في السادس من يناير/كانون الثاني 2026، اندلعت اشتباكات في حلب بين قوات أمن الدولة السورية الجديدة ومسلحين يتحصنون في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، يتبعون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات القيادة الكردية. لم يكن اندلاع الاشتباكات مفاجئًا؛ ذلك أن المسلحين في الحيَّين لم يتوقفوا عن تصعيد التوتر من وقت لآخر في المدينة السورية الأكثر سكانًا في البلاد والمركز الصناعي والاقتصادي الأكبر والأهم. والأرجح، أن قيام مسلحي الأشرفية والشيخ مقصود بإطلاق النار على قوات الأمن المتمركزة في أطراف الحيين كان مدفوعًا هذه المرة بسعي قيادات قسد، وثيقة الصلة بحزب العمال الكردستاني، للضغط على دمشق، ومنع تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار 2025 بين الرئيس الشرع وقائد قسد، مظلوم عبدي.
ما لم يضعه دعاة التمرد والانقسام في قسد وحزب العمال في الحسبان أن عودتهم إلى العبث بأمن حلب سيؤدي إلى سلسلة من التداعيات، التي بدأت بخروج مسلحيهم كلية من المدينة بعد خمسة أيام فقط من اندلاع الاشتباكات، وإلى اندفاع قوات الجيش السوري لاستعادة السيطرة على كل المنطقة في ريف حلب الشرقي، وإلى إصدار الرئيس السوري مرسومًا يسحب من الأطراف الكردية مبرراتها الانفصالية، وإلى توقيع مظلوم عبدي، عن بُعد، في مساء 18 يناير/كانون الثاني، اتفاقًا جديدًا مع الرئيس الشرع، هو أقرب إلى الاستسلام.
ما الذي حدث في سوريا في أسبوعي المواجهة بين قسد والدولة السورية الجديدة؟ كيف ولماذا انهارت قوات قسد، وتهشَّمت صورتها الأسطورية، بهذه السرعة؟ وهل سيضع اتفاق 18 يناير/كانون الثاني، وما تلاه من تفاهمات، بين مظلوم عبدي والرئيس الشرع، نهاية لملف الانقسام والتمرد الذي قادته قسد في سوريا منذ 2014؟
من حلب إلى الجزيرة السورية
وصل مظلوم عبدي على رأس وفد من قيادة قسد إلى دمشق، في 4 يناير/كانون الثاني، أي قبل يومين فقط من بدء الاشتباكات في حلب. كان من المفترض أن يلتقي عبدي المسؤولين السوريين في دمشق، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، موعد الانتهاء من ترتيبات تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار. ولكن قائد قسد طلب تأجيل جولة المباحثات إلى موعد لاحق، انتظارًا لنتائج زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، للولايات المتحدة ولقائه الرئيس ترامب في 29 ديسمبر/كانون الأول.
كانت قيادات حزب العمال وقسد، التي بدأت اتصالات مع الإسرائيليين منذ أوائل 2025، تأمل بأن يساعد نتنياهو على تغيير موقف إدارة ترامب من اتفاق 10 مارس/آذار، وتأمين غطاء أميركي لوجود قسد واحتفاظها بمواقع سيطرتها. ولأن نتنياهو فشل في إقناع ترامب بالتخلي عن سياسة دعم وحدة سوريا واستقرارها، لم يجد عبدي مناصًا من الذهاب إلى دمشق. ولكن، وبخلاف المتوقع، لم ينجح اللقاء بين عبدي ومسؤولي الحكومة السورية في إحراز أي تقدم ملموس. والأرجح، أن الجناح الأكثر تشددًا في قسد، والذي تربطه بحزب العمال علاقات وثيقة، دفع إلى إشعال الموقف في حلب للتوكيد على انهيار الاتفاق، والمحافظة على سوريا ساحة نشطة لحزب العمال الكردستاني، بعد أن كان الحزب قد انخرط فعلًا، بدعوة من مؤسسه عبد الله أوجلان، في عملية سلام وتخلٍّ عن العمل المسلح في تركيا.
لا شك أن سيطرة قسد على الأشرفية والشيخ مقصود ظلت مصدر قلق كبير للقيادة السورية منذ انهيار نظام الأسد، في ديسمبر/كانون الأول 2024، ليس فقط لأن مسلحي قسد لم يتوقفوا عن الإخلال بأمن المدينة التي تعد المركز الرئيس للاقتصاد السوري، ولكن أيضًا لأن الوجود المسلح في أكبر مدن سوريا يعزز الانطباع بعجز الدولة السورية عن فرض سيادتها على بلادها وشعبها، ويشجع قسد على المضي في مشروعها الانفصالي. لذلك، فإن فشل مباحثات دمشق، من ناحية، والعبث بأمن واستقرار حلب، من ناحية أخرى، دفعا القيادة السورية إلى العمل على حسم الموقف في الأشرفية والشيخ مقصود.
استدعى الأمن السوري العشرات من العناصر الكردية السورية المنخرطة في صفوفه، إضافة إلى وحدات الجيش التي تضم جنودًا كردًا سوريين، للمساعدة على طمأنة أهالي الأشرفية والشيخ مقصود، الذين طُلب منهم إخلاء الحيين مؤقتًا إلى أن يتم إخراج المسلحين. ولم تتطلب العملية الأمنية أكثر من خمسة أيام، قُتل خلالها عدد من مسلحي قسد وعناصر تابعة للنظام السابق كانوا يقاتلون إلى جانبهم، واستسلم عشرات آخرون. انتهت العملية، بعد أن تبين عجز المسلحين عن المقاومة، بإعلان قسد، في فجر 11 يناير/كانون الثاني، عن إخلاء حلب من عناصرها، والموافقة على أن تقوم السلطات السورية بنقل من استسلم منهم إلى مناطق نفوذ القوات الكردية في شرق الفرات.
ولأن مواقع تمركز قسد الأخرى في ريف حلب الشرقي استُخدمت لإطلاق طائرات مسيرة على مواقع قوات الدولة السورية في حلب أثناء أيام الاشتباكات، فقد طالبت القيادة السورية بإخلاء فوري لمسلحي قسد من أماكن تواجدها في غرب الفرات. ولكن قيادة قسد لم تستجب لطلب الإخلاء؛ ما استدعى تقدم القوات السورية باتجاه كفر حافر ومسكنة، ومن ثم جنوبًا إلى الطبقة، التي تشرف على سد الفرات، أكبر وأكثر سدود الفرات حيوية. وبعد أن نجحت قوات الجيش السوري في محاصرة مسلحي قسد على إثر اشتباكات محدودة في عدد من المواقع، أعلنت قيادة قسد الانسحاب من غرب الفرات، ثم من سد الفرات الثاني، سد تشرين.
ومنذ صباح 19 يناير/كانون الثاني، بدأت محافظتا دير الزور والرقة تشهدان انشقاق أعداد متزايدة من أبناء العشائر العربية، الذين كانوا قد التحقوا في السابق بصفوف قسد. وقد نجح أبناء العشائر في طرد قوات قسد من مراكز تواجدها في ريف دير الزور، سيما حقول النفط الرئيسة الثلاثة في المحافظة، ومن معظم أحياء مدينة الرقة. ولأن قوات الجيش السوري كانت قد عبرت بالفعل نهر الفرات إلى الجزيرة، فقد أتمت سيطرتها على محافظتي دير الزور والرقة، وبدأت تمشيط مواقع تمركز قسد السابقة، تمهيدًا لتسليم المدينتين لأجهزة الأمن التابعة لوزارة الداخلية، والمسؤولين عن قطاعات الخدمات المختلفة.
ولكن، وعلى الرغم من أن مظلوم عبدي كان قد وقَّع اتفاقًا جديدًا مع الشرع يقضي بوقف إطلاق النار وإخلاء محافظتي دير الزور والرقة، وعودة إدارات الدولة السورية إلى محافظة الحسكة، إلا أن مسلحي قسد في الجزيرة لم يكترثوا للاتفاق الجديد، ولم تشهد المحافظتان واقعة انسحاب واحدة دون ضغط عسكري من الجيش السوري. على العكس من ذلك، لجأ مسلحو قسد إلى إطلاق مئات من معتقلي تنظيم الدولة من سجن الشدادي، الذي كان تحت إدارة قسد، وهو ما عدَّته القيادة السورية ابتزازًا سافرًا. ثم أخلوا مخيم الهول سيء السمعة؛ حيث يُحتجز الآلاف من عوائل مقاتلي داعش، دون تسليمه للدولة السورية. كما اعتصم مسلحو قسد في سجن آخر في الرقة، ولم يوافقوا على الخروج منه إلا في 23 يناير/كانون الثاني، بعد تهديد الجيش السوري باقتحام السجن بالقوة.
كان الهدف من استخدام ملف السجون إثارة مخاوف القوى الغربية من احتمال عودة داعش إلى النشاط في الجزيرة. ولكن هذا التصرف أثار الأميركيين ولم يوقف الجيش السوري عن التقدم. فقد بدا أنه تسلم أوامر قاطعة بحسم الموقف في محافظات الجزيرة جميعًا، بما في ذلك محافظة الحسكة، المركز الرئيس لقسد وإدارتها الذاتية.
مساء 19 يناير/كانون الثاني، كانت القوات السورية قد أحكمت سيطرتها على الشدادي في منتصف الطريق بين الحسكة ودير الزور. ومع نهاية اليوم التالي، كانت وحدات من الجيش السوري قد أحاطت بمدينة الحسكة من ثلاث جهات، بينما بدأت وحدات أخرى في طرق أبواب عين العرب (كوباني)، في الجانب الشرقي من الفرات وريف حلب. وهذا ما طرح السؤال حول هشاشة البنية العسكرية لقسد وتداعي إرادة القتال لدى عناصرها، التي طالما حاولت قياداتها إظهارها في صورة الحارس الصلب للإدارة الذاتية.
قسد: النشأة والمسار
وُلدت قسد، في 2015، باقتراح أميركي، لتوسيع نطاق وحدات حماية الشعب، التي كانت قد تشكلت في 2014 ذراعًا مسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني (PYD)، الذي وُلد بدوره في 2003 بوصفه الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. خلال العامين الأولين من الثورة السورية، وقبل بدء التعاون مع الأميركيين، عملت قوات حماية الشعب على قمع القوى السياسية الكردية الأخرى في محافظة الحسكة، وأحكمت سيطرتها على معظم مدن وقرى الوجود الكردي.
ضمَّت قسد، بتشجيع وتمويل وتسليح أميركي، عشرات الآلاف من أبناء العشائر العربية في الجزيرة، وأعدادًا من السريان والآشوريين، وأقامت إدارة ذاتية في مناطق سيطرتها. ولكن قيادة قسد ظلت كردية حصرًا، كما حافظت وحدات حماية الشعب على وضعها المركزي في التشكيلات العسكرية. بل إن حزب العمال الكردستاني أرسل عناصر قيادية من جبال قنديل إلى سوريا لتأمين سيطرته على قرار قسد والإدارة الذاتية. وبعد سقوط نظام الأسد، استقبلت منطقة السيطرة الكردية أعدادًا متزايدة من عناصر النظام وأجهزته الذين قاتل معظمهم إلى جانب وحدات قسد العسكرية.
لم تكن قسد منظمة عسكرية أيديولوجية نقية بل كانت أقرب إلى تجمع من القوى والأفراد الذين جاؤوا من خلفيات متنوعة وبدوافع مختلفة. بعض أعضاء قسد هم فعلًا من الأكراد الذين تلقوا تدريبًا وتثقيفًا في دوائر حزب العمال الكردستاني، وبعضهم من الشبان الأكراد أو السريان العاطلين، الذين جذبتهم إغراءات الوظيفة والمكافآت المالية السخية، سيما بعد تراجع مخاطر القتال ضد تنظيم الدولة، أو الذين جُنِّدوا بالقوة. أما المسلحون العرب، فجُلُّهم كان ممن نظَّمتهم القوات الأميركية في الجزيرة لقتال داعش وظل ولاؤهم في الحقيقة لعشائرهم.
ينحدر كل من وزير الخارجية السوري ورئيس جهاز الاستخبارات السورية في أصولهما من منطقة الجزيرة. كما أن جهاد عيسى الشيخ، القيادي السابق في هيئة تحرير الشام، الذي عينه الشرع مستشارًا للرئيس مسؤولًا عن ملف العشائر، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، هو ابن قبيلة البكارة، إحدى أكبر عشائر شمال وشمال شرقي سوريا. ولا يستبعد أن يكون هؤلاء جميعًا قد أسهموا بصورة فعَّالة في انشقاق أبناء العشائر عن قوات قسد، في الرقة ودير الزور، وانحيازهم إلى جانب الدولة السورية. كما لعب أسلوب قسد في إدارة المناطق التي كانت تحت سيطرتها، وسوء معاملتها للأغلبية العربية في الجزيرة، دورًا في تصاعد الرفض لقسد حتى قبل انهيار النظام السابق.
وليس ثمة شك في أن اتخاذ القوات الأميركية في المنطقة موقفًا محايدًا من المواجهة بين قسد وقوات الجيش السوري، تسبب في انهيار فادح في معنويات مقاتلي قسد، الذين اعتادوا الاعتماد على الدعم الأميركي الكبير في كافة مواجهاتهم السابقة مع داعش. وهذا ما تسبب، في النهاية، في هشاشة تماسك قسد العسكري وانهيار قدرتها على القتال. في حلب، وفي ريفها، كما في الرقة وبعض المواقع في دير الزور، كانت قلَّة فقط من العناصر الكردية المؤدلجة وبعض بقايا نظام الأسد من قاتلت الجيش السوري بصلابة وتصميم. بينما استسلمت أعداد كبيرة أو تركت مواقعها سريعًا وغادرت إلى الحسكة. وما إن بدأ الجيش السوري في عبور الفرات إلى الجزيرة حتى انقلبت العناصر العربية على قوات قسد الأخرى. ولكن المؤكد أيضًا أن الطريقة التي أدارت بها القيادة السورية تعقيدات الأزمة، والمقاربة التي تبنَّتها سريعًا للملف الكردي، أسهمت بصورة مباشرة في عزلة قسد السياسية، سوريًّا وإقليميًّا ودوليًّا، وفي هزيمتها في نهاية المطاف.
السياق السياسي والتطورات العسكرية
أَوْلَت القيادة السورية ومنذ اللحظات الأولى لاندلاع الاشتباكات في الأشرفية والشيخ مقصود اهتمامًا كبيرًا للسياق السياسي للعمليات العسكرية التي تعهدها الجيش لحسم الموقف في حلب وريفها، وفي محافظات الجزيرة السورية. وقد حرصت دمشق على إطلاع مبعوث الرئيس ترامب لسوريا، السفير الأميركي في أنقرة، توم براك، على تعثر تطبيق اتفاق مارس/آذار، الذي كان قد وُقِّع أصلًا بوساطة أميركية، وعجز مظلوم عبدي عن التصدي لهيمنة حزب العمال على شؤون قسد والإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا.
والواضح أن دمشق دأبت على التواصل مع الجانبين الأميركي والتركي وإطلاعهما على تطورات الحملة العسكرية، وكافة جوانب التفاوض مع قسد. وتشير الاتصالات الهاتفية بين الرئيس السوري وكل من الرئيس أردوغان وأمير قطر وولي العهد السعودي إلى أن هذه الدول الثلاث لعبت دورًا فعَّالًا في تطور الموقف الأميركي من وحدة سوريا واستقرارها، وفي تحذير الإسرائيليين من التورط في الملف الكردي السوري.
في 16 يناير/كانون الثاني، وبينما كان الجيش السوري يحرز تقدمًا ملحوظًا في إجبار قوات قسد على إخلاء مواقعها في ريف حلب وجانب الفرات الغربي، أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، المرسوم 13 لعام 2026، الذي خُصِّص لمعالجة المسألة الكردية في سوريا. أكد المرسوم على الحقوق المواطنية لكافة الأكراد السوريين، وألغى كافة الإجراءات التي ترتبت على إحصاء 1962 سيء السمعة، الذي حرم الكثير من الأكراد من جنسيتهم السورية، واعترف بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد في مناطق أغلبيتهم السكانية، وأعلن يوم النيروز عيدًا وطنيًّا للإخاء وعطلة مدفوعة الأجر.
لا شك أن إصدار المرسوم في ذلك التوقيت كان خطوة ذكية من القيادة السورية، ساعدت على طمأنة المجتمع الكردي، وأعادت التأكيد على الهوية الوطنية الجامعة للدولة الجديدة. وكان هذا المعنى هو ما حرَّك الآلاف من السوريين، الأكراد والعرب، للخروج إلى الشارع في دمشق وعفرين للاحتفال بالمرسوم الرئاسي الجديد. كما استُقبل المرسوم في واشنطن بقدر كبير من الارتياح. في المقابل، دفعت الإدارة الذاتية في الحسكة وقامشلي بمتحدثين باسمها أو مقربين منها للتقليل من قيمة المرسوم. وكانت جهات في دمشق قد أشارت إلى أن المرسوم كان يفترض أن يصدر ضمن سياق تطبيق اتفاق مارس/آذار، ولكن نكوص قسد عن الالتزام بالاتفاق دفع الرئيس السوري إلى إصداره بغضِّ النظر عن موقف قسد.
في ظل توازن القوى الجديد بين قسد ودمشق، تحرك المبعوث الأميركي لسوريا، توم براك، وبدأ العمل على تنفيذ اتفاق مارس/آذار، دون المزيد من تفاقم العنف وسفك الدماء. وتكشف خطوات براك في الأيام التالية عن أن تحركه استند إلى تحول جوهري مسبق في مقاربة إدارة ترامب للوضع السوري، وإلى تفاهمات بين أنقرة ودمشق وواشنطن بخصوص الوجود الكردي المسلح في سوريا.
في 17 يناير/كانون الثاني، التقى توم براك مظلوم عبدي، بحضور الزعيم الكردي العراقي، مسعود بارزاني. وكان لافتًا أن اللقاء تم في أربيل وليس الحسكة، وفي ضيافة بارزاني، المعروف بعدائه لحزب العمال الكردستاني. خلال اللقاء، الذي بدا فيه موقف مظلوم عبدي ضعيفًا، هاجم براك قسد، واتهمها بالتعاون مع إيران ومحاولة جرِّ إسرائيل إلى معركة مع تركيا في سوريا. وقال لعبدي إنه خدعه وخدع الرئيس السوري بالتهرب المتكرر من تطبيق اتفاق مارس/آذار. وأكد براك أن قسد، من وجهة نظر إدارة ترامب، قد انتهت، ولم يعد ثمة مبرر لوجودها. بذلك، وضع براك أمام عبدي الخطوط العريضة لما يمكن أن يتم الاتفاق عليه لوقف العنف، ودعاه للالتحاق به في دمشق في اليوم التالي.
في 18 يناير/كانون الثاني، جرى اتصال هاتفي بين الرئيس الشرع والسيد مسعود بارزاني، حرص خلاله الرئيس السوري على طمأنة الزعيم الكردي العراقي بشأن موقف الدولة السورية الجديدة من المسألة الكردية. وطلب منه دعم جهوده لإخراج حزب العمال الكردستاني من سوريا، ودعم جهود الدولة السورية في التعامل مع الوضع في الشمال الشرقي. وفي مساء اليوم نفسه، وصل توم براك للاجتماع بالرئيس السوري في دمشق، بينما أعلن عن أن الظروف الجوية وقفت حائلًا أمام التحاق مظلوم عبدي باللقاء. انتهت مباحثات براك مع الشرع إلى اتفاق ملحق باتفاق مارس/آذار 2025، وقَّع عليه الرئيس السوري حضورًا بينما وقَّع عليه مظلوم عبدي عن بعد.
وضع الاتفاق الجديد تفسيرًا محددًا لكافة المسائل التي لم تكن قد وُضعت في صياغات محددة في اتفاق مارس/آذار. ونصَّ على إخلاء قسد لمحافظتي الرقة ودير الزور، وعلى عودة أجهزة الدولة السورية إلى محافظة الحسكة، وهو ما يعني نهاية ما يسمى بالإدارة الذاتية. كما نص على إخلاء كافة المظاهر العسكرية في عين العرب (كوباني)، بينما ترك مصير قوات قسد في محافظة الحسكة ليُبحث ضمن ترتيبات إدماج مسلحيها في مؤسستي الجيش والأمن، بصورة فردية.
في 19 يناير/كانون الثاني، وبينما كانت قوات قسد تقاوم تقدم الجيش السوري في الجزيرة، وصل عبدي إلى دمشق، والتقى بالرئيس الشرع في اجتماع استمر خمس ساعات. طالب الشرع عبدي بالتنفيذ الفوري لاتفاق اليوم السابق، وعرض عليه تسمية مرشح لمنصب مساعد وزير الدفاع، وآخر لمنصب محافظ الحسكة، وطلب منه أسماء للتمثيل في مجلس الشعب وأخرى للتوظيف ضمن مؤسسات الدولة السورية. ولكن عبدي تنصل من التزامات اتفاق اليوم السابق، الذي كان قد وقَّعه بالفعل، وعاد إلى المطالبة بإدارة ذاتية كاملة في محافظة الحسكة، ودمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري كوحدات عسكرية وليس كأفراد، وطالب بمهلة خمسة أيام لبحث بنود الاتفاق مع قيادات قسد الأخرى، يتوقف خلالها الجيش السوري عن التقدم في الجزيرة.
تشير بعض التقارير إلى أن توم براك غادر الاجتماع قبل نهايته غاضبًا من تنصل قسد من التزامات الاتفاق الذي كان هو شخصيًّا من توسط في إتمامه، ويبدو أنه أبلغ واشنطن بذلك؛ وهو ما دفع الرئيس ترامب إلى إجراء اتصال هاتفي مع الرئيس الشرع، مباشرة بعد نهاية اللقاء مع عبدي أكد خلاله على وحدة سوريا وسيادة دولتها، في تحول واضح لموقف واشنطن من مشروع قسد الانقسامي. كما دعا ترامب الشرع إلى ضرورة تأمين مراكز احتجاز مسلحي داعش، التي كانت قسد أخلتها دون تنسيق مع الدولة السورية.
في مساء 20 يناير/كانون الثاني، وبينما كان الجيش السوري على أبواب عين العرب والحسكة، أُعلن في دمشق عن تفاهمات إضافية بشأن محافظة الحسكة، أكدت على البنود التي تضمنها اتفاق 18 يناير/كانون الثاني، ومنحت قسد مهلة أربعة أيام تبدأ من مساء اليوم نفسه. خلال المهلة، كان على قسد أن تتوصل إلى توافق بين قياداتها على ترتيبات اندماج محافظة الحسكة في إدارات الدولة السورية، بما في ذلك وزارة الداخلية، على أن تحافظ الأطراف خلالها على وقف إطلاق النار، ويتوقف الجيش السوري عن التقدم إلى القرى والمدن ذات الأغلبية الكردية في المحافظة. نصَّت الهدنة كذلك على تعيين نائب لوزير الدفاع السوري ومحافظ للحسكة، ترشحهما قسد، وعلى انخراط عناصر قسد العسكرية في الجيش والأمن السوري طبقًا للاتفاق السابق، عبر آلية يجري الاتفاق عليها.
مصير قسد وشمال شرقي سوريا
يمكن القول بأن قسد انتهت فعليًّا منذ تقدمت القوات السورية وسيطرت على معظم الجزيرة. وبانشقاق عشرات الآلاف من المسلحين العرب، وإعلان واشنطن نهاية المهمة التي كانت أوكلت إليها، عادت قسد إلى وضعها الأصلي: وحدات حماية الشعب، الذراع المسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي، فرع حزب العمال الكردستاني في سوريا. المؤكد أنه لا قسد ولا الاتحاد الديمقراطي، ولا وحدات حماية الشعب، كان باستطاعتها، في أية لحظة تمثيل كافة الكرد السوريين والتحدث باسمهم جميعًا.
لم يستطع الاتحاد الديمقراطي كسب ولاء معظم أكراد عفرين، ولا ولاء معظم أكراد حلب ودمشق. ولم يلعب الاتحاد الديمقراطي، ولا وحدات حماية الشعب، دورًا مؤثرًا في مسار الثورة السورية ضد نظام الأسد. وفي كل حالات التَّماس بين وحدات حماية الشعب، أو قسد، ومواقع نظام الأسد في الجزيرة، كانت قوات النظام تخلي مواقعها لصالح القوات الكردية بأوامر من دمشق. وظلت خطوط الاتصال بين الطرفين مفتوحة إلى وقت قريب من سقوط النظام. الدور الأساسي الذي لعبته قوات حماية الشعب، سيما بعد تشكيل قسد والتحالف مع الأميركيين، كان في القتال ضد داعش.
لا شك أن سيطرة أذرع حزب العمال الكردستاني على مناطق الأغلبية الكردية في شمال شرقي سوريا كانت وبالًا على القضية الكردية في سوريا. وقد أوقعت أنظمة الحكم المتعاقبة في دمشق ظلمًا فادحًا بأكراد شمال شرقي سوريا، نظرًا للوفود المتأخر لهذا القطاع من المجتمع الكردي إلى سوريا. ولكن المطالب الانفصالية لم تكن ذات انتشار واسع في صفوف الكرد السوريين، ولا أسست جذورًا عميقة في الخطاب السياسي الكردي السوري. وإلى حدود اندلاع الثورة السورية وبدء موجات الهجرة الكردية إلى أوروبا، لم يكن الأكراد يمثلون أكثر من أربعين بالمئة من سكان محافظة الحسكة.
منذ انطلاق الثورة السورية، شارك أهالي الحسكة والقامشلي في كافة الفعاليات الشعبية، كما شارك أكراد سوريون في هيئات الثورة التمثيلية، مثل المجلس الوطني وائتلاف قوى الثورة. وكان واضحًا أن قيادات الثورة، السياسية منها والعسكرية، تبدي تفهمًا ووعيًا بالمسألة الكردية، وتحرص على أن تكون معالجة مظالم الأكراد السوريين في صدر أولويات الثورة وتصورها لسوريا الجديدة. وبعد نجاح هيئة تحرير الشام والقوى المتحالفة معها في إطاحة نظام الأسد، لم تتوان القيادة السورية الجديدة، في كافة اللقاءات مع مظلوم عبدي ووفود قسد، عن تأكيد عزم دمشق على معالجة المسألة الكردية في إطار المواطنة الجامعة ووحدة ومساواة كافة جماعات الشعب السوري.
وليس من الواضح طبيعة العلاقة بين الاتحاد الديمقراطي السوري ووحدات حماية الشعب، من جهة، وقيادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، من جهة أخرى، أو بالأحرى ما انتهت إليه هذه العلاقة. ثمة من يرى أن مظلوم عبدي ورفاقه من الكرد السوريين أكثر عقلانية وبراغماتية، ولكن حزب العمال الكردستاني يقف حائلًا أمام محاولة التوصل إلى تفاهم مع دمشق. ويرى آخرون أن ما يجري ليس سوى لعبة توزيع أدوار تقليدية، وأن عبدي مجرد واجهة لبرنامج العمال الكردستاني في الساحة السورية. وكان ملاحظًا في الأسابيع القليلة الماضية أن قيادي حزب العمال الكردستاني البارز، باهوز إردال (اسمه الأصلي فهمان حسين)، هو من قاد المواجهة ضد الجيش السوري في ريف حلب والرقة.
لكن تدخل حزب العمال الكردستاني، مهما كانت طبيعته، لم يُجْدِ نفعًا، بل دفع قيادات الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب إلى وضع حرج. وكان بإمكانهما الخروج من المواجهة مع الدولة السورية بمكاسب أكبر، تحقق الانتصار للمجتمع الكردي وترفع عنه مظالم العقود الماضية. والحقيقة أن المشروع الانفصالي في شمال شرقي سوريا جرى تسويقه في مرحلة ضعف الدولة وثورة الشعب ضد النظام الحاكم. لذلك، لم يعد هذا المشروع يملك شروط الاستمرار بعد أن نجح الشعب في إسقاط النظام، ونجحت الدولة الجديدة في إعادة بناء جيشها. وخلال أسبوعين فقط من اندلاع أحداث حلب، تمكن الجيش السوري من استعادة معظم الأرض التي كانت تحت سيطرة قسد في غربي الفرات والجزيرة، والتي تزيد عن ربع مساحة سوريا. ولولا إعلان الهدنة الأولى، كان يمكن للجيش السوري الاستمرار في التقدم إلى عين العرب والحسكة. ولكن الحرص على تفادي سفك الدماء دفع وزارة الدفاع السورية إلى القبول، في ساعة متأخرة من مساء 24 يناير/كانون الثاني، بتمديد وقف إطلاق النار في كافة مناطق عمليات الجيش السوري لأسبوعين إضافيين. ولكن الملاحظ أن بيان وزارة الدفاع السورية تجاهل كلية الإشارة إلى قسد، وربط تمديد وقف النار بعملية نقل عناصر داعش الذين كانوا محتجزين في سجون قسد إلى العراق، التي يقوم بها الأميركيون.
قسد، من جهتها، رحَّبت بالتمديد، ولكن لا شيء يؤشر إلى أنها بصدد تنفيذ اتفاق الاندماج والتخلي عن مطلب الإدارة الذاتية الكاملة في محافظة الحسكة. ويبدو أن قياداتها تنتظر حدوث تحول ما في الموقف الدولي، سيما بعد أن صدرت أصوات في مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين تعترض على عمليات الجيش السوري وتشيد بتحالف قسد مع القوات الأميركية في المعركة ضد داعش. ويبدو أن حزب العمال الكردستاني يقوم في الوقت نفسه، طبقًا لتقارير وزارة الدفاع السورية، بدفع المزيد من مقاتليه من جبال قنديل إلى محافظة الحسكة، إما بهدف ردع الجيش السوري عن محاولة بسط السيطرة على ما تبقى من المحافظة، أو الاستعداد لمواجهة حاسمة.
دمشق، كذلك، لم تتوقف عن تعزيز قوات الجيش في محاور العمليات في الحسكة وعين العرب. والأرجح أن القيادة السورية وصلت إلى قناعة بأن أصحاب القرار فيما تبقَّى من قسد ليس لديهم اهتمام بالاندماج في جسم الدولة السورية، ولا بحقوق الأكراد الوطنية، ولا بوحدة سوريا واستقرارها، وأن اهتمام هؤلاء الوحيد هو السيطرة على قطعة من الأرض السورية لإقامة كيان قومي كردي. والواضح، أن دمشق ليست مستعدة لتحقيق هذا المطلب. لذلك، ما لم يحدث تطور نوعي خلال أسبوعي تمديد الهدنة، يفضي إلى تطبيق فوري لاتفاق الاندماج، فلابد أن الجيش السوري سيتحرك لإعادة محافظة الحسكة برمتها إلى جسم الوطن السوري. والمؤكد أن الجيش السوري سيتخذ خلال هذين الأسبوعين كل الاحتياطات الممكنة لتجنيب المحافظة وأهلها عواقب المواجهة وأعباءها.