آفاق مشروع ممرات النقل "الشمال-الجنوب": التحديات والصراعات الجيوسياسية

شكَّل الوصول إلى المياه الدافئة التي تعد عصب التجارة البحرية، الهدف والحلم الإستراتيجي التاريخي لحكام روسيا، من بطرس الأكبر إلى فلاديمير بوتين. ولتحقيق هذا الحلم، وضعت الإمبراطورية الروسية لنفسها خططًا طموحًا بالوصول إلى بحر قزوين، عقدة ربط قوافل طريق الحرير القادمة من آسيا، وإلى البحرين الأسود والأبيض المتوسط، بما في ذلك فرض السيطرة على القرم والقوقاز والمضائق البحرية، وعلى رأسها البوسفور والدردنيل. لكن الهدف الإستراتيجي الأكبر كان الوصول إلى طريق التجارة البحري الأهم، المحيط الهندي، وإلى منابع ثروات الإمبراطوريات الأوروبية، الهند وجنوب شرق آسيا.
ممر «الشمال-الجنوب» ركيزة أساسية لتنويع تجارة روسيا وتقليل اعتمادها على الطرق التقليدية (ازميديا)

منذ تحولها إلى إمبراطورية في عهد بطرس الأكبر مطلع القرن الثامن عشر(1)، وضع الإمبراطور الشاب هدفًا بتحويل إمبراطوريته إلى قوة دولية عظمى، متسلحة بالحداثة الأوروبية، متطورة اقتصاديًّا وتمتلك جيشًا قويًّا يهابه جيرانها. "كان بطرس الأكبر على يقين من أنه لتحقيق هذا الهدف، يحتاج إلى كثير من الأموال والثروات"(2). الأمر الذي بدا غير ممكن، برأي بطرس الأكبر، ما لم تطلق أساطيل روسيا العنان لأشرعة سفنها كي تصل إلى  طرق التجارة البحرية العالمية، التي جلبت للإمبراطوريات الأوروبية التقليدية ثروات هائلة من مستعمراتها في جنوب وشرق آسيا وإفريقيا وأميركا، وجعلتها قوى عظمى في ذلك الزمن.

على الرغم من أن الجغرافيا منحت روسيا مسطحات مائية هائلة على طول حدودها الشمالية والشرقية، متمثلة بالمحيطين، الهادئ والمتجمد الشمالي، إلا أن هذه المياه كانت تقف عائقًا طبيعيًّا أمام أحلام توسع روسيا كقوة دولية عظمى. فروسيا كانت تفتقد لمنافذ بحرية لا تتجمد، ولا تكون بعيدة جغرافيًّا عن مراكز الإمبراطورية النشطة اقتصاديًّا وسكانيًّا، وعن عاصمتها آنذاك، سانت بطرسبورغ. 

من هنا، أصبح الوصول إلى المياه الدافئة التي تشكِّل عصب التجارة البحرية، الهدف والحلم الإستراتيجي التاريخي لحكام روسيا، من بطرس الأكبر إلى فلاديمير بوتين.

لتحقيق هذا الحلم، وضعت الإمبراطورية الروسية لنفسها خططًا طموحًا بالوصول إلى بحر قزوين، عقدة ربط قوافل طريق الحرير القادمة من آسيا. وإلى البحرين الأسود والأبيض المتوسط، بما في ذلك فرض السيطرة على القرم والقوقاز والمضائق البحرية، وعلى رأسها البوسفور والدردنيل.

لكن الهدف الإستراتيجي الأكبر كان الوصول إلى طريق التجارة البحري الأهم، المحيط الهندي، وإلى منابع ثروات الإمبراطوريات الأوروبية، الهند وجنوب شرق آسيا.

نجحت روسيا على مدار قرنين من التوسع والحروب والدبلوماسية في تقريب حلمها. ففي أواخر القرن التاسع عشر أصبح بحر قزوين بحيرة روسية، واتسعت حدود روسيا الجنوبية عبر السيطرة على منطقة آسيا الوسطى وشمال القوقاز وجنوبه وشبه جزيرة القرم. لكن الحلم الإستراتيجي الأهم بالوصول إلى المحيط الهندي لم يتحقق بل يمكن القول: إنه تلاشى كالضباب مع انهيار الاتحاد السوفيتي وخسارة موسكو لسيادتها على آسيا الوسطى وجنوب القوقاز.

الحلم يتجدد

مع وصول الرئيس، فلاديمير بوتين، إلى السلطة في روسيا، ربيع عام ألفين، بدأ عملية واسعة لترتيب أوراق البيت الروسي داخليًّا وخارجيًّا. وضعت القيادة الروسية الجديدة أمام نصب عينيها تنويع اتجاهات التجارة الخارجية، مع التركيز على الجنوب العالمي. القارة الآسيوية بعملاقيها الاقتصاديين، الهند والصين، واقتصادات جنوب شرق آسيا النامية بشكل متسارع، أصبحت هدفًا إستراتيجيًّا يمنح موسكو مجالًا اقتصاديًّا واسع الأفق، ويخرجها من مساحة الاعتماد الحصري على التجارة مع الدول الغربية. تطلَّب الأمر، كخطوة أولية على المدى القصير ولكنها إستراتيجية على المدى الطويل، إنشاءَ ممراتِ نقلٍ عصرية متطورة تربط اقتصادات روسيا ودول آسيا وتسهِّل عبور البضائع والتبادلات التجارية فيما بينها.

في الثاني عشر من سبتمبر/أيلول عام 2000، وقَّعت روسيا والهند وإيران اتفاقًا حكوميًّا دوليًّا لإنشاء ممرات النقل الدولي "الشمال-الجنوب" (MTC). المشروع عبارة عن مسارات متعددة الوسائط لنقل الركاب والبضائع، تمتد من العمق الأوروبي الروسي إلى ميناء مومباي في الهند بطول إجمالي يصل إلى 7200 كم. "فكرة المشروع الأولية تهدف إلى جذب تدفقات البضائع العابرة من الهند وإيران ودول الخليج العربية إلى الأراضي الروسية (عبر بحر قزوين)، ثم إلى شمال وغرب أوروبا عبر تجاوز قناة السويس.... أثار مشروع ممرات النقل الدولي "الشمال-الجنوب" اهتمامًا كبيرًا لدى دول أخرى. وانضمت إلى الاتفاقية لاحقًا كل من بيلاروسيا وكازاخستان وعُمَان وطاجيكستان وأذربيجان وأرمينيا وسوريا وبلغاريا وقيرغيزستان وتركيا"(3).

بقي هذا المشروع، رغم المصادقة عليه من قبل الدول المعنية به، مجرد فكرة على الورق؛ "فلم يكن في البداية من أولويات روسيا بسبب كلفته العالية وعائداته الطويلة الأجل"(4)، إلا أن التوترات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة، وخاصة حرب روسيا على أوكرانيا، وما ترتَّب عليها من عقوبات غربية ضد موسكو، أسهمت في إحياء هذا المشروع. ففي يوليو/تموز عام 2022، عَبَرَت أول شحنة تجارية كبيرة عبر الممر من روسيا إلى الهند؛ ما يمثل بداية فعلية لتشغيل المسار "الزيادة السريعة في حجم التجارة بين موسكو ونيودلهي في ظل العقوبات أكدت الجدوى الاقتصادية للممر؛ حيث زادت واردات الهند من النفط الروسي سبع مرات في 2022-2023"(5).

لم يكن من الممكن أن تغفل سياسة العقوبات الصارمة ضد روسيا عن التأثير على التجارة الخارجية الروسية. نتيجة لتغير الوضع الجيوسياسي، أُغلقت عمليًّا في وجه روسيا الطرق القديمة للنقل. أدى تقييد حركة الملاحة البحرية المرتبطة بالتصعيد العسكري والتوترات الجيوسياسية إلى تقليص حركة التجارة في مناطق البحر الأسود وبحر آزوف وبحر البلطيق، بالإضافة إلى تراجع حركة النقل على الطرق البرية والسكك الحديدية في الاتجاهات الغربية. كما كشفت العقوبات عن ضعف آخر في الأمن الاقتصادي لروسيا، وهو الاعتماد الكبير على سلاسل الإمداد الغربية.

دفع حظر العديد من البضائع وقيود النقل عبر طرق الاتحاد الأوروبي وإغلاق الموانئ أمام السفن الروسية والمطارات والأجواء أمام الطيران الروسي، دفع الحكومة الروسية إلى البحث عن بدائل وطرق لوجستية جديدة عبر الجنوب؛ فكانت ممرات النقل الدولي "الشمال-الجنوب" أحد أهم هذه الحلول، وأصبحت مرشحةً لتكون الشريان التجاري الرئيسي لروسيا(6).

يشير الخبراء إلى أهمية المشروع الاقتصادية والإستراتيجية المتزايدة. عمليًّا، أصبح ممر «الشمال-الجنوب» اليوم أكثر من مجرد مشروع نقل؛ يمكن القول: إنه ركيزة أساسية لتنويع تجارة روسيا وتقليل اعتمادها على الطرق التقليدية عبر أوروبا، التي أصبحت "أقل موثوقية في ظل العقوبات الحالية. كما تزداد أهمية الممر حلًّا إستراتيجيًّا لتلبية احتياجات روسيا في مواجهة التحديات الجيوسياسية والاقتصادية"(7).

ممرات النقل الدولي "الشمال-الجنوب" (MTC) مسارات متعددة الوسائط لنقل الركاب والبضائع (الجزيرة)
ممرات النقل الدولي "الشمال-الجنوب" (MTC) مسارات متعددة الوسائط لنقل الركاب والبضائع (الجزيرة)

مسارات مشروع "الشمال-الجنوب"

يتكون مشروع ممرات النقل الدولي "الشمال-الجنوب" من ثلاثة مسارات: غربي وشرقي وعبر بحر قزوين.

يمتد المسار الغربي من وسط روسيا إلى إيران مرورًا بأذربيجان، ويشمل أجزاءً في جورجيا وأرمينيا. ويبلغ طول الطريق نحو 3000 كيلومتر. ويمتد المسار الشرقي من الأراضي الروسية المطلَّة على بحر قزوين إلى إيران مرورًا بكازاخستان وتركمانستان، ويبلغ طوله 4000 كيلومتر.

أما الطريق الثالث فهو المسار العابر لبحر قزوين ويمتد من وسط روسيا إلى إيران مرورًا ببحر قزوين، ويبلغ طوله 2800 كيلومتر.في جميع الطرق، تُقاس المسافة من ميناء أستراخان الروسي على بحر قزوين إلى بندر عباس، الميناء الرئيسي في إيران.

تبلغ التكلفة الإجمالية لتنفيذ المشروع 17.7 مليار دولار، أما القدرة الاستيعابية للنقل فيمكن أن تصل بحسب التقديرات إلى 70 مليون طن عبر السكك الحديدية، ومابين 90-100 مليون طن إذا تم استخدام النقل متعدد الوسائط (السكك الحديدية والطرق البرية والبحرية)(8).

تحديات تواجه المشروع

على الرغم من الآفاق الواعدة للمشروع إلا أن تنفيذه وتطويره يصطدم بجملة من العوائق والمشاكل والتحديات اللوجستية والسياسية. يمثل ضعف التجارة الحالية أحد أبرز العوامل التي تجعل من الصعب تحقيق مستويات التجارة المرتقبة. فمعظم الدول الواقعة على هذا الممر، مثل إيران وباكستان ودول جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، لا تتمتع بقدرة تجارية كبيرة مقارنة بدول مثل الصين والهند. إضافة إلى أن التنسيق بين الدول المعنية لا يزال محدودًا؛ حيث تواجه روسيا وإيران ودول أخرى صعوبة في التنسيق الكامل لتنفيذ الخطط على الأرض، وهو ما يُبطئ النمو المستقبلي للممر. وعلى الرغم من التقدم في المفاوضات، لا يزال التنسيق السياسي بين الدول يمثل عائقًا رئيسيًّا. فالتعامل مع سياسات دول مثل إيران والهند وأفغانستان يتطلب مستويات عالية من الدبلوماسية والقدرة على التوصل إلى اتفاقيات عملية بين الأطراف المختلفة.

كما يعاني المشروع من محدودية الاستثمارات، فحتى الآن، لا يمكن الاعتماد على الاستثمار الأجنبي في تطوير البنية التحتية للممر. مثال على ذلك "ميناء أستراخان الروسي الذي استحوذ عليه مستثمرون إيرانيون، يعاني من تأخيرات في التطوير ومشاكل في جذب التمويل اللازم"(9).

ورغم الانطلاقات التجريبية الناجحة، يواجه ممر "الشمال–الجنوب" العديد من المشاكل اللوجستية، أبرزها:

عدم امتلاك روسيا سفنًا تجارية شاملة متعددة مهام الإبحار، كالسفن النهرية-البحرية(10)، والنقص في عدد السفن بشكل عام. إضافة إلى البنية التحتية القديمة للموانئ على بحر قزوين. كما لا تفي القدرات الحالية للسكك الحديدية في بعض المناطق بمتطلبات النقل الفعَّال للبضائع، وذلك بسبب محدودية انتشار هذه الشبكة في إيران واختلاف قياسات قضبان السكك الحديدية بين إيران والجمهوريات السوفيتية السابقة (أذربيجان وتركمانستان).

تضاف إلى المشاكل "التأخيرات في الإجراءات الجمركية، وعدم وجود سياسة تعرفة موحدة وإجراءات منسقة؛ فوجود أنظمة جمركية ومعايير وإجراءات مختلفة في البلدان المشاركة يخلق عقبات بيروقراطية إضافية"(11).

تأثير الوضع الجيوسياسي

من الجدير بالذكر أن الدول المشاركة في المشروع لا تتبنَّى مواقف معادية لروسيا ولا تفرض ضدها عقوبات حتى تحت الضغط الأميركي والغربي؛ حيث إن العلاقات التجارية مع روسيا تُعد ذات أهمية كبيرة بالنسبة لهذه الدول. تتعاون روسيا بشكل نشط مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تخضع للعقوبات الدولية منذ عام 1979، وتُعد القلب الجغرافي لمشروع "الشمال-الجنوب". كما أن الهند، رغم الضغوط الأميركية، تتمسك بمصالحها الوطنية وتُظهر حيادًا تقليديًّا. أما الصين، فتراقب بحذر مشروع "الشمال-الجنوب" بسبب المنافسة الواضحة بينه ومبادرة "الحزام والطريق"، ومع ذلك تُشارك في المشروع كمسار إضافي لطريق الحرير العظيم.

أصبح ممر النقل الدولي "الشمال-الجنوب" ساحة لتناقضات حادة بين روسيا والولايات المتحدة. في ظل ضغوط العقوبات الغربية، قامت روسيا وإيران والهند بتكثيف تطوير هذا المسار، سعيًا لإعادة توجيه التدفقات التجارية الأوراسية وتقليل سيطرة الولايات المتحدة على اللوجستيات العالمية. وفي إطار مساعٍ للحد من تقدم "الشمال-الجنوب"، قام الولايات المتحدة وحلفاؤها بالترويج لمبادرات بنية تحتية خاصة بهم، تهدف إلى إعادة توجيه التدفقات التجارية عبر تجاوز روسيا وإيران. ففي قمة مجموعة العشرين في نيودلهي، في سبتمبر/أيلول 2023، تم تقديم مفهوم "الممر الاقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا" (IMEC) بديلًا(12).

أصبحت العقوبات الغربية ردَّ فعلٍ مباشرًا على محاولات موسكو وطهران دفع مشروع "الشمال-الجنوب" قدمًا؛ حيث قامت الولايات المتحدة بحظر أي ثغرات لإيران تتعلق بالممر(13). في الوقت ذاته، أضاف الاتحاد الأوروبي الموانئ الروسية على بحر قزوين (أستراخان وماخاتشكالا) إلى حزم العقوبات؛ مما أدى إلى تضييق الخناق على ممرات "الشمال-الجنوب".

تبدو الهند الدولة الوحيدة التي تشارك في كلا المشروعين: ممرات "الشمال-الجنوب" وIMEC. هذا الوضع المزدوج يعكس إستراتيجية الهند متعددة الاتجاهات. من جهة، ترغب الهند في الوصول المباشر إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط، متجنبة الاختناقات في قناة السويس والصعوبات الجيوسياسية في إيران. ويتيح لها مشاركتها في IMEC تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الخليج وإسرائيل؛ مما يدمجها في سلسلة الإمداد العالمية الجديدة. من جهة أخرى، لا يمكن للهند تجاهل ممرات "الشمال-الجنوب"؛ حيث إن هذا الطريق هو الذي ينقل  بشكل أساسي الإمدادات من الطاقة الروسية ويوفر طريقًا إلى آسيا الوسطى. لذا، فإن الهند تواجه تحديًا كبيرًا في موازنة مصالحها بين الممرات المتنافسة، مع الاستفادة من كليهما دون تدمير علاقاتها مع القوى الكبرى.

على الرغم من أن IMEC يمثل تحديًا جيوسياسيًّا كبيرًا لروسيا، إلا أنه ليس من المؤكد أن يطغى أو يتجاوز طرق"الشمال-الجنوب" في السنوات القادمة، خاصة إذا استمرت الأوضاع السياسية في الشرق الأوسط في التوتر.

في مواجهة مقاومة الغرب، تتبنَّى روسيا إستراتيجية شاملة تعتمد على الأدوات الدبلوماسية متعددة الأطراف والتحالفات كمجموعة بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وجميعها تلعب دورًا محوريًّا في تعزيز الروابط الاقتصادية لروسيا مع الشرق والجنوب، متجاوزة القيود الغربية.

توسُّع بريكس والممرات البديلة

ترى الأوساط السياسية والتجارية الروسية أن توسع بريكس، في عام 2024، أدى إلى نجاح دبلوماسي كبير لروسيا؛ حيث تمت دعوة إيران والسعودية والإمارات للانضمام إلى المجموعة -وهي دول ترتبط ارتباطًا مباشرًا بمشاريع الممرات البديلة-. وبدخول إيران إلى بريكس، في يناير/كانون الثاني 2024، أصبحت تتمتع بمشروعية أكبر على الساحة الدولية، بالإضافة إلى فتح فرص جديدة للتعاون المالي، من خلال بنك بريكس للتنمية على سبيل المثال. كما انضمت كل من السعودية والإمارات، المشاركتين في مشروع IMEC، إلى بريكس؛ ما يتيح لروسيا في إطار هذه المنصة الدفع بفكرة ربط المشاريع بدلًا من مواجهتها"(14).

بمعنى آخر، تسعى روسيا وإيران من خلال منصات بريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون إلى الترويج لـ "دبلوماسية الممرات"؛ حيث تجري الإشارة إلى أن إشراك إيران، ومن المحتمل أيضًا تركيا، في الممرات الدولية يعزز من فاعليتها واستقرارها. وهذا الموقف يتناقض مع الإستراتيجية الغربية التي تهدف إلى الاستبعاد. وإذا كانت IMEC محصورة فقط في حلفاء الولايات المتحدة، فإن روسيا قد تسعى من خلال بريكس لإقناع الرياض وأبوظبي بعدم الانغلاق على نفسيهما والنظر في ربط مشروعهما بممر "الشمال-الجنوب". في هذا السياق، يُقدَّم ممر "الشمال-الجنوب" من قبل روسيا "إسهامًا في النظام العالمي الجديد الذي يعزز العدالة ويوفر حرية الترانزيت لجميع الدول، بدلًا من منح الامتيازات لدول مختارة....هذا المفهوم يعكس تحولًا في السياسة العالمية نحو العدالة والمساواة في البنية التحتية العالمية؛ حيث يُعَد ممر"الشمال-الجنوب" محاولة لفتح طرق التجارة العالمية وتفادي الهيمنة على الأنظمة الاقتصادية من قبل قوى الغرب"(15).

لقد أصبحت التناقضات بين روسيا والولايات المتحدة حول ممر "الشمال-الجنوب" وIMEC تتجاوز نطاق العداوة الثنائية بين البلدين، بل تمثل، إلى حدٍّ بعيد، تحولًا في نوع المنافسة العالمية. فقد أصبح السباق من أجل البنية التحتية والسيطرة على شبكات الاتصال العالمية بمنزلة جبهة خفية في السياسة العالمية؛ حيث يتم استخدام الممرات التجارية أدواتٍ للتأثير الجيوسياسي. فهل نحن أمام حرب من نوع جديد عنوانها "حرب الممرات"؟

خاتمة

إذا تمكنت روسيا وإيران من تفعيل ممر "الشمال-الجنوب" إلى طاقته الكاملة، فإنهما ستكتسبان دورًا جديدًا في التجارة العالمية، وستقللان من مضاعفات العقوبات عليهما. وهذا من شأنه أن يعزز موقف موسكو وطهران في العالم المتعدد الأقطاب الناشئ.

لقد أصبحت البنية التحتية الآن ميدانًا من ميادين التنافس الجيوسياسي، مثل القدرة العسكرية والاحتياطيات المالية. فالذي يسيطر على العقد اللوجستية الإستراتيجية، يتحكم في الشرايين الاقتصادية للمنطقة أو العالم. والصراع بين ممر "الشمال-الجنوب" وIMEC يمثل مرحلة جديدة في الصراع من أجل النظام العالمي، وجزءًا من تشكيل عالم جديد متعدد الأقطاب "اليوم، تلعب المشاريع الضخمة للبنية التحتية دور الكتل الإنشائية للسياسة العالمية؛ حيث يمكن أن يؤثر نجاحها أو فشلها على توزيع القوة على الساحة العالمية. من هذه الناحية، تُعد المنافسة بين ممر "الشمال-الجنوب" وIMEC ليست مجرد حدث منفرد، بل ظاهرة دالَّة؛ حيث تحدث عمليات مشابهة في مناطق أخرى على سبيل المثال: التنافس بين الممر الأوسط وطرق التجارة عبر روسيا، والصراع على طرق الملاحة البحرية في القطب الشمالي"(16).

بالنسبة لموسكو، يُعد مشروع ممرات النقل الدولي "الشمال-الجنوب" قناة حيوية تُخفف من تأثير العقوبات الخانقة وتُعزز الروابط مع الجنوب والشرق. أما بالنسبة لواشنطن، فهو يُمثل تهديدًا لزعزعة النظام القائم، للسيطرة على الطرق التجارية العالمية ونظام عزل الدول غير المرغوب فيها.

تبدو التناقضات حول ممر "الشمال-الجنوب" أكثر من مجرد نزاع إقليمي على النقل. إنها جزء من لوحة جديدة للنظام العالمي؛ حيث تتشابك البنية التحتية والجغرافية-السياسية.

ربما ستُظهر التطورات المستقبلية ما إذا كان العالم سيتبع طريق تفكك شبكات النقل إلى كتل متنافسة، أو سيتمكن من تطوير نموذج أكثر تعاونًا للربط العالمي. نموذج تصبح فيه المشاريع متكاملة ومكمِّلة بدلًا من أن تكون مستبعدة أو مناقضة لبعضها البعض. بعبارة أخرى، نجاح دبلوماسية الممرات.

ABOUT THE AUTHOR

References
  1.  بطرس الأكبر هو أول من أطلق على نفسه لقب إمبراطور روسيا وفي عهده أصبحت روسيا تسمى الإمبراطورية الروسية.
  2.  بيتر هوبكيرك، اللعية الكبرى : صراع الإمبراطوريات في آسيا الوسطى (دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق)، 2006، صفحة 21. 
  3.  بيان وزارة الخارجية الروسية، ( Международный транспортный коридор «Север – Юг)، 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 (تاريخ الدخول: 28 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/4h9k3z2e
  4.  الشمال والجنوب: كيف تدفع العقوبات الغربية روسيا إلى إنشاء المنافس الرئيسي لقناة السويس؟، موقع دزين ياندكس، 24 فبراير/شباط 2023 (تاريخ الدخول: 28 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://dzen.ru/a/Y_iBliCGcVQwy9uS 
  5.  عدد من الباحثين، روسيا ضد الولايات المتحدة: تناقضات جيوسياسية حول ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، أبريل/نيسان 2025 (تاريخ الدخول: 28 ديسمبر/كانون الأول 2025)، file:///C:/Users/sheozhz/Downloads/rossiya-protiv-ssha-geopoliticheskie-protivorechiya-vokrug-mtk-sever-yug-v-aprele-2025-goda.pdf).
  6.  فرضت الدول الغربية عقوبات صارمة على قطاع النقل البحري. وكان أكثر الضربات إيلامًا هو قطع النظام الإلكتروني للملاحة عن التحديثات وتعديلات الخرائط الملاحية؛ حيث رفضت كبرى شركات الشحن الدولية مثل Maersk وMediterranean Shipping Company وCMA CGM وOcean Network Express وHapag-Lloyd العمل في روسيا. تُعد الإغلاقات التي فرضتها أوروبا على روسيا، والتي خلقت مشاكل قطاعية في مجال الملاحة، سببًا رئيسيًّا في جعل ممر "الشمال-الجنوب" واحدًا من القنوات الأساسية لتصدير واستيراد روسيا.
  7.  الشمال والجنوب: كيف تدفع العقوبات الغربية روسيا إلى إنشاء المنافس الرئيسي لقناة السويس، موقع دزين-ياندكس، 23 فبراير/شباط 2023 (تاريخ الدخول: 30 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://dzen.ru/a/Y_iBliCGcVQwy9uS
  8.  آفاق تطوير مشروع ممرات النقل الدولي "الشمال-الجنوب"، مركز إن.ترانسلاب، أبريل/نيسان 2024، (تاريخ الدخول: 28 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/yc3p4p4b
  9.  خطوة بوتين وإيران الماكرة. التجارة العالمية على أعتاب تحول جذري: ما هو اتفاق الشمال والجنوب؟، دزين-ياندكس ، 9 يوليو/تموز 2025 (تاريخ الدخول: 28 ديسمبر/كانون الأول 2025)،https://dzen.ru/a/aG2Ll2RFxH61HHB5
  10. السفن القادرة على الإبحار ونقل البضائع من الأنهار الروسية الرئيسية التي تصب في بحر قزوين، الفولغا وأورال، والقادرة على إكمال رحلتها عبر البحر دون الاضطرار إلى تفريغ الحمولة في سفن بحرية ملائمة.
  11. ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب: ربع قرن من الصراع على المسار ونظرة إلى المستقبل، موقع Casp-Geo.ru))، 5 يناير/كانون الثاني 2025 (تاريخ الدخول: 28 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://casp-geo.ru/mtk-sever-yug-chetvert-veka-borby-za-marshrut-i-vzg…
  12. الممر الاقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC): بديل غربي ومنافسة للبنية التحتية العالمية. يهدف هذا الممر إلى ربط الموانئ الهندية عبر طرق بحرية مع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، ومن ثم عبر الأراضي من خلال الأردن وإسرائيل للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، ومن هناك إلى أوروبا (عبر اليونان أو إيطاليا). وقد حصل المشروع على دعم سياسي قوي من قادة عالميين؛ حيث تم الإعلان عن إطلاقه بشكل مشترك من قبل رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، والرئيس الأميركي، جو بايدن، ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين).
  13. في فترة إدارة دونالد ترامب، تم إلغاء بعض الاستثناءات من النظام العقابي للميناء الإيراني تشابهار، وهو حلقة أساسية في الممر الذي يتم تطويره بمشاركة الهند. هذا الميناء العميق على بحر عمان كان يتم تحديثه منذ عام 2016 بدعم من نيودلهي؛ حيث يوفر للهند ممرًّا مباشرًا إلى آسيا الوسطى بعيدًا عن باكستان. في وقت سابق، كانت الهند تسعى للحصول على وضع خاص للميناء من واشنطن، مشيرة إلى أن حصاره سيلعب لصالح الصين وباكستان (التي تشارك الصينَ في تطوير ميناء غوادر في إطار مبادرة "الحزام والطريق"). ومع ذلك، في فبراير/شباط 2025، في ظل تصاعد التوترات مع إيران، قامت الولايات المتحدة فعليًّا بإلغاء "نظام التسهيلات" لميناء تشابهار، مهددة بفرض عقوبات على جميع المشاركين في تطويره. في نفس الوقت تقريبًا، أدرج الاتحاد الأوروبي ميناءي أستراخان وماخاتشكالا الروسيتين في حزم العقوبات، عبرهما تمر شحنات ممر "شمال-جنوب". هذه الهجمة المنسقة على الجانبين، الشمالي والجنوبي للممر، تشير إلى جدية نوايا الغرب في إبطاء المشروع.
  14. عدد من الباحثين، روسيا ضد الولايات المتحدة: تناقضات جيوسياسية حول ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، 5 مايو/أيار 2025 (تاريخ الدخول: 28 ديسمبر/كانون الأول 2025)، file:///C:/Users/sheozhz/Downloads/rossiya-protiv-ssha-geopoliticheskie-protivorechiya-vokrug-mtk-sever-yug-v-aprele-2025-goda.pdf
  15. المصدر السابق: file:///C:/Users/sheozhz/Downloads/rossiya-protiv-ssha-geopoliticheskie-protivorechiya-vokrug-mtk-sever-yug-v-aprele-2025-goda.pdf
  16. المصدر السابق.