المناخ والأمن في الساحل الإفريقي: من صدمات الطبيعة إلى انفجارات العنف المركب

يعرض النص ترابط التغير المناخي والأزمات الأمنية في دول الساحل الإفريقية الثلاث، موضحًا كيف قاد الجفاف والفيضانات وندرة الموارد إلى نزوح وصراعات عرقية، ثم إلى تمدد الجماعات المسلحة. كما يناقش التداعيات الاقتصادية والاجتماعية، ويقترح مسارات للتكيف والتنمية والحوكمة الإقليمية الشاملة المستدامة العادلة والممكنة عمليًّا مستقبلًا.
التصحر قضى على 65 بالمائة من أجود الأراضي الزراعية في دول الساحل الأفريقي (بيكساباي)

مقدمة

تشهد منطقة الساحل الإفريقي تغيرات مناخية متسارعة أثَّرت على حياة السكان؛ فمنذ موجة الجفاف والمجاعة سنوات 1968-1975، وما لحقها من موجات تصحر وفيضانات، والمنطقة تعيش في أزمات متلاحقة؛ حيث جفت منابع المياه، وانحسر الغطاء النباتي، وتأثرت الزراعة المطرية التي يعتمد عليها سكان المنطقة، وهو ما نتج عنه موجات نزوح وصراعات بين المجتمعات، وخاصة بين الرعاة والمزارعين؛ حيث تحولت الصراعات على المراعي والمياه إلى صراعات إثنية ودينية، وتطورت لاحقًا إلى حروب مفتوحة.

وقد حذرت الأمم المتحدة من أن بلدان منطقة الساحل معرضة لخطر عقودٍ من الصراع المسلح والنزوح بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وندرة الموارد، وانعدام الأمن الغذائي؛ حيث تؤدي الفيضانات والجفاف وموجات الحر المدمرة إلى تلاشي إمكانية الوصول إلى المياه والغذاء وسبل كسب الرزق، وتضخيم مخاطر الصراع(1).

الاختلال المناخي وتكلفة الهشاشة البيئية في الساحل الإفريقي

على الرغم من أن الدول الصناعية هي المحرك الرئيسي للاحتباس الحراري العالمي والتغيرات المناخية الشديدة، ورغم أن مساهمة القارة الإفريقية في كمية الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري لا تتجاوز 4% من الإجمالي العالمي، فإن البلدان الإفريقية تصنَّف ضمن الأكثر تضررًا من تبعات تغير المناخ الكارثية التي تتسبب في انحدار التنوع البيولوجي البيئي الغني في القارة الإفريقية، وتسهم في زيادة انعدام الأمن الغذائي والنزوح والتنقل، كما تسهم في الصراعات على الأراضي(2). وقد شهدت منطقة الساحل الإفريقي تقلبات مناخية شديدة، ازدادت وتيرتها خلال العشرين سنة الماضية(3)، وكان من أبرز تجلياتها ما يلي:

ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر: شهدت منطقة الساحل الإفريقي خلال عام 2025 درجات حرارة قياسية وموجات حر استثنائية؛ حيث تُصنف المنطقة واحدةً من أكثر المناطق عرضة لتداعيات التغير المناخي في العالم، فيما سجلت دول، مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد ونيجيريا، درجات حرارة أعلى من المتوسط بمقدار 0.7 إلى 1.5 درجة مئوية(4)، وتعرضت أجزاء من بوركينا فاسو ومالي لموجة حرٍّ شديدة، في مارس/آذار 2025؛ حيث تجاوزت درجات الحرارة خلال النهار 40 درجة مئوية، وهي زيادة بمقدار 6 درجات عن المعدل الطبيعي لهذا الوقت من العام(5).

تغير أنماط الأمطار والفيضانات: حيث تتركز الأمطار في فترات قصيرة لتسبب سيولًا مدمرة، وبات من النادر أن تنقضي الفترة بين شهري يونيو/حزيران وسبتمبر/أيلول دون أن تشهد المنطقة وقوعَ فيضانات تؤدي إلى أضرار مادية ومآسٍ إنسانية. وبعد دورات جفاف طويلة، بدأت الأمطار تعود إلى متوسط مستواها في المنطقة لكن مع زيادة واضحة في كثافة تركزها زمنيًّا دون حدوث تحسن في مدة الموسم الممطر مقارنةً بسنوات الجفاف في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

وواقع الحال أن الفيضانات والأمطار الغزيرة لم تعد حدثًا مفاجئًا بالنسبة لسكان منطقة الساحل؛ فالعديد من مدنها تعرض لسيول عارمة خلال الأعوام الماضية، بما في ذلك نيامي (عاصمة النيجر) التي تعرضت لفيضانات في الأعوام 2010 و2012 و2013 و2016 و2017 و2022، وكذلك العاصمة البوركينابية، واغادوغو، التي شهدت هي الأخرى فيضانات في أعوام 2009 و2012 و2015، و2020...إلخ.

كما تأثرت العاصمة النيجيرية، أبوجا، بفيضانات سبتمبر/أيلول عام 2020؛ حيث غمرت المياه عدة أحياء فيها، علاوة على خراب آلاف الهكتارات من الأراضي المزروعة. وكذلك الأمر بالنسبة للعاصمة السنغالية، دكار، في عام 2022. وقد مثَّل 2024 عامًا آخر من صدمات الطقس في منطقة الساحل؛ إذ شهدت عدة أنحاء فيها فيضانات وسيولًا مدمرةً؛ حيث أدت السيول والأمطار الغزيرة في تشاد إلى وفاة حوالي 600 شخص، وأضرت بمليونين آخرين، أي ما يفوق 10‎‎% من سكان البلاد(6).

في يوليو/تموز 2025، تم تسجيل كميات أمطار تتجاوز المعدل الطبيعي (تصل إلى 200% فوق المعدل الطبيعي) في مناطق واسعة من الساحل، لاسيما في السنغال وبوركينا فاسو والنيجر وبنين ونيجيريا؛ كما أن مستويات المياه في الأنهار الرئيسية (النيجر والسنغال وشاري وفولتا) ترتفع بسرعة وبشكل مثير للقلق؛ حيث تجاوزت مستويات الإنذار بالفعل في نيامي ومحطات قياس المياه الأخرى.

وقد خلَّفت الفيضانات أضرارًا بشرية ومادية جسيمة، ففي نيجيريا تم تسجيل 25 حالة وفاة وأكثر من 5500 نازح في ولاية أداماوا. في غينيا، سُجِّلت 34 حالة وفاة منذ بداية موسم الأمطار، من بينها 18 حالة وفاة في ليلة واحدة في كوناكري. وفي مالي والنيجر والسنغال، ألحقت الفيضانات أضرارًا بالغة بآلاف الأشخاص مُدمِّرةً منازلهم وبنيتهم التحتية وسبل عيشهم(7).

الجفاف والتصحر مولداتٍ للأزمات المركبة في الساحل الإفريقي

يتسبب تغير المناخ في الساحل الإفريقي في زيادة حدة وتواتر الجفاف عبر ارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط هطول الأمطار؛ مما يؤدي إلى نقص المياه وتدهور الأراضي وفقدان الغطاء النباتي وتفاقم التصحر وتدهور الأمن الغذائي وزيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي النزاعات وتؤثر بشكل خاص على الزراعة والرعي(8).

شهد غرب إفريقيا جفافًا حادًّا للغاية بين عامي 1968 و1993. وقد كان هذا الجفاف أشد وطأةً نظرًا لأنه أعقب فترة من الأمطار الغزيرة الاستثنائية بين عامي 1950 و1967. تميز هذا الجفاف بطول مدته وشدته (حيث بلغ نقص الأمطار من 15 إلى 25% مقارنةً بالمتوسط طويل الأجل، ومن 25 إلى 50% مقارنةً بالفترة الرطبة السابقة)، وانتشاره الجغرافي الواسع؛ إذ أثَّر على غرب إفريقيا بأكمله على مساحة تزيد عن 5 ملايين كيلومتر مربع. ومع ذلك، ومع ازدياد حدة النقص باتجاه الشمال، كانت منطقة الساحل شبه القاحلة بطبيعتها هي الأكثر تضررًا. ومنذ منتصف التسعينات، عادت الأمطار إلى متوسطها طويل الأجل. وقد تدهور الغطاء النباتي والتربة بشدة. أدى طول فترة الجفاف إلى معاناة حتى الأنواع المتكيفة مع الجفاف؛ حيث جفَّت في بعض الأحيان ويبست تاركةً مساحات شاسعة خالية من الغطاء النباتي.

كما تدهورت التربة نتيجة لتدهور الغطاء النباتي؛ فقد تعرضت مساحات واسعة من التربة العارية للانضغاط والتقشر(9). وقد أدَّت موجات الجفاف والتصحر إلى أضرار كبيرة من نفوق للماشية وتقلص المساحات الزراعية والرعوية وشح الموارد المائية وتضرر الأمن الغذائي؛ وهو ما أدى لموجات نزوح كبيرة من القرى إلى المدن، وهو ما أدى لضغط في الخدمات الأساسية.

وقد خلَّفت هذه التغيرات المناخية آثارًا سلبية بالغة على الزراعة والاقتصاد في إفريقيا. بحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، فقدت القارة الإفريقية أكثر من 60% من أراضيها الصالحة للزراعة بين عامي 1968 و2018. وتشير التقديرات أيضًا إلى أن تغير المناخ يكلف إفريقيا ما بين 17 و28% من قيمتها المضافة الزراعية، مقارنةً بنسبة تتراوح بين 3 و16% فقط في بقية أنحاء العالم.

 وفي دول الساحل تكون آثاره أشد وطأةً مما هي عليه في بقية القارة. ونتيجةً لذلك يُعاني هذا الإقليم من انعدام الأمن الغذائي بشكل خاص. فمن بين 113 دولة حول العالم يشملها مؤشر الأمن الغذائي العالمي، تحتل دول الساحل مراتب متدنية؛ فبوركينا فاسو تحتل المرتبة 97، والنيجر المرتبة 104، وتشاد المرتبة 108(10).

يواجه الساحل أيضًا أزمة أمنية متعددة الأبعاد بدأت في مالي، عام 2012، وامتدت إلى بوركينا فاسو والنيجر منذ عام 2015. وتواجه الدول الثلاث انتشارًا وتوسعًا للجماعات المسلحة، مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، فضلًا عن جماعات متمردة وجماعات دفاع ذاتي مختلفة(11).

ولكن ما علاقة الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية الناجمة عنه بالأمن في منطقة الساحل الإفريقي؟ وكيف تسهم التغيرات المناخية في إذكاء النزاعات العرقية في منطقة الساحل الإفريقي؟

من حرارة الأرض إلى نار الصراع في الساحل الإفريقي

تسبَّبت التغيرات المناخية في منطقة الساحل الإفريقي في شُحِّ الموارد المائية وانحسار الغطاء النباتي بالإضافة إلى زيادة تأثيرات الجفاف وزحف الرمال؛ وهو ما انعكس على حياة سكان منطقة الساحل وتسبب في هجرات ونزوج جماعي؛ وهو ما ولَّد صراعات على الموارد بين المجموعات الوظيفية (الرعاة والمزارعين). ومع مرور الوقت، تطورت هذه الصراعات لتأخذ طابعًا إثنيًّا ودينيًّا قبل أن تستغلها أطراف خارجية مثل القاعدة لتحقيق أجنداتها الخاصة. بحسب توقعات مركز العمل العالمي الفعَّال (CEGA) التابع لجامعة كاليفورنيا، بيركلي، فإن الارتفاع المتوقع في درجات الحرارة في القارة بحلول عام 2030 سيؤدي إلى زيادة بنسبة 54% في وتيرة النزاعات، مع ما يُقدَّر بنحو 393 ألف حالة وفاة مرتبطة بهذه النزاعات. علاوة على ذلك، فإنه مقابل كل ارتفاع في درجة الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة، سترتفع وتيرة الحروب الأهلية في منطقة الساحل بنسبة 4.5% في العام نفسه، وبنسبة 0.9% في العام الموالي(12).

وتُجسِّد النزاعات المستمرة بين الرعاة والمزارعين في معظم دول الساحل هذا الوضع بوضوح، فمع جفاف الأراضي الرطبة سابقًا ينتقل المزارعون إلى مناطق يسكنها الرعاة. وبالمثل، فإن مناطق الرعي التي كان يستخدمها الرعاة، والتي تجف بسبب تغير المناخ، تُحوِّلهم إلى أراضٍ يسكنها المزارعون؛ مما يؤدي إلى نزاعات مدمرة. وهكذا يتبلور خط فاصل واضح بين الرعاة (الفولاني والطوارق، وغالبًا ما يكونون مسلمين) والمزارعين (السونغاي والموسي والدوغون والبامبارا، وغالبًا ما يكونون من أتباع المعتقدات الوثنية أو المسيحية)؛ مما يجعل هذه الصراعات على الموارد الطبيعية صراعات طائفية (عرقية أو دينية) على نحو متزايد، لاسيما في مالي والنيجر(13) وبوركينا فاسو.

من أبرز تجليات تأثير التغيرات المناخية في منطقة الساحل الصراع الدموي بين المزارعين والرعاة؛ ففي دولة مالي أدَّت الاشتباكات المسلحة بين المزارعين من قبيلة الدوغون والرعاة من قبيلة الفولاني إلى وقوع مئات القتلى والجرحى وتهجير عشرات الآلاف؛ حيث يشن أفراد من ميليشيا "دانا أماساغو" المدعومة من الحكومة المالية هجمات على قرى الرعاة الفولاني مخلِّفين مئات القتلى والجرحى، مثل المذبحة التي وقعت في مارس/آذار 2019 في قرية أوجوساجو وخلَّفت 160 قتيلًا من الفولاني، ويحاول أفراد الدوجون شرعنة الصراع على الأراضي وإلباسه ثوبًا آخر باتهام جميع أبناء قبيلة الفولاني بالارتباط بتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"(14).

وقد دفعت هذه الهجمات والتصفيات العرقية أبناء قبيلة الفولاني إلى الانخراط في كتيبة ماسينا المتحالفة مع القاعدة بهدف الحصول على التسليح وحماية أنفسهم ومواشيهم، ولينخرطوا لاحقًا في أجندات القاعدة ويشنوا هجمات عنيفة استهدفت جيوش الساحل والميليشيات المحلية المتحالفة معها.

جدلية العلاقة بين هشاشة الموارد ودوامة العنف العابر للحدود

أدَّت ندرة الموارد في المنطقة إلى زيادة نسبة الهجرة والنزوح، وهو ما أدى بالإضافة الى الصدامات بين المجموعات العرقية المختلفة وما صاحب ذلك من زعزعة للسلم الأهلي إلى خلق بيئة خصبة للتطرف والإرهاب؛ حيث تستغل الجماعات المتطرفة، مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية، التوترات العرقية بين الفلاني والطوارق وبقية المجموعات في المنطقة لاكتتاب المزيد من المقاتلين، وبالتالي تأجيج النزاعات المحلية بل وتدويلها وإطالة عمر الصراع.

وفي ظل المشاكل الاقتصادية وفقدان مصادر العيش التقليدية من زراعة وتنمية حيوانية، وبعد فقدان الأمل في المشاريع التنموية الحكومية، يلجأ الشباب للالتحاق بهذه الجماعات نظرًا لما تقدمه من تسليح وحماية تمكِّنهم من كسب أموال طائلة من التهريب، والفدى المدفوعة مقابل الرهائن، وإدارة المناجم، وجباية الضرائب من الأهالي، وبالتالي زيادة دورة العنف وتوسيع دائرة المنخرطين فيه.

ومما لا شك فيه أيضًا أن التنظيمات الإرهابية تستغل التداعيات الخطيرة التي تسبِّبها التغيرات المناخية في طرْحِ نفسها بديلًا للدولة الرسمية، خاصة في ظل ضعف هذه الدولة ومؤسساتها، ثم العمل على تحقيق النمو والتمدد من خلال الاستقطاب والتجنيد واستغلال الموارد غير المُدارة بشكل جيد، وبالتالي اكتساب شرعية الوجود منافسًا للدولة(15).

الصراع على إدارة الموارد بين المجموعات العرقية المختلفة والدولة والتنظيمات المتطرفة فاقم من حدة العنف في منطقة الساحل؛ حيث أضحت المواجهات متكررة سواء بين المجموعات العرقية أو بين جيوش دول تحالف الساحل والتنظيمات المتطرفة أو بين القاعدة وداعش، وهو صراع مرير يستهدف السيطرة أو الحفاظ على مناطق النفوذ، وكل طرف يستخدم ما أُتيح له من قوة وتحالفات للانتصار فيه، دون مراعاة لقواعد الاشتباك أو حقوق الإنسان؛ وهو ما يولِّد المزيد من الضحايا، وبالتالي المزيد من المنخرطين في دوامة العنف.

وفي نظرة سريعة على الأحداث، نلاحظ أن ما بدأ في 2012 تمردًا طارقيًّا للحصول على حقوق سكان إقليم أزواد تحول سريعًا إلى إعلان قيام دولة أزواد، لتدخل مالي في موجة من العنف ثم ليمتد الحريق، في 2015، إلى الجارتين، بوركينا فاسو والنيجر، مع ازدياد مطرد في الفاعلين، سواء المجموعات العرقية المنخرطة في العنف أو التنظيمات المتطرفة أو الدول الأجنبية؛ وهو ما ينذر بتفاقم أزمات المنطقة بدل انكماشها.

ثنائية إدارة الأزمة وبناء القدرة على الصمود في الساحل الإفريقي

التغير المناخي وتأثيره المتسارع على منطقة الساحل الإفريقي يخلق الكثير من التحديات أمام سكان المنطقة الذين عانوا من الآثار الكارثية للجفاف والفيضانات وغيرها من مظاهر التغير المناخي وتأثيراته على مناطقهم. وفي ظل الحالة الأمنية المتردية يجد السكان أنفسهم محاصرين بين الواقع المعيشي المطبوع بانعدام الأمن الغذائي وتدهور المحاصيل الزراعية والأمراض التي تفتك بالمواشي مع موجات نزوح مستمرة، وهو ما يخلق صراعات جديدة على الموارد.

ولا شك أن صُنَّاع القرار يواجهون تحديات تتعلق أساسًا بغياب إستراتيجيات محلية لمواجهة التغير المناخي وغياب التمويل اللازم لتطبيق الإستراتيجيات إن وُجدت. ينضاف إلى ذلك ترتيب الأولويات في التمويل والتخطيط مع ما تعيشه دول المنطقة من تدهور أمني والصراع بين المكونات العرقيات المختلفة على الأراضي والموارد. ومن بين الحلول المقترحة في هذا المجال ما يلي:

1- خلق إستراتيجية محلية لمواجهة التغيرات المناخية وتخصيص وزارة سيادية بتمويل معتبر لمتابعة تنفيذ هذه الإستراتيجية.

2- تفعيل لجان الوساطة بين المجتمعات المحلية (الرعاة والمزارعين) وإعادة ترسيم حدود الرعي والزراعة على ضوء المتغيرات المناخية وحالة الأراضي، والبتُّ كذلك في النزاعات القائمة وإيجاد حلول توافقية لها.

3- التعاون الإقليمي والدولي لمواجهة آثار التغيرات المناخية على المنطقة، وحماية النازحين واستيعابهم في برامج تكفل لهم الحماية وتحقق لهم العيش الكريم.

4- العمل على تحقيق تنمية مستدامة ترفع من المستوى المعيشي للسكان وتحقق العدالة الاجتماعية.

5- استحداث برامج لدعم وتثبيت سكان القرى في مناطقهم وتوجيه الجزء الأكبر من الدعم الخارجي لهم بما يضمن ولاءهم للدولة المركزية وينفي جذور التطرف والتمرد.

خاتمة

إن دول الساحل الإفريقي (مالي وبوركينا فاسو والنيجر) تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتقاطع قسوة المناخ مع هشاشة الدولة، وتتداخل ندرة الموارد مع تمدد العنف، في معادلة معقدة لا تحتمل الحلول السطحية ولا المعالجات المؤقتة. فالخروج من هذه الدوامة لا يكون بتغليب المقاربة الأمنية وحدها، ولا بالاكتفاء بخطابات التنمية المجردة بل بتشييد رؤية شاملة تعيد الاعتبار للإنسان والبيئة والدولة في آن واحد. وحين تُصاغ السياسات على أساس العدالة المناخية، ويُربط الأمن بالتنمية، وتُدار الموارد بعقل إستراتيجي طويل النفس، يصبح الأفق مفتوحًا أمام الساحل كي ينتقل من جغرافيا الأزمات إلى فضاء الاستقرار، ومن منطق النجاة المؤقتة إلى مشروع نهضوي مستدام.

ABOUT THE AUTHOR

References

1) الأمم المتحدة تحذر من تفاقم الصراع والنزوح في منطقة الساحل الإفريقي في حال التقاعس عن العمل المناخي الفوري، موقع الأمم المتحدة بتاريخ 16 نوفمبر 2022 (تاريخ الدخول: 30 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://2cm.es/1hhnK

2) التغيرات المناخية وأثرها على الأمن الإنساني في إفريقيا، موقع الآفريكا، بتاريخ 12 أبريل 2025 (تاريخ الدخول: 31 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://2cm.es/1hho0

3) حالة المناخ في إفريقيا 2024، المنظمة العالمية للأرصاد الجوية: المطبوع رقم 1379 لسنة 2024 (تاريخ الدخول: 1 يناير/كانون الثاني 2026)، https://2cm.es/1hhog

4)- Central Asia, Sahel and northern Europe shatter annual heat records, News wav.com, 31 December 2025 (Accessed January 3, 2026): https://2cm.es/1hhoj

5)- Human-caused climate change fuels extreme heat in Africa’s Sahel region: Burkina Faso and Mali, Climate Central, March 4, 2025 Accessed January 3, 2026): https://2cm.es/1mdQw

6) منطقة الساحل: الأمن الغذائي والتطرف المناخي.. وتداعيات الهجرة إلى الشمال! الاتحاد للأخبار بتاريه 31 ديسمبر 2024: (تاريخ الدخول: 1 يناير/كانون الثاني 2026)، https://2cm.es/1mdQS

7)- Note technique sur les Inondations au Sahel et en Afrique de l’Ouest : alerte sur des risques persistants, AGRHYMET du 11 aout 2025 (Vu le 3 Janvier 2025):  https://2cm.es/1hhoZ

8) التغيرات المناخية وأثرها على الأمن الإنساني في إفريقيا، مرجع سبق ذكره.

9)- SÉCHERESSE, DÉSERTIFICATION ET REVERDISSEMENT AU SAHEL, UNCCD (Accessed February 1, 2026): https://2cm.es/1hhpq

10)- Changement climatique et conflits au Sahel, CASCADES project, publié en Janvier 2023 (Vu le 13 Janvier 2025): https://2cm.es/1hqpV

11)- Le changement climatique favorise-t-il le terrorisme au Sahel? ISS Africa du 24 Mars 2025 (Vu le 13 Janvier 2025): https://2cm.es/1mlkp

12)- Changement climatique et conflits au Sahel, Op Cit.

13)- Changement climatique et conflits au Sahel, Op Cit.

14) "الدوجون" و"الفولاني" في مالي.. صراع قبائلي خلف ستار "حرب على الإرهاب"، وكالة الأناضول بتاريخ 2 أبريل 2019 (تاريخ الدخول: 4 يناير/كانون الثاني 2026): https://2cm.es/1hhJI

15) من التغير المُناخي إلى التطرف العنيف "مسارات التفاعل في منطقة الساحل والصحراء" مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، بتاريخ 10 نوفمبر 2024 (تاريخ الدخول: 7 يناير/كانون الثاني 2026): https://2cm.es/1hqBp