مأزق ثنائي: تآكل سياسي واقتصادي للقيادة العسكرية في مالي

تزايد الضغط العسكري والسياسي على القيادة العسكرية الحاكمة في مالي، فلم تعد قادرة على التحكم كلية في إمدادات الطاقة والغذاء القادمة إلى العاصمة، ولم تعد كذلك قادرة على إقصاء كل تمثيل سياسي يهدد بقاءها، وستستميت في الحفاظ على سلطتها بتشديد القبضة الأمنية والبحث عن بدائل لتعويض النقصان في إمدادات الطاقة والغذاء.
1 January 2026
الحصار أحدث أزمة وقوعد قد تفجر الأوضاع (رويترز)

برز في مالي تغيران، هما: إرباك جماعة نصرة الإسلام والمسلمين طرق الإمداد المؤدية إلى العاصمة، باماكو، خاصة منذ يونيو/حزيران 2025، وإعلان الإمام محمود ديكو عن هيئة القوى من أجل الجمهورية، في النصف الثاني من 2025، لاستعادة المسار الدستوري الذي أوقفه القادة العسكريون الحاليون لمالي. ينتزع التغيران جزءًا مهمًّا من قدرة القادة العسكريين في بامكو على ترسيخ سيطرتهم، سواء بفقدانهم الموارد التي تمكِّنهم من القيام بوظيفة ضمان المعيشة للسكان الواقعين تحت سيطرتهم، أو القضاء على أي بديل سياسي لحكمهم. علاوة على أن التغيرين وإن كانا منفصلين إلا أنهما عمليًّا قد يخدمان بعضهما بعضًا، فكلما اشتد الخناق على باماكو ساءت الأحوال المعيشية للسكان فيزداد تذمرهم من القادة العسكريين، فيصب هذا التذمر في زيادة شعبية الهيئة المعارضة التي يقودها الإمام ديكو.

خنق اقتصادي عن بعد

شرعت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بقيادة إياد أغ غالي في مهاجمة قوافل الوقود وقطع الطرق المؤدية إلى باماكو منذ الربع الثاني من 2024، وخصوصًا منذ يونيو/حزيران إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2025، من خلال فروعها في وسط وغرب مالي (مناطق موبتي-سيغو-خاي)، وكان الهدف خنق العاصمة، باماكو، بتكتيكات إحراق شاحنات نقل الوقود، وفرض كلفة مرور مرتفعة. وقد ركزت هذه الجماعة على قطع مواد الطاقة والغذاء والكهرباء، ففقد القادة العسكريون بقيادة أسيمي غويتا في بامكو التحكم في توفير أساسيات الحياة للسكان الواقعين تحت سيطرتهم. في المقابل، صارت جماعة نصرة الإسلام تتحكم عن بُعد في أنشطة حيوية لسكان العاصمة، دون أن تدخل في مواجهة عسكرية مكلفة مع القادة العسكريين.

بدت مؤشرات نجاح هذا الخنق في اتساع نطاقه إلى عدد متزايد من المدن في المحاور المؤدية للعاصمة، باماكو، بالغرب والجنوب الغربي، وكذلك في اضطراب النشاطات داخل العاصمة، باماكو، فلقد وردت تقارير عن طوابير طويلة وإغلاق محطات وحدوث شلل اقتصادي متقطع وتعطل خدمات متقطع ناتجة عن انقطاعات الكهرباء وتوقف النقل وارتفاع كبير للأسعار. يؤكد ذلك، قرار السلطة العسكرية تعليق الدراسة لمدة أسبوعين، في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، لنقص الوقود. بخلاف هذه الخسائر، تستفيد جماعة نصرة الإسلام من مداخيل ناتجة عن تحكمها في طرق المرور والسوق السوداء وتوفير الحماية للقوافل، فتستثمر هذه المداخيل في توسيع عملياتها وتكثيفها لزيادة التضييق على الحكومة العسكرية بباماكو.

نزاع على شرعية التمثيل

أعلن الإمام محمود ديكو من منفاه بالجزائر عن هيئة القوى من أجل الجمهورية، في النصف الثاني من 2025، وتعمل على تحقيق استعادة المسار الدستوري بعد انتقال سياسي قصير يدوم 18 شهرًا، من خلال المقاومة السلمية. ويعتمد ديكو في نشر خطابه على سمعته، وشبكات المساجد والجمعيات، إضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، فيقدم بديلًا سياسيًّا عن الحكم العسكري الحالي يحظى بمساندة شعبية، قياسًا على شعبية ديكو في احتجاجات 5 يونيو/حزيران التي أسقطت نظام إبراهيم أبو بكر كيتا، ويحول دون وقوع فراغ في السلطة إذا انهار الحكم العسكري.

تتيح هيئة الإمام ديكو عددًا من الخيارات، فهي قد تحظى بدعم الجزائر، الدولة الكبرى المحاذية لمالي، والتي كانت وسيطًا رئيسيًّا يحظى بدعم دولي في تسوية الخلافات بين الحكومات المركزية بباماكو والجماعات المناوئة في شمال مالي، وقد تدعم تسويق هيئة الإمام ديكو في الاتحاد الإفريقي بديلًا عن الحكومة العسكرية التي يرفض الاتحاد الإفريقي الاعتراف بها. كذلك، قد تحظى هيئة ديكو بدعم القوى الغربية خاصة فرنسا والولايات المتحدة لأنهما مستاءتان من الحكومة العسكرية بباماكو التي اختارات التعاون مع روسيا، وقد تحظى كذلك بدعم منظمة الإيكواس التي تقودها نيجيريا، وهي منظمة لا تعترف بانقلاب مالي والحكومة العسكرية الناتجة عنه، ومتعاونة مع فرنسا. كذلك قد توافق جماعة نصرة الإسلام على التحاور مع الإمام ديكو لأنه سبق أن دعا إلى الحوار مع الجماعات المسلحة المناوئة للسلطة في باماكو، وقد تَعُدُّه هذه الجماعات شريكًا في التفاوض على حلول توافقية.

اتخذت الحكومة العسكرية عدة إجراءات للقضاء على الأنشطة السياسية تصب في تعزيز هيئة الإمام ديكو؛ فقد شرعت الحكومة العسكرية منذ نهاية 2023 في تقييد الأنشطة السياسية، ثم تشددت أكثر خلال 2024، ثم اتخذت قرارات حاسمة في بداية 2025 بحل الأحزاب وتعليق الأنشطة السياسية، من خلال إعلان قانون الطوارئ، وملاحقة المعارضين بتهم تهديد الأمن القومي أو خدمة الإرهاب. وقد بيَّنت الحكومة العسكرية بذلك إخفاقها في كسب سند القوى السياسية، بل وتخوفها من أنشطتها السياسية التي قد توظف التذمر الشعبي للتحريض على الحكومة العسكرية والإطاحة بها. لكن هذا التجريم للأنشظة السياسية، يعطي المعارضة من الخارج شرعية النشاط في الخارج، ويدفع مختلف القوى السياسية إلى التعاون لمعارضة الحكومة العسكرية التي تعدهم قوى غير شرعية. يوفر ذلك فرصة لهيئة الإمام ديكو لتشكيل جبهة معارضة واسعة تعمل على إنهاء الحكم العسكري واستعادة الحياة الدستورية. لكن كل هذه إمكانات لن تتحقق بالضرورة، ولكن مجرد وجودها يغيِّر حسابات مختلف القوى المتدافعة.

ضغط متزامن

كل من جبهة نصرة الإسلام وهيئة الإمام ديكو يضيقان الخناق على الحكومة العسكرية بباماكو دون توافق مسبق بينهما، وقد يعززان بعضهما عمليًّا دون حاجة إلى تنسيق. فكلما قطعت جماعة نصرة الإسلام الإمدادات المتجهة إلى باماكو، ساءت الأوضاع المعيشية، فيزداد تذمر السكان، فتختار الحكومة العسكرية إما تشديد القبضة الأمنية للقضاء على التململ؛ فتستعدي السكان أكثر، الذين قد ينجذبون إلى هيئة الإمام ديكو التي تعبر عن مطالبهم في إنهاء الحكم العسكري.

في المقابل، إذا زاد ضغط هيئة الإمام ديكو على الحكم العسكري من خلال تنظيم الإضرابات والاحتجاجات، ونجحت في تطويقه خارجيًّا، ستضطر الحكومة العسكرية إلى التركيز على وقف هذه الاحتجاجات، فتنشغل عن مواجهة جماعة نصرة الإسلام التي قد تنتهز الفرصة فتوسِّع عملياتها في قطع طرق الإمداد، وقد تحاصر العاصمة، باماكو، نفسها، وقد يؤدي هذا الضغط إلى تصدع الجيش المالي. لكن هذا وجه واحد من إمكانات تطور الأحداث.

قد لا تكون الاستفادة متبادلة. قد تتضرر هيئة ديكو من ضغط جماعة نصرة الإسلام على الحكومة العسكرية، إذا بدا أن الضغط الذي تمارسه هيئة الإمام ديكو قد يفكِّك الجيش المالي فلا يعود قادرًا على صد هجمات جماعة نصرة الإسلام وسيطرتها على العاصمة، باماكو، أو نجحت الحكومة العسكرية في ترويج سردية أن جماعة نصرة الإسلام وهيئة ديكو شريكان يخدمان نفس مشروع القاعدة في مالي، أو إذا خشيت دول الجوار الرئيسية -مثل نيجيريا أو القوى الغربية مثل الولايات المتحدة وفرنسا- من أن الضغط الذي تمارسه هيئة الإمام ديكو قد يقضي على تماسك الجيش المالي فينهار أمام تقدم جماعة نصرة الإسلام للسيطرة على باماكو.

التملص من الخناقين

سعت الحكومة العسكرية في باماكو إلى فك الخناقين، العسكري الذي تفرضة نصرة الإسلام والسياسي الذي تفرضه هيئة الإمام ديكو، فاستعانت لفكِّ الخناق الأول بحليفها الروسي الذي نقلت التقارير أنه أبرم اتفاقًا لتزويد الحكومة العسكرية بنحو 160-200 ألف طن متري (160-200 مليون كغ) من منتجات بترولية وزراعية، وقد تستعمل لتوصيلها موانئ السنغال أو ساحل العاج، وهما البلدان اللذان يورِّدان نحو 90% من وقود مالي. لكن نقل هذه المواد من موانئ البلدين إلى باماكو يحتاج إلى سلوك ممرات تتعرض لهجمات جماعة نصرة الإسلام، فتظل مشكلة التزود عن طريق الموانئ قائمة. لذلك، قد تستعين الحكومة العسكرية بمالي بحلفائها من الحكومات العسكرية في اتحاد تحالف دول الساحل الذي يشملها مع النيجر وبوركينا فاسو، فيتحول جزء من الواردات إلى هذه الدول، وتوصله هي بعد ذلك إلى باماكو المجاورة. قد تخفف الدولتان من أزمة الكهرباء والتزود بالمواد الغذائية، ويمكنهما أيضًا إرسال قوات عسكرية لحماية حليفتهما، الحكومة العسكرية بباماكو، إذا لم تستطع بمفردها صد هجمات جماعة نصرة المسلمين أو لم تسيطر على تذمر السكان.

تستند حكومة مالي العسكرية في تمويل كل ذلك على تصدير الذهب خاصة، وقد ساعدتها الحاجة إليه في الظرف الحالي المواتي؛ لأن الطلب عليه من روسيا التي تتعرض للإقصاء من النظام المالي الغربي مرتفع، لحاجتها إليه في تسهيل الدفع للشركاء الأجانب، دون تعرض للعقوبات الغربية. هذا الوضع يحث القيادة الروسية على دعم الحكومة العسكرية لمالي ماليًّا واقتصاديًّا حتى تظل ممسكة بالسلطة ومصدرًا للحصول على الذهب. تريد دول أخرى كذلك رفع احتياطياتها من الذهب حتى تنوِّعها وتقلِّل من حيازة الدولار الذي صار أداة رئيسية في ترسانة العقوبات الأميركية، فباتت دول عديدة تخشى من تحول احتياطياتها من الدولار أداةَ إخضاعٍ قد تستغلها الولايات المتحدة إذا قررت ذلك.

توظف الحكومة العسكرية خطاب السيادة ورفض التدخل الأجنبي، خاصة الفرنسي والغربي، أيضًا لكسب ولاء السكان لها، ونقض الخطابات المناوئة مثل الديكتاتورية، وقد وظفت خطاب السردية في الرد على رفض فرنسا الاعتراف بالانقلاب، وصوَّرت الانقلاب بأنه حركة تحرر جديدة من الاستعمار الفرنسي، وعززت خطابها بقطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا والمطالبة بمغادرة القوات الفرنسية التي كانت تقود عملية برخان لقتال الجماعات المسلحة في شمال مالي.

بين تشديد القبضة وصفقة توافقية

تبرز من مجمل هذه التحولات إعادة حسابات للربح والخسارة ستُرتِّب السيناريوهات تنازليًّا من الأكثر احتمالًا إلى الأقل.

السيناريو الأول: تُشدِّد السلطات العسكرية قبضتها على السلطة كلما ازداد الضغط عليها في البداية؛ لأن هذا هو السلوك الغالب على الأنظمة العسكرية المماثلة، فالمرجح أن ترد الحكومة العسكرية بمالي على حالة التذمر من سوء الأوضاع الاقتصادية بمضاعفة الإجراءات الأمنية لتخويف السكان من أي محاولة لتغيير الأوضاع. لكن ستسعى الحكومة العسكرية لإيجاد سبل لمعالجة تقطُّع الإمدادات لمنع الانفجار، من خلال الاستفادة من حليفتيها المجاورتين، السلطتين العسكريتين في بوركينا فاسو والنيجر. لكن هذا السيناريو قد لا يستمر إذا تمكنت الفصائل المسلحة المناوئة للحكومة العسكرية من توسيع عملية قطع سبل الإمداد لباماكو وتوسيعها، وإطالة أمدها، فتصير أوضاع السكان بباماكو على حافة الانفجار، وتحتاج إلى صاعقٍ بسيط لتنفجر، مثل اعتداء بعض أفراد القوات العسكرية على امرأة أو تاجر، فننتقل للسيناريو الثاني.

السيناريو الثاني: إذا استمرت الانقطاعات وطالت، وشلَّت تقريبًا حياة السكان، قد تحدث إضرابات ومظاهرات تحاول الحكومة العسكرية إخمادها بالقوة؛ فتزيدها اشتعالًا، وتدخل العاصمة، باماكو، في دائرة من الاضطراب تتغذى من نفسها: كل احتجاج ترد عليه الحكومة بالقمع، فيزيد هذا الاحتجاجات اشتعالًا. وقد تفقد الحكومة العسكرية السيطرة، فتتصدع داخليًّا، وقد يحدث انقلاب مضاد أو بروز جناح مؤيد للتوصل إلى صفقة سياسية لنقل السلطة تفاديًا لفقدان السلطة بالكامل، أو وقوع البلاد في قبضة الجمعات المسلحة المناوئة. وهذا يؤدي إلى السيناريو الثالث.

السيناريو الثالث: إذا حسبت الحكومة العسكرية أن كلفة القمع صارت أكبر من كلفة التنازل للاتفاق مع القوى السياسية المعارضة، فإنها ستتوقف عن استعمال القمع وتلجأ للتفاوض والتلويح بمكافآت تسليم السلطة أو اقتسامها، لضمان بقاء المؤسسة العسكرية في الترتيبات الجديدة ضمن صفقة كبيرة. يرجح ذلك، أن الجيش المالي سبق أن وافق على النشاط السياسي التعددي: تنظيم انتخابات تتنافس فيها أحزاب سياسية، وتولي السلطة شخصيات مدنية. لا يوجد مانع من أن يُكرِّر ذلك إذا وجد أن مصلحته تقتضيه، لكنه لن يقبل بذلك إلا إذا كان أقل الخيارات سوءًا.