العلاقات التركية-الأميركية في عهد ترامب: من خيبة الأمل إلى تصاعد التوتر

تبحث هذه الورقة مستقبل العلاقات التركية-الأميركية في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتناقش الأزمات المتلاحقة في علاقة البلدين، ويخلص الباحث إلى أن هذه العلاقة تأخذ مسارًا متدهورًا، مبنيًّا على قناعة تركية بأن واشنطن لا تكترث لمخاوف تركيا الأمنية.
00e6226cd5fa408bac0ba236ea11b073_18.jpg
اتساع الهوة بين أمريكا وتركيا [الجزيرة]

مقدمة

نظرت تركيا إلى فترة رئاسة ترامب على أنها فرصة لتصحيح ما شاب العلاقة من توترات في عهد أوباما والتي لم تتناسب مع طبيعة وصف البلدين للعلاقة بينهما على أنها علاقة تحالف في ظل تجاهل ما تراه أنقرة مخاطر أمنها القومي. وفيما لم تخلُ هذه النظرة التفاؤلية من الشكوك إلا أن تركيا مُنيت بخيبة أمل حيث لم يتوقف الأمر عند عدم حلِّ الخلافات السابقة مع الإدارة الجديدة فحسب بل تكرست هذه الخلافات وتوسعت وظهرت خلافات جديدة وبوتيرة متسارعة جدًّا. ووفق مسار الخلافات، فإن العلاقات شهدت أزمة أو خلافًا واحدًا على الأقل شهريًّا بين الطرفين منذ شهر أبريل/نيسان 2017. وبالرغم من أن العلاقات لم تنقطع فإنها قد وصلت إلى حدها الأدنى، وفي ظل الأزمات الجارية فإن هناك انهيارًا في الثقة وقليلًا من الفرص الموجودة لكي يتم إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين من جديد؛ وهذا يفتح الباب بقوة أمام مزيد احتمالات تصعيد غير مسبوقة خاصة قبيل الاستحقاق الانتخابي في تركيا في 2019.

التوقعات الأولية والخلافات

كان مستقبل العلاقات التركية-الأميركية بعد أوباما موضع نقاش مهم في تركيا. ومنذ إعلان فوز دونالد ترامب في السباق الرئاسي في الولايات المتحدة الأميركية، في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، نظر الأتراك إلى الفترة الجديدة بتوقعات إيجابية على أمل أن تصحح سياسة ترامب في الشرق الأوسط كثيرًا من الأخطاء والأضرار التي تعرضت لها تركيا بسبب سياسة إدارة باراك أوباما، وفي اليوم التالي لفوز ترامب هنَّأه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بهذا الفوز ووجَّه له دعوة لزيارة تركيا وكذلك الحال فعل رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدرم(1). وأشارت تصريحات العديد من المسؤولين الأتراك إلى توقعهم لصفحة جديدة من العلاقات التركية-الأميركية خاصة في ملفي حزب العمال الكردستاني وتنظيم غولن وهما الملفان الرئيسيان في الخلافات بين واشنطن وأنقرة في عهد الرئيس السابق، باراك أوباما.

وحتى خلال السباق الانتخابي نظر الأتراك إلى منافِسة ترامب، هيلاري كلينتون، على أنها امتداد لسياسة أوباما التي أزعجت تركيا. وقد أظهر استطلاع أجرته شركة أورك للدراسات أن 65% من الأتراك كانوا يرغبون في فوز دونالد ترامب لأنهم يعتبرون هيلاري كلينتون من الداعمين لفتح الله غولن الذي تتهمه تركيا بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 يوليو/تموز 2016.(2) كما أن كلينتون تحمل أفكارًا مختلفة عن تفكير تركيا وأردوغان حول مواضيع سوريا والعراق وحزب العمال الكردستاني وجماعة فتح الله غولن، وحرية الصحافة وغيرها من الملفات.

وعلى كل حال، فإن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، رأى أيضًا أن الإدارة الأميركية برئاسة ترامب قد تكون أكثر ترحيبًا بالأطروحات والحلول التركية لمشاكل المنطقة(3)، وقد قرأت أنقرة بإيجابية تصريحات مايك بنس، نائب ترامب، عندما قال: "إن تركيا هي من أهم حلفائنا وسوف نجعل العلاقة معها أفضل"، إضافة إلى ما قاله كبير مستشاري دونالد ترامب، مايكل فلين -الذي قدَّم استقالته في وقت لاحق بعد فضيحة اتصالات مع روسيا- حيث قال: "إن على سياسات الولايات المتحدة الجديدة أن تضع على رأس أولوياتها علاقتها مع تركيا"، مشيرًا إلى أن إدارة أوباما فشلت في استيعاب الموقف الجيوسياسي لأنقرة في الوقت الراهن. وقال في مقالة له، في صحيفة هيل: "يجب علينا أن ننطلق من فهم أن تركيا مهمة جدًّا لمصالح الولايات المتحدة". كما اعتبر فلين أن تركيا "مصدر للاستقرار في المنطقة"(4).

ولكن مع هذا، وباعتبار العديد من التناقضات والوعود والتصريحات التي أدلى بها ترامب خلال حملته الانتخابية مثل موقفه من المسلمين ووعده بنقل السفارة الأميركية إلى القدس ونيته وقف دعم المعارضة السورية -وهو ما طبقه في وقت لاحق- كانت هناك حالة من الغموض والشك في إمكانية تحسن العلاقات في عهد ترامب إلا أن سوء العلاقة في عهد أوباما جعل الأتراك يرقبون التغيير بتفاؤل، ويدلِّل على هذا ما قاله نعمان كورتولموش، وزير الثقافة والسياحة الحالي ونائب رئيس الوزراء آنذاك، حول العلاقة بين واشنطن وحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا: "نأمل ونوصي إدارة ترامب خاصة ونحن بصدد إعادة إنشاء علاقات قوية ومتينة بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية أن تعيد النظر بخصوص موضوعين مهمين: أولها يتمثل في أن تسلِّم الولايات المتحدة إلى تركيا زعيم العصابة الإجرامية، غولن، الذي قام بعمل إجرامي ضد كل الشعب في المحاولة الانقلابية التي جرت في 15 يوليو/تموز 2016... والمسألة الأساسية الثانية تتمثل في إنهاء الدعم المقدَّم إلى حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د)(5).

وبالرغم من وجود خطاب إيجابي وبعض الأفعال التي عززت شعور إمكانية التحسن في العلاقات مثل قرار ترامب بتنفيذ ضربة عسكرية ضد نظام الأسد وهو ما بُرِّر بأنه هجوم على القاعدة العسكرية التي انطلق منها الهجوم الكيماوي الذي نفَّذه نظام الأسد في سوريا إلا أن قضايا الخلاف التركي-الأميركي في عهد ترامب استمرت وتوسعت كما أن خطاب ترامب الذي احتوى على نَفَس إيجابي خلال الاجتماعات أو الاتصالات التليفونية مع أردوغان لم يكن له انعكاسات على الأرض حيث تجاهلت الإدارة مطالب أردوغان في اتصاله الهاتفي بترامب، في 8 فبراير/شباط 2017؛ وذلك بالرغم من تأكيد ترامب على ضرورة تطوير التعاون مع تركيا والإشادة بدورها في مكافحة تنظيم الدولة. وبهذا كانت واشنطن تمارس سياسة الإلهاء والتجاهل في قضايا تمس الأمن القومي لدولة من المفترض أنها دولة حليفة(6). وفيما يلي نسلِّط الضوء على أبرز الخلافات والأزمات بين الطرفين خلال فترة ترامب التي بدأت رسميًّا في 20 يناير/كانون الثاني 2017 وآلية التعامل التركي الحالي والمحتمل معها:

1. الخلاف في سوريا واستمرار الدعم الأميركي لقوات حماية الشعب (YPG)

تعتبر تركيا حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية في سوريا امتدادًا لحزب العمال الكردستاني وخطرًا على أمنها القومي. وقد كان الدعم الأميركي لهذه القوات والذي أسهم في صعودها يسبِّب إزعاجًا كبيرًا لأنقرة؛ ولهذا فإن أردوغان قد طلب من ترامب في أكثر من مرة إيقاف هذا الدعم. وكما ذكرنا، فقد تجاهلت إدارة ترامب ذلك الطلب وصولًا إلى 10 مايو/أيار 2017؛ وهو اليوم الذي وافق فيه ترامب رسميًّا على تسليح البنتاغون لوحدات حماية الشعب الكردية. وبالرغم من محاولة البنتاغون التخفيف من حدة غضب تركيا إزاء هذا القرار بالقول: "ندرك تمامًا المخاوف الأمنية لتركيا شريكتنا في التحالف...نودُّ طمأنة شعب وحكومة تركيا بأن الولايات المتحدة ملتزمة بمنع أي أخطار أمنية إضافية وبحماية شريكتنا في حلف شمال الأطلسي"(7). إلا أن القيادة التركية شاهدت هنا أول إشارة عملية على اتباع ترامب لنفس السياسة التي سار عليها سلفه أوباما في هذا الملف. علمًا بأنها كانت غير مرتاحة أيضًا من بقاء المبعوث الأميركي الخاص للتحالف الدولي، بريت ماكغورك، والذي تم تعيينه في عهد أوباما والذي كان حريصًا على التواصل بشكل فعَّال مع قوات الحماية الكردية محاولًا إضفاء الشرعية عليها.

ومع ذلك، اختارت تركيا أن تعمل على حل هذه الأزمة بالحلول التوافقية مع واشنطن، وكانت الأوساط المقربة من قيادتها تشير على أن التقارب مع روسيا لمعالجة ضرورات أمنها القومي ليس استغناء عن التحالف مع الولايات المتحدة، وتم عقد اجتماع بين أردوغان وترامب، في واشنطن، في 16 مايو/أيار 2017، وكرَّر الرئيس التركي مطالب تركيا لترامب الذي استخدم لغة إيجابية مرة أخرى فيما استمر التعاون الميداني بين الأميركيين والقوات الكردية(8).

وخلال الفترة التي تلت ذلك، جاء الرد التركي على السياسة الأميركية في هذا السياق عبر عدة أمور منها تصعيد أردوغان للهجة انتقاده لواشنطن؛ حيث قال أردوغان في أحد خطاباته: "إن من أوجد داعش هو ذاته من أوجد حزب الاتحاد الديمقراطي وهو من جرَّ إقليم شمال العراق للاستفتاء". وإضافة إلى هذا، بدأت تتزايد احتمال إقدام تركيا على عملية في عفرين لأخذها من وحدات حماية الشعب من خلال استمرار التنسيق مع روسيا وإيران بشأن مناطق خفض التوتر في سوريا وفي تحسين العلاقات الثنائية معها، إضافة لتزايد التنسيق مع إيران بشأن إحباط عملية استقلال إقليم شمال العراق(9).

وقد عبَّرت تركيا عن خيبة أملها من وعود واشنطن "أوباما لم يلتزم عدَّة مرات بوعوده لنا حول "ب ي د"، والإدارة التي جاءت بعده قالت: نحن لا نتعاون مع التنظيم بل مع اسمه الجديد (قوات سوريا الديمقراطية) (اختصارًا قسد)، وأرسلت 3500 شاحنة مساعدات عسكرية من العراق إلى شمال سوريا لدعمه"(10).

ولاحتواء الغضب التركي عبر سياسة الإلهاء من جديد ومنع تركيا من اتخاذ ردَّة فعل كبيرة ومنعها من مزيد من التقارب مع موسكو وطهران، أجرى الرئيس الأميركي، نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2017، اتصالًا مهمًّا بالرئيس التركي تعهد خلاله، وفقًا لنائب رئيس الوزراء التركي، بكر بوزداغ، بوقف تسليح وحدات حماية الشعب الكردية، واعتُبر هذا الاتصال نقطة تحول جديدة في العلاقات إلا أن أنقرة التي وضعت احتمالات الخداع أكدت أنها ستتابع عملية التنفيذ عن كثب(11).وباختصار، يمكننا القول: إن هذه الأزمة قد تفاقمت في عهد إدارة ترامب.

2. ملف تنظيم غولن

لم تقم الولايات المتحدة بالتجاوب مع طلب تركيا بتسليم فتح الله غولن المتهم بتدبير محاولة الانقلاب الأخيرة في تركيا وكان هناك بطء كبير في التعامل مع هذا الملف من قبل وزارتي الخارجية والعدل الأميركيتين، وقد أرسلت تركيا إلى الولايات المتحدة حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2017، 7 مذكرات تطالب بتسليم فتح الله غولن فضلًا عن طلب اعتقال مؤقت وذلك عدا المعلومات التي قدمتها الخارجية التركية والتي تثبت تورط غولن في الانقلاب(12). وبالإضافة لهذا، يعتقد الأتراك أن أجهزة الاستخبارات الأميركية لا تزال تتعامل مع أعضاء جماعة غولن وتستخدمهم في دول أخرى كما يتم استخدام المعلومات والوثائق التي يقدمها أعضاء هذه الجماعة في القضاء الأميركي من أجل الضغط على تركيا(13).

والذي زاد من انزعاج تركيا أنه فضلًا عن عدم التجاوب مع تسليم غولن فإن الأخير ما زال يتحرك ويعمل من واشنطن حيث دعا عبر مقالة له في صحيفة واشنطن بوست الأميركية، الغرب لمساعدة تركيا في الحفاظ على المسار الديمقراطي في البلاد، وهو ما أثار المزيد من التوجس في تركيا في ظل وجود قناعات بأن هناك أطرافًا مؤثرة في الإدارة الأميركية تريد الإطاحة بالحكومة في تركيا.

وأمام التجاهل الأميركي للمذكرات القضائية، تقدم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، باقتراح للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، طلب بمقتضاه تسليم فتح الله غولن مقابل إفراج تركيا عن قس أميركي محتجز في أراضيها منذ 2016 بتهمة العلاقة مع تنظيم غولن كان ترامب قد طلب من أردوغان تسليمه إلى واشنطن في وقت سابق من هذا العام، ولكن لم يحدث أي تقدم في هذا السياق(14). يمكننا القول: إن أزمة تنظيم غولن لا تزال مستمرة وقد أفرزت مجموعة من الأزمات مثل أزمة التأشيرات وغيرها.

الأزمات الجديدة

لم تتوقف الأمور عند استمرار الخلافات التي كانت موجودة في عهد أوباما مثل الخلاف حول تسليح القوى الكردية في سوريا وحول تنظيم غولن بل توسعت هذه الخلافات وظهرت لها إفرازات وتفرعات مثل الأزمة التي تلت توجيه المحكمة الأميركية تهمًا بحق 15 حارسًا من حراس أردوغان بالاعتداء على المشاركين في تظاهرة الاحتجاج أمام السفارة التركية في أغسطس/آب 2017، وأزمة التأشيرات، وأزمة رضا صراف بالإضافة إلى الاختلاف حول مشاكل جديدة أنتجتها إدارة ترامب أو كان لها دور فيها مثل أزمة نقل السفارة الأميركية إلى القدس وأزمة قطر وأزمة استفتاء إقليم شمال العراق.

الأزمات المباشرة

1. أزمة التأشيرات

ظهرت الأزمة إلى العلن عندما أصدرت السفارة الأميركية في أنقرة بيانًا، في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2017، أعلنت فيه تعليق إصدار التأشيرات. وردًّا عليها، قامت السفارة التركية في واشنطن بإعلان مطابق له حرفيًّا، وكان السبب في فعل السفارة الأميركية هو الاعتراض على قرار قضائي تركي بحبس الموظف في القنصلية الأميركية بمدينة إسطنبول، متين طوبوز، بتهمة التخابر مع "تنظيم غولن". ولهذا تُعتبر أزمة التأشيرات عَرَضًا من أعراض الخلاف حول ملف تنظيم غولن. وبالرغم من وصفها بأنها من أكبر الأزمات بين الطرفين إلا أنه قد تمت تسويتها كما كان متوقعًا في مدة شهر تقريبًا؛ وعادت السفارتان لإصدار التأشيرات في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، لكن الأسباب وراء هذه الأزمة وحالة انهيار الثقة التي أنتجتها لا تزال قائمة. ولهذا، فإنه من الممكن أن تحدث أزمة دبلوماسية بطريقة أو بأخرى(15).

 2. أزمة رضا صراف

بدأت هذه الأزمة تتبلور عندما تم اعتقال رجل الأعمال التركي/الإيراني، رضا صراف، في مارس/آذار 2016، في الولايات المتحدة بتهمة الالتفاف على العقوبات الأميركية ضد إيران وهي القضية التي يُحاكَم فيها محمد هاكان أتيلَّا، نائب رئيس بنك خلق التركي، وأُضيف إليه فيما بعد وزير الاقتصاد السابق، ظفر تشاغلايان، ورئيس بنك خلق السابق، سليمان أصلان. وتعتبر تركيا أن هذه القضية لها أبعاد سياسية أكثر من الأبعاد القانونية، وقد قال الرئيس التركي بأن هناك دوافع خفية وراءها. وقد كانت القضية موضع مباحثات بين الطرفين، التركي والأميركي(16).

وقد تصاعدت القضية عندما تم الإعلان في ديسمبر/كانون الأول 2017 عن أن صراف أقرَّ بارتكابه جرائم في صفقة مع التحقيق أصبح بموجبها شاهدًا في القضية ضد بقية المتهمين وهو ما اعتُبر في تركيا بداية لخطة تآمر وابتزاز أميركية تستهدف الاقتصاد التركي وتحديدًا البنوك التركية، وتستهدف كذلك الرئيس أردوغان بالادِّعاء أنه هو من أعطى التعليمات للبنوك التركية بالتعاون مع صراف؛ وذلك من أجل التأثير على الحملة الانتخابية للرئيس أردوغان في 2019.(17) وفيما اعتُبرت أزمة التأشيرات عرَضًا لأزمة تنظيم غولن بين البلدين أو عقوبة بسبب الخلاف حول الموضوع، فإن أزمة صراف وتداعياتها والتي أيضًا تقول مصادر تركية بأن لتنظيم غولن يدًا فيها تُعتبر في تركيا أيضًا عقوبة على النزعة الاستقلالية التي تبديها تركيا في مواجهة الخلافات مع واشنطن في ترتيبات الملفات الإقليمية. ويمكن الاستدلال هنا بما قاله الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في سياق رده على المحاكمات في هذه القضية: "هناك أطراف اعتادت على تركيا القديمة التي كانوا يخاطبونها بالأوامر، وكانت تخضع للغرب وترضخ أمام التهديدات ويضعونها خارج اللعبة متى ما يريدون، وتلك الأطراف لا تريد أن تتقبل تركيا قوية وكبيرة ومستقلة، هذه الأطراف تستشيط غضبًا إزاء رفض تركيا الرضوخ أمامها دون قيد أو شرط، وبسبب دفاعها عن مصالحها الوطنية"(18).

اختلافات حول القضايا الإقليمية

1. أزمة قطر

يعتبر حرص واشنطن على التنسيق مع تركيا في عملية إيجاد حلول لأزمة قطر مع جيرانها الخليجيين، والتي وقعت في يونيو/حزيران 2017، والتي اتخذت فيها تركيا موقفًا مساندًا للدوحة، مثالًا على عدم انقطاع التنسيق بين واشنطن وأنقرة بشكل تام فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية. وحتى في هذه القضية كان هناك خلاف، فعندما دعا وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، لتخفيف الحصار عن قطر علَّق الرئيس التركي بضرورة إنهاء الحصار(19). كما أنه وفقًا للقراءات التي ترى أن الرئيس ترامب كان داعمًا للخطوة التي أقدمت عليها السعودية والإمارات ومصر والبحرين بعزل قطر من جهة، ومع الدعم الذي قدمته تركيا برفض الحصار ابتداء وبتفعيل القاعدة العسكرية التركية في قطر التي تعد رافعة مهمة أسندت الموقف القطري في الأزمة من جهة أخرى، يُعتبر الموقفان، التركي والأميركي، هنا أيضًا على الطرف النقيض لبعضهما البعض في أزمة لم يتم التوصل إلى إنهائها حتى الآن.

2. الاستفتاء في شمال العراق

تنظر أنقرة إلى أن الإدارة الأميركية عارضت عملية توقيت الاستفتاء على استقلال الأكراد في العراق ولم تعارض الاستفتاء، وهو الأمر الذي اعتبرته أنقرة ودول إقليمية أخرى خطرًا عليها؛ حيث قال وزير الخارجية الأميركية بوضوح: إنه "من حيث المبدأ يتفهم ويدعم الرغبة المشروعة من أجل الاستقلال للأكراد العراقيين"؛ لذلك لم يطالب وزير الخارجية الأميركية، ريكس تيلرسون، في اتصاله الهاتفي مع البارزاني، بإلغاء الاستفتاء بل بتأجيله؛ حيث تعتبر الولايات المتحدة أن الاستفتاء الحالي سيضر حلفاء الولايات المتحدة في بغداد. كما أن ذلك من شأنه تقوية مراكز القوى الحليفة لإيران في العراق. وتوجد قناعة لدى الأتراك بأن واشنطن هي من حثَّت قيادة الإقليم على المضي قدمًا في تنفيذ الاستفتاء(20).

 3. أزمة نقل السفارة إلى القدس

وقد كانت هذه آخر أزمة اندلعت بين واشنطن وأنقرة في أعقاب قرار الرئيس الأميركي بنقل السفارة الأميركية إلى القدس. وتُعد تركيا، التي تَصَدَّر رئيسها عملية معارضة قرار ترامب دوليًّا، حكومة وشعبًا وأحزابًا من أكثر الدول التي أعربت عن رفضها لقرار ترامب واعتباره قرارًا غير مسؤول وغير ملزِم واستهدافًا للمسلمين، ولم يبق مسؤول تركي تقريبًا مؤيد أو معارض للحكومة لم ينتقد قرار ترامب. وقد انتقلت تركيا من مربع الانتقاد إلى مربع التعامل مع تداعيات القرار بشكل ريادي حيث دعت لقمة طارئة لمنظمة التعاون الإسلامي ونجحت في عقدها بجهود دبلوماسية كبيرة، وقال أردوغان: "إن أميركا أصبحت شريكة في إراقة الدماء باعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل"، وتعتقد تركيا أن عملية نقل السفارة هي جزء من مخطط كبير للمنطقة يستهدفها(21)

جدول يوضح الأزمات بين أنقرة وواشنطن منذ أبريل/نيسان 2017

 

الأزمة

التاريخ

1

موافقة ترامب على تسليح البنتاغون لقوات الحماية الكردية

مايو/أيار 2017

2

حصار قطر

يونيو/حزيران 2017

3

إصدار تهم باعتقال حراسة أردوغان

أغسطس/آب 2017

4

استفتاء شمال العراق

سبتمبر/أيلول 2017

5

منع التأشيرات

أكتوبر/تشرين الأول 2017

6

محاكمة رضا صراف

التحفظ الأميركي على صفقة إس 400 مع روسيا

نوفمبر/تشرين الثاني- ديسمبر/كانون الأول 2017

7

نقل السفارة الأميركية للقدس

ديسمبر/كانون الأول 2017

ومن الجدول السابق، يتضح لنا أنه باستثناء شهر أبريل/نيسان 2017، الذي أصدر فيه ترامب قرارًا نفَّذه البنتاغون بضرب نظام الأسد بعد استخدامه السلاح الكيماوي إضافة لتهنئة ترامب في الشهر ذاته لأردوغان بنجاح الاستفتاء، فإنه من تلك الفترة إلى الآن يوجد على الأقل أزمة واحدة جديدة كل شهر في العلاقات بين البلدين. ولهذا، فإن العلاقات بين البلدين إذا استمرت بهذه الوتيرة قد تصل إلى مرحلة معقدة جدًّا يصعب معها تعافي العلاقات من جديد.

خاتمة

لم تُظهر واشنطن احترامًا لضرورات الأمن القومي لدولة حليفة مثل تركيا معتمدة على الطمأنة الشكلية التي تتناقض مع السلوك العملي وعندما بادرت تركيا بالتعامل مع هذه التهديدات بطرقها الخاصة بدأت تظهر الأزمة تلو الأزمة كما بدأت الإدارة الأميركية من خلال هذه الأزمات بالتلويح بالأثمان التي يمكن لتركيا أن تدفعها إذا استمرت في إصرارها على حلول لا تحظى بقبول الولايات المتحدة.

أما فيما يتعلق بالعلاقات، فإن مسار العلاقات -وهو ما أظهرته الأزمات المتلاحقة وتحديدًا أزمة قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس- هو مسار متدهور وفقًا للمعطيات الموجودة وهو مبني على قناعة تركية بأن واشنطن لا تكترث لمخاوف تركيا وربما يتطور الأمر لمحاولات أميركية لمنع أنقرة من انتهاج سلوك في خارج الحدود التي ترسمها واشنطن للمنطقة أو على حدِّ ما وصفته واشنطن بوست بالتنمُّر: "إن أردوغان بدأ يتنمَّر ويجب على ترامب التدخل"(22). وإزاء هذا، فإن تركيا لم تغلق الباب كاملًا أمام تصحيح العلاقات ولكن من الواضح أنها لن تبدي أي تسامح مع مسِّ أمنها القومي. ولهذا، فإنها سوف تعمل بشكل وقائي مع ذلك على تحصين نفسها من خلال ما يلي: زيادة التقارب مع موسكو والصين، ومحاولة مواجهة الخطط الأميركية بالتعاون مع أكبر عدد من الدول كما فعلت خلال اجتماع منظمة التعاون الإسلامي الأخير، والاستمرار في منع تطور تهديد حزب العمال الكردستاني وفروعه من خلال القوة العسكرية، وتكريس وجودها الميداني في سوريا والعراق وما يتاح لها من مناطق أخرى، وتحصين الاقتصاد التركي من الاستهداف من خلال المزيد من الاستثمارات والإجراءات اللازمة، وقبل كل شيء تقوية الجبهة الداخلية.

ABOUT THE AUTHOR

References

 (1)    "يلدريم يهنئ ترامب هاتفيًّا بفوزه بانتخابات الرئاسة الأميركية"، ديلي صباح، 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، (تاريخ الدخول: 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2016):

 http://www.dailysabah.com/arabic/politics/2016/11/11/pm-yildirim-congratulates-trump-over-us-election-win-discusses-boosting-ties-1478884828

 (2)    "دراسة إحصائية لمركز أورك لنبض الشارع التركي"، orcarastirma، نوفمبر/تشرين الثاني 2016، (تاريخ الدخول: 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2016):

 http://www.orcarastirma.com.tr/wp-content/uploads/2016/11/ORC-%C3%96ZEL-G%C3%9CNDEM-ARA%C5%9ETIRMASI-KASIM-2016.pdf

 (3)    "أول تعليق من أردوغان على فوز ترامب بالانتخابات الأميركية"، ديلي صباح، 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، (تاريخ الدخول: 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2016):

 http://www.dailysabah.com/arabic/politics/2016/11/09/first-comment-from-erdogan-on-trump-victory

 (4)    BY LT. GEN. MICHAEL T. FLYNN, Our ally Turkey is in crisis and needs our support, The Hill, 11 August 2016: http://thehill.com/blogs/pundits-blog/foreign-policy/305021-our-ally-turkey-is-in-crisis-and-needs-our-support

 (5)    المديرية العامة للصحافة والنشر والإعلام، رئاسة الوزراء التركية.

 (6)    فيكرت بيللا، "ردود وانعكاسات مكالمة ترامب وأردوغان"، حرييت، 9شباط 2017، (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2017):

 http://www.hurriyet.com.tr/yazarlar/fikret-bila/erdogan-trump-temasindan-yansiyan-sinyaller-40359978

 (7)    "البيت الأبيض يوافق على تسليح أكراد سوريا"، بي بي سي، 10 مايو/أيار 2017، (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2017):

  http://www.bbc.com/arabic/media-39872630

 (8)    "أردوغان: تركيا لن تقبل تحالفًا أميركيًّا مع الأكراد في سوريا"، بي بي سي، 17 مايو 2017، (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2017):

  http://www.bbc.com/arabic/middleeast-39944570

 (9)    "أردوغان: لابد من تطهير عفرين"، ديلي صباح، 17 نوفمبر 2017، تاريخ الدخول (17 ديسمبر/كانون الأول 2017):

 https://goo.gl/P78K2g

 (10)المرجع السابق.

(11) "أنقرة نتابع تعهد ترامب بجمع أسلحة أكراد سوريا"، الجزيرة نت، 27 نوفمبر 2017، (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2017):

 https://goo.gl/k8PK7M

 (12) عائشة يلدز، "الولايات المتحدة فشلت في تلبية طلب حليفتها تركيا بشأن غولن"، وكالة الأناضول، 23 نوفمبر 2017، (تاريخ الدخول: 15 ديسمبر/كانون الأول 2017):

   https://goo.gl/VCx5St

 (13) طلحة كوسا، "المخرج الأخير قبل الجسر في العلاقات التركية الأميركية"، صباح بيرسبكتيف، 3 ديسمبر/كانون الأول 2017، (تاريخ الدخول: 15 ديسمبر/كانون الأول 2017:

 https://www.sabah.com.tr/yazarlar/perspektif/talhakose/2017/12/02/abd-turkiye-iliskilerinde-kopruden-once-son-cikis

 (14) "أنقرة تقترح على واشنطن تبادل قس أميركي بغولن"، فرانس 24، 29 سبتمبر 2017، (تاريخ الدخول: 15 ديسمبر/كانون الأول 2017):

  https://goo.gl/8QPLev

 (15)"انتهاء أزمة التأشيرات بين تركيا والولايات المتحدة"، يني شفق، 6 نوفمبر 2017، (تاريخ الدخول: 15 ديسمبر/كانون الأول 2017):

  http://www.yenisafak.com/ar/news/2796544

 (16) "أردوغان: تركيا لن ترضخ لمحاولات ابتزاز في قضية نائب رئيس بنك "خلق"، تركيا بوست، 4 ديسمبر 2017، (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2017):

 http://www.turkey-post.net/p-231310

 (17) المرجع السابق.

 (18)المرجع السابق.

 (19)"أردوغان يدعو إلى "رفع الحصار" عن قطر"، سي إن إن، 10 يونيو 2017، (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2017):

  https://arabic.cnn.com/middle-east/2017/06/10/erdogan-qatar-gulf-crisis

 (20) بنيامين كسكين، "بحث إقليم شمال العراق عن الاستقلال"، مجلة رؤية تركية، شتاء 2017، ديسمبر/كانون الأول 2017. ص 103-124.

(21) "قرار ترامب هجوم يستهدف المسلمين"، ترك برس، 16 ديسمبر 2017، (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2017):

https://www.turkpress.co/node/43116

 (22)"واشنطن بوست تحرض إدارة ترامب ضد تركيا"، الجزيرة نت، 11 أكتوبر 2017، تاريخ الدخول (17 ديسمبر/كانون الأول 2017):

https://goo.gl/5BQB1N