطبيعي أن ينسحب الرئيس بوتفليقة بعد نهاية عهدته الثالثة بسبب حالته الصحية المتدهورة التي لا تسمح له بالقيام بالمهام التي ينص عليها الدستور؛ فبعد عملية جراحية سنة 2007 ثم وعكة قلبية في 27 من إبريل/نيسان 2013، أصبح بوتفليقة عاجزًا عن الحركة ويتكلم بصعوبة كبيرة، ولا يستطيع أن يترأس الاجتماعات ولا جلسات العمل المطولة؛ حيث إن مجلس الوزراء لا يجتمع إلا عند تعيين الحكومة، ثم للمصادقة على قانون المالية.

وأدَّى تعطُّل المؤسسات إلى المطالبة بتطبيق المادة 88 من الدستور الجزائري؛ التي تنص على الإعلان عن شغور منصب رئيس الجمهورية وتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، وأصبح الحديثُ عن الوضعية الصحية للرئيس الموضوعَ الأساسي في البلاد؛ حتى خلال زيارة مسؤولين أجانب إلى الجزائر، ولم يتذكر الصحافيون ورجال السياسة خلال الزيارة التي قام بها الرئيس فرانسوا هولاند إلى الجزائر في 17 يونيو/حزيران الماضي، إلا جواب الرئيس الفرنسي في الموضوع، حين قال: إنه تباحث مع بوتفليقة لمدة ساعتين، ووجده في حالة نفسية جيدة؛ رغم مشاكله الصحية.

لقد فشلت عملية الانتقال لأسباب ثلاثة، يكمِّل كل منها الآخر؛ وهي: عدم اتفاق مختلَف أجنحة السلطة في الجزائر على من سيخلف الرئيس بوتفليقة، ورغبة هذا الأخير في البقاء في منصبه، وفشل المعارضة في فرض مرشح لها. حيث ذكر عدد من السياسيين أن بوتفليقة يتمنى إنهاء حياته رئيسًا، وأن عددًا من المسؤولين في الجيش قد وعدوه بذلك؛ مما يجعل أغلبية السياسيين يعتقدون أن قضية الخلافة لن تطرح إلا لأسباب بيولوجية؛ رغم الواجهة شبه الديمقراطية التي يُظهرها النظام الجزائري بتنظيم انتخابات دورية.

مأزق العهدة الرابعة

على الرغم من أن انتخاب رئيس الجمهورية في اقتراع عام وحرٍّ يتم شكليًّا، فإن العملية تجري حقيقة بطريقة مختلفة؛ حيث يتم اختيار الرئيس الجديد من طرف المنظومة العسكرية والأمنية، قبل أن تزكيه الأحزاب الكبرى والجمعيات الموالية للسلطة، وتشرف على تنظيم حملته الانتخابية شكليًّا، وهذا ما حدث مع كل من الشاذلي بن جديد واليمين زروال وعبد العزيز بوتفليقة. وعلى الرغم من أنه لم يحضر أي تجمُّع شعبي، ولم يُلْقِ أيَّ خطاب خلال الحملة الانتخابية في شهر إبريل/نيسان 2014، فإنه قد أعيد انتخاب بوتفليقة بنتيجة وصلت إلى 80% من الأصوات؛ بينما لم يتحصل رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس إلا على 12% من الأصوات.

وأعيد انتخاب بوتفليقة لعهدة رابعة بعد خلاف حاد في أعلى هرم السلطة بين مجموعتين؛ إحداهما تسانده، والثانية تحفَّظت على بقائه، قبل أن تتراجع وتسانده، وكان قائد أركان الجيش قايد صالح يتزعم المجموعة التي ساندت بوتفليقة؛ بينما كان قائد المخابرات توفيق مدين يُبدي تحفُّظًا على تلك الفكرة في بداية الأمر، قبل أن يتراجع ويبارك بقاء بوتفليقة.

ومهما يكن، فإن العهدة الرابعة قد دفعت البلاد إلى أزمة من نوع جديد، مع تراكم عدد من المشاكل، إلى جانب تذبذب السلطة وتمييع المسؤوليات وغياب هيئات سياسية قادرة على مواجهة الوضع واقتراح حلول سياسية واقتصادية في مستوى التحديات، ودخلت المؤسسات شللاً شبه كامل، وتحوَّلَ مصدرُ القرار تدريجيًّا إلى مواقع غير رسمية؛ حتى أصبح سعيد بوتفليقة، الأخ الأصغر للرئيس بوتفليقة، أهم قطب في السلطة، مثلما تقول أحزاب المعارضة. وذهب النائب عن الحزب الإسلامي "العدالة والتنمية" حسن عريبي إلى أقصى حد؛ حيث اتهم سعيد بوتفليقة بتحضير انقلاب للاستيلاء على السلطة.

وفي هذا الظرف، انهارت أسعار النفط، وتراجعت مداخيل الجزائر من العملة الصعبة بنسبة 46% خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2015 مقارنة بالسنة الماضية، حسب حصيلة نشرتها مصالح الجمارك، مع العلم أن مداخيل النفط تشكل 93% من صادرات الجزائر، وأن الضرائب من المحروقات توفر 60% من ميزانية الدولة. ولم تتمكن الحكومة من اتخاذ الإجراءات الضرورية لتغيير الوضع؛ بسبب رفض بوتفليقة أي تغيير يؤثر على السلم الاجتماعي، مثل مساعدات الدولة التي تبلغ 27% من الدخل الوطني الخام؛ بينما تبقى نجاعة الاقتصاد ضعيفة جدًّا مع نسبة نمو لن تتعدى 3% على الرغم من كل الاستثمارات.

وتشير أطراف مستقلة ومؤسسات دولية إلى أن المشكل الأساسي يتمثَّل في طريقة تنظيم الاقتصاد بالدرجة الأولى، إلى جانب انهيار مستوى الإدارة وهشاشة المسؤولين بالسلطة الحالية، وفي نهاية المطاف أصبحت فكرة التغيير تحصل على إجماع وطني، بما في ذلك في أوساط السلطة؛ حيث إن الرئيس بوتفليقة نفسه يؤكد دوريًّا ضرورة الإصلاح، ويعلن عن مبادرات للتغيير.

سيناريو الانتقال عند كتلة التنسيقية

ما محتوى التغيير، ومن سيقوم به؟ وبمشاركة أي أطراف؟ تدور كل الصراعات السياسية في الجزائر حول هذه الأسئلة؛ وإذا كانت أجندة بوتفليقة هي التي تفرض نفسها لحد الساعة، فإن مختلف الأطراف الفاعلة في الساحة السياسية تتهيأ لأي جديد، ويحاول كل طرف فرض قراره أو التأثير على القرار الذي سيتم اتخاذه يوم الحسم، وأبرز هذه الأطراف هي أحزاب المعارضة التي تجمعت في قطبين أساسيين؛ يتشكل الأول وهو الأكثر عددًا والأقوى- من التنظيمات التي التقت في التنسيقية الوطنية من أجل التحول الديمقراطي، وتضم المجموعة حركة مجتمع السلم -حزب الإخوان- والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية -علماني- وأحزاب إسلامية أخرى، إلى جانب حزب في طريق التأسيس، وهو طلائع الحريات الذي يتزعمه رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس.

وعلى الرغم من ضعفها الانتخابي وهشاشة وجودها في البرلمان، فإن هذه الكتلة تشكل المنشط الأساسي للحياة السياسية في البلاد؛ حيث تنظم لقاءات ومحاضرات، وتحتل قسطًا كبيرًا من التغطية الإعلامية للصحافة الخاصة، وتعمل هذه الكتلة لتوسيع صفوفها إلى شخصيات وأحزاب أخرى لتشكل قطبًا حقيقيًّا يفرض عددًا من المطالب؛ التي تبنتها المعارضة منذ سنة ونصف.

وستجتمع "هيئة التشاور والمتابعة للمعارضة" في 9 من يوليو/تموز، مباشرة بعد الاحتفال بعيد الاستقلال يوم 5 من يوليو/تموز، بهدف وضع "آليات جديدة للعمل المشترك"، وتؤكد هذه المجموعة المنبثقة عن أكبر لقاء للمعارضة جرى في 10 من يونيو/حزيران 2014، ثلاثة مطالب أساسية، تتمثل في إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات الرئاسية، ثم تنظيم رئاسيات مبكرة باعتبار أن بوتفليقة عاجز عن القيام بمهام رئيس الجمهورية، وصياغة دستور جديد.

وتبني هذه المجموعة استراتيجيتها على إقامة ميزان قوى جديد؛ تستطيع من خلاله أن تجبر السلطة على تقديم تنازلات سياسية، والذهاب إلى مخطط من أجل تسليم الحكم لسلطة شرعية جديدة، وتناور هذه الكتلة لتتكلم تارة عن المواجهة مع النظام، وتارة عن ضرورة التفاوض، دون أن يتضح أي أسلوب عمل سيفرض نفسه، والملاحظ هو أن التنظيمات أو الشخصيات التي انضمت إلى هذه الكتلة سبق لها أن كانت موالية للسلطة؛ حيث إن حركة مجتع السلم مثلاً شاركت في كل الحكومات المتتالية منذ عشريتين، وكانت خلال العشرية الأخيرة تنتمي إلى التحالف الرئاسي مع جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي؛ أما التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، فإنه ساند الرئيس بوتفليقة عند وصوله إلى السلطة؛ بينما كان علي بن فليس مديرًا للحملة الانتخابية للرئيس بوتفليقة، ثم رئيس حكومته في عهدته الأولى، قبل أن يدخل في خلاف معه وينافسه مرتين على كرسي الرئاسة.

ومن الواضح أن هذه الكتلة لا تكسب القوة اللازمة لفرض ميزان قوى جديد؛ خاصة أن الشك ما زال قائمًا حول جدية انضمام الكثير منها إلى المعارضة، وقد قال بوجرة سلطاني -وهو الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم: إنه يرفض بقاء حزبه في المعارضة، وعليه أن يعود إلى موقعه الطبيعي ضمن الأحزاب الموالية للسلطة. وعلى الرغم من المواقف المتشددة التي يظهر بها الرئيس الحالي للحزب عبد الرزاق مقري، فإن عودة حركة مجتمع السلم إلى دائرة السلطة أمر يبقى مطروحًا؛ خاصة أن رجال المال والأعمال في الحزب يريدون أن يتعاملوا مع الإدارة بطريقتهم المعتادة، وأن بقاء الحزب في المعارضة يضر مصالحهم بطريقة مباشرة.

الانتقال بالإجماع الوطني حسب حمروش وجبهة القوى الاشتراكية

عكس ما تقدم، ترى جبهة القوى الاشتراكية أن وضع الجزائر يفرض منهجية مختلفة تمامًا، تهدف إلى إقامة إجماع وطني جديد بمشاركة كل الأطراف، وتعرف الجبهة -وهي أقدم حزب معارض في البلاد- أن إسقاط النظام ليس صعب المنال فقط؛ بل هو أمر بالغ الخطورة، خاصة بعد تجربة "الربيع العربي"؛ التي أثبتت أن مؤسسات الدول العربية ليست قادرة على مواجهة أزمات كبرى، ويعتبر هذا الحزب أنه من الأفضل التفاوض مع السلطة للبحث عن طريقة تسمح بتغيير النظام بأسلوب سلس وتدريجي، بمشاركة المعارضة، ووفق أسلوب شفاف.

وقد كان حزب الجبهة في المعارضة منذ نصف قرن، ورفض كل الاقتراحات للتقارب مع السلطة؛ لكنه لاحظ في نهاية المطاف أن استراتيجيته دفعته إلى عزلة شديدة، بينما لا يسمح له الوضع السياسي بالتأثير على القرار، وأن المواجهة الدائمة قد تؤدي بالحزب إلى مأزق دون أن يتمكن من تأدية دوره السياسي بجدية. فاقترح تنظيم ندوة وطنية تشارك فيها كل الأطراف، من أجل تحديد ملامح المشروع الوطني الجديد، وتغيير النظام السياسي دون مواجهة.

ويتقاطع اقتراح جبهة القوى الاشتراكية إلى حدٍّ بعيد مع اقتراح رئيس الحكومة الأسبق وزعيم الإصلاحيين مولود حمروش؛ الذي دعا قبل رئاسيات إبريل/نيسان 2014 إلى إجماع وطني جديد. ووجه نداء صريحًا إلى كل من الرئيس بوتفليقة، وقائد أركان الجيش قايد صالح، وقائد المخابرات توفيق مدين، يدعو إلى فتح الباب أمام بناء نظام جديد، لا لتعيين شخص جديد في منصب رئيس الجمهورية؛ إنما بناء مؤسسات جديدة تكون قادرة على مواجهة تحديات هذا القرن.

ويعتبر أنصار فكرة الإجماع الوطني أن الجزائر ليست قادرة بمؤسساتها الحالية وبطريقة التسيير السائدة، على دخول المنافسة الدولية؛ بل إنها مهددة لأنها احتفظت بمؤسسات بالية وإدارة لا تضمن النجاعة اللازمة في التسيير؛ وذلك في حين أصبح المحيط الدولي والجهوي خطيرًا جدًّا، ويبني هذا التيار نظرته على أساس أن الحفاظ على الوضع القائم يشكل خطرًا؛ لأن قدرة البلاد على دخول عهد جديد تتراجع مع مرور الأيام، وأن الوقت ليس حليفًا بل عاملاً خطيرًا، ويؤكد مولود حمروش أن عملية تغيير النظام لا يمكن أن تنجح إذا عارضها الجيش، أو حتى إذا بقي محايدًا، وهذا يكفي لإفشال العملية في أية مرحلة، ويعتبر أن الجيش بطريقة تنظيمه يشكل المؤسسة الأكثر عصرانية في البلاد، وله القدرة على دفع باقي المؤسسات إلى الشروع في إصلاحات جديدة.

الانتقال في دوائر السلطة والمال

في الأوساط الموالية للسلطة، يعتبر الكلام عن خلافة الرئيس بوتفليقة ممنوعًا، ولا أحد يتجرأ على الخوض في هذه القضية خشية من مواجهة غضب بوتفليقة؛ لكن هذا لا يمنع كل طرف أن يتهيأ ليكون جاهزًا لأي احتمال؛ خاصة لدى الشخصيات التي تطمح في الوصول إلى الرئاسة، وتدور اللعبة أساسًا بين حزب جبهة التحرير الوطني الذي يرأسه عمار سعداني، أحد المقربين من سعيد بوتفليقة، وبين التجمع الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه أحمد أويحي، الذي شغل منصب رئيس الوزراء ثلاث مرات قبل أن يصبح مديرًا لديوان رئيس الجمهورية. وتريد أحزاب أخرى مثل تجمع الجزائر؛ الذي أسسه عمار غول، والحركة الشعبية برئاسة عمارة بن يونس، أن تنضم إلى دائرة السلطة. وكل هذه التنظيمات تعيش في فلك ضيق جدًّا يقتصر على التقرب من السلطة، والمزايدة في خدمة النظام والولاء لرئيس الجمهورية، وبطبيعة الحال فإن هذه الأحزاب ابتعدت عن العمل السياسي التقليدي، وأصبحت تشكل امتدادًا لأجهزة الدولة، وستتحول إلى لجان مساندة للمرشح الذي ستقترحه السلطة الفعلية، مهما كانت هويته أو ميوله السياسية.

انتشرت فكرة في الأشهر الأخيرة مفادها أن المنافسة على خلافة الرئيس بوتفليقة قد تقتصر على خيار بين الوزير الأول عبد الملك سلال وأحمد أوحيى، وقد تبدو هذه الصورة صحيحة إذا اقتصرنا على الجمود السياسي الحالي؛ لكنها لا تأخذ بعين الاعتبار المعطيات الأساسية للنظام السياسي الجزائري؛ فقد دفع غياب رئيس الجمهورية إلى محاولة لملء الفراغ برئيس الحكومة وبعض زعماء الأحزاب، وحاولوا تنشيط المشهد السياسي؛ مما يوحي أنهم يلعبون فعلاً دورًا سياسيًّا بارزًا؛ لكن كل هذه الشخصيات لا تزن كثيرًا يوم الحسم، وقد أكدت ذلك التغييرات في قيادات تلك الأحزاب؛ حيث اكتفت السلطة بعمليات بسيطة لتعيين ثم طرد كل من أحمد أويحي وعبد العزيز بلخادم وعلي بن فليس وعمار سعداني من قيادة أحزاب كانوا يرأسونها؛ وتؤكد هشاشة الأحزاب أن القرار الحقيقي ما زال بأيدي أطراف أخرى في مواقع أخرى.

الكلمة الأخيرة للمنظومة العسكرية والأمنية

إلى جانب كل هذه القوى التي تبحث لنفسها عن مكان في الخارطة السياسية الجديدة، يبقى الجيش الوطني الشعبي في قلب اللعبة السياسية؛ ومثلما حدث سنة 1979 عند اختيار الشاذلي بن جديد، ثم في 1992 مع محمد بوضياف، و1993 مع اليمين زروال، وأخيرًا في 1999 مع عبد العزيز بوتفليقة، سيكون الحسم بيد الجيش، أو بالأحرى المنظومة العسكرية والأمنية، التي تعتبر صاحب القرار الحقيقي في المحطات الكبرى.

وقد بدأ في تعبيد الطريق خلال الأسابيع الماضية، بإقصاء سعيد بوتفليقة من قائمة المرشحين؛ وعلى الرغم من أن الفكرة راجت في الأوساط السياسية منذ سنوات، فإنها كانت مستبعدة إطلاقًا؛ لأن رئاسة الجمهورية تبقى أساسًا قضية الجيش لا قضية يتناولها أصدقاء الرئيس وعائلته، ومن المحتمل أن الرئيس المنهي حكمه ليس له شأن حتى في اختيار من يخلفه؛ لأن تعيين الرئيس الجديد يخضع للتوازنات القادمة لا للتوازنات السابقة.

وبناء على هذه المعطيات، فإن قضية الخلافة تطرح بطريقة غريبة لا يتحكم أحد في قواعدها، وللتأكد من ذلك يكفي معرفة أن الرئيس بوتفليقة يبلغ من العمر 78 سنة، وهو في حالة صحية متدهورة، والجنرال قايد صالح يبلغ 80 سنة، أما توفيق مدين فيبلغ 76 سنة. ولحد الساعة، كان موقف الجنرال قايد صالح أساسيًّا لبقاء الرئيس بوتفليقة في الحكم؛ لكن هذه المعادلة يمكن أن تتغير بسرعة في حالة غياب أحد الأطراف, مما سيغير ميزان القوى لصالح هذا الطرف أو ذاك.

وتداولت الصحافة ما وصفته بالعلاقات المتوترة جدًّا بين قائد أركان الجيش الجنرال قايد صالح، وقائد المخابرات توفيق مدين، وأن رأيهما سيكون حاسمًا في اختيار خليفة الرئيس بوتفليقة، ولا أحد يعرف كيف سيتم التشاور بينهما لتعيين الخلافة، ويقول ضابط سابق في الجيش: إنه يجب دراسة طرح جديد، يتمثل في إقصاء كلٍّ من قايد صالح وتوفيق مدين من القرار(1)؛ لأن تعيين الرئيس الجديد يهم الجنرالات الذين سيحكمون البلاد خلال العشرية القادمة، لا الجنرالات الذين تجاوزوا سن التقاعد بكثير. ويرى أن الجيل الجديد من الضباط يريد أن يأخذ احتياطاته باختيار من يضمن حدًّا أدنى من الاستقرار، ومن يتفقون معه حول التوازنات الكبرى، وحول مكانة الجزائر في محيطها الجهوي والدولي؛ مما قد يدفعهم إلى الاستغناء عن رأي جنرالات الجيل الأول وقراراتهم.

عامل جديد: الأزمة المالية

تظهر خلافة الرئيس بوتفليقة بصورتين متناقضتين تمامًا، إحداهما تشير إلى أن كل شيء محسوم من طرف أصحاب الحل والربط، والأخرى تؤكد أن اللعبة مفتوحة، ولا أحد يضمن أنه سيشارك فيها، بسبب السن أو الحالة الصحية، أو ما يمكن أن يحدث قبل الموعد، ونذكر مثلاً أن عبد العزيز بلخادم كان يظهر كمرشح قوي قبل سنتين، قبل إقصائه من اللعبة السياسية؛ بسبب موقف أثار غضب الرئيس بوتفليقة؛ الذي أمر بإقصائه حتى من صفوف الحزب، مع العلم أن بلخادم رافق الرئيس بوتفليقة لمدة 15 سنة، وكان من أنصاره المقربين كوزير دولة، أو كرئيس حكومة مرتين.

إن أهم ما أدخله بوتفليقة في النظام السياسي الجزائري، هو نوع من عدم الاستقرار والشك في صفوف السلطة؛ وأدَّى ذلك إلى زعزعة المؤسسات والقضاء على هيبتها من جهة، وتحطيم صورة أصحاب المناصب من جهة أخرى؛ حتى أصبح الوزير الأول مسؤولاً لا صلاحيات له، يحظى بثقة رئيس الجمهورية؛ بينما يتصرف سعيد بوتفليقة في شؤون الحكومة والاقتصاد والأحزاب والدبلوماسية بصفة موازية.

ويعطي الشارع الجزائري دورًا كبيرًا لهذه السلطة الموازية؛ التي يرمز إليها حاليًّا سعيد بوتفليقة وصديقه علي حداد، وهو رجل أعمال لعب دورًا أساسيًّا في الحملة الانتخابية الأخيرة، وقد استولى حداد على منظمة أرباب العمل، وهو حاليًّا يرافق رئيس الحكومة والوزراء إلى الخارج، كما يجتمع بالسفراء الجزائريين، بعد أن تم تعيين عدد من أصدقائه في الحكومة وفي مناصب حساسة؛ مثل جمال كعوان، الذي تم تعيينه على رأس أكبر شركة جزائرية للإشهار، بعد أن كان مديرًا لجريدة "الوقت"؛ التي يملكها حداد، وهذا ما أثار غضب العديد من رجال السياسة.

لكن هل يكفي هذا ليعطي لحداد رأيًا في قضية الخلافة؟ إن الترتيبات التي تمت خلال الأسابيع الماضية؛ مثل إعادة ترتيب أحزاب الموالاة، ودفن قضايا الرشوة الكبرى، تشير إلى أن النظام يحضر لخلاقة هادئة يديرها حسب قواعده الخاصة، وحسب أجندة السلطة لا في الآجال التي تريدها المعارضة.

خاتمة

يتمسك الرئيس بوتفليقة بأجندة النطام، وتأكد ذلك حين خاطب الشعب الجزائري بمناسبة عيد الاستقلال بأنه لن يتخلى عن منصبه قبل نهاية عهدته الرابعة؛ واعتبر أن وضع البلاد لا يثير القلق، وأن المؤسسات تقوم بدورها، كما غازل المعارضة ونوه بالدور الذي تقوم به؛ ومباشرة بعد ذلك أكدت أحزاب الموالاة مساندتها للرئيس، ودخلت في صراعها التقليدي المبني على المزايدة والتقرب من السلطة.

يفرض واقع الأزمة الجزائرية نفسه من جديد؛ حيث عادت الاشتباكات بقوة غير معهودة في غرداية؛ حيث خلفت 25 قتيلاً في يوم واحد يوم 8 من يوليو/تموز الحالي، وهي الحصيلة التي لم تعرفها الجزائر منذ سنوات، وقد اضطر الرئيس بوتفليقة إلى تكليف الجيش باستعادة الأمن في المنطقة؛ وذلك في سابقة خطيرة تجعله في الواجهة، وتكلفه بعبء جديد بعد فشل الأطراف السياسية والإدارة، وتؤكد التطورات الأخيرة في غرداية أن السلطة تريد أن تحسب لكل شيء؛ ذلك أن المعطيات في المشهد الجزائري تحتوي على ما يكفي لإرباك مخططات السلطة المتعلقة بخلافة بوتفليقة.
_________________________
عابد شارف: خبير في الشأن الجزائري.

مصادر
1- مصدر خاص بالكاتب.

ABOUT THE AUTHOR