تقديم
تُقدَّم منطقة الغرب الإفريقي اليوم بوصفها فضاءً يتقاطع فيه الدين بالسياسة، والهوية بالسلطة؛ إذ يُستدعى مفهوم "الجهاد" في الخطاب العام بأشكال متعددة ومتباينة. ففي الواقع المعاصر، لم يعد هذا المفهوم محصورًا في معانيه الدعوية أو الإصلاحية، بل أعادت بعض الجماعات المسلحة توظيفه ضمن سرديات صدامية تزعم تطبيق الشريعة ومناهضة العلمانية والعولمة، وتقدم نفسها وريثة لتجارب دينية سابقة في المنطقة. غير أن هذا الادعاء يقوم على خلطٍ بين سياقات مختلفة وغايات متعارضة، إذ يُنتزع المفهوم من أطره الأخلاقية والاجتماعية ليُعاد إنتاجه في خطاب عنيف، يوسم في الأدبيات المعاصرة بالإرهاب، ويبرر الإكراه ويُضفي المشروعية على العنف. ومن هنا، تنصرف هذه القراءة إلى تحليل الفكر الجهادي المعاصر الذي يستعمل العنف في الغرب الإفريقي، وفهم علاقته الادعائية بالتراث الجهادي الصوفي، مع تفكيك بنيته الخطابية، وبيان أسباب انتشاره وجاذبيته لدى شرائح من المجتمعات المحلية في السياق الراهن.
الفكر الجهادي بالغرب الإفريقي في ماضيه الصوفي
إن الفكر الجهادي في سياقه الإفريقي فكر قديم ترجع جذوره وإرهاصاته الأولية إلى حركة المرابطين في جهادها ضد الممالك الإفريقية، ثم تلك الإمبراطوريات والممالك الإفريقية القديمة التي اصطبغت حروب بعضها بصبغة إسلامية دينية، مضفيًا عليها صفة الجهاد الديني. بيد أنه السوادن الغربي شهد خلال القرن التاسع عشر الميلادي ظهور موضة وموجة الجهادي الصوفي، كثورة دينية على الوثنية و"الإرواحية" التي كانت ولا تزال متجذرة في بعض مناطق بالفضاء غرب الإفريقي في شكل الدول والممالك المؤسسة من قبل الوثنيين والإرواحيين، على حدِّ وصف عبد الله عبد الرزاق وشوقي الجمل في كتابهما "دراسات في تاريخ غرب إفريقيا الحديث والمعاصر": "شهدت منطقة غرب إفريقيا في القرن التاسع عشر موجة من ثورات جهاد المسلمين ضد حكامهم المحليين من الوثنيين أو الذين يعتنقون الدين اسمًا، وتزعَّم هذا الجهاد رجال مخلصون من أبناء الشعب الفولاني الذي قاد الثورة الدينية؛ إذ تزعَّم حركات الجهاد الإسلامية في كل من بلاد الهوسا الشيخ عثمان ابن فودي، والحاج عمر الفوتي التكروري وغيرهما من الزعامات الإسلامية التي هزت عروش الحكام الوثنيين ووضعت الجهاد نصب أعينها وناضلت من أجل نشر العقيدة الإسلامية وتسلحت بسلاح التقوى والفلاح، فكانت ثورات مباركة أحدثت تغييرًا جذريًّا في هياكل المجتمع في غرب القارة"(1).
ويمكن رصد أشهر هذه الموجات الجهادية الصوفية بالسودان الغربي في ثلاث نسخ مشهورة: نسخة الشيخ عثمان دان فوديو، ونسخة الشيخ أحمد لوبو الماسني، ونسخة الحاج عمر تال الفوتي، التي انطلقت جميعها من منطلق واحد وهو سلسلة من الاضطهادات في حقهم وحق تلاميذهم ومريديهم، فمن باب الدفاع عن النفس -المشروع في الإسلام- رفعوا السلاح على الأعداء الوثنيين والخصوم الإرواحيين، فـــ"إعلان الزعماء المسلمين الجهاد كان كفيلًا بالتفاف الأتباع حولهم، فقد رأوا في دعوة الجهاد واجبًا دينيًّا، واستبسلوا في القتال، سواء ضد الوثنيين لإجبارهم على اعتناق الإسلام، أو ضد الفرنسيين الذين بدؤوا في غزو المنطقة"(2). فانتصروا على مجموعة من الأمراء مثل: أمير كاشنة وأمير كنو وأمير زوزو وأمير دورا وأمير أزبن وأمير برنو وأمير غوبير، وسيطروا على مجموعة من الممالك والقلاع الوثنية مثل مملكة "بمبك" ومملكة "بلدُغ" ومملكة "كرتَا" البمبارية المساسية، ومملكة "سيغو" البمبارية، وأهل "تَمْبَا" وأهل "كَفُودِي" وغيرها. وقد استهدف الفكر الجهادي في القرن التاسع عشر الميلادي بالغرب الإفريقي مجموعة من الأهداف السامية، على رأسها:
- نشر الإسلام وتعاليمه السمحة في بلاد السودان الغربي بين العامة والخاصة.
- محاربة الوثنية والوثنيين ومعتقدات الإرواحية المؤيدة لها من قبل الممالك الوثنية.
- التصدى للأطماع الأوروبية الاستعمارية التي كانت بدأت في التوغل في السودان الغربي.
- تأسيس مجتمعات إسلامية على الطراز الأول في البيئات الإفريقية وبأياد إفريقية على علم وبصيرة.
ولعل هذه الأهداف والغايات تشكل مسوغات الجهاد الإسلامي الإفريقي في هذه اللحظة الزمنية في ممارسة السكان؛ ذلك أن بعض العادات الوثنية اختلطت بالمثل والقيم الإسلامية، وصار من الضروري ظهور رجال الإصلاح والتجديد الذين ذهبوا في رحلة حج إلى مكة المكرمة ثم عادوا إلى بلادهم ليعلنوا الجهاد ضد الوثنيين، وليؤسسوا دولًا إسلامية تتخذ من الشريعة الغَرَّاء منهاجًا وسبيلًا للحكم(3).
وهكذا نلاحظ أن الجهاد الصوفي الموروث بالسودان الغربي تجاوز مجرد طلب اعتناق الدين الإسلامي إلى حركة عامة سعت إلى تأسيس مجتمع إسلامي في البيئات الإفريقية. وتؤكد ذلك إهام محمد علي ذهني في قولها: "يعتبر القرن التاسع عشر مجالًا خصبًا للدراسات التاريخية المتعلقة بغرب إفريقيا، ففيه ظهرت فكرة الجهاد لنشر الإسلام وتطورت تطورًا كبيرًا، ولم تعد الحركة قاصرة على نشر الإسلام ومحاربة الوثنيين وإنما أصبح هدف روادها التصدي للأطماع الأوروبية الاستعمارية"(4).
وعلى حَدِّ وصف عبد الله عبد الرزاق، فإن مؤسسي هذه الممالك الإسلامية قد "وقفوا سدًّا منيعًا ضد محاولات التوسع الأوروبي، وكبَّدوا العدو خسائر فوق طاقته، ونجحوا في إرساء أسس العقيدة الإسلامية على أساس صحيح، وما زالت شعوب غرب إفريقيا الإسلامية تدين إلى زعماء هذه الحركات الإصلاحية"(5).
الفكر الجهادي بالغرب الإفريقي في حاضره العنيف
عرفت منطقة الغرب الإفريقي في السنوات الأخيرة نسخة جديدة من الفكر الجهادي متمثلة في موجة من الحركات المسلحة التي تمارس العنف باسم الدين وبأسماء مختلفة ومتعددة ولكنها متقاربة الأهداف والغايات، وتنظيم العمليات الهجومية الإجرامية بالاشتراك والتعاون، فالاختلاف بينها يكمن في الفروع والجزئيات الصغيرة؛ مما قد لا يسوِّغ -بالضرورة- كثرة التناسل الملحوظ فيها، وقد مرَّت هذه الجماعات الموسومة بالعنف باسم الدين بمراحل عدة خلال وجودها بالمنطقة، وذلك على النحو الآتي:
- مرحلة التمكن والسيطرة: حين سيطرت على جزء كبير من دول الساحل وخاصة المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو الذي اتخذته مقرًّا لها تنطلق منه لتنفيذ العمليات الهجومية وتعود إليه، في تحدٍّ واضح للجيوش الوطنية، لإلحاق الهزائم المتلاحقة في صفوفها مخلِّفة بذلك خسائرة كبيرة على الأصعدة المختلفة.
- مرحلة الاختلاف والتنازع: التي كانت نتيجة اختلاف قادة الجماعات الموسومة بالعنف باسم الدين وتنازعهم على القيادة العليا ولجوئهم إلى العصبية العرقية بظهور فروع حركية باسم العرقيات الإثنية كالحال في كتيبة ماسينا ذات الفلانية النزعة وأنصار الدين ذات الطارقية النزعة.
- مرحلة الضعف والتشتت: التي كانت نتيجة حتمية للاختلاف والتنازع، وترجع ضعفها إلى مجموعة من العوامل الميدانية التي عجزت الجماعات عن مقاومتها، وعلى رأسها: التدخل العسكري الفرنسي، حسب تقرير ستيفاني ومايكل وقد ورد فيه ما نصه: "لقد نجح التدخل العسكري الذي تقوده فرنسا في مالي، والذي بدأ في 11 يناير/كانون الثاني 2013، في تشتيت الجماعات الإسلامية التي سيطرت على النصف الشمالي من البلاد على مدار العام الماضي، وإضعافها بشكل خطير. وأعادت الحملة الفرنسية معظم المناطق مرة أخرى تحت سيطرة حكومة مالي"(6).
وبعد التدخل العسكري جاءت حملة بعثة الأمم المتحدة للسلام في مالي "MINUSMA"، 25 أبريل/نيسان 2013، ضد الجماعات الموسومة بالعنف كأقوى ردِّ فعل دولي عليها. بهذه العوامل وغيرها التي منها في الآونة الأخيرة تصاعد جيوش اتحاد دول الساحل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر خلال الفترة الانتقالية الراهنة عقب تزويدها بالمعدات العسكرية الحديثة والمتطورة، وخاصة الأسلحة الجوية من الطائرات بدون طيار التي تشكِّل خطرًا كبيرًا على الجماعات وتهدد وجودها؛ فحصرتهم في الكهوف وأدغال الغابات.
وقد دخلت هذه الجماعات في الآونة الأخيرة في وضعية ضبابية بحيث يصعب التعرف على وضعيتها الحقيقية والتعرف على قوتها الميدانية؛ إذ لم تعد لهم مناطق سيطرة مستقرًّا لهم؛ ففي حين تصرِّح حكومات المنطقة بضعفها إلى حدِّ دخولها في مرحلة الهزيمة إلا أنها ما زالت تقوم بعمليات هجومية نوعية تدحض ذلك. ويذكر أحمد عسكر أنه لا يزال هناك العديد من التنظيمات المسلحة العنفية التي تنشط في المنطقة وتتورط في العديد من الهجمات المتطرفة، وعلى رأسها تنظيما: القاعدة؛ وتمثله جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وداعش؛ ويمثله تنظيم داعش في غربي إفريقيا، وتنظيم داعش في الصحراء الكبرى، اللذان يشكِّلان المشهد المسلح العنيف في المنطقة خلال الفترة الأخيرة(7).
وقد أدركت هذه الجماعات العنفية المسلحة خطأها الفادح المتمثل في الاختلاف والتنازع، فسعت إلى توحيد صفها تحت مظلة واحدة، وهي "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"؛ الأمر الذي أنقذها من هزيمة مؤكدة أمام القوة الخاصة لاتحاد دول الساحل، وعاد بها إلى مسرح الأحداث متمثلًا في عمليتهم المسلحة الخاصة بصهاريج الوقود بمالي في الأحداث الأخيرة؛ مما جعل الحديث عن هزيمة هذه الجماعات حديثًا مبكرًا ومن باب استباق الأحداث.
مقارنة بين الفكر الجهادي بالغرب الإفريقي في ماضيه الصوفي وحاضره العنيف
إن الدراسة التأصيلية للفكر الجهادي بالغرب الإفريقي لأول وهلة قد تجعل النسخة الصوفية في القرن التاسع عشر أصلًا للنسخة العنيفة في العصر الحاضر؛ الأمر الذي استغلته الجماعات الموسومة بالعنف باسم الدين حين أعلنوا وراثتهم للفكر الجهادي الصوفي الأصيل بالمنطقة، كقول الباحث سيدي أحمد ولد الأمير: "ومن اللافت أن حركتي "بوكو حرام" و"حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا MUJAO" تجعلان غالبًا من الشيخ الصوفي، عثمان دان فوديو، مرجعية لهما مع أنهما حركتان سلفيتان، ونلاحظ اليوم أن زعيم "كتائب ماسينا"، محمد كوفا، حليف إياد أغ غالي، زعيم حركة أنصار الدين، قد شكَّلا مع غيرهما، في فاتح مارس/آذار 2017، ما بات يُعرف بـــ"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" التي تَعُدُّ نفسه امتدادًا لمملكة ماسينا مع أن ملوكها الثلاثة كانوا صوفيين قادريين"(8).
ويؤيد ذلك الباحث هارون المهدي ميغا بقوله: "يسعون إلى إقامة إمارة إسلامية فولانية في إقليم ماسينا بوسط مالي، تنتهج منهج الدولة الإسلامية الفولانية "دولة دينا" التي أقامها أحمد لبو في القرن التاسع عشر الميلادي"(9).
فتوظيف هذه الجماعات المسلحة التي تمارس العنف باسم الدين بعض التفسيرات الدينية لشيوخ التصوف في القرن التاسع لتبرير جهادها في الوقت الحاضر أمر متعمد ومقصود، وإستراتيجية مصطنعة لإضفاء الشرعية على أعمالها الإجرامية نظرًا لقداسة هذه النماذج لدى العامة والخاصة بالغرب الإفريقي؛ فـــ"يقدمون أنفسهم كورثة للتقاليد الجهادية ومقاومة للحكم الاستعماري الذي قاده شيوخ التصوف في الغرب الإفريقي في القرن التاسع عشر، وهي تقاليد تحظى باحترام كبير من قبل السكان المسلمين في المنطقة"(10)، بوصف الجماعات العنفية شعارًا امتداديًّا للجهاد الموروث في هذه الديار، حسب ملاحظة أبو المعالي(11).
غير أن هذه الفكرة التأصيلية التوطينية للفكر الجهادي على يد الجماعات العنفية المعاصرة التي هي البحث عن موطن مناسب لهذا الفكر الجهادي المسلح، الموصوف في الأدبيات الإعلامية بالإرهاب، داخل البيئة الإفريقية المحلية، يترتب عليها ذلك المأخذ العلمي الذي يترتب على كل العمليات التأصيلية بمختلف أنواعها وأشكالها المتمثل في تجاهل المتغيرات التاريخية والاجتماعية التي تجعل من الصعب الوصول إلى الأصول دون المرور بما تطور في حياة المجتمعات الإسلامية، حسب رأي الرويلي والبازغي(12). ويعني ذلك أن محاولة الجماعات العنفية تأصيل فكرتها العنفية وتأطيرها بالفكر الجهادي الصوفي الموروث فيها تجاهل صريح من قبلهم بالمتغيرات التاريخية والظروف الاجتماعية المختلفة بين القرن التاسع عشر والقرن الحادي والعشرين، التي تستمد منها مرجعيتها الفكرية وشرعية قبولها واستساغتها لدى العامة والخاصة.
على الرغم من هذه المعضلة العلمية في العملية التأصيلية للأفكار والمبادئ المعاصرة، فإنه عند مساءلة الأحداث التاريخية والتأمل في الوقائع الميدانية المتعلقة بالفكر الجهادي قديمًا وحديثًا، نقف على نقاط تواشج وعناصر تشاطر بين النسختين: الفكر الجهادي الصوفي في القرن التاسع عشر والعنفي المعاصر في القرن الحادي والعشرين، والتي تُحدث تقاربًا بينهما ولو على المستوى الأفقي، من أهمها:
أولًا: التقارب في المرجعيات الاستدلالية النصية بين الفكر الجهادي الصوفي والعنفي، بمعني أن الأدلة الشرعية والنصوص الدينية التي اجتهد بها حاملو راية الجهاد الصوفي، كالشيخ عثمان دان فودي وأحمد لوبو والحاج عمر تال الفوتي، تكاد تكون هي نفس المرجعية الدينية عند الجماعات الحديثة الموسومة بالعنف باسم الدين، بآياتها القرآنية وأحاديثها النبوية المعروفة.
ثانيًا: استهداف طبقة اجتماعية معينة وهي الطبقة النخبوية الحاكمة المتمثلة في الملوك والأمراء في الفكر الجهادي الصوفي القديم بوصفهم حراس "الإرواحية" ومنظوماتها الوثنية، والمتمثلة في حكومات الدول المعاصرة وقادتها بصفتهم حاملي راية الفكر العلماني والمتواطئين مع الدول الغربية ومنظماتها الكفرية الشيطانية، على حدِّ وصفهم في الفكر الجهادي العنفي المعاصر.
ثالثًا: الاعتماد على التسليح الخارجي بالطرق والوسائل غير الشرعية لتوريد الأسلحة والمعدات الحربية كبائعي البندقيات وتاجري المدفعيات والإدارة الاستعمارية في الفكر الجهادي الصوفي، وخاصة في النسخة العمرية التي تسلَّحت عبر هذه الطرق، وعن طريق مهربي الأسلحة والمخدرات، وعابري الحدود في الفكر الجهادي العنفي المعاصر الذين بطريقتهم الخاصة حصلوا على مختلف الأسلحة الحديثة المتطورة من الطائرات بدون طيار ومن الدراجات الكهربائية ومن السيارات المطاطية الوهمية وغيرها. على أن هناك عناصر أخرى من التشاطر ونقاط التواشج بين الفكر الجهادي الصوفي والفكر الجهادي العنفي المعاصر، التي قد تصل حدَّ التقارب الشديد بينهما بل حدَّ التطابق المزعوم عند الجماعات العنفية.
ولكن في الاتجاه المعاكس، ثمة نقاط اختلاف كثيرة وعناصر تباين عديدة تدحض هذا الزعم في التطابق والقول بالتقارب، فمن أهم هذه النقاط والعناصر ما يأتي:
أولًا: يظهر اختلاف واضح بين المرجعية الصوفية الإصلاحية التي استند إليها الفكر الجهادي الصوفي الموروث والمرجعية السلفية الجهادية التي يقوم عليها الفكر الجهادي العنفي المعاصر. فقد اتخذ الأول التصوف إطارًا مرجعيًّا له، ووجَّه جهوده نحو نشر الطرق الصوفية وتعاليمها الروحية بوصفها مدخلًا للإصلاح الديني داخل المجتمعات الإفريقية. في المقابل، اعتمد الثاني الفكر السلفي نقطة انطلاق معرفية، ساعيًا إلى ترسيخ تصوراته الخاصة في مسائل الاعتقاد والتوحيد. وقد انعكس هذا التباين المرجعي في مواقف متشددة تجاه المخالفين دينيًّا، شملت التشكيك في بعض الممارسات العقدية، والتعامل السلبي مع رموز ومظاهر التصوف، بما في ذلك التعدي على بعض القبور والأضرحة والمقامات، وتدمير معالم تاريخية تراثية، كما وقع في حادثة هدم الأضرحة بمدينة تمبكتو، في يوليو/تموز 2012.
ثانيًا: يُلاحَظ أن الدافع الديني شكَّل عنصرًا محوريًّا في الفكر الجهادي الصوفي؛ إذ كان الالتحاق به يرتبط في الغالب بالحافز الروحي والديني لدى المريدين والتلاميذ المرتبطين بمشايخهم. في المقابل، تُظهر تجليات الفكر الجهادي العنفي المعاصر تنوعًا في دوافع الانخراط؛ حيث تتداخل العوامل الدينية مع اعتبارات عرقية واقتصادية واجتماعية وسياسية؛ مما يجعل هذه الظاهرة أكثر تركيبًا وتعقيدًا من حيث بنيتها الاجتماعية. ويبرز العامل الاقتصادي ضمن هذه الدوافع بوصفه عنصرًا مؤثرًا لدى بعض الأفراد، خاصة في السياقات التي تتسم بضعف الفرص المعيشية، وتفاوت الحاجات والإمكانات، وتوافر شبكات تنظيمية تتيح موارد مادية سريعة؛ الأمر الذي يفسر لجوء فئات معينة إلى أنماط من العنف المنظم ضمن هذه الأطر(13).
ثالثًا: يُلاحظ في الفكر الجهادي الصوفي حضورٌ أكبر للالتزام بالضوابط الشرعية المنظمة للجهاد، كما وردت في المدونات الفقهية والتقاليد النبوية، ولاسيما ما يتصل بحماية غير المقاتلين وصون الممتلكات والبيئة. في المقابل، تُظهر بعض ممارسات الفكر الجهادي العنفي المعاصر تراجعًا عن هذه الضوابط من خلال أنماط من العنف تشمل استهداف المدنيين والبنى التحتية والموارد الاقتصادية والزراعية، وهو ما يعكس اختلافًا في فهم حدود الممارسة الجهادية وآليات تنزيلها. ويؤدي هذا التباين في التأويل والتطبيق إلى إقصاء الإرشادات النبوية المتعلقة بضبط العنف، وما يرتبط بذلك من آثار إنسانية وبيئية واسعة في السياقات المحلية.
رابعًا: يبرز في الفكر الجهادي الصوفي اهتمام واضح بالبُعد التعليمي والتربوي لشخصية المجاهد قبل الانخراط في الحملات الجهادية؛ حيث جرى الاعتماد على المريدين والتلاميذ بوصفهم نواة للتنظيم، مع التركيز على التكوين المعرفي المتصل بمفهوم الجهاد وأحكامه وآدابه؛ وهو ما أسهم في تشكيل هذه الشخصية ضمن إطار تربوي منضبط. في المقابل، تميل بعض تجليات الفكر الجهادي العنفي إلى تغليب البعد التعبوي والحماسي في بناء شخصية المشارك، مع حضورٍ أضعف للبرامج التعليمية والتكوينية المنتظمة؛ الأمر الذي يحد من فرص الإحاطة المنهجية بالضوابط الشرعية المرتبطة بالممارسة الجهادية، إلى غير ذلك من نقاط الاختلاف والتباين بين النسخة الجهادية الصوفية والنسخة الجهادية العنفية، التي تجعل كل نسخة فضاء مستقلًّا ذا خصوصية خاصة في الفكر والمرجعية والعمل الميداني والغاية المستهدفة.
وأخيرًا، يمكن التوقف عند إحدى الخصائص البارزة للفكر الجهادي العنفي المعاصر، والمتمثلة في ما يُعرف بصناعة الذاكرة الجهادية، ويُقصد بذلك مجموع الخطابات المكتوبة أو المسجلة التي تنتجها الجماعات المسلحة العنفية بهدف توثيق أنشطتها وتقديم روايتها الخاصة للأحداث والوقائع الميدانية، وبناء سردية تُبرز أفرادها بوصفهم فاعلين مركزيين في هذه التجربة، إلى جانب نشر تصوراتها الأيديولوجية. وتمثل هذه الممارسة إحدى السمات المميزة لهذا التيار؛ حيث يجري توظيف الوسائل الإعلامية الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، بما يسمح بخلق ذاكرة جهادية ممتدة تصل أحيانًا إلى إنشاء قنوات إعلامية مخصصة، مثل القناة المعروفة باسم "قناة الفتح" التابعة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي تُبث عبرها البيانات والخطابات المسجلة، وتُعرض من خلالها روايتها الخاصة للعمليات والأحداث الميدانية.
وقد حظيت هذه الذاكرة الجهادية بانتشار ملحوظ وتفاعل واسع وصل في بعض الأحيان إلى أعداد كبيرة من المشاهدات والمتابعات، سواء من العامة أو الخاصة، مع تداول محتواها في مجموعات التواصل الاجتماعي المختلفة، وهو ما يسهم في توسيع دائرة انتشار هذا الخطاب دون إدراك دائم لتأثيراته. ويُعزى هذا الرواج، في جانب منه، إلى اعتماد هذه الجماعات على اللغات المحلية في خطابها الإعلامي، من خلال اختيار ناطقين يتمتعون بقدرة تعبيرية عالية، كما هي الحال في اعتماد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على أبو حمزة البمبري المعروف محليًّا باسم "Bina Diarra"، الذي مكَّنته فصاحته باللغة البمبرية المنتشرة في غرب إفريقيا من إيصال رسائل الجماعة وسرديتها إلى جمهور واسع، في تفاعل يفوق أحيانًا الخطابات الرسمية التي تُقدَّم بلغات أجنبية لا تحظى بالاهتمام ذاته لدى شرائح واسعة من السكان.
ويُعزى انتشار هذه الذاكرة الجهادية وتداولها بين العامة والخاصة إلى محدودية الوعي بمخاطر هذا النمط من الخطاب الإعلامي وما ينطوي عليه من تأثيرات قد تتجاوز في بعض الأحيان أثر الوسائل المادية المباشرة. وقد أسهم ذلك في إحداث قدر من الارتباك في الفضاء العام، من خلال إعادة تشكيل التصورات وإثارة الشكوك حول الروايات والبلاغات الرسمية ومتابعتها وتلقيها باهتمام وثقة متزايدة، مع الاستشهاد بها في النقاشات اليومية داخل الشوارع والفضاءات الاجتماعية المختلفة. ويأتي هذا في سياق يتسم بضعف حملات التوعية الموجهة، وبغياب أو محدودية الأطر القانونية التي تنظم متابعة هذا المحتوى وتداوله؛ الأمر الذي يكشف عن تحديات قائمة في منظومات مكافحة الجريمة الإلكترونية في دول المنطقة، رغم ما شهدته من محاولات تفعيل متكررة.
خاتمة
من الواضح أن الفكر الجهادي في الغرب الإفريقي ليس كتلةً واحدة ولا سرديةً متجانسة، بل هو ظاهرة متعددة الطبقات والسياقات تشكَّلت عبر تفاعلات معقدة بين الدين والتاريخ والاجتماع والسياسة. فبين الجهاد الصوفي الموروث، الذي ارتبط بإصلاح ديني وبناء اجتماعي ضمن شروطه الزمنية والثقافية الخاصة، والنسخة المعاصرة التي توظف العنف باسم الدين داخل فضاءات هشة تعاني من اختلالات بنيوية، تتبدى قطيعة عميقة في المرجعيات والغايات وآليات الفعل، مهما بدا من تشابهٍ ظاهري في اللغة أو الاستدعاءات الرمزية.
ويكشف التحليل أن محاولات تأصيل العنف المعاصر في تراث الجهاد الصوفي لا تقوم على قراءة تاريخية رصينة، بقدر ما تعتمد انتقاءً مقصودًا للرموز والنصوص، وتغافلًا عن التحولات الاجتماعية والسياسية والمعرفية التي أعادت تشكيل المجتمعات الإفريقية بين القرن التاسع عشر والقرن الحادي والعشرين. كما يبرز أن ما يمنح هذه الحركات المعاصرة قدرًا من الحضور والانتشار لا يقتصر على العامل العسكري، بل يرتبط أيضًا بقدرتها على إنتاج خطاب إعلامي فعَّال، وصناعة ذاكرة جهادية رقمية تستثمر اللغات المحلية، وتملأ فراغات الثقة والمعرفة داخل الفضاء العام.
وعليه، فإن مقاربة هذه الظاهرة تقتضي تجاوز التفسيرات الاختزالية، والانتقال إلى فهم مركب يدمج البعد التاريخي بالتحليل الاجتماعي والثقافي والإعلامي ويُعيد الاعتبار للفروق الدقيقة بين التراث الديني بوصفه خبرةً تاريخية مفتوحة على التعدد وبين توظيفه المعاصر في سياقات العنف. فبدون هذا الوعي التحليلي، يظل الخلط قائمًا وتبقى إمكانات المعالجة محدودة، في فضاء لا تزال فيه أسئلة الدين والسلطة والهوية في الغرب الإفريقي مفتوحة على احتمالات متعددة.
1) عبد الله عبد الرزاق وشوقي الجمل، دراسات في تاريخ غرب إفريقيا الحديث والمعاصر، القاهرة، ص 153.
2) إلهام محمد علي ذهني، جهاد الممالك الإسلامية في غرب إفريقيا ضد الاستعمار الفرنسي (1850-1914)، الرياض 1988، ص 40.
3) عبد الله عبد الرزاق إبراهيم، المسلمون والاستعمار الأوروبي لإفريقيا، عالم المعرفة، الكويت، من إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1989، ص 64.
4) إلهام محمد علي ذهني، جهاد الممالك الإسلامية..، مرجع سبق ذكره، ص 35.
5) عبد الله عبد الرزاق إبراهيم، المسلمون والاستعمار الأوروبي لإفريقيا، مرجع سبق ذكره، ص 64.
6) ستيفاني بيزاد ومايكل شوركين، تحقيق السلام في شمال مالي: الاتفاقيات السابقة والنزاعات المحلية وآفاق التسوية الدائمة، كاليفورنيا، منشورات مؤسسة Rand سانتا مونيكا، 2015، ص 10.
7) أحمد عسكر، محفزات وتحديات توسع تحالف دول الساحل، متابعات إفريقية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، المملكة العربية السعودية، العدد الثاني والأربعون، 2025، 171.
8) سيدي أحمد ولد الأمير، الطرق الصوفية في غرب إفريقيا: السياقات الاجتماعية والأدوار السياسية، الدوحة، قطر، مركز الجزيرة للدراسات، الطبعة الأولى 2021، ص 8.
9) هارون المهدي ميغا، الانحراف الفكري: مظاهره، أسبابه، عوامل انتشاره، آثاره، والعلاج "واقع جمهورية مالي نموذجًا"، بماكو، مالي، الطبعة الأولى، 2021، ص 156.
10) سيدي أحمد ولد الأمير، الطرق الصوفية في غرب إفريقيا..، مرجع سبق ذكره، ص 16.
11) أبو المعالي محمد محمود، القاعدة وحلفاؤها في أزواد: النشأة وأسرار التوسع، الدوحة، قطر، مركز الجزيرة للدراسات، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، 2014، ص 188.
12) ميجان الرويلي وسعد البازغي، دليل الناقد الأدبي، الدار البيضاء، المغرب، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، 2002، ص 12.
13) عبد الحليم والبكري، الإرهاب: مفهومه أشكاله وصوره، الرياض، المملكة العربية السعودية، فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية، الطبعة الثانية، 2012، ص 187.