مقاربة دمشق لملف قسد: انعطافة في مسار توحيد الجغرافيا السورية

تتناول الورقة مقاربة دمشق لملف قسد بوصفها انعطافة لتوحيد الجغرافيا السورية، عبر مزيج سياسي عسكري أنهى شرعية قسد، ووسَّع سيطرة الدولة، وفرض مسار اندماج، مع تداعيات محلية وإقليمية ودولية على إعادة بناء سوريا.
28 January 2026
تشدد قسد في تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار 2025 قاد إلى فشل التفاوض وفتح باب المواجهة العسكرية مع دمشق، وصولًا لاشتباكات حلب واتساعها شرقًا (الجزيرة).

مقدمة

تعد مسألة توحيد الجغرافية السورية من أهم أولويات الدولة السورية التي ورثت جغرافيا منقسمة خلَّفتها سنوات الصراع السوري. شكَّلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أكبر تحدٍّ أمام السلطات لإعادة توحيد الجغرافية السورية، نظرًا لامتلاك قسد هياكل إدارية وعسكرية وأمنية منفصلة عن الدولة السورية منذ عام 2015، فضلًا عن استحواذها على أهم المناطق السورية شمال البلاد وشرقها، التي تحتوي أهم الموارد السورية مثل النفط والغاز والقمح؛ الأمر الذي منحها قدرًا كبيرًا من الاستقلالية الاقتصادية أيضًا.

تعاملت قسد في العام الأول بعد التغيير، بندية مع دمشق وقدمت نفسها على أنها نظير أو بديل عن الحكومة السورية، عبر التأكيد على أن قواتها العسكرية تضم مكونات سورية متنوعة المشارب، ووضعت رؤية دستورية خاصة بها، ترى أنها تتوافق مع مطالب "الأقليات السورية"، واحتضنت لهذه الغاية، في أغسطس/آب 2025، ما سمته "مؤتمر المكونات". كما فتحت قسد أبوابها لاحتضان عناصر وضباط سابقين عملوا في نظام الأسد، بالإضافة إلى مطلوبين أمنيًّا فارِّين من منطقة الساحل. وتمسكت خلال مسارها التفاوضي مع الحكومة السورية بمطلب عدم دخول القوات الحكومية إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها(1).

تبنَّت قسد خطابًا تصعيديًّا ضد الحكومة السورية في أعقاب المواجهات التي اندلعت بين قوات عشائرية وفصائل درزية محلية في محافظة السويداء، في يوليو/تموز 2025، وما تبعها من تدخل القوات الحكومية ومحاولتها السيطرة على الوضع في المحافظة. وفي هذا السياق، اعتمدت شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من قسد خطابًا هجوميًّا على الحكومة السورية، مؤكدة صعوبة الموافقة على حل وتفكيك قوات قسد، وأن سلاحها سيبقى من أجل "الدفاع" عن الأكراد.

اتبعت قسد نهجًا متشددًا حيال الحكومة السورية، خاصة في المفاوضات التي استمرت بين الجانبين قرابة 10 أشهر حول كيفية تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار 2025، الذي يقضي باندماج قسد ضمن الدولة السورية. وقد أفضى هذا النهج إلى مواجهة عسكرية بين الطرفين، وتحديدًا إثر هجمات نفذتها مجموعات "تابعة" لقسد على قوات حكومية في مدينة حلب، في مطلع يناير/كانون الثاني 2026، لتمتد هذه العمليات إلى خارج محيط المدينة وصولًا إلى محافظات الجزيرة السورية، أهم مواقع تمركز قسد. بهذا دخلت العلاقة بين الطرفين مسارًا جديدًا يزاوج بين القوة الخشنة والتفاوض.

تهدف هذه الورقة إلى استعراض المسار الذي تنتهجه دمشق من أجل معالجة تحدي قوات سوريا الديمقراطية بوصفها كيانًا يطالب باستقلال ذاتي، ويرفض توحيد البلاد وفق مطالب الحكومة المركزية. كما تسعى الورقة إلى تقييم مخرجات قرابة ثلاثة أسابيع من المواجهات العسكرية، وآثارها الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتداعياتها المحتملة على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية، وآثارها المتوقعة على مسار إعادة بناء الدولة.

أولًا: حصيلة 3 أسابيع من المواجهة العسكرية ونتائجها

مرَّت المواجهات الأخيرة بين الحكومة السورية وقسد، التي امتدت من 7 إلى 21 يناير/كانون الثاني 2026، بثلاث مراحل. في الأولى منها تمكنت من السيطرة على ثلاثة أحياء داخل مدينة حلب كانت تتمركز فيها قسد، وهي: الأشرفية، والشيخ مقصود، وبني زيد. ثم استكملت القوات الحكومية عملياتها لإخراج قسد من كامل محافظة حلب وصولًا إلى دير حافر، وسد تشرين قرب منبج، باستثناء منطقة عين العرب (كوباني) التي لا تزال تحت سيطرة قسد.

المرحلة الثانية كانت على شكل انتفاضة عشائرية في الرقة ودير الزور ضد سيطرة قسد، ولم تتدخل القوات الحكومية بشكل مباشر في الأيام الأولى لهذه الانتفاضة، خاصة في المنطقة التي تقع شرق نهر الفرات، والتي بقيت طيلة السنوات السابقة حدًّا فاصلًا بين مناطق النفوذ الأميركي وباقي سوريا(2).

أما الثالثة، فقد جاءت بعد سيطرة القوات العشائرية على كامل محافظتي الرقة ودير الزور؛ حيث توغلت القوات الحكومية شرق النهر، وبدأت تتسلم المناطق التي انسحبت منها قسد، إضافة إلى دخولها معبر اليعربية في محافظة الحسكة مع العراق. وشدَّدت الخناق على ما تبقى من مناطق تحت سيطرة قسد، والتي يقطنها مئات الآلاف من المكون الكردي، سواء القامشلي، والدرباسية، والمالكية وبعض أحياء المدينة في الحسكة، أو منطقة عين العرب (كوباني) بريف حلب، لكن دون اقتحامها، فيما يبدو بهدف عدم منح التنظيم فرصة دفع الأكراد للصدام مع الحكومة تحت ذريعة الدفاع عن المناطق الكردية. ودخل الطرفان بعدها في مرحلة خفض تصعيد دون وقف كامل لإطلاق النار.

استطاعت الحكومة السورية تأمين مدينة حلب بالكامل بعد إخراج عناصر قسد المتمركزين في أحياء مرتفعة ومطلة على باقي المدينة مثل الأشرفية، واستكملت عملية التأمين هذه بعد أن سيطرت على دير حافر ومسكنة التي كانت تنطلق منها الطائرات المسيرة التابعة لقسد لضرب أهداف في حلب.

ومن شأن سيطرة الحكومة السورية على محافظتي الرقة ودير الزور، توحيد القرار الأمني بيدها، وبالتالي إغلاق الفجوات الأمنية المحتملة التي يمكن أن تنتج عن ضعف التنسيق الأمني بين أطراف أمنية متعددة، كما أن تأمين الحدود السورية مع العراق سيقلص إلى حدٍّ كبير عمليات التهريب التي تشمل الأسلحة في بعض الأحيان.

على الصعيد السياسي، أدَّت العمليات العسكرية الأخيرة إلى تآكل شرعية قوات قسد؛ فمن جهةٍ انفض عنها المكوِّن العربي وانحاز إلى الجانب الحكومي، كما ظهر بشكل واضح حجم رفض المجتمع المحلي وخاصة المناطق ذات الغالبية العربية لهيمنة قسد. من جهة أخرى، أظهرت قسد استعدادها للتخلي عن المهمة الموكلة بها من قبل التحالف الدولي، المتمثلة بحماية السجون التي يتحفظ فيها التحالف على عناصر سابقين من تنظيم الدولة، أو مشتبه بهم بالعمل مع التنظيم. بالفعل، تخلَّت قسد عن حماية سجن الشدادي بريف الحسكة دون تنسيق مع قوات التحالف؛ مما أدى إلى فرار عشرات السجناء، قبل أن تتمكن الحكومة السورية من القبض على قسم منهم فقط. في أعقاب ذلك، أعلن المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس براك، في 20 يناير/كانون الثاني 2026، انتهاء المهمة الرئيسية المكلفة بها قسد والمتمثلة بمكافحة تنظيم الدولة. الأمر الذي يعد بمنزلة نزع الشرعية السياسية وغطاء التحالف الدولي عن استخدام قسد السلاح في مواجهة الحكومة السورية، وانتقل هذا الغطاء للحكومة التي أخذت تعزز شرعيتها الدولية من بوابة مكافحة الإرهاب(3).

ولا شك أن الحكومة السورية حققت مكاسب اقتصادية مهمة نتيجة التمدد والسيطرة الجغرافية؛ إذ يتعلق الأمر باستعادة السيطرة على مناطق تضم الغالبية العظمى من احتياطيات سوريا من النفط والغاز، وتحتوي حقولًا مهمة مثل الهول والعمر وكونيكو والتنك. وفي المقابل، فقدت قسد موارد اقتصادية مهمة مكنتها على مدار قرابة 11 عامًا من توطيد أركان إدارتها الذاتية في مساحة كانت تُقَدَّر بربع الأراضي السورية، واستغلتها في توفير نفقات المتطوعين في صفوفها.

ثانيًا: التداعيات المحتملة لتطورات المشهد بين دمشق وقسد

من المتوقع أن تفضي تطورات المشهد الأخيرة بين دمشق وقسد في المديين، القريب والمتوسط، إلى جملة من التداعيات، يمكن تصنيفها على ثلاثة أصعدة رئيسية:

الصعيد المحلي: من الواضح أن المنجزات العسكرية التي حققتها الحكومة السورية على حساب قسد، أعطت الحكومة زخمًا شعبيًّا جديدًا مشابهًا للزخم الذي حصلت عليه عندما كانت تترأس إدارة العمليات العسكرية وأطاحت بنظام الأسد.

وجاءت هذه المنجزات بعد ازدياد منسوب الانتقادات للحكومة، وبالأخص من المكون العشائري العربي، على خلفية ما عدَّه تساهلًا في التفاوض مع قسد على حساب سكان المناطق العربية التي تسيطر عليها. غير أنه بعد سيطرة الحكومة على الرقة ودير الزور سجلت مراكز تجنيد الأمن والجيش إقبالًا كبيرًا من أبناء المنطقة بهدف الالتحاق بمؤسسات الدولة؛ ما عكس ازدياد الثقة الشعبية بهذه المؤسسات.

وبعد أن أظهرت الحكومة السورية قدرتها على كسر حالة الاستعصاء في ملف قسد، وتمكنت من تقويض مشروع "الإدارة الذاتية المستقلة" إلى حدٍّ كبير، من خلال المزاوجة بين المسارين، السياسي والعسكري، بات من المرجح أن تنخفض التوقعات حيال إمكانية تأسيس أقاليم ذاتية كما كانت تطرحها قوى علوية ودرزية مرتبطة بالمرجعيتين الدينيتين، غزال غزال وحكمت الهجري، واللذان حضرا مؤتمر المكونات الذي عُقد برعاية قسد، في شهر أغسطس/آب 2025.

أدَّت العمليات العسكرية ضد قسد إلى حالة من التشنج في بعض الأوساط الكردية السورية عمومًا، ولاسيما في ظل الدعاية التي مارسها التنظيم والقائمة على تصوير تلك العمليات بوصفها استهدافًا للكرد. وقد دفع ذلك الحكومة السورية إلى العمل على تخفيف حالة الاحتقان، وتقليص قدرة قسد على الاستثمار فيها، وذلك من خلال إصدار المرسوم رقم 13 لعام 2026، الذي تضمن الاعتراف بالحقوق الثقافية والمدنية للمكون الكردي في سوريا. أسهم هذا المرسوم في خلق مزاج إيجابي لدى شريحة من القوى السياسية والمجتمع المدني الكردي؛ إذ قرأت هذه القوى المرسوم وإجراءات الحكومة بتسهيل عودة نازحين أكراد إلى مناطق غادروها قبل قرابة 8 سنوات مثل عفرين، بوصفها مؤشرات على رغبة الحكومة وجديتها في توفير الرعاية لكافة مكونات المجتمع وإعادة بناء الدولة السورية على أسس جديدة(4).

وفي السياق نفسه، عملت الحكومة على تعزيز مشاعر الاطمئنان اتجاهها؛ إذ أظهرت خلال عملياتها العسكرية اهتمامًا واضحًا بمعالجة الآثار الإنسانية؛ فقامت بفتح ممرات آمنة لمغادرة السكان المحليين إلى مناطق بعيدة عن الاشتباكات مع توفير ملاذ آمن للنازحين. وقد تجلَّى ذلك في إيواء نازحي الأشرفية والشيخ مقصود ضمن ملاجئ في منطقة عفرين، وسهَّلت عودتهم إلى منازلهم مع انتهاء العملية ضمن الحيين. واستطاعت بهذا النهج أن تعطي انطباعًا بأن المؤسستين، العسكرية والأمنية، في تطور مستمر، وأن قيادات هذه الأجهزة عزَّزت من مستوى السيطرة المركزية على العناصر؛ ما أدى لانخفاض الانتهاكات في العمليات العسكرية. وذلك بخلاف ما حدث في محافظة السويداء، منتصف عام 2025؛ حيث سجلت تجاوزات بحق المدنيين عقب دخول فصائل حديثة الاندماج ضمن الجيش، إلى جانب قوات عشائرية غير نظامية(5).

الصعيد الإقليمي: لملف قسد امتدادات إقليمية، بحكم أن وحدات حماية الشعب، المكون الكردي الأكبر داخل قسد والمهيمن على قرارها، ترتبط بعلاقات فكرية وسياسية عابرة للحدود مع أحزاب كردية فاعلة في المنطقة، وبالتحديد في العراق وتركيا. ويزيد من حساسية البعد الإقليمي أن العديد من قيادات الوحدات هم في الأصل قياديون ضمن حزب العمال الكردستاني. ظهرت هذه الارتباطات بوضوح عقب اندلاع المواجهات بين قسد والحكومة السورية؛ إذ تدخل الحزب الديمقراطي الكردستاني، الحاكم في إقليم كردستان العراق، ورعى مسعى وساطة بين الجانبين. وفي المقابل، دفع كل من حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بعناصر محسوبة عليهما للقتال إلى جانب "وحدات حماية الشعب"، إضافة إلى زيارة وفد من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب التركي الكردي إلى سوريا(6).

إن حرمان وحدات الحماية من عائدات النفط والغاز التي كانت تبيعها للداخل السوري أو لجهات ضمن إقليم كردستان العراق، يعني بالضرورة تقليص قدرتها على توفير التمويل لحزب العمال الكردستاني، الذي كان يحصل على جزء من هذه العائدات. إضافة إلى ذلك، فإن سيطرة الحكومة السورية على قسم كبير من الحدود مع العراق، من شأنها قطع خطوط الاتصال بين الوحدات، ومنطقة سهل سنجار التي ينشط فيها حزب العمال الكردستاني. ومن المتوقع أن يؤدي هذا إلى إضعاف موقف الحزب، وتقليص هامش مناورة القيادات الرافضة لمسار التسوية السياسية التي يقودها زعيم الحزب المحتجز في تركيا، عبد الله أوجلان.

ومن جهة أخرى، فتحت التطورات الأخيرة الباب أمام تعاظم التأثير الإقليمي في الملف السوري؛ إذ ازداد حضور تركيا في المشهد السوري، بوصفها إحدى الدول الأكثر تأثرًا بما يجري على حدودها. ويأتي ذلك في ظل قيام قيادات في حزب العمال وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب، في أكثر من مناسبة، بربط مصير مسار عملية السلام مع تركيا، التي انطلقت مطلع عام 2025، بتطورات الوضع في شمال سوريا وشرقها، مع إظهار رغبة في توظيف ملف قسد ورقة ضغط للتأثير على مواقف الحكومة التركية.

أيضًا، دخلت حكومة إقليم كردستان العراق بشكل رسمي في الملف السوري، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع الجانب الأميركي، وانفتاح الحكومة السورية على توسيط طرف كردي إقليمي غير مرتبط بتيار العمال الكردستاني "المتشدد"، وهذا أتاح المجال أمام أربيل لرعاية وساطة بين قسد والحكومة السورية، واستضافة مباحثات شارك فيها المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس براك، وقائد قسد، مظلوم عبدي، نتج عنها التوصل إلى اتفاق 18 يناير/كانون الثاني 2026 المتضمن وقف إطلاق النار والبنود الخاصة بآلية إدماج قسد ضمن الدولة السورية.

على صعيد التداعيات السورية على الإقليم، أسهم وصول قوات الحكومة السورية إلى الحدود العراقية، فيما يبدو وبدرجة معينة، في قرار قوى الإطار التنسيقي العراقية وبدعم من إيران، المتعلق بترشيح نور المالكي لمنصب رئيس الحكومة بوصفه خيارًا محسوبًا على "تيار الصقور". هذا الخيار يعكس على الأرجح قلق إيران وأطراف شيعية عراقية من تبدل موازين النفوذ، في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة، ومن بينها ما تشهده سوريا من توسع في سيطرة الحكومة ذات الخلفية الإسلامية، والمتموضعة ضمن محور تركي عربي، إلى جانب تطور علاقتها مع إدارة ترامب الأميركية. وتتزايد هذه المخاوف مع احتمال انعكاس هذه التغيرات على المشهد العراقي ولاسيما مواقف القوى السياسية والعشائرية السنية، التي تكتلت مؤخرًا ضمن المجلس السياسي الوطني، وتعمل على زيادة فاعليتها وتأثيرها.

ومن غير المستبعد أن يؤدي تآكل قوة قسد وفقدانها للغطاء السياسي الأميركي إلى تراجع اندفاعة إسرائيل نحو الاستثمار فيها، ولاسيما بعد أشهر من تبادل إشارات ورسائل إيجابية، وعقب مطالبة قسد لتل أبيب بدعمها.

الصعيد الدولي: سرعان ما برزت التداعيات الدولية لتطورات المشهد في شمال شرق سوريا؛ إذ سُجِّل تراجع ملحوظ في مستوى الدعم الأميركي لقسد، بالتوازي مع مؤشرات واضحة على ازدياد الثقة بالحكومة السورية. ويعزى ذلك إلى سلوك قسد خلال المسار التفاوضي، وعجزها عن الوفاء بالاتفاقيات المرتبطة بالاندماج ضمن الدولة السورية، والتي جرى التوصل إليها برعاية أميركية، فضلًا عن تقليص التزاماتها المتعلقة بحماية سجون احتجاز عناصر تنظيم الدولة.

وبالفعل، بدأت القوات الأميركية بنقل سجناء تنظيم الدولة إلى العراق، بالتزامن مع تقارير تشير إلى أن الجيش الأميركي يدرس خيار الانسحاب من سوريا بشكل كامل. وعليه، قد تتجه واشنطن إلى حصر دورها في التنسيق الأمني مع الحكومة السورية عبر مستشارين، من دون وجود عسكري رسمي مباشر(7).

كذلك دفعت سيطرة الحكومة السورية على الغالبية العظمى من مساحة سوريا، باستثناء جيب صغير في ريف حلب وشريط ضيق بمحافظة الحسكة، روسيا -فيما يبدو- إلى إعادة تقييم سياساتها وجدوى بقاء قاعدتها في مدينة القامشلي ضمن مناطق سيطرة قسد. وبدأت بالفعل عملية نقل طواقم لها من القاعدة باتجاه قاعدة حميميم الواقعة ضمن مجال سيطرة الحكومة السورية.

ثالثًا: المآلات المستقبلية لملف قسد وآثاره على إعادة بناء الدولة

وفقًا للمعطيات الداخلية والخارجية الراهنة، لم يعد من الممكن بقاء قسد على الصيغة السابقة التي كانت تمثل حالة استثنائية ضمن الدولة السورية، فهي فقدت مساحات واسعة من سيطرتها، ونزعت عنها الشرعية الدولية المتمثلة بمكافحة الإرهاب، كما لا يمكنها أن تعوِّل طويلًا على دعم عابر للحدود من قبل أحزاب كردية أخرى، لأن هذا سيستجلب أيضًا المزيد من الدعم السياسي والأمني والعسكري للحكومة السورية، لما تشكِّله هذه الأحزاب من تهديدات لدول إقليمية وعدم قبول دولي.

كما أن المجتمع الدولي عمومًا بات يطالب باندماج قسد في الدولة السورية، بما فيها الدول التي لا تزال تمتلك علاقات جيدة مع التنظيم مثل فرنسا، التي تؤكد مؤخرًا ضرورة دمج الأكراد في الدولة السورية.

بناء على ما سبق، تبدو قسد أمام استحقاق حاسم يتمثل في الاندماج ضمن الدولة السورية وفق صيغة مقبولة لمختلف الأطراف، سواء اختارت هذا المسار نتيجة تفاوض أو بعد جولة جديدة من المواجهات الميدانية وتشديد الخناق عليها لتقديم تنازلات لاحقة والتراجع عن مطالب الاحتفاظ بالإدارة الذاتية، أو اللامركزية على أساس عرقي.

من المرجح أن تواصل الحكومة اتباع مسارها المنفتح القائم على الإقرار بخصوصية المكونات السورية، في إطار إظهار قدرتها على الاحتواء، على غرار ما فعلته عند إصدار المرسوم رقم 13، وتتجه على الأغلب إلى تقبل مشاركة المكون الكردي في إدارة المناطق التي يشكل فيها ثقلًا سكانيًّا، إضافة إلى إيلاء مهمة حفظ الأمن إلى عناصر كردية لكن تحت سقف الارتباط بالسلطة المركزية دون أن يُفْضِ ذلك إلى حالة إدارية أو أمنية مستقلة.

إن الآلية التي اعتمدتها الحكومة السورية في معالجة ملف قسد، والمتضمنة ترك هوامش للمجتمع المحلي للمشاركة في إدارة شؤونه، من المتوقع أن تُعمَّم لاحقًا لتكون نموذجًا للحل في محافظة السويداء التي لا يزال قسم منها خارج سيطرة الحكومة. وبذلك قد يكرِّس ملف قسد نموذج حكم لا مركزي إداري جغرافي يراعي، إلى حدٍّ ما، المشاركة المحلية في الإدارة والأمن، ليصبح هذا النموذج خيارًا عمليًّا للحكومة ويمكِّنها من استيعاب مختلف المكونات السورية، وليعزز ثقة المجتمع المحلي والأطراف الدولية بقدرتها على إدارة البلاد. خاصة أن الحكومة أظهرت، خلال المواجهات الأخيرة مع قسد، عدم رغبة في الصدام مع المكون الكردي؛ إذ حصرت المواجهة إلى حدٍّ كبير، مع قوى عسكرية سعت إلى تكريس حالة استعصاء ضمن الدولة. ويتجلى ذلك في عدم المسارعة إلى اقتحام التجمعات السكانية الكردية والعمل على إجلاء السكان قبل أي عمليات عسكرية، إضافة إلى فتح ممرات إنسانية واتخاذ إجراءات أخرى لاحتواء الوضع.

خاتمة

حرصت الحكومة السورية على مدار أشهر من المفاوضات على إبداء قدر من المرونة، بما عكس أمام الوسطاء الدوليين تبنيها للحلول السياسية، ثم عززت هذا المسار بسلوك منضبط خلال عملياتها العسكرية التي انطلقت من أحياء حلب، مع تقديم المساعدات للنازحين الكرد من الحيين (الأشرفية والشيخ مقصود)، لتعطي انطباعًا بأنها قادرة على إدارة البلاد بشكلها المتنوع.

بالمقابل، أظهرت المشاركة الواسعة للعشائر العربية في "الثورة" على قسد داخل الرقة ودير الزور وجود حالة سخط محلي إزاء الطريقة التي أدارت بها قسد المناطق المتنوعة سكانيًّا. كما كشفت المواجهة الأخيرة عن تورط قواتها في انتهاكات بحق السكان العرب، فضلًا عن تصفيات استهدفت سجناء سابقين، وتبين كذلك احتجازها أطفالًا قاصرين في سجونها لا علاقة لهم بتنظيم الدولة. هذه العوامل عمومًا أسهمت في التأثير على الموقف الأميركي وأضعفت ثقته بجدوى استمرار دعم قسد خارج إطار الدولة السورية.

وعلى الرغم من احتفاظ وحدات حماية الشعب بمواقع سيطرة جغرافية، إلا أن الواضح أنها فقدت مظلة "قوات سوريا الديمقراطية" التي كانت تقدم الأخيرة نفسها من خلالها على أنها إطار جامع لمكونات متعددة، وقادرة على تمثيل الجميع.

قد أسهم ذلك في تكريس البعد العرقي في نهج الوحدات، ولاسيما مع اعتماد قسد المتزايد على حزب العمال الكردستاني، الذي أرسل دفعات من مقاتليه الموجودين في العراق لمساندة الوحدات في سوريا. وبذلك، أكدت الوحدات، فعليًّا، ارتباطها بالحزب المدرج على قوائم الإرهاب الدولية بعد سنوات طويلة من نفي هذا الارتباط.

وفي السياق نفسه، كشفت التطورات الأخيرة في سوريا أن الفاعلين الدوليين المؤثرين في المشهد السوري يدعمون مبدأ وحدة الأراضي السورية، بغضِّ النظر عن آلية إدارة البلاد التي يتوافق عليها السوريون. ومن شأن نجاح الحكومة السورية في استحقاق دمج المكوِّن الكردي ضمن الدولة أن يفتح المجال لاحقًا لمعالجة ملف السويداء العالق.

ABOUT THE AUTHOR

References

1.كواليس ما قبل وبعد اتفاق الشرع-عبدي وانهياره، صحيفة المدن، 20 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2026)، https://h7.cl/1iwPG

2.المتحدث باسم الداخلية السورية: انتفاضة العشائر سرعت عملية التحرير بالرقة ودير الزور، الإخبارية السورية، 20 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2026)، https://h7.cl/1iwY9

3.واشنطن: مهمة قسد انتهت، والحكومة السورية مستعدة لتولي الأمن، وكالة الأناضول، 20 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2026)، https://h7.cl/1nx44

4.المجلس الوطني الكردي السوري: مرسوم الشرع حجر أساس لبناء سوريا لا مركزية ديمقراطية وإنهاء عقود من المظالم، كردستان 24، 18 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 26 يناير/كانون الثاني 2026)، https://h7.cl/1ix4C

5.عودة آخر العائلات إلى الأشرفية والشيخ مقصود بعد إغلاق آخر مركز إيواء في حلب، وكالة سانا، 14 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 26 يناير/كانون الثاني 2026)، https://h7.cl/1nx6O

6.وصول عناصر من بي كي كي إلى الحسكة لمؤازرة قسد، الخابور، 25 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 26 يناير/كانون الثاني 2026)، https://h7.cl/1nx7S

7.واشنطن تدرس انسحابًا عسكريًّا كاملًا من سوريا بعد انهيار قسد، الجزيرة نت/ وول ستريت جورنال، 23 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 26 يناير/كانون الثاني 2026)، https://h7.cl/1nx9Q