المستجد الأميركي بين الإسقاط وإعادة التركيب
لم تعد السياسة الأميركية، على ما يبدو، محكومة بالضرورة بمفهوم إسقاط السلطة القائمة في البلد المعادي، وفق تعريفها، بالقوة العسكرية المباشرة، أو انهيار بنى الدولة بفعل الضغط المتواصل. فالتجارب القريبة تبيِّن أنها تحولت، أو تتحول تدريجيًّا نحو سياسة إدارة الأنظمة لا تبديلها، وإعادة تركيبها لا إسقاطها، وذلك بتعديل سلوكها السياسي بدل تفكيكها. فالتفكيك مكلف وغير مجد في الغالب الأعم(1).
يعكس هذا السلوك الجديد تحولًا من ممارسة السياسة مغلَّفة بشعارات ومفاهيم ليبرالية، مثل دعم التحولات الديمقراطية والإدماج في اقتصاد السوق إلى كشف خبايا المصالح كما هي، وتقديم الاستقرار والقدرة على إدارة الأزمات والتكيف مع المخاطر على مشاريع إعادة هندسة السلط وفقًا لمعيارية توظف شعارات ليبرالية دون إمكانات تحقيقها على أرض الواقع(2).
حدود الضغط غير العسكري
تُظهر التجربة التاريخية اعتماد الولايات المتحدة الأميركية سياسة غير عسكرية في البداية، تنتهي بالحل العسكري، وذلك باستخدام أدوات الضغط والدعاية المركزة مثل وصم العدو بـ"محور الشر"(3)، وتوظيف وسائل إعلامية كالإذاعات الموجهة، مع تصميم برامج مقاطعة وحصار مكثفة لخلخلة الأنظمة وتفكيك بناها السلطوية والاجتماعية وإسقاطها من الداخل.
لكن التجربة المعيشة، وتلك القريبة تاريخيًّا، تظهر أن العقوبات الاقتصادية، على قسوتها وشدتها، لا تؤدي إلى إسقاط الأنظمة وإنما تنهك المجتمعات وتعزز قبضة الأنظمة وتعطيها شرعية جديدة باستغلال خطاب العقوبات والحصار والتدخل الأجنبي الجائر(4). من أبرز الأمثلة على فشل هذه السياسة تجارب العراق وكوبا وكوريا الشمالية.
العراق: فشل ما يزيد على عقد من الزمن من الحصار المشدد في إسقاط نظام صدام حسين، رغم الآثار القوية على الدولة والمجتمع؛ ما اضطر أميركا وحلفاءها في النهاية لإسقاطه بالقوة والتدخل المباشر(5). فقد استمر الحصار على العراق 13 عامًا، بين عامي 1990 و2003، تاريخ الغزو العسكري لإسقاط النظام بالقوة. وقد أدى الحصار إلى تراجع الناتج المحلي بأرقام خيالية وارتفع التضخم فانهارت العملة وانكمش الاقتصاد وتراجعت الخدمات، وأدى ذلك إلى نقص حاد في الغذاء والدواء ولكنه لم يسقط النظام.
بلغة الأرقام، تعطلت 83% من المدارس وتدنَّت نسبة التسجيل فيها إلى 53% لجميع الأعمار ما بين (6-20 عامًا) فقط. وانهارت البنية التحتية، ففي قطاع المياه مثلًا تعطلت معالجة المياه التي تخدم 90% من السكان، وازدادت بذلك، حسب تقارير اليونيسيف، نسبة وفيات الأطفال وتفشي الأمراض. وتبعثرت الكفاءات العراقية في الخارج، وظهرت طبقات اجتماعية تعتمد على اقتصاد الحرب والحصار، وتحطمت المنظومة القيمية بفعل تلك الآثار(6).
كوبا: فشل الحصار الأميركي الممتد منذ ستينات القرن الماضي في الإطاحة بالنظام الشيوعي هناك، بل ساعدت تلك السياسة في ترسيخ النظام بمنحه شرعية مواجهة "نظام إمبريالي متسلط"، فكان خطاب السيادة الوطنية والصمود بكل محامله خيرَ سردية سوَّقت النظام وثبَّتته حتى الآن.
بدأ الحصار الأميركي لكوبا، في فبراير/شباط 1962، ضمن إجراءات سياسية واقتصادية تصاعدت بالتدريج، ووصلت ذروتها في سَنِّ قوانين لتغيير النظام. وقد دشَّن الرئيس جون كيندي تلك الإجراءات بحظر تجاري شامل، كما فرض حظرًا بحريًّا بُعيد أزمة الصواريخ السوفيتية في العام نفسه لمنع وصول أي أسلحة إلى كوبا.
وفي العام 1992، صدر قانون عُرف بقانون توريسيلي، يشدِّد الحظر التجاري بمنع الشركات التابعة لشركات أميركية في دول أخرى من التعامل مع كوبا. وجاء قانون هيلمز-بيرتون، عام 1996، ليسمح بمقاضاة شركات تستخدم ممتلكات أميركية مؤمَّمة في الجزيرة الكوبية، ومنح الكونغرس سلطة تشديد العقوبات وقلَّل من قدرات الرئيس على تخفيفها.
وبالرغم من بعض الإجراءات التي اتخذتها إدارة باراك أوباما لتخفيف العقوبات، عام 2015، فقد ظل الحصار مطبقًا، عدا بعض الرحلات التجارية والسياحية، ليعود الرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترامب، في العام 2026، لفرض عقوبات اقتصادية تستهدف خنق الاقتصاد الكوبي بهدف إسقاط النظام(7).
كوريا الشمالية: لم تحقق الدعاية والضغط والحصار الذي مارسته الولايات المتحدة على نظام بيونغ يانغ الهدف المنشود. فإسقاط نظام نووي لا يمكن أن يحدث واقعيًّا بهذه الأساليب. على العكس من ذلك، تحول هذا الضغط إلى تحدٍّ حقيقي عبر إنتاج خطاب قائم على المظلومية وعلى ضرورة بناء القوة الرادعة، وهو ما تحقق فعلًا بامتلاك سلاح نووي لا يمكن تجاوزه في منطق القوة المعاصرة.
في حصارها لكوريا الشمالية، اتبعت الولايات المتحدة الأميركية إستراتيجية ذات أبعاد متعددة تشمل الدبلوماسية والاقتصاد والجيش والأمن. فقد سعت لعزل هذه الدولة عن النظام المالي العالمي بحظر كافة المعاملات بما في ذلك الاستيراد والتصدير.
وقد شملت العقوبات المتعاملين مع اقتصاد بيونغ يانغ، فاستهدفت الأصول المالية للدول والشركات والأشخاص الطبيعيين، بدعوى منع تمويل برامج الأسلحة النووية. وفي المجال العسكري، تنشر أميركا 28500 جندي على أراضي كوريا الجنوبية، خطَّ دفاع أول، وتُعزِّز ذلك بمظلة نووية. وعلى الصعيد الدبلوماسي، تمنع واشنطن تبادل التمثيل مع بيونغ يانغ، مع فرض قيود صارمة على سفر الأميركيين إليها. إلى جانب ذلك، تقود واشنطن تحالفًا إقليميًّا لتوحيد المواقف المعادية لكوريا الشمالية مع اليابان وكوريا الجنوبية.
سوريا والتغيير عبر التفاهمات الإقليمية
في سوريا، سلكت الولايات المتحدة نفس السياسة التي تمارسها مع أنظمة "محور الشر"، فحاصرتها، بغضِّ النظر عن الاستدراك الأخلاقي أو الأبعاد القانونية. ومارست الدعاية ضد النظام سنين طويلة، واستخدمت الإعلام، ومختلف المنصات للإضرار به، وتوَّجت ذلك بنظام عقوبات صارم. إضافة إلى ذلك، طالبت واشنطن برحيل نظام الأسد وعززت مطالب المعارضة بإسقاطه وقدمت لها دعمًا سياسيًّا ودبلوماسيًّا وعسكريًّا. ثم توَّجت منظومة العقوبات بإصدار قانون قيصر، في يونيو/حزيران 2020. يفرض هذا القانون عقوبات واسعة على نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، خاصة في قطاعات الطاقة والبناء والطيران، كما يفرض عقوبات على الأشخاص والشركات المتعاملة مع النظام(8).
لكن كل ذلك لم يفلح في إسقاط النظام بل إن التحول الفعلي في الحكم والسلوك السياسي لسوريا الجديدة صنعته تفاهمات إقليمية صاغتها أدوار فاعلة، خصوصًا من جانب تركيا، أدَّت إلى إعادة ترتيب موازين القوى ومساحات النفوذ والحكم داخل الدولة(9).
تعديل السلوك وحدود الإكراه في فنزويلا وإيران
فنزويلا: تبدو فنزويلا نموذجًا معدلًا لتغيير سلوك النظام بالإكراه بعد اختطاف الرئيس مادورو. وهذا النموذج يعطي انطباعًا بأن واشنطن باتت تتبع نهجًا شبيهًا بالانقلاب العسكري التقليدي، تنفذه هي بيدها لا بيد مؤسسات الدولة، التي يبدو أنها لم تستطع اختراقها بالطريقة التي تُنجح انقلابًا عسكريًّا تقليديًّا.
وكانت أميركا قد شدَّدت العقوبات على فنزويلا لإسقاط النظام، منذ مارس/آذار 2015، واستهدفت قطاعات الريع النفطي والمعدني، والقطاع المالي للدولة، وفرضت عقوبات على قيادات النظام. فعاشت فنزويلا أزمة إنسانية وانهيارًا اقتصاديًّا قبل إعلان الرئيس ترامب حظرًا شاملًا على ناقلات النفط منها وإليها في حصار بحري مطبق. وسعى بعد ذلك إلى السيطرة على عوائد النفط الفنزويلي بالجملة.
إضافة إلى إسقاط نظام تشافيز بقيادة مادورو، استهدفت واشنطن من تلك العقوبات تحقيق مصالح الشركات النفطية الأميركية وقطع إمدادات النفط عن الصين وكوبا والحد من النفوذ الروسي.
وقد تُوِّجت هذه التجربة، بعد فشل العقوبات والضغط الإعلامي والدعائي، باقتلاع رأس النظام، والتفاهم مع بقية مؤسسات الدولة، بما في ذلك نائبة الرئيس ومجمل المؤسسة الأمنية والعسكرية والحكومية. وعلى ما يبدو، يسير هذا النموذج، حتى الآن، نحو النجاح، وذلك بتعديل السلوك السياسي وتغييره وتدجينه، دون إسقاط النظام أو تفكيك الدولة(10).
إيران: امتدت العقوبات على إيران على خمسة عقود، منذ ميلاد الجمهورية الإسلامية عام 1979. وفي العام 1980، قطعت واشنطن علاقاتها مع طهران، ثم تتابعت سلسلة العقوبات لتشمل قطاعات النفط والتبادل التجاري والاستثماري والقطاع المالي والمجالات العسكرية والأمنية.
ورغم النسق التصاعدي للعقوبات، وحجم الضغط والدعاية الهائل، والتهديدات العسكرية الممتدة من 2018، والضربات التي وُجِّهت للبرنامج النووي في 2025، فإن النظام لم يسقط. لذلك، تتجه واشنطن إلى درجة من استخدام القوة تقف عند ما يمكن تسميته بـ"الردع المحسوب والمتبادل" لتحقيق تعديل في السلوك السياسي الإقليمي والعسكري النووي والصاروخي لا لإسقاط الحكم، بعد الفشل في كسر الدولة ذات الأجهزة الأمنية والعسكرية القوية، والقوة التعبوية والعقائدية الحصينة(11).
يظهر من هذا الاستعراض السريع المرتبط بوقائع حية أن نموذج الدعاية والضغوط والعقوبات الذي اتبعته السياسة الأميركية على مدار عقود لم ينجح في إسقاط الأنظمة المعنية بل ساعد، عكس المقصد، في تحكمها وألحق الأضرار بالمجتمعات. لذلك، يُتوقع أن تشهد هذه المرحلة تبني نموذج آخر يقوم، فضلًا عن الدعاية والضغط الإعلامي، على السعي لإعادة تركيب السلطة وحرف السلوك السياسي، سواء عن طريق شبكات إقليمية كما حدث في الحالة السورية، أو بتعديل في أساس النظام بقطع رأسه كما حدث في فنزويلا، أو بالمزاوجة بين القوتين، الخشنة والناعمة، لمحاولة تعديل سلوك النظام إقليميًّا وعسكريًّا وأمنيًّا كما يحدث في إيران.
وفقًا لذلك، يمكننا القول: إن السياسة الأميركية تتجه إلى التحكم في إدارة الأنظمة وتعديل سلوكها لا غزو الدول المباشر وتفكيكها، كما حدث من قبل في العراق وفي أفغانستان(12).
الواقعية وحدود القوة
كأي تصرف سياسي مصلحي في السياسة الأميركية، هناك توتر دائم بين الواقع أو الواقعية السياسية والطموح في التحكم أو التوجيه لنظام معين، وتلك هي النتيجة المرتجاة من التغيير. وهذا القلق يستحضر دائمًا أن إسقاط الأنظمة لا يعني بناء الدولة، ولا تحقيق أي من الشعارات المعلنة، بغضِّ النظر عن صدقيتها وانسجامها مع القانون الدولي، أو متطلبات المصلحة الأميركية فعلًا. كما أن إسقاط الأنظمة، في كثير من التجارب، تترتب عليه فوضى قد تكون تكاليفها أكبر وأعظم من بقاء النظام المعادي لأميركا.
1. الفشل المزمن
أكدت حالات إسقاط الأنظمة في أفغانستان والعراق وليبيا، على تباين المطالب وتعدد الأهداف وخلفياتها، أن إسقاط الأنظمة دون وجود بديل قوي ومتماسك وقادر على مواجهة التداعيات، يؤدي إلى تفكك الدولة وتهشم المجتمع، وتآكل الشرعية، دولية كانت أو إقليمية فضلًا عن المحلية. وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى استعادة أنماط فوضوية أو سلطوية تضر بمصالح جميع الأطراف وترفع التكلفة قياسًا على بقاء الأنظمة قبلها.
ففي نهاية 2001، ودون قرار من الشرعية الدولية، أسقطت أميركا نظام حركة طالبان بغزو عسكري. واستهدف الغزو بشكل معلن الرد على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي نفذتها القاعدة، وطالبت واشنطن كابل بتسليم زعامات التنظيم، على رأسهم أسامة بن لادن، وهو ما رفضته طالبان(13). إلى جانب إسقاط النظام، أعلنت واشنطن أهدافًا أخرى لتدخلها في أفغانستان، منها القضاء على تنظيم القاعدة وتفكيك الملاذات الآمنة للإرهاب وإقامة نظام ديمقراطي. ولكن لا شيء من ذلك تحقق خلال السنوات التي أعقبت الغزو. وبعد عقدين من الاحتلال المباشر وتنصيب حكومة على المقاس الأميركي في كابل، اضطرت واشنطن للانسحاب من أفغانستان، وسعت للتفاهم مع طالبان لتعديل مواقفها من واشنطن بدل المواجهة التي فشلت في تحقيق أهدافها(14).
وفي 2003، غزت أميركا العراق، دون تفويض أممي، لإسقاط نظام صدام حسين. جاء الغزو المباشر بعد أن حاولت واشنطن، منذ 1991، تغيير النظام بأدوات الحصار والخنق الاقتصادي والعمليات الاستخبارية. وكانت الأهداف المعلنة للغزو تتمثل في إسقاط النظام، وبناء ديمقراطية في العراق والمنطقة، مع تدمير أسلحة الدمار الشامل التي تبين أنها غير موجودة أصلًا، وكذلك إنهاء التعاون بين النظام والقاعدة، وهو ما ثبت لاحقًا عدم وجوده أصلًا.
خلال سنوات الاحتلال، وقبل إنهاء أميركا رسميًّا وجودها في العراق، عام 2011، اندلعت حرب أهلية طائفية ماحقة، وظهر نظام محاصصة طائفي على غرار النموذج اللبناني، لم يستطع تحقيق استقرار ولا بناء نموذج حكم محلي يُستلهم إقليميًّا. وتحول العراق إلى ساحة تصفيات نفوذ إقليمية ودولية تحت عيني المحتل. وما زالت أميركا تدير مقدرات العراق، خاصة عوائده النفطية بدعوى حمايتها من الدعاوى الدولية، وتتحكم بذلك في مشاريع إعمار العراق وبرامجه التنموية.
وفي ليبيا، كان الدور الأميركي في إسقاط النظام حاسمًا، وطوى ملف حكم العقيد معمر القذافي، بضربات جوية تحت غطاء حلف شمال الأطلسي، وتحت عنوان "عملية فجر أوديسا"، وبمشاركة عسكرية فرنسية فاعلة. وانتهزت واشنطن لهذا التدخل قرار مجلس الأمن رقم 1973، الذي لم يَدْعُ لإسقاط النظام وإنما طالب بحماية المدنيين. وبعد إسقاط النظام، ومقتل القذافي، في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2011، دخلت ليبيا حالة شبيهة بالحرب الأهلية، وانقسمت مؤسسات الدولة بين الشرق والغرب. ولاحقًا، اعترف الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، أن "إسقاط النظام كان أسوأ قرار اتخذه في حكمه لما ترتَّب عليه من فوضى وعدم استقرار ما زالت ليبيا تتخبط فيه إلى اليوم".
2. النجاح النسبي
في حالات أخرى، نجح التغيير نسبيًّا أو كانت ردة الفعل المجتمعي على الاحتلال وتداعياته أقل حدة. فقد نجحت واشنطن نسبيًّا، ولو إلى حين، في غرس أنظمة تحقق المطامح الأميركية دون تفكيك الدولة والسقوط في وهدة الفشل التام، كما في الحالات التالية:
- في ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، كان إسقاط النظامين ثمرة للهزيمة التي لحقت بامبراطور اليابان وزعيم ألمانيا النازية.
- في بنما، انتهت العملية العسكرية التي شنَّتها إدارة الرئيس جورج بوش الابن، في ديسمبر/كانون الأول 1989، تحت اسم "القضية العادلة"، باستسلام الرئيس مانويل نورييغا، في الثالث من يناير/كانون الثاني 1990. نُقل نورييغا بعدها سجينًا إلى الولايات المتحدة بتهمة الاتجار بالمخدرات وغير ذلك من جرائم جنائية لا صلة لها بممارسة الحكم.
- في كوسوفا، بعد تفكك سلطة بلغراد منذ 1991، واندلاع الحرب الأهلية، التي مارس خلالها رئيس صربيا، سلوبودان ميلوشيفيتش، قمعًا واسعًا للأغلبية المسلمة، تدخلت الولايات المتحدة تحت غطاء حلف شمال الأطلسي "لتحرير الإقليم" من سلطة صربيا، في مارس/آذار 1999. وقد أنهى هذا التدخل حكم ميلوشيفيتش وأحَلَّ بنية جديدة تضمن أمن أوروبا وتسهم في منع انتشار الحروب الأهلية في البلقان. بعد ذلك، وُضعت البلاد تحت الإدارة الأممية حتى أعلنت كوسوفا استقلالها عام 2008.
يُلاحَظ في هاته الحالة، أن إسقاط النظام لم يسفر عن تفكيك الإقليم أو الدولة التي بقيت قابلة للتشكل، وإعادة البناء وفقًا للمصلحة الأميركية. وقد اقترن هذا التغيير بمشروع واضح طويل الأمد حظي بشرعية داخلية وقبول دولي وازن.
شروط النجاح بناء على التجربة
تفيد التجربة الأميركية في إسقاط الأنظمة، في حالتي النجاح والفشل، بوجوب توافر شروط صارمة لنجاح تغيير الأنظمة وفق المنظور الأميركي، وتتلخص هذه الشروط في:
- قوة بنية الدولة وتماسكها وقدرتها على امتصاص الاحتلال والتفاعل مع نتائجه وآثاره بما يحفظ كينونتها ويديم استمرار وفاعلية هياكلها.
- وجود بديل سياسي جاهز ومقبول داخليًّا وإقليميًّا يُعتمد عليه في تحريك دواليب الدولة ونفخ الروح في مؤسساتها مع القدرة على بناء نظام سياسي يُشعر الناس بالفرق مع ما قبله.
- التوازن الواضح بين تكاليف إسقاط النظام والعائد من العملية. ففي تجربة أفغانستان، كان العائد والكلفة حاسمين في القرار الأميركي بالانسحاب وترك الإدارة للأفغان.
- التفويض الدولي الصريح المتناغم مع المتطلبات الإقليمية أساس في إنجاح تجارب إسقاط الأنظمة. ففقدان الشرعية الداخلية، إذا صاحبه فقدان شرعية دولية أو إقليمية، يُنتج تجربة أدعى للفشل.
هذه الشروط مستخلصة من التجربة الأميركية نفسها، ونضيف إليها استعداد الشعوب للقبول بالنموذج الأميركي تحت لافتة الاحتلال. فقد كان لهذا القبول أثره في إنجاح التجربة في اليابان وألمانيا وبنما وكوسوفا، خلافًا لمواقف الشعوب في أفغانستان والعراق وليبيا، التي رفضت الاحتلال الأميركي بقطع النظر عن اللافتة التي جاء تحتها. يضاف إلى ذلك، أن الاحتلال لم يستطع تأسيس بديل مقبول شعبيًّا؛ ما جعل تجربته تدخل في فشل كانت أفغانستان نموذجه المجسد.
خاتمة
تتعدد التجارب الأميركية في إسقاط الأنظمة، ولا تتوقف عند نموذج واحد. وتختلف أشكالها ومساراتها بحسب السياق والمصلحة والقدرة الفعلية على إدارة أوضاع ما بعد التدخل. والملاحظ أن إسقاط الأنظمة بالغزو المباشر بدأ يتغير بطريقة أخرى تبدو أجدى مرحليًّا ولو في حالات محددة.
وبمحاولة استخلاص أهم العوامل الاستدراكية في السلوك الأميركي المتعلق بإسقاط الأنظمة، نجد أن إعادة تركيب السلطة، كما يجري بشكل صريح في فنزويلا، وضمن تحالف إقليمي، كما يجري في سوريا، يراد منه تعديل السلوك السياسي والتحكم في توجيه الأنظمة، بإدخالها في منظومة تحالفات وتفاهمات تحقق المصالح الأميركية وتتجنب الفشل، كما حدث في العراق وأفغانستان وليبيا(15).
من دون إدراك هذا التحول المصلحي الظرفي في العقلية الأميركية، لن نستطيع استيعاب وفهم ما انتهت إليه السياسة الأميركية في أفغانستان وسوريا. ولن نفهم لماذا فشلت في إيران وكوبا وكوريا الشمالية. إنها بوضوح لحظة تدرك فيها أميركا أن إدارة الأنظمة والتحكم في إعادة توجيهها أنجع وأقل كلفة على جميع المستويات من غزوها وإسقاطها بالطريقة التقليدية.
(1) غليون، برهان، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1994، ص. 117–146.
(2) راجع:
Barry R. Posen, Restraint: A New Foundation for U.S. Grand Strategy, Cornell University Press, 2014, pp. 57–92.
(3) هذا مصطلح من مصطلحات السياسة الخارجية الأميركية في بداية القرن الحادي والعشرين، صاغه الكاتب الأميركي، ديفيد فروم، واستخدمه الرئيس الأسبق، جورج دبليو بوش، في خطاباته للإشارة إلى العراق وإيران وكوريا الشمالية. ولا يخفى أن الهدف منه التعبئة في سياق الحرب الأميركية على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001. لاحقًا، جرى توسيع المحور في الدعاية الأميركية تحت مسمى "محمور الشر الجديد" ليضم روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية.
(4) راجع: حسام الدين، درويش، الحصار الأميركي على كوبا: السياسة والنتائج، مجلة المستقبل العربي، عدد 356، 2009، ص. 88–103. راجع أيضًا: عبد الجبار، فالح، الدولة والمجتمع المدني في العراق، مركز دراسات الوحدة العربية، 2009، ص. 41–73.
(5) راجع: بشارة، عزمي، الطائفية، السياسة، الدولة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018، ص. 301–318.
(6) راجع على سبيل المثال: شحاتة، أمين، آثار الحصار على العراق، الجزيرة نت، 3 أكتوبر/تشرين الأول 2004 (تاريخ الدخول: 3 فبراير/شباط 2006)،
(7) راجع: عربي بوست، كوبا في الظلام.. ترامب يخنق هافانا اقتصاديًّا لإعادة هندسة السلطة في البلاد عبر حصار نفطي، 29 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 3 فبراير/شباط 2006)،
(8) راجع: الجزيرة نت، قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين.. من التشريع إلى الإلغاء، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 (تاريخ الدخول: 3 فبراير/شباط 2006)،
(9) راجع:
Balanche, Fabrice, Sectarianism in Syria’s Civil War: A Geopolitical Study, Washington Institute for Near East Policy, 2018, pp. 133–159.
(10) راجع:
Ellner, Steve, Rethinking Venezuelan Politics: Class, Conflict, and the Chavez Phenomenon, Lynne Rienner, 2008, pp. 187–205.
(11) راجع:
Parsi, Trita, Losing an Enemy: Obama, Iran, and the Triumph of Diplomacy, Yale University Press, 2017, pp. 231–268.
(12) راجع:
Haass, Richard, The Trouble with Regime Change: What History Teaches About When and How to Pursue It, Foreign Affairs, 14 January 2026.
(13) راجع:
Rashid, Ahmed, Descent into Chaos: The U.S. and the Disaster in Pakistan, Afghanistan, and Central Asia, Penguin Publishing, 2009, pp. 241–276.
(14) راجع:
Dower, John W., Embracing Defeat: Japan in the Wake of World War II, Norton, 1999, pp. 23–54.
(15) راجع:
Walt, Stephen M., The Case Against Regime Change, Foreign Affairs, Vol. 97, No. 2, 2018, pp. 86–98.