انعقد منتدى الجزيرة السابع عشر في الدوحة خلال الفترة من 7 إلى 9 فبراير/شباط 2026، بمشاركة واسعة من صُنَّاع القرار والباحثين والخبراء والإعلاميين، لمناقشة القضية الفلسطينية في سياق تحولات إقليمية ودولية متسارعة. وجاءت أعمال المنتدى في ظل تفاعلات سياسية وأمنية متشابكة أعادت ترتيب أولويات المنطقة، وفتحت نقاشًا موسعًا حول مستقبل التوازنات الإقليمية وموقع الشرق الأوسط في نظام دولي يشهد تغيرًا في بنيته وأنماط تفاعله.
في كلمته الافتتاحية، أكد رئيس مجلس إدارة شبكة الجزيرة الإعلامية، الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني، أن المنتدى ينعقد في توقيت بالغ الحساسية تتسارع فيه التحولات الإقليمية والدولية، وأن عنوانه يعكس واقعًا جديدًا تتقاطع فيه القوة مع القانون ضمن مسارات دولية متغيرة. وأوضح أن قيمة المنتدى تكمن في طبيعة النقاشات التي تتناول القضايا الكبرى برؤية متوازنة وشجاعة فكرية وأخلاقية.
وتطرق إلى التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال الحرب على غزة، معتبرًا أنها وضعتها على مفترق طرق حاسم، في ظل مساعي إعادة احتلال القطاع وتهجير سكانه وضم ما تبقى من الضفة الغربية. وأشار إلى أن الحرب أعادت القضية إلى صدارة الاهتمام العالمي، وأثارت موجة تضامن واسعة جعلت الاعتراف بالدولة الفلسطينية مطلبًا متناميًا. كما أكد أن استضافة المنتدى تمثل امتدادًا لرسالة الجزيرة في ضمان حق المعرفة وفتح النقاش المسؤول، مستحضرًا تضحيات مراسليها الذين استشهدوا أثناء نقل الحقيقة، ومشددًا على استمرار الشبكة في أداء رسالتها المهنية رغم التحديات.
أكد المدير العام لشبكة الجزيرة، الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني، في كلمته التي ألقاها نيابة عنه مدير مركز الجزيرة للدراسات، محمد المختار الخليل، أن المنتدى يمثل امتدادًا لمسار رسَّخت خلاله الشبكة، على مدى أكثر من ثلاثة عقود، موقعها منصةً للحوار وملتقى لصنَّاع السياسة والإعلام. وأوضح أن الجزيرة قامت على مبدأ "الرأي والرأي الآخر"، وقدَّرت التعددية واحتفت بالثقافات الإنسانية، وجعلت من سياساتها التحريرية إطارًا يكرِّس كرامة الإنسان ويعترف بتنوع الرؤى. وبيَّن أن المنتدى، في دورته السابعة عشرة، يواصل تقليدًا انطلق قبل أزيد من عقدين، ليجمع الباحثين وصنَّاع القرار في فضاء تواصلي يمتد من الشاشات إلى المنصات الرقمية تحت الشعار الجامع للشبكة.
وتوقف عند طبيعة اللحظة الدولية الراهنة، واصفًا إياها بمرحلة يطغى عليها اضطراب العالم وتغوُّل القوة واهتزاز القواعد الناظمة للعلاقات الدولية. ودعا إلى إعلاء الحقيقة وتعزيز القيم الإنسانية لتفادي مزيد من الحروب والانهيارات، مؤكدًا أن الإنسانية قادرة على تجاوز المحن كما فعلت في محطات سابقة، إذا تمسكت بالعدل ورفضت منطق القوة بغير حق. وختم بالتشديد على أن شبكة الجزيرة ستواصل أداء رسالتها بمهنية راسخة ووعي رصين، وأنها ستبقى منصةً جامعة للحوار وتعدد الرؤى في عالم يشهد تحولات عميقة.
من جانبه، حذَّر الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، من أن العالم يقف أمام منعطف يهدد النظام الدولي القائم على القواعد، مع عودة منطق القوة وتراجع احترام القانون الدولي. وربط بين ما يجري في غزة ومخاطر تفكك النظام العالمي، معتبرًا أن غياب حل عادل للقضية الفلسطينية يقوِّض الأمن والسلم الدوليين. كما أشار إلى تداعيات التحركات الإقليمية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، مؤكدًا ضرورة حماية سيادة الدول واستقرار الممرات الحيوية.
وأكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن فلسطين باتت معيارًا أخلاقيًّا للنظام الدولي في ظل تآكل مرجعية القانون الدولي وتصاعد منطق القوة. واعتبر أن الإفلات من العقاب وتطبيع العنف يهددان أسس العدالة العالمية، داعيًا إلى إستراتيجية منسقة تقوم على تفعيل الآليات القانونية الدولية، وفرض قيود على التعاون العسكري، وفتح أفق سياسي قائم على إنهاء الاحتلال.
وفي السياق نفسه، شدَّد رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، برهان الدين دوران، على أن التحول الجاري يتجاوز موازين القوى التقليدية ليستهدف طبيعة الصراع ذاته؛ حيث اندمجت حرب المعلومات في منطق المواجهة. وأكد أن مرحلة ما بعد الحرب أصبحت إستراتيجية بقدر الحرب نفسها، وأن غزة وسوريا تقدمان نموذجًا لحروب لا تنتهي بوقف إطلاق النار بل بإعادة بناء منظومات الحكم وأطر الإعمار والمسارات السياسية.
وأكد نائب وزير الخارجية اليمني، مصطفى نعمان، أن المنطقة تواجه تحديات مركبة تفرض استعادة منطق الدولة ومؤسساتها، محذرًا من مخاطر الجماعات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة. وشدَّد على أن استقرار اليمن يرتبط باستعادة الأمن، وتوحيد التشكيلات العسكرية ضمن عقيدة وطنية منضبطة، وضمان انتظام الخدمات والمرتبات، معتبرًا أن تسليم السلاح والالتزام بالعملية السياسية يمثلان شرطًا لأية تسوية مستدامة.
أما رئيس حركة حماس في الخارج، خالد مشعل، فاعتبر أن الفلسطينيين يقفون أمام لحظة تاريخية معقدة، وأن وقف الحرب لا يعني انتهاء الصراع. وأكد أن المقاومة ترتبط بوجود الاحتلال، معلنًا انفتاح الحركة على مقاربات قائمة على الضمانات السياسية والأمنية. ورأى أن إفشال مشاريع التهجير يمثل إنجازًا مركزيًّا في هذه المرحلة، داعيًا إلى استثمار التحولات الدولية لإعادة تأكيد جوهر القضية بوصفها قضية احتلال وحق تقرير مصير.
بدوره، رأى نائب رئيس مركز دراسات الصين والعولمة، فيكتور غاو، أن النظام الدولي يشهد نقطة تحول تاريخية، وأن عام 2026 قد يسجِّل بداية نهاية مرحلة الهيمنة الأحادية. وأشار إلى محدودية محاولات فك الارتباط الاقتصادي مع الصين في ضوء ثقلها الصناعي والاقتصادي، مؤكدًا التزام بلاده بمرجعية الأمم المتحدة والقانون الدولي، في مقابل تصاعد اللجوء إلى العقوبات الأحادية خارج الأطر القانونية.
بعد هذه الكلمات، انتقلت أعمال المنتدى إلى الجلسات المتخصصة التي عالجت محاور مترابطة تتصل بالقضية الفلسطينية، وتحولات الإقليم، وإعادة تشكيل النظام الدولي.
تركَّز جانب أساسي من النقاش على المسارات السياسية والقانونية للقضية الفلسطينية بعد الحرب؛ حيث جرى تناول واقع غزة بوصفه ساحة تقاطع بين مشروع المقاومة وخطط الاحتلال وأطروحات التدويل، مع الإشارة إلى استمرار التحديات المرتبطة بالتهجير وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية. كما جرى تفكيك المبادرات السياسية المطروحة، ومن بينها خطة ترامب للسلام، من زاوية اتساقها مع القانون الدولي وحق تقرير المصير، في ظل استمرار الاحتلال وتصاعد الاستيطان والانقسام الفلسطيني. وتناولت النقاشات كذلك إشكالية المساءلة وسيادة القانون، مع التركيز على الفجوة بين وضوح الوقائع وحدود التنفيذ، وأهمية التلازم بين الأدوات القانونية والإرادة السياسية من أجل ترسيخ مبدأ المحاسبة.
كما ناقشت الجلسات التحولات الإقليمية وإعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط في ضوء الحرب على غزة، مع الإشارة إلى أن تراجع التأثير العربي يرتبط بأزمات داخلية ممتدة وهشاشة اقتصادية وأمنية؛ ما يستدعي إعادة بناء المؤسسات الوطنية وتطوير صيغ تنسيق أكثر فاعلية. وخلصت المداولات إلى أن الإقليم يعيش مرحلة إعادة تموضع إستراتيجي تتقاطع فيها الحسابات الأمنية مع التحولات الدولية الأوسع.
وفي سياق أوسع، تناولت الجلسات ملامح التحول في النظام الدولي، في ظل تصاعد التعددية القطبية وتغير أنماط التنافس، مع التأكيد على أن الشرق الأوسط بات فاعلًا في إعادة تشكيل التوازنات.
كما جرى بحث أثر الثورة الرقمية في إعادة توزيع القوة، من خلال مناقشة دور التقنيات الحديثة في تعديل معادلات الردع والهيمنة، وصعود الفضاء السيبراني بوصفه مجالًا مركزيًّا في الصراعات المعاصرة.
خصص المنتدى كذلك حيزًا لدراسة معركة السرديات وصناعة التأثير في البيئة الرقمية؛ حيث نوقش بروز المؤثرين وصُنَّاع المحتوى فاعلين في تشكيل الرأي العام، وما يرتبط بذلك من تحديات مهنية وأخلاقية تتصل بالتحقق وبناء الثقة. وتم تحليل أثر المنصات الرقمية وخوارزمياتها في تشكيل المجال العام، والتأكيد على أهمية تحويل "التعاطف الرقمي" إلى أثر سياسي وإنساني ملموس.
وفي الإطار الثقافي والحقوقي، عُرض فيلم "مادلين" الذي تناول توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إعادة بناء مشاهد غابت عنها التغطية الميدانية، مع نقاش حدود هذا النمط من التوثيق. كما قُدِّم فيلم "الطبيب الأخير" بوصفه شهادة إنسانية على واقع الطواقم الطبية في ظل انهيار المنظومة الصحية، مع بحث دلالات استهداف القطاع الصحي وأبعاد التوثيق السينمائي في حفظ الذاكرة وتعزيز مسارات المساءلة.
وفي كلمته الختامية، أكد مدير مركز الجزيرة للدراسات، محمد المختار الخليل، أن المنتدى يواصل تقليدًا راسخًا في فتح منصة للحوار تجمع الباحثين وصنَّاع القرار، في إطار يعترف بتعدد الرؤى ويحتفي بالاختلاف. ووصف اللحظة الدولية الراهنة بأنها مرحلة تتسم بتغوُّل القوة وتراجع القواعد الناظمة للعلاقات الدولية، داعيًا إلى استثمار الفكر والحوار لتفادي مزيد من الحروب والانهيارات. وأعرب عن ثقته في قدرة الإنسانية على تجاوز أزماتها شريطة إعلاء الحقيقة والعدل وصون القيم الإنسانية، مؤكدًا استمرار الشبكة في أداء رسالتها المهنية، وتجديد التزامها بأن تظل منصة جامعة للحوار وتعدد الرؤى.